من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الثالث في سرد بعض ما كان للدين بالأندلس من العز السامي العماد، والقهر للعدوّ (٢)
وقيه يقول ابن عبد ربّه صاحب العقد يوم تولّى الملك:
بدا الهلال جديداًوالملك غضٌّ جديد
يا نعمى الله زيديإن كان فيك مزيد
إن كان للصّوم فطرٌ ... فأنت للدهر عيد وأراد بأوّل الأبيات أنّه وليّ مستهلّ ربيع الأول كما علم.
وما أشار إليه ابن خلدون في غزوة الخندق فصّله المسعودي فقال، بعد أن أجرى ذكر مخالفة أمية بن إسحاق على الناصر ودخوله أرض النصارى ودلالته إياهم على عورات المسلمين، ما ملخصه: وغزا عبد الرحمن صاحب الأندلس
سمّورة دار الجلالقة، وكان عبد الرحمن في مائة ألف أو يزيدون، وكانت الوقعة بينه وبين رذمير ملك الجلالقة في شوّال سنة بعد الكسوف الذي كان في هذا الشهر بثلاثة أيّام، فكانت للمسلمين عليهم، ثم ثابوا بعد أن حوصروا وألجئوا إلى المدينة، فقتلوا من المسلمين بعد عبورهم الخندق خمسين ألفاً، وقيل: إن الذي منع رذمير من طلب من نجا من المسلمين أميّة بن إسحاق، وخوّفه الكمين، ورغّبه فيما كان في عسكر المسلمين من الأموال والعدّة والخزائن، ولولا ذلك لأتى على جميع المسلمين، ثمّ إن أميّة استأمن بعد ذلك إلى عبد الرحمن وتخلّص من رذمير، وقبله عبد الرحمن أحسن قبول. وقد كان عبد الرحمن بعد هذه الوقعة جهز عساكر مع عدّة من قوّاده إلى الجلالقة، فكانت لهم بهم عدّة حروب هلك فيها من الجلالقة ضعف ما قتل من المسلمين في الوقعة الأولى، وكانت للمسلمين عليهم إلى هذه الغاية، ورذمير ملك الجلالقة إلى هذا الوقت وهو سنة، انتهى.
وقال في موضع آخر ما ملخّصه: إن عبد الرحمن غزا في أزيد من مائة ألف من الناس، فنزل على دار مملكة الجلالقة، وهي مدينة سمّورة، وعليها سبعة أسوار من أعجب البنيان قد أحكمته الملوك السابقة، وبين الأسوار فصلان وخنادق ومياه واسعة، وافتتح منها سورين، ثم إن أهلها ثاروا على المسلمين فقتلوا منهم ممّن أدركه الإحصاء وممّن عرف أربعين ألفاً، وقيل: خمسين ألفاً، وكانت للجلالقة والبشكنس على المسلمين، انتهى كلام المسعودي.
رجع إلى أخبار الناصر - فنقول: إن الناصر ﵀ كان له نظم، وممّا نسب إليه بعضهم قوله:
لا يضرّ الصغير حدثان سنّإنّما الشأن في سعود الصغير
كم مقيمٍ فازت يداه بغنم ... لم تنله بالرّكض كفّ مغير هكذا ألفيت البيتين منسوبين إليه بخط بعض الأكابر، ثم كتب بأثره ما نصّه: الصحيح أنهما لغيره، والله أعلم، انتهى.
[؟ هدية ابن شهيد للناصر]
وكان الناصر ﵀ قد استحجب موسى بن محمد بن حدير، واستوزر عبد الملك بن جهور، وأحمد بن عبد الملك بن شهيد، وأهدى له ابن شهيدٍ هديته المشهورة المتعدّدة الأصناف، وقد ذكرها ابن حيّان وابن خلدون وغيرهما من المؤرخين، قال ابن خلدون: وهي ممّا يدل على ضخامة الدولة الأموية، واتساع أحوالها؛ وكان ذلك سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، لثمان خلون من شهر جمادى الأولى، وهي هدية عظيمة الشأن، اشتهر ذكرها إلى الآن، واتّفق على أنّه لم يهاد أحد من ملوك الأندلس بمثلها، وقد أعجبت الناصر وأهل مملكته جميعاً، وأقروا أن نفساً لم تسمح بإخراج مثلها ضربةً عن يدها، وكتب معها رسالة حسنة بالاعتراف للناصر بالنعمة والشكر علها استحسنها الناس وكتبوها، وزاد الناصر وزيره هذا حظوة واختصاصاً، وأسمى منزلته على سائر الوزراء جميعاً، وأضعف له رزق الوزارة، وبلّغه ثمانين ألف دينار أندلسية، وبلغ مصروفه إلى ألف دينار، وثنى له العظمة لتثنيته له الرزق، فسمّاه " ذا الوزارتين " لذلك، وكان أول من تسمى بذلك بالأندلس امتثالاً لاسم صاعد بن مخلد وزير بني العباس ببغداد، وأمر بتصدير فراشه في البيت، وتقديم اسمه في دفتر الارتزاق أول التسمية، فعظم مقداره في الدولة جدّاً.
وتفسير هديته المذكورة على ما ثبت في كتاب ابن خلدون على ما يفسر: خمسمائة ألف مثقال من الذهب العين، وأربعمائة رطل من التّبر، ومصارفةً خمسة وأربعون ألف دينار من سبائك الفضّة في مائتي بدرة، واقتصر ابن الفرضيّ على خمسمائة ألف دينار فقط؛ واثنا عشر رطلاً من العود الهندي الذي يختم عليه كالشمع، ومائة وثمانون رطلاً من العود المتخير، ومائة رطل من العود الشبه المنتقى، هكذا ذكره ابن خلدون.
وقال ابن الفرضيّ مستنداً إلى الكتاب الذي وجّهه ابن شهيد مع الهدية: إن العود الغالي من ذلك أربعمائة رطل، منها في قطعة واحدة مائة وثمانون رطلاً.
وقال ابن خلدون: ومائة أوقية من المسك الذكي المفضل في جنسه، انتهى.
وقال ابن الفرضيّ، نقلاً عن الكتاب المصحوب مع الهدية: إن المسك مائتا أوقية، واثنتا عشرة أوقية. ومن العنبر الأشهب الباقي على خلقته بغير صناعة خمسمائة أوقية، منها قطعة عجيبة ململمة الشكل وزن مائة أوقية، هكذا في تاريخ ابن خلدون.
وفي ابن الفرضيّ أن الكل مائة أوقية، وأن هذه القطعة أربعون أوقية. ومن الكافور المرتفع النقيّ الذكيّ ثلاثمائة أوقية.
قال ابن خلدون: ومن اللباس ثلاثون شقّة من الحرير المختم المرقوم بالذهب كلباس الخلفاء المختلف الألوان والصنائع، وعشرة أفرية من عالي جلود الفنك الخراسانية.
وخالفه ابن الفرضيّ، إذ قال: ومن أنواع الثياب ثلاثون شقّة خنجٍ خاصية للباسه بيضاء وملوّنة، وخمس ظهائر شعيبية خاصية له، وعشر فراء من
عالي الفنك منها سبعة بيض خراسانية وثلاث ملوّنة، وستة مطارف عراقية خاصية له، وثمان وأربعون ملحفة زهرية لكسوته، ومائة ملحفة زهرية لرقاده.
ولم يذكر ابن خلدون ذلك، وابن الفرضي أعرف، لا سيّما وقد استند إلى كتاب المهدي، وصاحب البيت أدرى.
قال ابن خلدون: وعشرة قناطير شدّ فيها مائة جلد سمّور، وقاله ابن الفرضي أيضاً، وزاد ابن خلدون: وستة من السرادقات العراقية، وثمانية وأربعون من الملاحف البغدادية لزينة الخيل من الحرير والذهب، ثم قالا معاً: وأربعة آلاف رطل من الحرير المغزول، وألف رطل من لون الحرير المنتقى للاستغزال، وزاد ابن خلدون: وثلاثون شقة من الفريون لسروج الهبات، وزاد ابن الفرضيّ في الحرير المذكور: قيل: إنّه قبضه منه صاحب الطراز ولم يأت به مع الهدية، وإنّما دفعه لصاحب الطراز، وأثبته في الدفتر، قالا: وثلاثون بساطاً من الصوف مختلفة الصناعات طول كل بساط منها عشرون ذراعاً، وقال ابن خلدون: منتقاة مختلفة الأوان، قالا: ومائة قطعة مصلّيات من وجوه الفرش المختلفة، زاد ابن الفرضيّ: الصناعات من جنس البسط، قالا: وخمسة عشر نخّاً من عمل الخز المقطوع شطرها، قال ابن الفرضيّ: وسائرها من جنس البسط الوجوه، قال ابن خلدون: ومن السلاح والعدّة ثمانمائة من التجافيف المزينة أيام البروز والمواكب، وقال ابن الفرضيّ: مائة تجفاف بأبدع الصناعات وأغربها وأكملها، قالا: وألف ترس سلطانية، ومائة ألف سهم، زاد ابن خلدون: من لنبال البارعة الصنعة، قال ابن خلدون: ومن الظهر خمسة عشر فرساً من الخيل العراب المتخيرة لركاب السلطان فائقة النّعوت، وقال ابن الفرضي: ومن الخيل مائة فرس منها من الخيل العراب المتخيرة لركابه خمسة عشر فرساً، وخمس من عرض هذه الخيل مسرجة ملجمة لمراكب الخلافة
مجالس سروجها خز عراقي، وثمانون فرساً ممّا يصلح للوصفاء والحشم، وقال ابن خلدون: مائة فرس من الخيل التي تصلح للركوب في التصرف والغزوات، وقال ابن الفرضي: وخمسة أبغل عالية الركاب، وقال ابن خلدون: وعشرون من بغال الركاب مسرجة ملجمة لمراكب الخلافة مجالس سروجها خز جعفري عراقي، قالا: ومن الرقيق أربعون وصيفاً وعشرون جارية من متخير الرقيق بكسوتهم وجميع آلاتهم، وقال ابن خلدون في الجواري: متخيرات بكسوتهن وزينتهن، وقال ابن خلدون: ومن سائر الأصناف قرية تغلّ آلافاً من أمداد الزرع، ومن الصخر للبنيان ما أنفق عليه في عام واحد ثمانون ألف دينار، وعشرون ألف عود من الخشب من أجمل الخشب وأصلبه وأقومه قيمتها خمسون ألف دينار، انتهى.
وقال ابن الفرضي نقلاً عن كتاب ابن شهيد المصحوب مع الهدية عندما ذكر الرقيق ما صورته: وكان قد أمرني - أيّده الله - بابتياعهم من مال الأخماس، فابتعتهم من نعمته عندي، وصيرتهم من بعثي، ومع ذلك عشر قناطير سكر طبرزذ لا سحاق فيه.
وفي آخر الكتاب: ولمّا علمت تطلّع مولاي - أيده الله تعالى - إلى قرية كذا بالقنبانية المنقطعة الغرس في شرقها، وترداده - أيده الله تعالى - لذكرها لم أهنأ بعيشٍ حتى أعملت الحيلة في ابتياعها بأحوازها، وأكتبت وكيله ابن بقيّة الوثيقة فيها باسمه، وضمّها إلى ضياعه، وكذلك صنعت في قرية شيرة من نظر جيّان عندما اتصل بي من وصفه لها وتطلّعه إليها، فما زلت أتصدّى لمسرّته بها حتى ابتعتها الآن بأحوازها وجميع منازلها وربوعها واحتاز ذلك
كلّه الوكيل ابن بقية، وصار في يده له أبقاه الله سبحانه، وأرجو أنّه سيرفع فيها في هذه السنة آلاف أمداد من الأطعمة إن شاء الله تعالى. ولمّا علمت نافذ عزمه - أبقاه الله تعالى - في البنيان، وكلفه به، وفكرت في عدد الأماكن التي تطلع نفسه الكريمة إلى تخليد آثاره في بنيانها - مد الله تعالى في عمره، وأوفى بها على أقصى أمله - علمت أن أسه وقوامه الصخر والاستكثار منه، فأثارت لي همتي ونصيحتي حكمة حيلة أحكمها سعدك وجدّك اللذان يبعثان ما لا يتوهم عليه، حيلة أقيم لك فيها بعام واحد عدد ما كان يقوم على يدي عبدك ابن عاصم في عشرين عاماً، وينتهي تحصيل النفقة فيه إلى نحو الثمانين ألفاً أعجل شأنه في عام، سوى التوفير العظيم الذي يبديه العيان قبلاً إن شاء الله تعالى، وكذلك ما ثاب إليّ في أمر الخشب لهذه المنية المكرمة، فإن ابن خليل عبدك المجتهد الدؤوب انتهى في تحصيل عدد ما تحتاج إليه إلى ثلاثمائة ألف عود ونيّف على عشرين ألف عود، على أنّه لا يدخل منه في السنة إلاّ نحو الألفي عود، ففتح لي سعدك رأياً أقيم له بتمامه جميع هذا الخشب العام على كماله بورود الجليبة لوقتها، وقيمته على الرخص ما بين الخمسين ألفاً والستين ألفاً، انتهى.
[عود إلى أخبار الناصر]
ومن غريب ما يحكى عن أمير المؤمنين الناصر المذكور أنّه أراد الفصد، فقعد بالبهو في المجلس الكبير المشرف بأعلى مدينته بالزهراء، واستدعى الطبيب لذلك، وأخذ الطبيب الآلة وجسّ يد الناصر، فبينما هو إذ أطل زرزور فصعد على إناء ذهب بالمجلس، وأنشد:
أيّها الفاصد رفقاًبأمير المؤمنينا
إنّما تفصد عرقاً ... فيه محيا العالمينا وجعل يكرّر ذلك المرّة بعد المرة، فاستظرف أمير المؤمنين الناصر ذلك غاية الاستظراف، وسرّ به غاية السرور، وسأل عمن اهتدى إلى ذلك وعلّم الزّرزور، فذكر له أن السيدة الكبرى مرجانة أم ولده وليّ عهده الحكم المستنصر بالله صنعت ذلك، وأعدّته لذلك الأمر، فوهب لها ما ينيّف على ثلاثين ألف دينار.
وذكر ابن بسّام أن أبا عامر بن شهيد أحمد بن عبد الملك الوزير أهدي له غلام من النصارى لم تقع العيون على شبهه، فلمحه الناصر فقال لابن شهيد: أنّى لك هذا؟ قال: هو من عند الله، فقال له الناصر: تتحفوننا بالنجوم وتستأثرون بالقمر، فاستعذر واحتفل في هدية بعثها مع الغلام، وقال: يا بني كن مع جملة ما بعثت به، ولولا الضرورة ما سمحت بك نفسي، وكتب معه هذين البيتين:
أمولاي هذا البد سار لأفقكموللأفق أولى بالبدور من الأرض
أرضّيكم بالنفس وهي نفيسةٌ ... ولم أر قبلي من بمهجته يرضي فحسن ذلك عند الناصر، وأتحفه بمال جزيل، وتمكنت عنده مكانته، ثم إنّه بعد ذلك أهديت إليه جارية من أجمل نساء الدنيا، فخاف أن ينهى ذلك إلى الناصر فيطلبها فتكون كقصة الغلام، فاحتفل في هدية أعظم من الأولى، وبعثها معها، وكتب له:
أمولاي هذي الشمس والبدر أوّلاًتقدّم كيما يلتقي القمران
قرانٌ لعمري بالسعادة قد أتىفدم منهما في كوثر وجنان
فما لهما والله في الحسن ثالثٌوما لك في ملك البريّة ثاني فتضاعفت مكانته عنده
ثمّ إن أحد الوشاة رفع للملك أنّه بقي في نفسه من الغلام حرارة، وأنّه لا يزال يذكره حين تحرّكه الشّمول، ويقرع السن على تعذر الوصول، فقال للواشي: لا تحرك به لسانك، وإلاّ طار رأسك، وأعمل الناصر حيلة في أن كتب على لسان الغلام رقعة منها: يا مولاي، تعلم أنّك كنت لي على انفراد، ولم أزل معك في نعيم، وإنّي وإن كنت عند الخليفة مشارك في المنزلة، محاذر ما يبدو من سطوة الملك، فتحيّل في استدعائي منه، وبعثها مع غلام صغير السن، وأوصاه أن يقول: من عند فلان، وإن الملك لم يكلّمه قط، إن سأله عن ذلك، فلمّا وقف أبو عامر على تلك الرسالة واستخبر الخادم علم من سؤاله ما كان في نفسه من الغلام، وما تكلم به في مجالس المدام، فكتب على ظهر الرقعة ولم يزد حرفاً:
أمن بعد إحكام التجارب يبتغىلديّ سقوط الطير في غابة الأسد
وما أنا ممّن يغلب الحبّ قبلهولا جاهل ما يدّعيه أولو الحسد
فإن كنت روحي قد وهبتك طائعاً ... وكيف يردّ الروح إن فارق الجسد فلمّا وقف الناصر على الجواب تعجب من فطنته، ولم يعد إلى استماع واشٍ به.
ودخل عليه بعد ذلك فقال له: كيف خلصت من الشّرك؟ فقال: لأن عقلي بالهوى غير مشترك، فأنعم عليه، وزادت محبته عنده، وممّن ذكر هذه الحكاية صاحب " مطالع البدور، في منازل السرور ".
[غزوات الناصر]
وأخبار الناصر طويلة جدّاً، وقد منح الظفر على الثوّار، واستنزلهم من معاقلهم، حتى صفا له الوقت، وكانت له في جهاد العدو اليد البيضاء، فمن غزواته أنّه غزا سنة ثمان وثلاثمائة إلى جليقية وملكها أردون بن أذفونش، فاستنجد بالبشكنس والإفرنجة وظاهر شانجة بن غرسية صاحب بنبلونة أمير البشكنس، فهزمهم، ووطئ بلادهم، ودوّخ أرضهم، وفتح معاقلهم، وخرب حصونهم، ثم غزا بنبلونة سنة ثنتي عشرة، ودخل دار الحرب، ودوّخ البسائط، وفتح المعاقل، وخرّب الحصون، وافسد العمائر، وجال فيها، وتوغل في قاصيتها، والعدو يحاذيه في الجبال والأوعار، ولم يظفر منه بشيء، ثم بعد مدّة ظفر ببعض الثوّار عليه، وكان استمدّ بالنصارى فقتل الناصر من كان مع الثائر من النصارى أهل ألبة، وفتح ثلاثين من حصونهم، وبلغه انتفاض طوطة ملكة البشكنس فغزاها في بنبلونة ودوّخ أرضها واستباحها، ورجع إلى قرطبة، ثم غزا غزوة الخندق سنة سبع وعشرين إلى جليقية فانهزم وأصيب فيها المسلمون، وقعد بعدها عن الغزو بنفسه، وصار يردد البعوث والصوائف إلى الجهاد، وبعث جيوشه إلى المغرب فملك سبتة وفاساً وغيرهما من بلاد المغرب، وطار صيته وانتشر ذكره كما سبق. ولم هلك غرسية بن شانجة ملك البشكنس قام بأمرهم بعده أمه طوطة، وكفلت ولده، ثم انتقضت على الناصر سنة خمس وعشرين، فغزا الناصر بلادها، وخرب نواحي بنبلونة وردد عليها كما مرّ الغزوات، وكان قبل ذلك سنة ثنتين وعشرين غزا إلى وخشمة،
ثم رحل إلى بنبلونة، فجاءته طوطة بطاعتها وعقد لابنها غرسية على بنبلونة، ثم عدل إلى ألبة وبسائطها فدوّخها وخرب حصونها، ثم اقتحم جليقية وملكها يومئذ رذمير بن أردون، فخام عن لقائه، ودخل وخشمة، فنازله الناصر فيها، وهدم برغش وكثيراً من معاقلهم، وهزمهم مراراً، ورجع، ثم كانت بعدها غزوة الخندق السابقة، وهابته أمم النصرانية.
[الوفود على بلاط الناصر]
ثم وفدت عليه سنة ست وثلاثين رسل صاحب قسطنطينية وهديته - وهو يومئذ قسطنطين - واحتفل الناصر لقدومهم في يوم مشهود، قال ابن خلدون: ركبت في ذلك اليوم العساكر بالسلاح في أكمل شكّة، وزين القصر الخلافي بأنواع الزينة وأصناف الستور، وجمّل السرير الخلافي بمقاعد الأبناء والإخوة والأعمام والقرابة، ورتب الوزراء والخدمة في مواقفهم، ودخل الرسل فهالهم ما رأوه، وقرّبوا حتى أدّوا رسالتهم، وأمر يومئذ الأعلام أن يخطبوا في ذلك الحفل، ويعظّموا من أمر الإسلام والخلافة، ويشكروا نعمة الله على ظهور دينه وإعزازه، وذلة عدوّه، فاستعدّوا لذلك، ثم بهرهم هول المجلس فوجموا، وشرعوا في القول فأرتج عليهم، وكان فيهم أبو علي القالي وافد العراق، كان في جملة الحكم ولي العهد وندبه لذلك استئثاراً بفخره، فلمّا وجموا كلهم قام منذر بن سعيد البلّوطي من غير استعداد ولا رويّة وما تقدّم له أحد بشيء من ذلك، فخطب واسحنفر وجلّى في ذلك القصد، وأنشد
شعراً طويلاً ارتجله في ذلك الغرض، ففاز بفخر ذلك المجلس، وعجب الناس من شأنه أكثر من كل ما وقع، وأعجب به الناصر، وولاّه القضاء بعدها، وأصبح من رجالات المعالم، وأخباره مشهورة، وخطبته في ذلك اليوم منقولة في كتب ابن حيّان وغيره. ثم انصرف هؤلاء الرسل، وبعث الناصر معهم هشام بن هذيل بهديّة حافلة ليؤكد المودة ويحسن الإجابة، ورجع بعد سنتين وقد أحكم من ذلك ما شاء وجاءت معه رسل قسطنطين.
ثم جاء رسول من ملك الصقالبة - وهو يومئذ هوتو - ورسول آخر من ملك الألمان، ورسول آخر من ملك الإفرنجة وراء البرت - وهو يومئذ أوقه - ورسول آخر من ملك الإفرنجة بقاصية المشرق - وهو يومئذ كلدة - واحتفل الناصر لقدومهم، وبعث مع رسول الصقالبة ربيعاً الأسقف إلى ملكهم هوتو ورجع بعد سنين.
وفي سنة أربع وأربعين جاء رسول أردون يطلب السلم، فعقد له، ثم بعث في سنة خمس وأربعين يطلب إدخال فرذلند قومس قشتيلة في عهده، فأذن له في ذلك، وأدخل في عهده، وكان غرسية بن شانجة قد استولى على جليقية بعد أبيه شانجة بن فرويلة ثم انتقض عليه أهل جليقية، وتولى كبرهم قومس قشتيلة فرذلند المذكور، ومال إلى أردون بن رذمير، وكان غرسية بن شانجة حافداً لطوطة ملكة البشكنس، فامتعضت لحافدها غرسية، ووفدت على الناصر سنة
سبع وأربعين ملقية بنفسها في عقد السلم لها ولولدها شانجة بن رذمير الملك، وإعانة حافدها غرسية بن شانجة على ملكه، ونصره من عدوّه، وجاء الملكان معها، فاحتفل الناصر لقدومهم، وعقد الصلح لشانجة وأمه، وبعث العساكر مع غرسية ملك جليقية فردّ عليه ملكه، وخلع الجلالقة طاعة أردون إليه، وبعث إلى الناصر يشكره على فعلته، وكتب إلى الأمم في النواحي بذلك، وبما ارتكبه فرذلند قومس قشتيلة في نكثه ووثوبه، ويعيره بذلك عند الأمم، ولم يزل الناصر على موالاته وإعانته إلى أن هلك، ولمّا وصل رسول كلدة ملك الإفرنجة بالشرق كما تقدّم وصل معه رسول ملك برشلونة وطرّكونة راغباً في الصلح، فأجابه الناصر، ووصل بعده رسول صاحب رومة يخطب المودة فأجيب؛ انتهى كلام ابن خلدون ببعض اختصار.
ولنفصّل بعض ما أجمله فنقول: ذكر ابن حيّان وغير واحد أن ملك الناصر بالأندلس كان في غاية الضخامة ورفعة الشأن، وهادته الروم، وازدلفت إليه تطلب مهادنته ومتاحفته بعظيم الذخائر، ولم تبق أمّة سمعت به من ملوك الروم والإفرنجة والمجوس وسائر الأمم إلا وفدت عليه خاضعة راغبة، وانصرفت عنه راضية، ومن جملتهم صاحب القسطنطينية العظمى، فأنّه هاداه، ورغب في موادعته، وكان وصول أرساله في صفر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وتقدّم في كلام ابن خلدون أنّها ست وثلاثون، فالله أعلم أيهما أصح، وتأهب الناصر لورودهم وأمر أن يتلقّوا أعظم تلقٍّ وأفخمه، وأحسن قبول وأكرمه، وأخرج إلى لقائهم ببجانة يحيى بن محمد بن الليث وغيره لخدمة أسباب الطريق، فلمّا صاروا بأقرب المحلاّت من قرطبة خرج إلى لقائهم القوّاد في العدد والعدّة والتعبية، فتلقوهم قائداً بعد قائد، وكمل اختصاصهم بعد ذلك، بأن أخرج إليهم الفتيين الكبيرين الخصيين ياسراً وتماماً، إبلاغاً في الاحتفال بهم، فلقياهم بعد القوّاد،
فاستبان لهم بخروج الفتيين إليهم بسط الناصر وإكرامه، لأن الفتيان حينئذ هم عظماء الدولة، لأنّهم أصحاب الخلوة مع الناصر وحرمه وبيدهم القصر السلطانيّ، وأنزلوا بمنية وليّ العهد الحكم المنسوبة إلى نصر بعدوة قرطبة في الرّبض، ومنعوا من لقاء الخاصة والعامة جملة ومن ملابسة الناس طرّاً، ورتّب لحجابتهم رجال تخيروا من الموالي ووجوه الحشم فصيروا على باب قصر هذه المنية ستة عشر رجلاً لأربع دول، لكل دولة أربع منهم، ورحل الناصر لدين الله من قصر الزهراء إلى قصر قرطبة لدخول وفود الروم عليه، فقعد لهم يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من السنة المذكورة في بهو المجلس الزاهر قعوداً حسناً نبيلاً، وقعد عن يمينه وليّ العهد من بنيه الحكم ثم عبيد الله ثم عبد العزيز أبو الأصبغ ثم مروان، وقعد عن يساره المنذر ثم عبد الجبار ثم سليمان، وتخلف عبد الملك لأنّه كان عليلاً لم يطق الحضور، وحضر الوزراء على مراتبهم يميناً وشمالاً، ووقف الحجّاب من أهل الخدمة من أبناء الوزراء والموالي والوكلاء وغيرهم، وقد بسط صحن الدار أجمع بعتاق البسط وكرائم الدرانك، وظلّلت أبواب الدار وحناياها بظلل الديباج ورفيع الستور، فوصل رسل ملك الروم حائرين ممّا رأوه من بهجة الملك وفخامة السلطان، ودفعوا كتاب ملكهم صاحب القسطنطينية العظمى قسطنطين بن ليون، وهو في رقّ مصبوغ لوناً سماويّاً مكتوب بالذهب بالخط الإغريقي، وداخل الكتاب مدرجة مصبوغة أيضاً مكتوبة بفضّة بخط إغريقي أيضاً فيها وصف هديته التي أرسل بها وعددها، وعلى المتاب طابع ذهب وزنه أربعة مثاقيل، على الوجه الواحد منه صورة المسيح، وعلى الآخر صورة قسطنطين الملك وصورة ولده، وكان الكتاب بداخل درج فضّة منقوش عليه غطاء ذهب فيه صورة قسطنطين
الملك معمولة من الزجاج الملون البديع، وكان الدرج داخل جعبة ملبسة بالديباج، وكان في ترجمة عنوان الكتاب في سطر منه: قسطنطين ورومانس المؤمنان بالمسيح الملكان العظيمان ملكا الروم، وفي سطر آخر: العظيم الاستحقاق المفخر الشريف النسب عبد الرحمن الخليفة الحاكم على العرب بالأندلس، أطال الله بقاءه؛ ولما احتفل الناصر لدين الله هذا الاحتفال أحبّ أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه، لتذكر جلالة مقعده وعظيم سلطانه، وتصف ما تهيّأ من توطيد الخلافة في دولتهن وتقدم الأمير الحكم ابنه ولي عهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء، ويقدّمه أمام نشيد الشعراء، فأمر الحكم صنيعه الفقيه محمد بن عبد البر الكسنياني بالتأهب لذلك، وإعداد خطبة بليغة يقوم بها بين يدي الخليفة، وكان يدّعي من القدرة على بتأليف الكلام ما ليس في وسع غيره؛ وحضر المجلس السلطاني، فلمّاقام يحاول التكلّم بما رأى هاله وبهره هول المقام وأبهة الخلافة، فلم يهتد إلى لفظة، بل غشي عليه وسقط إلى الأرض، فقيل لأبي علي البغدادي إسماعيل بن القاسم القالي صاحب الأمالي والنوادر، وهو حينئذ ضيف الخليفة الوافد عليه من العراق وأمير الكلام وبحر اللغة: قم فارقع هذا الوهي، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيه ﷺ؟ هكذا ذكر ابن حيان وغيره وكلام ابن خلدون السابق يقتضي أن القالي هو المأمور بالكلام أوّلاً والمعدّ لذلك، ونحوه في المطمح، والخطب سهل؟ ثم انقطع القول بالقالي، فوقف ساكتاً مفكراً في كلام يدخل به إلى ذكر ما أريد منه، وقال في المطمح: إن أبا علي القالي انقطع، وبهت وما وصل إلاّ قطع، ووقف ساكتاً متفكّراً، لا ناسياً ولا متذكراً، فلمّا رأى ذلك منذر بن سعيد؟ وكان ممّن حضر في زمرة الفقهاء؟ قام من
ذاته، بدرجة من مرقاته، فوصل افتتاح أبي علي لأوّل خطبته بكلام عجيب، ونادى في الإحسان من ذلك المقام كلّ مجيب، يسحّه سحّاً كأنّما كان يحفظه قبل ذلك بمدة، وبدأ من المكان الذي انتهى إليه أبو عليّ البغدادي، فقال: أمّا بعد حمد الله والثناء عليه، والتعداد لآلائه، والشكر لنعمائه، والصلاة والسلام على محمد صفيّه وخاتم أنبيائه، فإن لكل حادثة مقاماً، ولكل مقام مقال، وليس بعد الحق إلا الضلال، وإنّي قد قمت في مقام كريم، بين يدي ملك عظيم، فأصغوا إلي معشر الملإ بأسماعكم، والقنوا عني بأفئدتكم، إن من الحق أن يقال للمحق صدقت، وللمبطل كذبت، وإن الجليل تعالى في سمائه، وتقدّس بصفاته وأسماءه، أمر كليمه موسى، صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع أنبيائه، أن يكّر قومه بأيّام الله، جلّ وعزّ، عندهم، وفيه وفي رسول الله، صلى الله عليه وسلّمن أسوة حسنة، وإنّي أذكركم بأيّام الله عندكم، وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين التي لمّت شعثكم، وأمنّت سربكم، ورفعت فرقكم، بعد أن كنتم قليلاً فكثركم، ومستضعفين فقوّاكم، ومستذلّين فنصركم، ولاّه الله رعايتكم، واسند إليه إمامتكم، أيّام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق، وأحاطت بكم شعل النفاق، حتى صرتم في مثل حدقة البعير، من ضيق الحال ونكد العيش والتغيير، فاستبدلتم بخلافته من الشدّة بالرخاء، وانتقلتم بيمن سياسته إلى تمهيد كنف العافية بعد استيطان البلاء، أنشدكم الله معاشر الملإ ألم تكن الدماء مسفوكة فحقنها، والسبل مخوفةً فأمّنها، والموال منتهبة فأحرزها وحصّنها؟ ألم تكن البلاد خراباً فعمرها، وثغور المسلمين مهتضمة فحماها ونصرها؟ فاذكروا آلاء الله عليكم بخلافته، وتلافيه جمع
كلمتكم بعد افتراقها بإمامته، حتى أذهب الله عنكم غيظكم، وشفى صدوركم، وصرتم يداً على عدوّكم، بعد أن كان بأسكم بينكم، ناشدتكم الله ألم تكن خلافته قفل الفتنة بعد انطلاقها من عقالها؟ ألم يتلاف صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالها ولم يكل ذلك إلى القوّاد والأجناد، حتى باشره بالقوّة والمهجة والأولاد، واعتزال النسوان، وهجر الأوطان، ورفض الدّعة وهي محبوبة، وترك الركون إلى الراحة وهي مطلوبة، بطويّة صحيحة، وعزيمة صريحة، وبصيرة ثابتة نافذة ثاقبة، وريح هابّةٍ غالبة، ونصرة من الله واقعة واجبة، وسلطان قاهر، وجدّ ظاهر، وسيف منصور، تحت عدل مشهور، متحمّلاً للنّصب، مستقلاًّ لما ناله في جانب حدّتها، ولم يبق لها غارب إلا جبّه، ولا نجم لأهلها قرن إلا جذّه، فأصبحتم بنعمة الله إخواناً، وبلمّ أمير المؤمنين لشعثكم على أعدائه أعواناً، حتى تواترت لديكم الفتوحات، وفتح الله عليكم بخلافته أبواب الخيرات والبركات، وصارت وفود الروم وافدة عليه وعليكم، وآمال الأقصين والآدنين مستخدمة إليه وإليكم، يأتون من كل فجّ عميق، وبلد سحيق، لأخذ حبل بينه وبينكم جملة وتفصيلاً، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولن يخلف الله وعده، ولهذا الأمر ما بعده، وتلك أسباب ظاهرة بادية، تدل على أمور باطنة خافية، دليلها قائم، وجفنها غير نائم " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصّالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم " وليس في تصديق ما وعد الله ارتياب،
ولكل نبإ مستقر ولكل أجل كتاب، فاحمدوا الله أيّها الناس على آلائه، واسألوه المزيد من نعمائه، فقد أصبحتم بيمن خلافة أمير المؤمنين أيّده الله بالعصمة والسّداد، وألهمه بخالص التوفيق إلى سبيل الرشاد، أحسن الناس حالاً، وأنعمهم بالاً، وأعزهم قراراً، وأمنعهم داراً، وأكثفهم جمعاً، وأجملهم صنعاً، لا تهاجون ولا تذادون، وأنتم بحمد الله على أعدائكم ظاهرون، فاستعينوا على صلاح أحوالكم بالمناصحة لإمامكم، والتزام الطاعة لخليفتكم وابن عم نبيّكن، ﷺ، فإن من نزع يداً من الطاعة، وسعى في تفريق الجماعة، ومرق من الدّين، فقد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، وقد علمتم أن في التعلّق بعصمتها، والتمسّك بعروتها، حفظ الأموال وحقن الدماء، وصلاح الخاصّة الدّهماء، وأن بقوام الطاعة تقوم الحدود، وتوفى العهود، وبها وصلت الأرحام، ووضحت الأحكام، وبها سدّ الله الخلل، وأمّن السّبل، ووطّأ الأكناف، ورفع الاختلاف، وبها طاب لكم القرار، واطمأنّت بكم الدار، فاعتصموا بما أمركم الله بالاعتصام به، فإنّه ﵎ يقول " أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم "، وقد علمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين، وصنوف الملحدين، الساعين في شقّ عصاكم، وتفريق ملاكم، الآخذين في مخاذلة دينكم، وهتك حريمكم، وتوهين دعوة نبيّكم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع النبيين والمرسلين، أقول قولي هذا وأختم بالحمد لله رب العالمين، مستغفراً الله الغفور الرحيم فهو خير الغافرين.
[ترجمة منذر بن سعيد البلوطي عن المغرب]
وساق ابن سعيد في المغرب هذه الحكاية فقال ما صورته: منذر بن سعيد البلّوطي، قاضي الجماعة بقرطبة، خطيبٌ مصقع، وله كتب مؤلّفة في القرآن والسنّة والورع، والرد على أهل الأهواء والبدع، شاعر بليغ، ولد سنة خمس وستين ومائتين، وأوّل سببه في التعلّق بعبد الرحمن الناصر لما احتفل لدخول رسول ملك الروم صاحب قسطنطينية بقصر قرطبة الاحتفال الذي اشتهر ذكره، أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه، لذكر جلالة مقعده، ووصف ما تهيّأ له من توطيد الخلافة، ورمي ملوك الأمم بسهام بأسه ونجدته، ويقدّمه أمام إنشاد الشعراء، فتقدّم الحكم إلى أبي عليّ البغدادي ضيف الخليفة وأمير الكلام وبحر اللغة، أن يقوم، فقام وحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد ﷺ، ثم انقطع، وبهت ما وصل ولا قطع، ووقف ساكتاً مفكراً، فلمّا رأى ذلك منذر بن سعيدٍ قام قائماً بدرجة من مرقاة أبي علي، ووصل افتتاحه بكلام عجيب بهر العقول جزالة، وملأ الأسماع جلالة، ثم ذكر الخطبة كما سبق، وقال بعد إيرادها ما صورته: فصلب العلج وغلب على قلبه، وقال: هذا كبير القوم، أو كبش القوم، وخرج الناس يتحدثون عن حسن مقامه، وثبات جنانه، وبلاغة لسانه، وكان الناصر أشدّهم تعجباً منه، وأقبل على ابنه الحكم - ولم يكن يثبت معرفته - فسأله عنه، فقال له: هذا منذر بن سعيد البلّوطي، فقال: والله لقد أحسن ما شاء، لئن أخرني الله بعد لأرفعنّ من ذكره، فضع يدك يا حكم عليه، واستخلصه، وذكرني بشأنه، فما للصنيعة مذهب عنه، ثم ولاّه الصلاة والخطابة في المسجد
الجامع بالزهراء، ثم توفّي محمد بن عيسى القاضي فولاّه قضاء الجماعة بقرطبة، وأقرّه على الصلاة بالزهراء.
ومن شعره في هذه الواقعة قوله:
مقالٌ كحدّ السيف وسط المحافلفرقت به ما بين حقّ وباطل
بقلبٍ ذكيّ ترتمي جنباتهكبارق رعدٍ عند رعش الأنامل
فما دحضت رجلي ولا زلّ مقوليولا طاش عقلي يوم تلك الزلازل
وقد حدّقت حولي عيونٌ إخالهاكمثل سهامٍ أثبتت في المقاتل
لخير إمام كان أو هو كائنلمقتبلٍ أو في العصور الأوائل
ترى الناس أفواجاً يؤمّون بابهوكلّهم ما بي راجٍ وآمل
وفود ملوك الروم وسط فنائهمخافة بأس أو رجاءً لنائل
فعش سالماً أقصى حياة مؤمّلاًفأنت غياث كلّ حافٍ وناعل
ستملكها ما بين شرق ومغرب ... إلى درب قسطنطين أو أرض بابل انتهى كلام ابن سعيد، وهو يؤيد كلام ابن خلدون أن المأمور بالخطبة هو القالي.
وذكر أن الناصر قال لابنه الحكم بعد أن سأله عنه: لقد أحسن ما شاء، فلئن كان حبّر خطبته هذه وأعدّها مخافة أن يدور ما دار فيتلافى الوهي فإنّه
لبديع من قدرته واحتياطه، ولئن كان أتى بها على البديهة لوقته فإنّه لأعجب وأغرب.
قال ابن سعيد: ولما فرغ منذر من خطبته أنشد:
هذا المقام الذي ما عابه فندٌلكنّ قائله أزرى به البلد
لو كنت فيهم غريباً كنت مطّرفاًلكنّني منهم فاغتالني النّكد ويروى بدل هذا الشطر:
ولا دهاني له بغيٌ ولا حسد ...
لولا الخلافة أبقى الله حرمتها ... ما كنت أرضى بأرض ما بها أحد قلت: كأنّه عرّض بابي علي القالي، وتقديمهم إيّاه في هذا المقام، والله أعلم.
ومن نظم منذر بن سعيد قوله:
الموت حوضٌ وكلّنا نردلم ينج ممّا يخافه أحد
فلا تكن مغرماً برزق غدٍفلست تدري بما يجيء غد
وخذ من الدهر ما أتاك بهويسلم الروح منك والجسد
والخير والشرّ لا تذعه فما ... في الناس إلا التشنيع والحسد ول وقد آذاه شخص فخاطبه بالكنية، فقيل له: أيؤذيك وأنت تخاطبه بالكنية؟ فقال:
لا تعجبوا من أنني كنّيتهمن بعد ما قد سبّنا وأذانا
فالله قد كنّى أبا لهب وماكناه إلاّ خزيةً وهوانا
[ترجمة منذر في المطمح]
وقال في المطمح: منذر بن سعيد البلوطي، آية حركة وسكون، وبركة لم تكن معدّة ولا تكون، وآية سفاهة في تحلّم، وجهامة ورع في طيّ تبسّم، إذا جدّ وجد، وإذا هزل نزل، وفي كلتا الحالتين لم ينزل للورع من مرقب، ولا اكتسب إثماً ولا احتقب، ولي قضاء الجماعة بقرطبة أيّام عبد الرحمن، وناهيك من عدل أظهر، ومن فضل أشهر، ومن جور قبض، ومن حقّ رفع ومن باطل خفض، وكان مهيباً صليباً صارماً غير جبان ولا عاجز ولا مراقب لأحد من خلق الله في استخراج حق ورفع ظلم، واستمر في القضاء إلى أن مات الناصر لدين الله ثم ولي ابنه الحكم فأقرّه، في خلافته استعفى مراراً فما أعفي، وتوفّي بعد ذلك لم يحفظ عنه مدّة ولايته قضية جور، ولا عدّت عليه في حكومته زلة، وكان غزير العلم، كثير الأدب، متكلّماً بالحق، متبيّناً بالصدق، له كتب مؤلفة في السنّة والقرآن والورع، والرد على أهل الأهواء والبدع، وكان خطيباً بليغاً وشاعراً محسناً، ولد عند ولاية المنذر بن محمد، وتوفّي سنة، ومن شعره في الزهد قوله:
كم تصابى وقد علاك المشيبوتعامى عمداً وأنت اللبيب؟
كيف تلهو وقد أتاك نذيرٌأن سيأتي الحمام منك قريب؟
يا سفيهاً قد حان منه رحيلٌبعد ذاك الرحيل يومٌ عصيب
إنّ للموت سكرةً فارتقبهالا يداوي إذا أتتك طبيب
كم توانى حتى تصير رهيناًثمّ تأتيك دعوةٌ فتجيب
بأمور المعاد أنت عليمٌفاعملن جاهداً له يا أريب
وتذكّر يوماً تحاسب فيهإنّ من يدّكر فسوف ينيب
ليس من ساعة من الدهر إلاّ ... للمنايا بها عليك رقيب ولعلّنا نذكر شيئاً من أحوال منذر في غير هذا الموضع.
رجع لأخبار الناصر لدين الله - حكي أنّه لما أعذر لأولاد ابنه أبي مروان عبيد الله اتخذ لذلك صنيعاً عظيماً بقصر الزهراء لم يتخلّف أحد عنه من أهل مملكته وأمر أن ينذر لشهوده الفقهاء المشاورون ومن يليهم من العلماء والعدول ووجوه الناس، فتخلف من بينهم المشاور أبو إبراهيم، وافتقد مكانه لارتفاع منزلته، فسأل في ذلك الخليفة الناصر، إذ أبو إبراهيم من أكابر علماء المالكيّة الذي عليهم المدار، ووجد الناصر بسبب ذلك على أبي إبراهيم، وأمر ابنه وليّ العهد الحكم بالكتاب إليه، والتفنيد له، فكتب إليه الحكم رقعةً نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم، حفظك الله وتولاك، وسددك ورعاك، لمّا امتحن أمير المؤمنين مولاي وسيدي - أبقاه الله - الأولياء الذي يستعدّ بهم وجدك متقدماً في الولاية، متأخّراً عن الصلة، على أنّه قد أنذرك - أبقاه الله - خصوصاً للمشاركة في السرور الذي كان عنده، لا أعدمه الله توالي المسرّة، ثم أنذرت من قبل إبلاغاً في التكرمة، فكان منك على ذلك كلّه من التخلّف ما ضاقت عليك فيه المعذرة، واستبلغ أمير المؤمنين في إنكاره ومعاتبتك عليهن فأعيت عليك عنك الحجّة، فعرّفني - أكرمك الله - ما الذر الذي أوجب توقفك عن إجابة دعوته، ومشاهدة السرور الذي سرّبه وغب المشاركة فيه، لنعرّفه - أبقاه الله - بذلك، فتسكن نفسه العزيزة غليه إن شاء الله تعالى. فأجابه أبو إبراهيم: سلام على الأمير سيدي ورحمة الله، قرأت - أبقى الله الأمير
سيدي - هذا الكتاب وفهمته، ولم يكن توقّفي لنفسي، إنّما كان لأمير المؤمنين سيدنا أبقى الله سلطانه، لعلمي بمذهبه، وسكوني إلى تقواه، واقتفائه لأثر سلفه الطيّب رضوان الله عليهم، فإنّهم يسبقون من هذه الطبقة بقية لا يمتهنونها بما يشينها، ولا بما يغض منها نطرق إلى تنقيصها، يستعدون بها لدينهم، ويتزيّنون بها عند رعاياهم ومن يفد عليهم من قصّدهم، فلهذا تخلفت، ولعلمي بمذهبه توقفت، إن شاء الله تعالى. فلمّا أقرأ الحكم أباه الناصر لدين الله جواب أبي إبراهيم إسحاق أعجبهن واستحسن اعتذاره، وزال ما بنفسه عليه.
وكان الفقيه أبو إبراهيم المذكور معظّماً عند الناصر وابنه الحكم، وحقّ لهما أن يعظماه؛ وقد حكى الفقيه أبو القسم بن مفرّج قال: كنت أختلف إلى الفقيه أبي إبراهيم؟ رحمه الله تعالى، فيمن يختلف إليه للتفقّه والرواية، فإنّي لعنده في بعض الأيّام في مجلسه بالمسجد المنسوب لأبي عثمان الذي كان يصلي به قرب داره بجوفي قصر قرطبة، ومجلسه حافل بجماعة الطلبة، وذلك بين الصلاتين، إذ دخل عليه خصيّ من أصحاب الرسائل، جاء من عند الخليفة الحكم، فوقف وسلّم، وقال له: يا فقيه، أجب أمير المؤمنين أبقاه الله، فإن المر خرج فيك، وها هو قاعد ينتظرك، وقد أمرت بإعجالك، فالله الله، فقال له: سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين، ولا عجلة فارجع إليه وعرّفه وفقه الله عني أنّك وجدتني في بيت من بيوت الله تعالى معي طلاب العلم أسمعهم حديث ابن عمّه رسول الله ﷺ، فهم يقيّدونه عني، وليس يمكنني ترك ما أنا فيه حتى يتم المجلس المعهود له في رضا الله وطاعته، فذلك أوكد من مسيري إليه الساعة، فإذا انقضى أمر من اجتمع إليّ من هؤلاء المحتسبين في ذات الله الساعين لمرضاته مشيت إليه إن شاء الله تعالى. ثم أقبل على
شأنه، ومضى الخصي يهينم متضاجراً من توقّفه، فلم يك إلا ريثما أدّى جوابه، وانصرف سريعاً ساكن الطيش، فقال له: يا فقيه، أنهيت قولك على نصّه إلى أمير المؤمنين أبقاه الله، فأصغى إليه، وهو يقول لك: جزاك الله خيراً عن الدين وعن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين، وأمتعهم بك، وإذا أنت أوعبت فامض إليه راشداً إن شاء الله تعالى، وقد أمرت أن أبقى معك حتى ينقضي شغلك وتمضي معي، فقال له: حسن جميل، ولكني أضعف عن المشي إلى باب السّدّة، ويصعب عليّ ركوب دابة لشيخوختي وضعف أعضائي، وباب الصناعة الذي يقرب إليّ من أبواب القصر المكرّم أحوط وأقرب وأرفق بي، فإن راى أمير المؤمنين - أيّده الله تعالى - أن يأمر بفتحه لأدخل إليه منه هوّن علي المشي، وودع جسمي، وأحب أن تعود وتنهي إليه ذلك عني حتى تعرف رأيه فيه، وكذلك تعود إليّ فإنّي أراك فتى سديداً، فكن على الخير معيناً. ومضى عنه الفتى، ثم رجع بعد حين وقال: يا فقيه، قد أجابك الأمير إلى ما سألت، وأمر بفتح باب الصناعة وانتظارك من قبله، ومنه خرجت إليك، وأمرت بملازمتك مذكراً بالنهوض عند فراغك، وقال: افعل راشداً؛ وجلس الخصيّ جانباً حتى أكمل أبو إبراهيم مجلسه كأفسح ما جرت به عادته غير منزعج ولا قلق، فلمّا انفضضنا عنه قام إلى داره فأصلح من شأنه ثمّ مضى إلى الخليفة الحكم فوصل إليه من ذلك الباب، وقضى حاجته من لقائه، ثم صرفه على ذلك الباب، فأعيد إغلاقه على إثر خروجه. قال ابن مفرّج: ولقد تعمدّنا في تلك العشيّة إثر قيامنا عن الشيخ أبي إبراهيم المرور بهذا الباب المعهود إغلاقه بدبر القصر لنرى تجشّم الخليفة له، فوجدناه كما وصف الخصي مفتوحاً، وقد حفّه الخدم والأعوان منزعجين ما بين
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع