من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الثالث في سرد بعض ما كان للدين بالأندلس من العز السامي العماد، والقهر للعدوّ
في الرواح والغدوّ والتحرّك والهدوّ والارتياح البالغ غاية الآماد، وإعمال
أهلها للجهاد، بالجدّ والاجتهاد، في الجبال والوهاد، بالأسنة المشرعة
والسيوف المستلّة من الأغماد
أقول: قدّمنا في الباب قبل هذا ما كان من نصر المسلمين، وفتحهم الأندلس، وما حصل لهم من سلطان بها إلى مجيء الداخل، فتقررت القواعد السلطانية، وعلت الكلمة الإيمانية، كما نسرده هنا إن شاء الله تعالى.
وذكر غير واحد - منهم ابن حزم - أن دولة بني أمية بالأندلس كانت أنبل دول الإسلام، وأنكاها في العدوّ، وقد بلغت من العز والنصر ما لا مزيد عليه، كما سترى بعضه.
[عبد الرحمن الداخل]
وأصل هذه الدولة - كما قال ابن خلدون وغير واحد - أن بني أمية لمّا نزل بهم بالمشرق ما نزل، وغلبهم بنو العباس على الخلافة، وأزالوهم عن كرسيّها، وقتل عبد الله بن عليّ مروان بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلفائهم سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وتتبّع بني مروان بالقتل، فطلبوا بطن الأرض
من بعد ظهرها، وكان ممّن أفلت منهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، وكان قومه يتحيّنون له ملكاً بالمغرب، ويرون فيه علامات لذلك يأثرونها عن ملمة بن عبد الملك، وكان هو قد سمعها منه مشافهة، فكان يحدّث نفسه بذلك، فخلص إلى المغرب، ونزل على أخواله نفزة من برابرة طرابلس، وشعر عبد الرحمن بن حبيب، وكان قد قتل ابني الوليد بن يزيد بن عبد الملك لمّا دخلا إفريقية، فلحق بمغيلة، وقيل: بمكناسة، وقيل: بقوم من زناتة، فأحسنوا قبوله، واطمأن فيهم، ثم لحق بمليلة، وبعث بدراً مولاه إلى من بالأندلس من موالي المروانيين وأشياعهم، فاجتمع بهم وبثّوا له في الأندلس دعوة، ونشروا له ذكراً، ووافق قدومه ما كان من الإحن بين اليمنية والمضريّة فأصفقت اليمنية على أمره لكون الأمر كان ليوسف بن عبد الرحمن الفهري وصاحبه الصّميل، ورجع بدر مولاه إليه بالخبر، فأجاز البحر سنة ثمان وثلاثين ومائة في خلافة أبي جعفر المنصور، ونزل بساحل المنكّب، وأتاه قوم من أهل إشبيلية فبايعوه، ثم انتقل إلى كورة ريّة فبايعه عاملها عيسى بن الصباح، ونهد إلى قرطبة فاجتمعت إليه اليمنية، ونمي خبره إلى والي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وكان غازياً بجلّيقية، فانفضّ عسكره، ورجع إلى قرطبة، وأشار عليه وزيره الصّميل بن حاتم بالتلطّف له، والمكر به، لكونه صغير السن، حديث عهدٍ بنعمة، فلم يتم ما أراده، وارتحل عبد الرحمن من المنكّب، فاحتلّ بمالقة فبايعه جندها، ثم برندة، ثم بشريش كذلك، ثم بإشبيلية، فتوافت إليه جنود الأمصار، وتسايلت المضرية إليه، حتى إذا لم يبق مع يوسف بن عبد الرحمن غير الفهرية والقيسية
لمكان الصّميل منه زحف حينئذ عبد الرحمن الداخل، وناجزهم الحرب بظاهر قرطبة، فانكشف يوسف، ونجا إلى غرناطة فتحصّن بها، واتبعه الأمير عبد الرحمن فنازله، ثم رغب إليه يوسف في الصلح، فعقد له على أن يسكن قرطبة ثم أقفله معه، ثمّ نقض يوسف عهده، وخرج سنة إحدى وأربعين ومائة، ولحق بطليطلة، واجتمع إليه زهاء عشرين ألفاً من البربر، وقدّم الأمير عبد الرحمن للقائه عبد الملك بن عمر المرواني، وكان وفد عليه من المشرق، وكان أبوه عمر بن مروان بن الحكم في كفالة أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر، فلمّا دخلت السوّدة أرض مصر خرج عبد الملك يؤمّ الأندلس في عشرة رجال من قومه مشهورين بالبأس والنجدة، حتى نزل على عبد الرحمن سنة أربعين، فعقد له على إشبيلية، ولابنه عمر بن عبد الملك على مورور، وسار يوسف إليهما، وخرجا إليه ولقياه، وتناجز الفريقان، فكانت الدائرة على يوسف، وأبعد المفرّ، واغتاله بعض أصحابه بناحية طليطلة، واحتزّ رأسه، وتقدم به إلى الأمير عبد الرحمن، فاستقام أمره، واستقر بقرطبة، وثبت قدمه في الملك، وبنى المسجد الجامع والقصر بقرطبة، وأنفق فيه ثمانين ألف دينار، ومات قبل تمامه، وبنى مساجد، ووفد عليه جماعة من أهل بيته من المشرق وكان يدعو للمنصور، ثم قطع دعوته، ومهّد الدولة بالأندلس، وأثّل بها الملك العظيم لبني مروان والسلطان العزيز، وجدّد ما طمس لهم بالمشرق من معالم الخلافة وآثارها، واستلحم الثّوّار عليه على كثرتهم في النّواحي، وقطع دعوة آل العباس من منابر الأندلس، وسدّ المذاهب منهم دونها، وهلك سنة ثنتين وسبعين ومائة، وكان يعرف بعبد الرحمن الداخل، لأنه أول داخل من ملوك بني مروان إلى الأندلس، وكان أبو جعفر المنصور يسميه " صقر قريش "
لمّا رأى أنّه فعل بالأندلس ما فعل، وما ركب إليها من الأخطار، وأنّه نهد إليها من أنأى ديار المشرق من غير عصابة ولا أنصار، فغلب أهلها على أمرهم، وتناول الملك من أيديهم بقوّة شكيمة، ومضاء عزم حتى انقاد له الأمر، وجرى على اختياره، وأورثه عقبه، وكان يسمّى بالأمير، وعليه جرى بنوه من بعده، فلم يدع أحد منهم بأمير المؤمنين تأدّباً مع الخلافة بمقر الإسلام ومنتدى العرب، حتى كان من عقبه عبد الرحمن الناصر، وهو ثامن بني أمية بالأندلس، فتسمّى بأمير المؤمنين على ما سنذكره، لما رأى من ضعف خلفاء بني العباس بعد الثلاثمائة، وغلبة الأعاجم عليهم، وكونهم لم يتركوا لهم غير الاسم، وتوارث التلقيب بأمير المؤمنين بنوا عبد الرحمن الناصر واحداً بعد واحد.
قال ابن خلدون: وكان لبني عبد الرحمن الداخل بالعدوة الأندلسية ملكضخم ودولة متسعة اتصلت إلى ما بعد المائة الرابعة، وعندما شغل المسلمون بعبد الرحمن وتمهيد أمره قوي أمر الجلالقة، واستفحل سلطانهم، وعمد فرويلة بن أذفونش ملكهم إلى ثغور البلاد فأخرج المسلمين منها، وملكها من أيديهم، فملك مدينة لكّ وبرتقال وسمّورة وشلمنقة قشتالة وشقوبية، وصارت للجلالقة حتى افتتحها المنصور بن أبي عامر آخر الدولة، ثم استعادوها بعده فيما استعادوه من بلاد الأندلس، واستولوا على جميعها حسبما يذكر، ولله سبحانه الأمر؛ انتهى.
وخاطب عبد الرحمن قارله ملك الإفرنج، وكان من طغاة الإفرنج، بعد أن تمرّس به مدة، فأصابه صلب المكسر، تامّ الرجولية، فمال معه إلى
المداراة، ودعاه إلى المصاهرة والسلم، فأجابه للسلم، ولم تتم المصاهرة.
وقال ابن حيّان: ألفى الداخل الأندلس ثغراً قاصياً غفلاً من حلية الملك عاطلاً، فأرهف أهلها بالطاعة السلطانية، وحنّكهم بالسيرة الملوكية، وأخذهم بالآداب فأكسبهم عمّا قليلٍ المروءة، وأقامهم على الطريقة، وبدأ فدوّن الدواوين، ورفع الأواوين، وفرط الأعطية، وعقد الألوية، وجنّد الأجناد، ورفع العاد، وأوثق الأوتاد، فأقام للملك آلته، وأخذ للسلطان عدّته، فاعترف له بذلك أكابر الملوك وحذروا جانبه، وتحاموا حوزته، ولم يلبث أن دانت له بلاد الأندلس، واستقلّ له الأمر فيها. فلذلك ما ظلّ عدوّه أبو جعفر المنصور - بصدق حسّه، وبعد غوره، وسعة إحاطته - يسترجح عبد الرحمن كثيراً، ويعد له بنفسه، ويكثر ذكره، ويقول: لا تعجبوا لامتداد أمرنا مع طول مراسه وقوة أسبابه، فالشأن في أمر فتى قريش الأحوذيّ الفذ في جميع شؤونه، وعدمه لأهله ونشبه، وتسلّيه عن جميع ذلك ببعد مرقى همّته، ومضاء عزيمته، حتى قذف نفسه في لجج المهالك لا بتناء مجده، فاقتحم جزيرةً شاسعة المحل، نائية المطمع، عصبية الجند، ضرب بين جندها بخصوصيته، وقمع بعضهم ببعض بقوة حيلته، واستمال قلوب رعيتها بقضية سياسته، حتى انقاد له عصيّهم، وذلّه أبيّهم، فاستولى فيها على أريكته، ملكاً على قطعته، قاهراً لأعدائه، حامياً لذماره، مانعاً لحوزته، خالطاً الرغبة إليه بالرهبة منه، إن ذلك لهو الفتى كلّ الفتى لا يكذب مادحه. وجعل ابن حيّان من النوادر العجيبة موافقة عبد الرحمن هذا لأبي جعفر المنصور في الرجولية والاستيلاء والصّرامة، والاجتراء
على الكبائر والقساوة، وأنّ أم كل واحد منهما بربرية.
وكان الداخل يقعد للعامة، ويسمع منهم، وينظر بنفسه فيما بينهم، ويتوصل إليه من أراده من الناس، فيصل الضعيف منهم إلى رفع ظلامته إليه دون مشقة، وكان من عادته أن يأكل معه من أصحابه من أدرك وقت طعامه، ومن وافق ذلك من طلاب الحوائج أكل معه.
وفي كتاب ابن زيدون أنّه كان أصهب، خفيف العارضين، بوجهه خالٌ، طويل القامة، نحيف الجسم، له ضفيرتان، أعور أخشم؛ والأخشم: الذي لا يشم، وكان يلقب بصقر قريش لكونه تغرّب وقطع البر والبحر، وأقام ملكاً قد أدبر وحده.
ولمّا ذكر الحجاري أنّه أعور قال: ما أنشد فيه إلاّ قول امرئ القيس:
لكن عوير وفى بذمّته ... لا عورٌ شانه ولا قصر وقال ابن خلدون: وفي " سنة ست وأربعين سار العلاء بن مغيث اليحصبي من إفريقية إلى الأندلس، ونزل بباجة الأندلس داعياً لأبي جعفر المنصور، واجتمع إليه خلق، فسار عبد الرحمن إليه ولقيه بنواحي إشبيلية، فقاتله أيّاماً، ثمّ انهزم العلاء، وقتل في سبعة آلاف من أصحابه، وبعث عبد الرحمن برؤوس كثير منهم إلى القيروان ومكّة، فألقيت في أسواقها سرّاً، ومعها اللواء الأسود، وكتاب المنصور للعلاء "، فارتاع المنصور لذلك وقال: ما هذا إلا شيطان، والحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر، أو كلاماً هذا معناه، وقد مرّ ذكر ذلك.
وكثرت ثورة رؤساء العرب بالأندلس على عبد الرحمن الداخل، ونافسوه ملكه، ولقي منهم خطوباً عظيمة، وكانت العاقبة له، واستراب في آخر أمره بالعرب، لكثرة من قام عليه منهم، فرجع إلى اصطناع القبائل من سواهم، واتخاذ الموالي، ثم غزا بلاد الإفرنج والبشكنس ومن وراءهم، ورجع بالظّفر، وكان في نسته أن يجدّد دولة بني مروان بالمشرق، فمات دون ذلك الأمل، وكانت مدة ملكه ثلاثاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر، إذ دخل الأندلس سنة ثمان وثلاثين ومائة، ومات سنة اثنتين وسبعين، وقيل: إحدى وسبعين ومائة، في خلافة الرشيد، وأمّه أم ولد بربرية اسمها راح، ومولده سنة ثلاث عشرة ومائة، بدير حنا من أرض دمشق، وقيل: بالعلياء من تدمر، ومات أبوه في أيام أبيه هشام سنة ثماني عشرة عن إحدى وعشرين سنة، وكفله وإخوته جدّهم هشام، ووهب لعبد الرحمن هذا جميع الأخماس التي اجتمعت للخلفاء بالأندلس، وأقطعه إيّاها، ووجّه لحيازتها من الشام سعيد بن أبي ليلى، وقيل: إنّه لما قصد المغرب من فلسطين خرج معه أربعة: بدر مولى أبيه، وأبو شجاع، وزياد، وعمرو، وقيل: إن بدراً لحقه ولم يخرج معه، فالله أعلم، وخلف من الولد عشرين، ومنهم أحد عشر رجلاً وتسع إناث.
وحكى غير واحد أنّه لما هرب من الشام إلى إفريقية قاصداً الأندلس نزل بمغيلة، فصار بها عند شيخ من رؤساء البربر يدعى وانسوس، ويكنى أبا قرّة، فاستتر عنده وقتاً، ولحق به بدر مولى أبيه بجوهرٍ وذهبٍ أنفذته أخته إليه، فلمّا دخل الأندلس واستتبّ أمره به سار إليه أبو قرة وانسوس البربري، فأحسن إليه وحظي عنده وأكرم زوجته تكفات البربرية التي خبأته تحت ثيابها عندما فتشت رسل ابن حبيب بيتها عنه، فقال لها عبد الرحمن مداعباً حين استظلت بظلّه في الأندلس: لقد عذبتني بريح إبطيك يا تكفات على ما كان بي من الخوف، وسعطتني بأنتن من ريح الجيف، فكان جوابها له مسرعة: بل ذلك
كان والله يا سيدي منك خرج ولم تشعر به من فرط فزعك، فاستظرف جوابها، وأغضى عن مواجهتها بمثل ذلك، وهذا من آفات المزاح.
ومن محاسنه أنّه أدار السور بقرطبة، رحمه الله تعالى.
[هشام بن عبد الرحمن]
وتولى الملك بعده ابنه هشام بعهد منه إليه، وأمّه أم ولد اسمها حلل، وأفضى إليه الملك وهو بماردة والٍ عليها، وكان أبوه يوليه في صباه ويرشحه للأمر، وكان الداخل كثيراً ما يسأل عن ابنيه سليمان وهشام، فيذكر له أن هشاماً إذا حضر مجلساً امتلأ أدباً وتاريخاً وذكراً لأمور الحرب ومواقف الأبطال، وما أشبه ذلك، وإذا حضر سليمان مجلساً امتلأ سخفاً وهذياناً، فيكبر هشام في عينه بمقدار ما يصغر سليمان، وقال يوماً لهشام: لمن هذا الشعر:
وتعرف فيه من أبيه شمائلاًومن خاله أو من يزيد ومن حجر
سماحة ذا، وبرّ ذا، ووفاء ذا، ... ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر فقال له: يا سيدي لامرئ القيس ملك كندة، وكأنّه قاله في الأمير أعزّه الله؛ فضمّه إليه استحساناً بما سمع منه، وأمر له بإحسان كثير، وزاد في عينه. ثم قال لسليمان على انفراد: لمن هذا الشعر؟ وأنشده البيتين، فقال: لعلهما لأحد أجلاف العرب، أما لي شغل غير حفظ أقوال بعض الأعراب ؟ فأطرق عبد الرحمن، وعلم قدر ما بين الاثنين من المزية.
ولمّا ولي هشام أشخص المنجم المعروف بالضبي من وطنه الجزيرة الخضراء
إلى قرطبة، وكان في علم النجوم والمعرفة بالحركات العلوية بطليموس زمانه حذقاً وإصابة، فلمّا أتاه خلا به وقال له: يا ضبي، لست أشك أنّه قد عناك من أمرنا إذ بلغك ما لم يدّع تجديد النظر فيه، فأنشدك الله إلا ما نبأتنا بم اظهر لك فيه، فلجلج وقال: أعفني أيها الأمير، فإنّي ألممت به، ولم أحقّق النظر فيه لجلالته في نفسي، فقلا له: قد أجّلتك لذلك، فتفرّغ للنظر فيما بقي عليك منه، ثمّ أحضره بعد أيّام، فقال: إن الذي سألتك عنه جدّ منّي، مع أنّي والله ما أثق بحقيقته، إذ كان من غيب الله الذي استأثر به، ولكنّي أحبّ أن أسمع ما عندك فيه، فالنفس طلعة، وألزمه الصّلة أو العقوبة، فقال: اعلم أيها الأمير أنّه سوف يستقر ملكك، سعيداً جدّك، قاهراً لمن عاداك، إلا أن مدّتك فيه فيما دل عليه النظر تكون ثمانية أعوام أو نحوها، فأطرق ساعة ثمّ رفع رأسه وقال: يا ضبي ما أخوفني أن يكون النذير كلّمني بلسانك، والله لو أن هذه المدّة كانت في سجدة لله تغالى لقلّت طاعةً له، ووصله وخلع عليه، وزهد في الدنيا، والتزم أفعال البرّ.
ومن حكاياته في الجود أنّه كان قاعداً لراحته في عليّة على النهر في حياة والده، فنظر إلى رجل من قدماء صنائعه من أهل جيّان قد أقبل يوضع السير في الهاجرة، فأنكر ذلك، وقدّر شرّاً وقع به من قبل أخيه سليمان، وكان والياً على جيّان، فأمر بإدخاله عليه، فقال له: مهيم يا كناني، فلأمر ما جئت، وما أحسبك إلا مزعجاً لشيء دهمك، فقال: نعم يا سيدي، قتل رجل من قومي رجلاً خطأ، فحملت الدية على العاقلة، فأخذ بها من كنانة عامة، وحمل
عليّ من بينهم خاصّة، وقصدني أخوك بالاعتداء إذ عرف مكاني منك، فمد هشام يده إلى جارية كانت وراء الستر، وقطع قلادة عقد نفيس كان في نحرها، وقال له: دونك هذا العقد يا كناني، وشراؤه عليّ ثلاثة آلاف دينار، فلا تخدعنّ عنه، وبعه، وأدّ عن نفسك وعن قومك، ولا تمكن الرجل من اهتضامك، فقال: يا سيدي، لم آتك مستجدياً ولا لضيق المال عمّا حملته، ولكنّي لما اعتمدت بظلم صراح أحببت أن يظهر عليّ عزّ نصرك، وأثر ذبّك وامتعاضك، فأتمجّد بذلك عند من يحسدني على الانتماء إليك، فقال هشام: فما وجه ذلك؟ فقال: أن تكتب إلى أخيك في الإمساك عنّي، والقيام بذّمتك لي، فقال: أمسك العقد، وركب من حينه إلى والده الداخل، واستأذن عليه في وقت أنكره، فانزعج، وقال: ما أتى بأبي الوليد في هذا الوقت إلاّ أمر مقلق، أئذنوا له، فلمّا دخل سلّم عليه، ومثل قائماً بين يديه، فقال له: اجلس يا هشام، فقال: أصلح الله الأمير سيدي، وكيف جلوسي بهمّ وذل مزعج، وحقّ لمن قام مقامي أن لا يجلس إلا مطمئنّاً، ولن يقعدني إلا طيب نفسي بإسعاف الأمير لحاجتي، وإلا رجعت على عقبي، فقال له: حاش لك من انقلابك خائباً، فاقعد مجاباً مشفّعاً، فجلس، فقال له أبوه: فما الحدث المقلق؟ فأعلمه، فأم وحمل الدية عنه وعن عشيرته من بيت المال، فسرّ هشام وأطنب في الشكر، وكتب الأمير إلى ولده سليمان في ترك التعرض لهذا الكناني.
ولما دخل الكناني لوداع هشام قال له: يا سيدي قد تجاوزت بك حدّ الأمنية، وبلغت غاية النصر، وقد أغنى الله عن العقد المبذول بين يدي العناية الكريمة، فتعيده إلى صاحبته، فأبى من ذلك، وقال: لا سبيل إلى رجوعه إلينا.
وكان هشام يذهب بسيرته مذهب عمر بن عبد العزيز، وكان يبعث بقوم
من ثقاته إلى الكور فيسألون الناس عن سير عمّاله، ويخبرونه بحقائقها، فإذا انتهى إليه حيف من أحدهم أوقع به وأسقطه وأنصف منه، ولم يستعمله بعد.
ولمّا وصفه زياد بن عبد الرحمن لمالك بن أنس قال: ليت أن الله تعالى زين موسمنا بمثل هذا.
وفي أيامه فتحت أربونة الشهيرة، واشترط على المعاهدين من أهل جليقية من صعاب شروطه انتقال عدد من أحمال التراب من سور أربونة المفتتحة يحملونها إلى باب قصره بقرطبة، وبنى منه المسجد الذي قدّام باب الجنان، وفضلت منه فضلة بقيت مكوّمة.
وقاسى مع المخالفين له من أهل بيته وغيرهم حروباً، ثم كانت الدائرة له.
وقصد إلى بلاد الحرب غازياً، وقصد ألبة والقلاع، فلقي العدوّ وظفر بهم، وفتح الله عليه سنة خمس وسبعين. وبعث العساكر إلى جليقية مع يوسف بن بخت فلقي ملكها برمند، وهزمه، وأثخن في العدوّ.
وفي سنة ست وسبعين بعث وزيره عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث لغزاة العدوّ، فبلغ ألبة والقلاع، فأثخن في نواحيها، ثمّ بعثه في العساكر سنة سبع وسبعين إلى أربونة وجرندة فأثخن فيها، ووطئ أرض برطانة، وتوغل
عبد الملك في بلاد الكفر وهزمهم، ثم بعث العساكر مع عبد الكريم بن عبد الواحد إلى ألبة والقلاع سنة ثمان وسبعين، ومع أخيه عبد الملك بن عبد الواحد إلى بلاد جليقية، فانتهى إلى استرقة، فجمع له ملك الجلالقة واستمد بملك البشكنس، ثم خام عن اللقاء، ورجع أدراجه، واتبعه عبد الملك، وكان هشام قد بعث الجيوش من ناحية أخرى، فالتقوا بعبد الملك، وأثخنوا في البلاد، واعترضتهم عساكر الفرنج فنالوا منهم بعض الشيء، ثم خرجوا سالمين ظافرين.
ومن محاسنه أنّه جدّد القنطرة التي يضرب بها المثل بقرطبة كما سبق، وكان بناها السّمح الخولاني عامل عمر بن عبد العزيز ﵁، فأحكم هشام بناءها إلى الغاية، وقال يوماً لأحد وزرائه: ما يقول أهل قرطبة؟ فقال: يقولون: ما بناها الأمير إلا ليمضي عليها إلى صيده وقنصه، فآلى هشام على نفسه أن لا يسلك عليها، فلم يمرّ عليها بعد، ووفى بما حلف عليه.
ومن محسنه أيضاً إكمال بناء الجامع بقرطبة، وكان أبوه شرع فيه؛ ومن محاسنه أنّه أخرج المصدّق لأخذ الزكاة على الكتاب والسنّة، ﵀.
ثمّ توفّي سنة ثمانين ومائة، لسبع سنين وتسعة أشهر من إمارته، وقيل: لثمان - وكان من أهل الخير والصلاح، كثير الغزو والجهاد - وعمره أربعون سنة وأربعة أشهر، وولد في شوال سنة.
[الحكم بن هشام]
وولي بعده ابنه الحكم بعهدٍ منه إليه، فاستكثر من المماليك، وارتبط
الخيل، واستفحل ملكه، وباشر الأمور بنفسه، وفي خلال فتنة كانت بينه وبين عميه اغتنم العدوّ الكافر الفرصة في بلاد المسلمين، وقصدوا برشلونة فملكوها سنة خمس وثمانين، وتأخرت عساكر المسلمين إلى ما دونها، وبعث الحكم العساكر مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الجلالقة، فأثخنوا فيها، وخالفهم العدو إلى المضايق، فرجع على التعبية، وظفر بهم، وخرج إلى بلاد الإسلام ظافراً.
وكانت له الواقعة الشهيرة مع أهل الرّبض من قرطبة لأنّه في صدر ولايته كان قد انهمك في لذّاته، فاجتمع أهل العلم والورع بقرطبة، مثل يحيى بن يحيى الليثي صاحب مالك وأحد رواة الموطّإ عنه وطالوت الفقيه وغيرهما، فثاروا به، وخلعوه، وبايعوا بعض قرابته، وكانوا بالرّبض الغربيّ من قرطبة، وكان محلّةً متصلةً بقصره، فقاتلهم الحكم فغلبهم وافترقوا وهدم دورهم ومساجدهم، ولحقوا بفاس من أرض العدوة، وبالإسكندرية من أرض المشرق، ونزل بها جمع منهم، ثم ثاروا بها، فزحف إليهم عبد الله بن طاهر صاحب مصر للمأمون بن الرشيد، وغلبهم، وأجازهم إلى جزيرة أقريطش، فلم يزالوا بها إلى أن ملكها الإفرنج من أيديهم بعد مدّة.
وكانت في أيّام الحكم حروب وفتن مع الثوّار المخالفين له من أهل طليطلة وغيرهم.
وفي سنة ثنتين وتسعين جمع لذريق بن قارله ملك الفرنج جموعه، وسار إلى حصار طرسونة، فبعث الحكم ابنه عبد الرحمن في العساكر، فهزمه، ففتح الله على المسلمين، وعاد ظافراً.
ولمّا كثر عيث الفرنج في الثغور بسبب اشتغال الحكم بالخارجين عليه سار بنفسه إلى الفرنج سنة ست وتسعين، فافتتح الغثور والحصون، وخرّب النواحي، وأثخن في القتل والسبي والنهب، وعاد إلى قرطبة ظافراً.
وفي سنة مائتين بعث العساكر مع ابن مغيث إلى بلاد الفرنج فخرب وهدم عدّة حصون، وأقبل عليه أليط ملك الجلالقة وفي جموع عظيمة، وتنازلوا على نهر، واقتتلوا عليه أيّاماً، ونال المسلمون منهم أعظم النّيل، وأقاموا كذلك ثلاث عشرة ليلة، ثم كثرت الأمطار، ومدّ النهر، وقفل المسلمون ظافرين ظاهرين.
وهو أوّل من جند الأجناد، واتخذ العدّة، وكان أفحل بني أميّة بالأندلس، وأشدّهم إقداماً ونجدة، وكان يشبّه بأبي جعفر المنصور من خلفاء بني العبّاس في شدّة الملك وتوطيد الدولة وقمع الأعداء، وكان يؤثر الفقيه زياد بن عبد الرحمن، وحضر يوماً عنده، وقد غضب فيه على خادم له لإيصاله
إليه كتاباً كره وصوله، فأمر بقطع يده، فقال له زياد: أصلح الله الأمير، فإن مالك بن أنس حدّثني في خبر رفعه أن " من كظم غيظاً يقدر على إنفاذه ملأه الله تعالى أمناً وإيماناً يوم القيامة "، فأمر أن يمسك عن الخادم، ويعفى عنه، فسكن غضبه، وقال: آلله إن مالكاً حدّثك بهذا؟ فقال زياد: ألله إن مالكاً حدثني بهذا.
وكانت المجاعة الشديدة سنة سبع وتسعين ومائة، فأكثر فيها مواساة أهل الحاجات، وفي ذلك يقول عباس بن ناصح الجزيري فيه:
نكد الزّمان فآمنت أيّامهمن أن يكون بعصره عسر
ظلع الزّمان بأزمة فجلا له ... تلك الكريهة جوده الغمر وكان نقش خاتمه " بالله يثق الحكم ويعتصم ".
وذكور ولده عشرون، وإناثهم عشرون، وأمّه جارية اسمها زخرف.
وكان أسمر، طوالاً، وأشمّ، نحيفاً.
ومدّة ملكه ست وعشرون سنة، سامحه الله.
وقال غير واحد: إنّه أول من جعل للملك بأرض الأندلس أبّهة، واستعدّ بالمماليك حتى بلغوا خمسة آلاف: منهم ثلاثة آلاف فارس، وألفا راجل.
ثمّ توفّي الحكم بن هشام آخر سنة ست ومائتين لسبع وعشرين سنة من ولايته، ومولده سنة.
وقال ابن خلدون وغير واحد: إنّه أوّل من جنّد بالأندلس الأجناد
والمرتزقة، وجمع الأسلحة والعدد، واستكثر من الخدم والحواشي والحشم، وارتبط الخيول على بابه، واتخذ المماليك، وكان يسميهم الخرس لعجمتهم، وحكى في عدّتهم ما تقدم، ثم قال: وكانت له عيون يطالعونه بأحوال الناس، وكان يباشر الأمور بنفسه، ويقرب الفقهاء والعلماء والصالحين، وهو الذي وطّأ الملك لعقبه بالأندلس، انتهى.
وكان له - فيما حكى غير واحد - ألفا فرس مرتبطة على شاطئ النهر بقبليّ قصره يجمعها داران. وهو القائل لما قتل أهل الرّبض وهدم ديارهم وحرثها:
رأبت صدوع الأرض بالسيف راقعاوقدماً لأمت الشّعب مذ كنت يافعا
فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرةٌأبادرها مستنضي السيف دارعا
تنبّيك أني لم أكن في قراعهمبوانٍ، وقدماً كنت بالسيف قارعا
وهل زدت أن وفّيتهم صاع قرضهمفوافوا منايا قدّرت ومصارعا
فهذي بلادي، إنّني قد تركتها ... مهاداً، ولم أترك عليها منازعا وقال ابن حزم في حقّه: إنّه كان من المجاهرين بالمعاصي، السافكين الدماء، ولذلك قام عليه الفقهاء والصلحاء. وقال غيره إنّه تنصّل أخيراً، وتاب، سامحه الله.
ومن نظمه قوله متغزلاً:
قضبٌ من البان ماست فوق كثبانولّين عنّي وقد أزمعن هجراني
ومنها:
من لي بمقتضبات الرّوح من بدني ... يغصبنني في الهوى عزّي وسلطاني وقيل: إنّه كان يمسك أولاد الناس ويخصيهم، ونقلت عنه أمور، ولعلّه تاب منها كما قدّمنا، والله أعلم بحقيقة أمره.
ومن بديع أخبار الحكم أن العباس الشاعر وتوجّه إلى الثّغر، فلمّا نزل بوادي الحجارة سمع امرأة تقول: واغوثاه بك يا حكم، لقد أهملتنا حتى كلب العدوّ علينا، فأيّمنا وأيتمنا، فسألها عن شأنها، فقالت: كنت مقبلة من البادية في رفقة، فخرجت علينا خيل عدو، فقتلت وأسرت، فصنع قصيدته التي أوّلها:
تململت في وادي الحجارة مسهراأراعي نجوماً ما يردن تغوّرا
إليك أبا العاصي نضيت مطيّتيتسير بهم سارياً ومهجّرا
تدارك نساء العالمين بنصرة ... فإنّك أحرى أن تغيث وتنصرا فلمّا دخل عليه أنشده القصيدة، ووصف له خوف الثغر واستصراخ المرأة باسمه، فأنف ونادى في الحين بالجهاد والاستعداد، فخرج بعد ثلاث إلى وادي الحجارة ومعه الشاعر، وسأل عن الخيل التي أغارت من أيّ أرض العدوّ كانت، فأعلم بذلك، فغزا بتلك الناحية وأثخن فيها، وفتح الحصون، وخرب الديار، وقتل عدداً كثيراً، وجاء إلى وادي الحجارة فأمر بإحضار المرأة وجميع من أسر له أحد في تلك البلاد، فأحضر، فأمر بضرب رقاب الأسرى بحضرتها، وقال للعباس: سلها: هل أغاثها الحكم؟ فقالت المرأة، وكانت نبيلة: والله لقد شفى الصدور، وأنكى العدوّ، وأغاث الملهوف، فأغاثه الله، وأعزّ نصره؛
فارتاح لقولها، وبدا السرور في وجهه وقال:
ألم تر يا عبّاس أنّي أجبتهاعلى البعد أقتاد الخميس المظفّرا
فأدركت أوطاراً وبرّدت غلّةً ... ونفّست مكروباً وأغنيت معسرا فقال عبّاس: نعم، جزاك الله خيراً عن المسلمين، وقبّل يده.
وممّا عيب به أنّه قتل الفقيه أبا زكريا يحيى بن مضر القيسي، وكان قدوة في الدين والورع، سمع من سفيان ومالك بن أنس، وروى عنه مالك وقال: حدّثنا يحيى بن مضر عن سفيان الثوري أن الطّلح المنضود هو الموز، وكان قتل المذكور مع جماعة من العلماء وغيرهم.
[عبد الرحمن بن الحكم]
وقام بأمره من بعده ابنه عبد الرحمن، بعهد منه إليه، ثم لأخيه المغيرة بعده، فغزا عبد الرحمن لأول ولايته إلى جليقية وأبعد، وأطال المغيب، وأثخن في أمم النصرانية هنالك، ورجع.
وقدم عليه سنة ست ومائتين زرياب المغني من العراق، وهو مولى المهدي ومتعلم إبراهيم الموصلي، واسمع علي بن نافع، فركب بنفسه لتلقّيه، على ما حكاه ابن خلدون، وبالغ في إكرامه، وأقام عنده بخير حال، وأورث صناعة الغناء بالأندلس وخلّف أولاداً فخلفه كبيرهم عبد الرحمن في صناعته وحظوته.
وفي سنة ثمان أغزى حاجبه عبد الكريم بن عبد الواحد إلى ألبة
والقلاع، فخرّب كثيراً من البلاد وانتسفها، وفتح كثيراً من حصونهم، وصالح بعضها على الجزية وإطلاق أسرى المسلمين، وانصرف ظافراً.
وفي سنة أربع وعشرين بعث قريبه عبيد الله بن البلنسي في العساكر لغزو ألبة والقلاع، فسار ولقي العدوّ فهزمهم وأكثر القتل والسبي، ثم خرج لذريق ملك الجلالقة، وأغار على مدينة سالم بالثغر، فسار إليه فرتون بن موسى، وقاتله، فهزمه وأكثر القتل والسبي في العدو والأسر، ثم سار إلى الحصن الذي بناه أهل ألبة بالثغر نكايةً للمسلمين، فافتتحه وهدمه، ثم سار عبد الرحمن في الجيوش إلى بلاد جليقية، فدوّخها وافتتح عدّة حصون منها، وجال في أرضهم، ورجع بعد طول المقام بالسبي والغنائم.
وفي سنة ست وعشرين بعث عبد الرحمن العساكر إلى أرض الفرنجة، وانتهوا إلى أرض بريطانية، وكان على مقدمة المسلمين موسى بن موسى عامل تطيلة، ولقيهم العدوّ، فصبر حتى هزم الله عدوّهم، وكان لموسى في هذه الغزاة مقام محمود.
وفي سنة تسع وعشرين بعث ابنه محمداً بالعساكر، وتقدم إلى بنبلونة، فأوقع بالمشركين عندها، وقتل غرسية صاحبها، وهو من أكبر ملوك النصارى.
وفي أيامه ظهر المجوس، ودخلوا إشبيلية، فأرسل إليهم عبد الرحمن العساكر مع القوّاد من قرطبة، فنزل المجوس من مراكبهم، وقاتلهم المسلمون،
فهزموهم بعد مقام صعب، ثم جاءت العساكر مدداً من قرطبة فقاتلهم المجوس، فهزمهم المسلمون وغنموا بعض مراكبهم وأحرقوها، ورحل المجوس إلى شذونة فأقاموا عليها يومين، وغنموا بعض الشيء، ووصلت مراكب عبد الرحمن إلى إشبيلية فأقلع المجوس إلى لبلة، وأغاروا وسبوا ثم إلى باجة ثم أشبونة، ثم انقطع خبرهم حين أقلعوا من أشبونة، وسكنت البلاد، وذلك سنة ثلاثين، وتقدّم عبد الرحمن بإصلاح ما خربوه من البلاد، وأكثف حاميتها.
وفي سنة إحدى وثلاثين بعث العساكر إلى جليقية فدوّخوها، وحاصروا مدينة ليون ورموها بالمجانيق، وهرب أهلها عنها وتركوها، فغنم المسلمون ما فيها وأحرقوها، وأرادوا هدم سورها فلم يقدروا عليه، لأن عرضه كان سبعة عشر ذراعاً، فثلموا فيه ثلمة ورجعوا.
ثم أغزى عبد الرحمن حاجبه عبد الكريم في العساكر إلى بلاد برشلونة، فعاث في نواحيها وأجاز الدروب التي تسمّى البرت إلى بلاد الفرنجة فدوّخها قتلاً وأسراً وسبياً، وحاصر مدينتها العظمى جرندة، وعاث في نواحيها، وقفل.
وقد كان ملك القسطنطينية من ورائهم توفلس بعث إلى الأمير عبد الرحمن سنة خمس وعشرين بهدية يطلب مواصلته ويرغّبه في ملك سلفه بالمشرق من أجل ما ضيق به المأمون والمعتصم حتى إنّه ذكرهما له في كتابه له وعبّر عنهما بابني مراجل وماردة، فكافأه الأمير عبد الرحمن عن الهدية، وبعث إليه يحيى الغزال من كبار أهل الدولة، وكان مشهوراً في الشعر والحكمة، فأحكم
بينهما الوصلة، وارتفع لعبد الرحمن ذكر عند منازعيه من بني العباس.
ويعرف الأمير عبد الرحمن بالأوسط، لأن الأول عبد الرحمن الداخل، والثالث عبد الرحمن الناصر.
ثم توفّي عبد الرحمن الأوسط سنة ثمان وثلاثين ومائتين، بربيع الآخر، لإحدى وثلاثين سنة من إمارته؛ ومولده بطليطلة في شعبان سنة ست وسبعين ومائة.
وكان عالماً بعلوم الشريعة والفلسفة، وكانت أيّامه أيّام هدوء وسكون، وكثرت الأموال عنده، واتخذ القصور والمتنزهات، وجلب إليها المياه من الجبال، وجعل لقصره مصنعاً اتخذه الناس شريعة، وأقام الجسور، وبنيت في أيّامه الجوامع بكور الأندلس، وزاد في جامع قرطبة رواقين، ومات قبل أن يستتمه، فأتمّه ابنه محمد بعده، وبنى بالأندلس جوامع كثيرة، ورتب رسوم المملكة، واحتجب عن العامّة.
وعدد ولده مائة وخمسون من الذكور، وخمسون من الإناث، ونقش خاتمه عابد الرحمن بقضاء الله راض وفي ذلك قيل:
خاتمٌ للملك أضحىحكمه في الناس ماضي
عابد الرحمن فيهبقضاء الله راضي
وهو أول من أحدث هذا النقش، وبقي وراثة لمن بعده من ولده.
قال ابن سعيد: وفي أيّامه انتهى مال الجباية إلى ألف ألف دينار في السنة، وكان قبل لا يزيد على ستمائة ألف، وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما يخالف هذا فليراجع، والله أعلم.
ومن توقيعاته: ومن لم يعرف وجه طلبه، فالحرمان أولى به.
ومن شعر عبد الرحمن المذكور قوله:
ولقد تعارض أوجهٌ لأوامرفيقودها التوفيق نحو صوابها
والشيخ إن يحو النّهى بتجارب ... فشباب رأي القوم عند شبابها وفي زيادته في جامع قرطبة يقول ابن المثنى رحمه الله تعالى:
بنيت لله خير بيتٍيخرس عن وصفه الأنام
حجّ إليه بكل أوبٍكأنّه المسجد الحرام
كأنّ محرابه إذا ماحفّ به الركن والمقام وقال آخر:
بنى مسجداً لله لم يك مثلهولا مثله لله في الأرض مسجد
سوى ما ابتنى الرحمن والمسجد الذيبناه نبيّ المسلمين محمّد
له عمد حمر وخضر كأنّماتلوح يواقيت بها وزبرجد
ألا يا أمين الله، لا زلت سالماًولا زلت في كلّ الأمور تسدّد
فيا ليتنا نفديك من كلّ حادثوأنّك للدّنيا وللدّين تخلد
وكان كثير الميل للنساء، وولع بجاريته طروب، وكلف بها كلفاً شديداً، وهي التي بنى عليها الباب ببدر المال حين تجنّت عليه. وأعطاها حلياً قيمته مائة ألف دينار. فقيل له: إن مثل هذا لا ينبغي أن يخرج من خزانة الملك، فقال: إن لابسه أنفس منه خطراً، وأرفع قدراً، وأكرم جوهراً، وأشرف عنصراً، وفيها يقول:
إذا ما بدت لي شمس النّهار طالعةً ذكّرتني طروبا
أنا ابن الميامين من غالبٍأشبّ حروباً وأطفي حروبا وخرج غازياً إلى جليقية فطالت غيبته فكتب إليها:
عداني عنك مزار العداوقودي إليهم سهاماً مصيبا
فكم قد تخطّيت من سبسبٍولاقيت بعد دروبٍ دروبا
ألاقي بوجهي سموم الهجيرإذ كاد منه الحصى أن يذوبا
تدارك بي الله دين الهدىفأحييته وأمتّ الصليبا
وسرت إلى الشّرك في جحفلٍ ... ملأت الحزون به والسّهوبا وساق بعض المؤرخين قصة طروب هذه بقوله: إن السلطان المذكور أغضبها فهجرته، وصدت عنه، وأبت أن تأتيه، ولزمت مقصورتها، فاشتد قلقه لهجرها، وضاق ذرعه من شوقها، وجهد أن يترضاها بكل وجه فأعياه ذلك، فأرسل من خصيانه من يكرهها على الوصول إليه، فأغلقت باب مجلسها في وجوههم، وآلت أن لا تخرج إليهم طائعة، ولو انتهى الأمر إلى القتل، فانصرفوا إليه وأعلموه بقولها، واستأذنوه في كسر الباب عليها، فنهاهم وأمرهم بسد الباب عليها من خارجه ببدر الدراهم، ففعلوا، وبنوا عليها بالبدر، وأقبل حتى وقف بالباب وكلّمها مسترضياً راغباً في المراجعة على أن لها جميع ما سد به الباب،
فأجابت وفتحت الباب، فانهالت البدر في بيتها فأكبّت على رجله تقبلها، وحازت المال، وكانت تبرم الأمور مع نصر الخصيّ فلا يردّ شيئاً ممّا تبرمه.
وأحبّ أخرى اسمها مدثرة فأعتقها وتزوجها، وأخرى كذلك اسمها الشفاء، وأمّا جاريته قل فكانت أديبة، حسنة الحظ، راوية للشعر، حافظة للأخبار، عالمة بضروب الأدب. وكان مولعاً بالسماع، مؤثراً له على جميع لذّاته، وله أخبار كثيرة، ﵀.
[محمد بن عبد الرحمن]
ولمّا مات وليّ ابنه محمدٌ، فبعث لأوّل وليته عساكر مع موسى بن موسى صاحب تطيلة، فعاث في نواحي ألبة والقلاع، وفتح بعض حصونها، ورجع، وبعث عساكر أخرى إلى نواحي برشلونة وما وراءها، فعاثوا فيها وفتحوا حصوناً من برشلونة ورجعوا.
ولما استمدّ أهل طليطلة المخالفون من أهل بلاد الأمير محمد عليه بملكي جليقية والبشكنس لقيهم الأمي محمد على وادي سليطة، وقد أكمن لهم، فأوقع بهم، وبلغت عدّة القتلى من أهل طليطلة والمشركين عشرين ألفاً.
وفي سنة خمس وأربعين ظهرت مراكب المجوس، وعاثوا في الأندلس،
فلقيهم مراكب الأمير محمد، فقاتلوهم وغنموا منهم مركبين، واستشهد جماعة من المسلمين.
وفي سنة سبع وأربعين أغزى محمد إلى نواحي بنبلونة وصاحبها حينئذٍ غرسية بن ونقه، وكان يظاهر أردون بن أذفنش، فعاث في نواحي بنبلونة، ورجع وقد دوّخها وفتح كثيراً من حصونها، وأسر فرتون ابن صاحبها، فبقي أسيراً بقرطبة عشرين سنة.
ثم بعث سنة إحدى وخمسين أخاه المنذر في العساكر إلى نواحي ألبة والقلاع فعاثوا فيها، وجمع لذريق للقائهم، فلقيهم وانهزم، وأثخن المسلمون في المشركين بالقتل والأسر، فكان فتحاً لا كفاء له.
ثم غزا الأمير محمد بنفسه سنة إحدى وخمسين بلاد الجلالقة، فأثخن وخرب.
وفي سنة ثلاث وستين أغزى الأمير محمد ابنه المنذر إلى دار الحرب، وفي السنة التي بعدها إلى بلاد بنبلونة فدوّخها ورجع.
وفي سنى ثمان وستين أغزاه أيضاً إلى دار الحرب، فعاث في نواحيها وفتح حصوناً.
وفي أيام الأمير محمد خربت ماردة وهدمت ولم يبق لها أثر.
وذكر بعضهم أنّه رأى بالمشرق هذه الأبيات قبل أن تخرب ماردة بأعوام، ولم يعلم قائلها، وذلك سنى:
ويلٌ لماردة التي مردتوتكبرت عن عدوة النهر
كانت ترى لهم بها زهرٌفخلت من الزهرات كالقفر
فالويل ثم الويح حين غزابجميعهم من صاحب الأمر
ثمّ توفّي الأمير محمّد في شهر صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين، لخمس وثلاثين سنة من إمارته، ومولده سنة سبع ومائتين.
[المنذر بن محمد]
وولي بعده ابنه المنذر، ولم تطل مدّته، وأقام في الملك سنتين إلا نصف شهر، وتوفيّ منتصف صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، وفيه قيل:
بالمنذر بن محمّدٍصلحت بلاد الأندلس [عبد الله بن محمد]
ثمّ ولي أخوه عبد الله، قال ابن خلدون: كان خراج الأندلس قبله ثلاثمائة ألف دينار: مائة ألف للجيوش، ومائة ألف للنفقة في النوائب وما يعرض، ومائة ألف ذخيرة ووفراً، فأنفق الوفر حين اضطربت عليه نواحي الأندلس بالثّوار والمتغلّبين في تلك السنين، وقلّ الخراج، انتهى.
ومن نظم الأمير عبد الله قوله:
يا مهجة المشتاق ما أوجعكويا أسير الحبّ ما أخشعك
ويا رسول العين من لحظهابالردّ والتبليغ ما أسرعك
تذهب بالسرّ فتأتي بهفي مجلس يخفى على من معك
كم حاجةٍ أنجزت إبرازهاتبارك الرحمن ما أطوعك
وهذه الأبيات عنوان فضله، وبراعة استهلال نبله.
وكان الوزراء يطالعون بآرائهم الخليفة في بطاقة، فطالعه وزيره النّضر بن سلمة برأيه في أمر في ورقة، فلمّا وقف عليها لم يعجبه ذلك الرأي، فكتب:
أنت يا نضر آبدهليس ترجى لفائده
إنّما أنت عدّةٌ ... لكنيفٍ ومائده وتوفّي الأمير عبد الله سنة ثلاثمائة، ومدة ملكه نحو من خمس وعشرين سنة.
[عبد الرحمن الناصر]
وولي حافده عبد الرحمن الناصر ابن ابنه محمد قتيل أخيه المطرف، وكانت ولايته من الغريب، لأنّه كان شابّاً، وأعمامه وأعمام أبيه حاضرون، فتصدّى إليها واحتازها دونهم، ووجد الأندلس مضطربة بالمخالفين، مضطرمة بنيران المتغلبين، فأطفأ تلك النيران، واستنزل أهل العصيان، واستقامت له الأندلس في سائر جهاتها بعد نيّف وعشرين سنة من أيّامه، ودامت أيّامه نحو خمسين سنة استفحل فيها ملك بني أميّة بتلك الناحية، وهو أول من تسمّى منهم بالأندلس بأمير المؤمنين، عندما التاث أمر الخلافة بالمشرق، واستبدّ موالي الترك على بني العباس، وبلغه أن المقتدر قتله مؤنس المظفر مولاه سنة سبع عشرة وثلاثمائة فتلقب ألقاب الخلافة، وكان كثير الجهاد بنفسه والغزو إلى دار الحرب، إلى أن هزم عام الخندق سنة ثلاث وعشرين، ومحّص الله فيها
المسلمين، فقعد عن الغزو بنفسه وصار يردّد الصّوائف في كل سنة، فأوطأ عساكر المسلمين من بلاد الإفرنج ما لم يطؤوه قبل في أيّام سلفه، ومدّت إليه أمم النصرانية من وراء الدروب يد الإذعان، وأوفدوا عليه رسلهم وهداياهم من رومة والقسطنطينية في سبيل المهادنة والسلم والاعتمال فيما يعنّ في مرضاته، ووصل إلى سدّته الملوك من أهل جزيرة الأندلس المتاخمين لبلاد المسلمين بجهات قشتالة وبنبلونة وما ينسب إليها من الثغور الجوفية، فقبّلوا يده، والتمسوا رضاه، واحتقبوا جوائزه، وامتطوا مراكبه، ثم سما إلى ملك العدوة فتناول سبتة - قفل الفرضة - من أيدي أهلها سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وأطاعه بنو إدريس أمراء العدوة وملوك زناتة والبربر، وأجاز إليه الكثير منهم كما يعلم من أخباره، وبدأ أمره أول ولايته بتخفيف المغارم عن الرعايا، انتهى كلام ابن خلدون.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع