من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الثالث في سرد بعض ما كان للدين بالأندلس من العز السامي العماد، والقهر للعدوّ (٣)
كنّاس وفرّاش متأهّبين لانتظار أبي إبراهيم، فاشتدّ عجبنا لذلك، وطال تحدثنا عنه، انتهى. فهكذا تكون العلماء مع الملوك والملوك معهم، قدس الله تلك الأرواح.
ثم توفّي الناصر لدين الله ثاني - أو ثالث - شهر رمضان، من عام خمسين وثلاثمائة، أعظم ما كان سلطانه، وأعزّ ما كان الإسلام بملكه.
قال ابن خلدون: خلف الناصر في بيوت الأموال خمسة آلاف ألف ألف ألف ثلاث مرات، انتهى.
وقال غير واحد: إنّه كان يقسم الجباية أثلاثاً: ثلث للجند، وثلث للبناء، وثلث مدّخر، وكانت جباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستين ألف دينار، وأمّا أخماس الغنائم العظيمة فلا يحصيها ديوان.
وحكي أنّه وجد بخط الناصر ﵀ أيام السرور التي صفت له دون تكدير يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ويوم كذا من كذا، وعدّت تلك الأيام فكانت أربعة عشر يوماً، فاعجب أيهاالعاقلهذه الدّنيا وعدم صفائها، وبخلها بكمال الأحوال لأوليائها، هذا الخليفة الناصر حلف السعود، المضروب به المثل في الارتقاء في الدينا والصعود، ملكها خمسين سنة وستة - أو سبعة - أشهر وثلاثة أيّام، ولم تصف له إلا أربعة عشر يوماً، فسبحان ذي العزّة القائمة، والمملكة الدائمة، لا إله إلا هو.
وممّا ينسب للناصر من الشعر، وقيل: لابنه الحكم، قوله:
ما كلّ شيء فقدت إلاّعوّضني الله منه شيّا
إنّي إذا ما منعت خيريتباعد الخير من يديا
من كان لي نعمةٌ عليهفإنّها نعمةٌ عليّا [الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد]
وممّا زيّن الله به دولة الناصر وزراؤه الذين من جملتهم ابن شهيد، قال في المطمح: أحمد بن عبد الملك بن عمر بن شهيد، مفخر الإمامة، وزهر تلك الكمامة، وحاجب الناصر عبد الرحمن، وحامل الوزارتين على سموّهما في ذلك الزّمان، استقلّ بالوزارة على ثقلها، وتصرف فيها كيف شاء على حدّ نظرها والتفات مقلها، فظهر على أولئك الوزراء، واشتهر مع كثرة النظراء، وكانت إمارة عبد الرحمن أسعد إمارة، بعد عنها كلّ نفس بالسوء أمّارة، فلم يطرقها صرف، ولم يرمقها محذور بطرف، ففرع الناس فيها هضاب الأمانيّ وربها، ورتعت ظباؤها في ظلال ظباها، وهو أسدٌ على براثنه رابض، وبطلٌ أبداً على قائم سيفه قابض، يروع الروم طيفه، ويجوس خلا تلك الديار خوفه، ويروى بل يحسم كلّ آونة سيفه، وابن شهيد ينتج الآراء ويلقحها، وينقد تلك الأنحاء وينقحها، والدولة مشتملة بغنائه، متجملة بسنائه، وكرمه منتشر على الآمال، ويكسو الأولياء بذلك الإجمال، وكان له أدب تزخر لججه، وتبهر حججه، وشعره رقيق لا ينقد، ويكاد من اللطافة يعقد، فمن ذلك قوله:
ترى البدر منها طالعاً فكأنّمايجول وشاحاها على لؤلؤ رطب
بعيدة مهوى القرط مخطفة الحشاومفعمة الخلخال مفعمة القلب
من اللاّء لم يرحلن فوق رواحلولا سرن يوماً في ركاب ولا ركب
ولا أبرزتهنّ المدام لنشوة ... وشدوٍ كما تشدو القيان على الشّرب وكان بينه وبين الوزير عبد الملك بن جهور متولي الأمر معه، ومشاركه في التدبير إذا حضر مجتمعه، منافسة، لم تنفصل لهما بها مداخلة ولا ملابسة، وكلاهما يتربّص بصاحبه دائرة السّوء، ويغص به غصص الأفق بالنّوء، فاجتاز يوماً على ربضه، وما إلى زيارته ولم تكن من غرضه، فلمّا استأمر عليه، تأخر خروج الإذن إليه، فثنى عنانه حنقاً من حجابه، وضجراً من حجّابه، وكتب إليه معرّضاً، وكان يلقّب بالحمار:
أتيناك لا عن حاجة عرضت لناإليك ولا قلبٍ إليك مشوق
ولكنّنا زرنا بفضل حلومنا ... حماراً تولّى برّنا بعقوق فراجعه ابن جهور يغض منه، بما كان يشيع عنه، بأن جدّه أبا هشام، كان بيطاراً بالشام، بقوله:
حجبناك لمّا زرتنا غير تائقبقلب عدوّ في ثياب صديق
وما كان بيطار الشّآم بموضعيباشر فيه برّنا بخليق ومن شعره قوله يتغزل:
حلفت بمن رمى فأصاب قلبيوقلبه على جمر الصّدود
لقد أودى تذكّره بقلبيولست أشكّ أنّ النفس تودي
فقيدٌ وهو موجودٌ بقلبي ... فوا عجبا لموجودٍ فقيد وقد تقدّم الكلام على هدية ابن شهيد وبعض أخباره، رحمة الله عليه.
[الحكم المستنصر]
ولمّا توفّي الناصر لدين الله تولى الخلافة بعده وليّ عهده الحكم المستنصر بالله فجرى على رسمه، ولم يفقد من ترتيبه إلاّ شخصه، وولي حجابته جعفر المصحفي، وأهدي له يوم ولايته هديّة كان فيها من الأصناف ما ذكره ابن حيّان في المقتبس وهي: مائة مملوك من الإفرنج ناشئة على خيول صافنة كاملو الشّكة والأسلحة من السيوف والرماح والدّرق والتراس والقلانس الهندية، وثلاثمائة ونيّف وعشرون درعاً مختلفة الأجناس، وثلاثمائة خوذة كذلك، ومائة بيضة هنديّة، وخمسون خوذة خشبية من بيضات الفرنجة من غير الخشب يسمونها الطشطانة، وثلاثمائة حربة إفرنجية، ومائة ترس سلطانية، وعشرة جواشن فضّة مذهبة، وخمسة وعشرون قرناً مذهبة من قرون الجاموس، انتهى.
قال ابن خلدون: ولأوّل وفاة الناصر طمع الجلالقة في الثغور، فغزا الحكم المستنصر بنفسه، واقتحم بلد فرذلند بن غندشلب، فنازل شنت اشتبين
وفتحها عنوة واستباحها، وقفل، فبادروا إلى عقد السلم معه وانقبضوا عمّا كانوا فيه، ثمّ أغزى غالباً مولاه بلاد جليقية وسار إلى مدينة سالم لدخول دار الحرب، فجمع له الجلالقة، ولقيهم فهزمهم واستباحهم وأوطأ العساكر بلد فرذلند ودوّخها، وكان شانجة بن رذمير ملك البشكنس قد انتقض، فأغزاه الحكم التجيبيّ صاحب سرقسطة في العساكر، وجاء ملك الجلالقة لنصره، فهزمهم، وامتنعوا بقورية، وعاثوا في نواحيها، وقفل، ثم أغزى الحكم أحمد بن يعلى ويحيى بن محمد التجيبي إلى بلاد برشلونة، فعاثت العساكر في نواحيها، وأغزى هذيل بن هاشم ومولاه غالباً إلى بلاد القومس، فعاثا فيها، وقفلا، وعظمت فتوحات الحكم وقوّاد الثغور في كل ناحية، وكان من أعظمها فتح قلهرّة من بلاد البشكنس على يد غالب، فعمرها الحكم، واعتنى بها، ثمّ فتح قطوبية على يد قائد وشقة وغنم فيها من الأموال والسلاح والأقوات والأثاث وفي بسطها من الغنم والبقر والرّمك والأطعمة والسبي ما لا يحصى.
وفي سنة أربع وخمسين سار غالب إلى بلد ألبة، ومعه يحيى بن محمّد التجيبي وقاسم بن مطرف بن ذي النون، فابتنى حصن غرماج، ودوّخ بلادهم، وانصرف.
وظهرت في هذه السنة مراكب المجوس في البحر الكبير، وأفسدوا بسائط أشبونة وناشبهم الناس القتال، فرجعوا إلى مراكبهم، وأخرج الحكم
القوّاد لاحتراس السواحل، وأمر قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس بتعجيل حركة الأسطول، ثم وردت الأخبار بأن العساكر نالت منهم في كل جهة من السواحل.
ثمّ كانت وفادة أردون بن أذفونش ملك الجلالقة، وذلك أن الناصر لمّا أعان عليه شانجة بن رذمير - وهو ابن عمّه، وهو الملك من قبل أردون - وحمل النصرانية على طاعته، واستظهر أردون بصهره فرذلند قومس قشتيلة، وتوقّع مظاهرة الحكم لشانجة كما ظاهره أبوه الناصر، فبادر إلى الوفادة على الحكم مستجيراً به، فاحتفل لقدومه، وعبّى العساكر ليوم وفادته، وكان يوماً مشهوداً وصفه ابن حيّان كما وصف أيّام الوفادات قبله، ووصل إلى الحكم وأجلسه، ووعده بالنصر من عدوّه، وخلع عليه، وكتب بوصوله ملقياً بنفسه، وعاقده على موالاة الإسلام، ومقاطعة فرذلند القومس، وأعطى على ذلك صفقة يمينه. ورهن ولده غرسية، ودفعت الصّلات والحملان له ولأصحابه، وانصرف معه وجوه نصارى الذمّة ليوطّدوا له الطاعة عند رعيته، ويقبضوا رهنه.
وعند ذلك بعث ابن عمّه شانجة بن رذمير ببيعته وطاعته مع قواميس أهل جليقية وسمّورة وأساقفتهم، يرغب في قبوله، ويمتّ بما فعل أبوه الناصر معه، فتقبل بيعتهم على شروط شرطها كان منها هدم الحصون والأبراج القريبة من ثغور المسلمين.
ثمّ بعث ملكا برشلونة وطرّكونة وغيرهما يسألان تجديد الصلح وإقرارهما على ما كانا عليه، وبعثا بهدية، هي: عشرون صبيّاً من الخصيان الصقالبة، وعشرون قنطاراً من صوف السمّور، وخمسة قناطير من القصدير، وعشرة أدراعٍ صقلبية، ومائتا سيف فرنجية، فتقبل الهدية وعقد لهم على أن يهدموا
الحصون التي تضرّ بالثغور، وأن لا يظاهروا عليه أهل ملّتهم، وأن ينذروا بما يكون من النصارى في الإجلاب على المسلمين.
ثم وصلت رسل غرسية بن شانجة ملك البشكنس في جماعة من الأساقفة والقواميس يسألون الصلح، بعد أن كان توقف وأظهر المكر، فعقد لهم الحكم، فاغتبطوا ورجعوا.
ثمّ وفدت على الحكم أم لذريق بن بلاشك القومس بالغرب من جليقية، وهو القومس الأكبر، فأخرج الحكم لتلقّيها أهل دولته، واحتفل لقدومها في يوم مشهود مشهور، فوصلت وأسعفت، وعقد السلم لابنها كما رغبت، ودفع لها مالاً تقسّمه بين وقدها، دون ما وصلت به هي، وحملت على بغلة فارهة بسرج ولجام مثقلين بالذهب وملحفة ديباج، ثم عاودت مجلس الحكم للوداع، فعاودها بالصّلات لسفرها، وانطلقت.
ثمّ أوطأ عساكره أرض العدوة من المغرب الأقصى والأوسط، وتلقّى دعوته ملوك زناتة من مغراوة ومكناسة، فبثّوها في أعمالهم، وخطبوا بها على منابرهم، زاحموا بها دعوة الشّيعة فيما بينهم، ووفد عليه من بني خزر وبني أبي العافية، فأجزل صلتهم، وأكرم وفادتهم، وأحسن منصرفهم، واستنزل بني إدريس من ملكهم العدوة في ناحية الرّيف، وأجازهم البحر إلى قرطبة، ثم جلاهم إلى الإسكندرية.
وكان محبّاً للعلوم، مكرماً لأهلها، جمّاعاً للكتب في أنواعها بما لم يجمعه أحد من الملوك قبله، قال أبو محمد بن حزم: أخبرني تليد الخصيّ - وكان على خزانة: العلوم والكتب بدار بني مروان - أن عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، وفي كل فهرسة عشون ورقة، ليس فيها
إلا ذكر أسماء الدواوين لا غير، وأقام للعلم والعلماء سوقاً نافقة جلبت إليها بضائعه من كل قطر. ووفد على أبيه أبو عليّ القالي صاحب كتاب الأمالي من بغداد فأكرم مثواه، وحسنت منزلته عنده، وأورث أهل الأندلس علمه، واختص بالحكم المستنصر واستفاد علمه؛ وكان يبعث في الكتب إلى الأقطار رجالاً من التجار، ويرسل إليهم الأموال لشرائها، حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه، وبعث في كتاب الأغاني إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني، وكان نسبه في بني أمية، وأرسل إليه فيه بألف دينار من الذهب العين، فبعث إليه بنسخة منه قبل أن يخرجه إلى العراق، وكذلك فعل مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم، وأمثال ذلك. وجمع بداره الحذّاق في صناعة النّسخ والمهرة في الضبط والإجادة في التجليد، فأوعى من ذلك كلّه، واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده، إلاّ ما يذكر عن الناصر العباسيّ بن المستضيء، ولم تزل هذه الكتب بقصر قرطبة إلى أن بيع أكثرها في حصار البربر، وأمر بإخراجها وبيعها الحاجب واضح من موالي المنصور بن أبي عامر، ونهب ما بقي منها عند دخول البربر قرطبة واقتحامهم إياها عنوة، انتهى كلام ابن خلدون ببعض اختصار.
ولنبسط الكلام على الحكم فنقول: إن الحكم المستنصر اعتلى سرير الملك ثاني يوم وفاة أبيه يوم الخميس، وقام بأعباء الملك أتم قيام، وأنفذ الكتب إلى الأفاق بتمام الأمر له، ودعا الناس إلى بيعته، واستقبل من يومه النظر في تمهيد سلطانه، وتثقيف مملكته، وضبط قصوره، وترتيب أجناده، وأوّل ما أخذ
البيعة على صقالبة قصره الفتيان المعروفين بالخلفاء الأكابر، كجعفر صاحب الخيل والطراز وغيره من عظمائهم، وتكفّلوا بأخذها على من وراءهم وتحت أيديهم من طبقتهم وغيرهم، وأوصل إلى نفسه في الليل دون هؤلاء الأكابر من الكتّاب والوصفاء والمقدمين والعرفاء، فبايعوه، فلمّا كملت بيعة أهل القصر تقدّم إلى عظيم دولته جعفر بن عثمان بالنهوض إلى أخيه شقيقه أبي مروان عبيد الله المتخلف بأن يلزمه الحضور للبيعة دون معذرة، وتقدم إلى موسى بن أحمد بن حدير بالنهوض أيضاً إلى ابي الأصبغ عبد العزيز شقيقه الثاني، فمضى إليهما كلّ واحد منهما في قطيع من الجند، وأتيا بهما إلى قصر مدينة الزهراء، ونفذ غيرهما من وجوه الرجال في الخيل لإتيان غيرهما من الإخوة، وكانوا يومئذ ثمانية، فوافى جميعهم الزهراء في الليل، فنزلوا في مراتبهم بفصلان دار الملك، وقعدوا في المجلسين الشرقي والغربي، وقعد المستنصر بالله على سرير الملك في البهو الوسط من الأبهاء المذهبة القبلية التي في السطح الممرّد، فأوّل من وصل إليه الإخوة فبايعوه، وأنصتوا لصحيفة البيعة، والتزموا الأيمان المنصوصة بكل ما انعقد فيها، ثم بايع بعدهم الوزراء وأولادهم وإخوتهم، ثمّ أصحاب الشرطة وطبقات أهل الخدمة، وقعد الإخوة والوزراء والوجوه عن يمينه وشماله، إلا عيسى بن فطيس فإنّه كان قائماً يأخذ البيعة على الناس، وقام الترتيب على الرسم في مجالس الاحتفال المعروفة، فاصطف في المجلس الذي قعد فيه أكابر الفتيان يميناً وشمالاً إلى آخر البهو كلّ منهم على قدره في المنزلة، عليهم الظهائر البيض شعار الحزن، قد تقلدوا فوقها السيوف، ثم تلاهم الفتيان الوصفاء، عليهم الدروع السابغة والسيوف الحالية، صفين منتظمين في السطح، وفي الفصلان المتصلة به ذوو الأسنان من الفتيان الصقالبة الخصيان لابسين البياض، بأيديهم السيوف، يتصل بهم من دونهم من طبقات
الخصيان الصقالبة، ثم تلاهم الرماة متنكبين قسيّهم وجعابهم، ثم وصلت صفوف هؤلاء الخصيان الصقالبة صفوف العبيد الفحول شاكين في الأسلحة الرائقة والعدّة الكاملة، قامت التعبية في دار الجند والترتيب من رجّالة العبيد عليهم الجواشن والأقبية البيض، وعلى رؤوسهم البيضات الصّقيلة، وبأيديهم التّراس الملوّنة والأسلحة المزينة، انتظموا صفين إلى آخر الفصل، وعلى باب السّدّة الأعظم البوّابون وأعوانهم، ومن خارج باب السّدّة فرسان العبيد إلى باب الأقباء، واتصل بهم فرسان الحشم وطبقات الجند والعبيد والرماة، موكباً إثر موكب، إلى باب المدينة الشارع إلى الصحراء، فلمّا تمّت البيعة أذن للناس بالانفضاض، إلا الإخوة والوزراء وأهل الخدمة فإنّهم مكثوا بقصر الزهراء إلى أن احتمل جسد الناصر ﵀ إلى قصر قرطبة للدفن هنالك في تربة الخلفاء.
وفي ذي الحجّة من سنة خمسين تكاثرت الوفود بباب الخليفة الحكم من البلاد للبيعة والتماس المطالب، من أهل طليطلة وغيرها من قواعد الأندلس وأصقاعها، فتوصلوا إلى مجلس الخليفة بمحضر جميع الوزراء والقاضي منذر بن سعيدوالملأ، فأخذت عليهم البيعة، ووقّعت الشهادات في نسخها.
[؟ وفود أردون على المستنصر]
وفي آخر صفر من سنة إحدى وخمسين أخرج الخليفة الحكم المستنصر بالله مولييه محمّداً وزياداً ابني أفلح الناصري بكتيبة من الحشم لتلقّي غالب الناصري صاحب مدينة سالم المورد للطاغية أردون بن أذفونش الخبيث في الدولة المتملك على طوائف من أمم الجلالقة والمنازع لابن عمّه المملّك قبله شانجة بن رذمير، وتبرع هذا اللعين أردون بالمسير إلى باب المستنصر بالله من ذاته، غير
طالب إذن ولا مستظهر بعهد، وذلك عندما بلغه اعتزام الحكم المستنصر بالله في عامه ذلك على الغزو إليه، وأخذه في التأهّب لهن فاحتال في تأميل المستنصر بالله والارتماء عليه، وخرج قبل أمانٍ بعقد له أو ذمّة تعصمه في عشرين رجلاً من وجوه أصحابه، تكنّفهم غالب الناصري الذي خرجوا إليه، فجاء به نحو مولاه الحكم، وتلقّاهم ابنا أفلح بالجيش المذكور فأنزلاهم، ثم تحرّكا بهم ثاني يوم نزولهم إلى قرطبة، فأخرج المستنصر بالله إليهم هشاماً المصحفي في جيش عظيم كامل التعبية، وتقدّموا إلى باب قرطبة، فمرّوا بباب قصرها، فلمّا انتهى أردون إلى باب السّدة وباب الجنان سأل عن مكان رمس الناصر لدين الله فأشير إلى ما يوازي موضعه من داخل القصر في الروضة، فخلع قلنسوته، وخضع نحو مكان القبر، ودعا، ثم ردّ قلنسوته إلى رأسه. وأمر المستنصر بإنزال أردون في دار الناعورة، وقد كان تقدّم في فرشها بضروب الغطاء والوطاء، وانتهى من ذلك إلى الغاية، وتوسّع له في الكرامة ولأصحابه، فأقام بها الخميس والجمعة، فلمّا كان يوم السبت تقدم المستنصر بالله باستدعاء أردون ومن معه بعد إقامة الترتيب وتعبية الجيوش والاحتفال في ذلك من العدد والأسلحة والزينة، وقعد المستنصر بالله على سرير الملك في المجلس الشرقي من مجالس السطح، وقعد الإخوة وبنوهم والوزراء ونظراؤهم صفاً في المجلس فيهم القاضي منذر بن سعيد والحكام والفقهاء، فأتى محمّد بن القاسم بن طملس بالملك أردون وأصحابه وعالي لبوسه ثوبٌ ديباجيٌّ روميٌّ ابيض وبليوال من جنسه وفي لونه، وعلى رأسه قلنسوة رومية منظومة
بجوهر، وقد حفته جماعة من نصارى وجوه الذمّة بالأندلس يؤنسونه ويبصرونه، فيهم وليد بن خيزران قاضي النصارى بقرطبة وعبيد الله بن قاسم مطران طليطلة وغيرهما، فدخل بين صفّي الترتيب يقلّب الطّرف في نظم الصفوف، ويجيل الفكر في كثرتها وتظاهر أسلحتها ورائق حليتها، فراعهم ما أبصروه، وصلّبوا على وجوههم، وتأملوا ناكسي رؤوسهم غاضّين من أجفانهم قد سكّرت أبصارهم حتى وصلوا إلى باب الأقباء أوّل باب قصر الزهراء، فترجل جميع من كان خرج إلى لقائه، وتقدم الملك أردون وخاصّة قوامسه على دوابهم، حتى انتهوا إلى باب السّدّة، فأمر القوامس بالترجّل هنالك والمشي على الأقدام، فترجلوا، ودخل الملك أردون وحده راكباً مع محمد بن طملس، فأنزل في برطل البهو الأوسط من الأبهاء القبلية التي بدار الجند على كرسي مرتفع مكسوّ الأوصال بالفضّة، وفي هذا المكان بعينه نزل قبله عدوّه ومناوئه شانجة بن رذمير الوافد على الناصر لدين الله - رحمه اله تعالى - فقعد أردون على الكرسي، وقعد أصحابه بين يديه، وخرج الإذن لأردون الملك من المستنصر بالله بالدخول عليه، فتقدم يمشي وأصحابه يتبعونه إلى أن وصل إلى السطح، فلمّا قابل المجلس الشرقي الذي فيه المستنصر بالله وقف وكشف رأسه وخلع برنسه، وبقي حاسراً إعظاماً لما بان له من الدنو إلى السرير، واستنهض فمضى بين الصفين المرتبين في ساحة السطح، إلى أن قطع السطح وانتهى إلى باب البهو، فلمّا قابل السرير
خرّ ساجداً سويعةً، ثم استوى قائماً، ثم نهض خطواتٍ، وعاد إلى السجود ووالى ذلك مراراً إلى أن قدم بين يدي الخليفة وأهوى إلى يده فناوله إياها وكرّ راكعاً مقهقراً على عقبه إلى وساد ديباج مثقل بالذهب، جعل له هنالك، ووضع على قدر عشرة أذرع من السرير، فجلس عليه، والبهر قد علاه، وأنهض خلفه من استدنى من قوامسه وأبتاعه، فدنوا ممتثلين في تكرير الخنوع وناولهم الخليفة يده فقبّلوها وانصرفوا مقهقرين فوقفوا على رأس ملكهم، ووصل بوصولهم وليد بن خيزران قاضي النصارى بقرطبة، فكان الترجمان عن الملك أردون ذلك اليوم، فأطرق الحكم عن تكليم الملك أردون إثر قعوده أمامه وقتاً كيما يفرخ روعه، فلمّا رأى أن قد خفّض عله افتتح تكليمه فقال: ليسرك إقبالك ويغبطك تأميلك،
فلدينا لك من حسن رأينا ورحب قبولنا فوق ما قد طلبته، فلمّا ترجم له كلامه إيّاه تطلّق وجه أردون، وانحط عن مرتبته، فقبّل البساط، وقال: أنا عبد أمير المؤمنين مولاي، المتورك على فضلهن القاصد إلى مجده، المحكم في نفسه ورجاله، فحيث وضعني من فضله وعوضني من خدمته رجوت أن أتقدم فيه بنية صادقة، ونصيحة خالصة، فقال له الخليفة: أنت عندنا بمحلّ من يستحق حسن رأينا، وسينالك من تقديمنا لك وتفضيلنا إياك على أهل ملتك ما يغبطك، وتتعرف به فضل جنوحك إلينا، واستظلالك بظل سلطاننا، فعاد أردون إلى السجود عند فهمه مقالة الخليفة، وابتهل داعياً، وقال: إن شانجة ابن عمي تقدم إلى الخليفة الماضي مستجيراً به مني، فكان من إعزازه إياه ما يكون من مثله من أعاظم الملوك وأكارم الخلفاء لمن قصدهم وأمّلهم، وكان قصده قصد مضطر قد شنأته رعيته، وأنكرت سيرته، واختارتني لمكانه من غير سعي مني علم الله ذلك، ولا دعاء إليه، فخلعته وأخرجته عن ملكه مضطرّاً مضطهداً، فتطوّل عليه ﵀ بأن صرفه إلى ملكه،
وقوّى سلطانه، وأعزّ نصره، ومع ذلك فلم يقم بفرض النعمة التي أسديت إليه، وقصّر في أداء المفروض عليه وحقّه وحق مولاي أمير المؤمنين من بعده، وأنا قد قصدت باب أمير المؤمنين لغير ضرورة، من قرارة سلطاني وموضع أحكامي، محكّماً له في نفسي ورجالي ومعاقلي ومن تحويه من رعيتي، فشتان ما بيننا بقوّة الثقة ومطرح الهمة، فقال الخليفة: قد سمعنا قولك، وفهمنا مغزاك، وسوف يظهر من إقراضنا إيّاك على الخصوصيّة شأنه، ويترادف من إحساننا إليك أضعاف ما كان من أبينا - رضي الله تعالى عنه - إلى ندّك وإن كان له فضل التقدّم بالجنوح إلينا والقصد إلى سلطاننا، فليس ذلك ممّا يؤخرك عنه، ولا ينقصك ممّا أنلناك، وسنصرفك مغبوطاً إلى بلدك، ونشدّ أواخيّ ملكك ونملكك جميع من انحاش إليك من أمتك ونعقد لك بذلك كتاباً يكون بيدك نقرّر به حدّ ما بينك وبين ابن عمّك، ونقبضه عن كل ما يصرّفه من البلاد إلى يدك، وسيترادف عليك من إفضالنا فوق ما احتسبته، والله على ما نقول وكيل.
فكرّر أردون الخضوع، وأسهب في الشكر، وقم للانصراف مقهقراً لا يولّي الخليفة ظهره، وقد تكنفه الفتيان، فأخرجوه إلى المجلس الغربي في السطح، وقد علاه البهر وأذهله الرّوع، من هول ما باشره وجلالة ما عاينه من فخامة الخليفة وبهاء العزّة، فلمّا أن دخل المجلس ووقعت عينه على مقعد أمير المؤمنين خالياً منه انحطّ ساجداً إعظاماً له، ثم تقدّم الفتيان يه إلى البهو الذي بجوفي هذا المجلس، فأجلسوه هنالك على وساد مثقل بالذهب، وأقبل نحوه الحاجب جعفر، فلمّا بصر به قام إليه، وخنع له، وأومأ إلى تقبيل يده،
فقبضها الحاجب عنه، وانحنى إليه فعانقه، وجلس معه، فغبّطه، ووعده من إنجاز عدات الخليفة له بما ضاعف سروره، ثم أمر الحاجب جعفر فصبت عليه الخلع التي أمر له بها الخليفة، وكانت درّاعة منسوجة بالذهب، وبرنساً مثلها له لوزة مفرغة من خالص البر مرصعة بالجوهر والياقوت ملأت عين العلج تجلة، فخرّ ساجداً وأعلن بالدعاء، ثم دعا الحاجب أصحابه رجلاً رجلاً فخلع عليهم على قدر استحقاقهم، فكمل جميع ذلك بحسب ما يصلح لهم، وخرّ جميعهم خانعين شاكرين، ثم انطلق الملك أردون وأصحابه، وقدّم لركابه في أوّل البهو الأوسط فرسٌ من عتاق خيل الركاب عليه سرج حلي ولجام حلي مفرغ، وانصرف مع ابن طملس إلى قصر الرصافة مكان تضييفه، وقد أعدّ له فيه كل ما يصلح لمثله من الآلة والفرش والماعون، واستقر أصحابه فيما لا كفاء له من سعة التضييف وإرغاد المعاش.
واستشعر الناس من مسرّة هذا اليوم وعزّة الإسلام فيه ما أفاوضوا في التبجّح به والتحدث عنه أيّاماً، وكانت للخطباء والشعراء بمجلس الخليفة في هذا اليوم مقامات حسان، وإنشادات لأشعار محكمة متان، يطول القول في اختيارها، فمن ذلك قول عبد الملك بن سعيد المرادي من قصيدة حيث يقول:
ملك الخليفة آية الإقبالوسعوده موصولة بتوالي
والمسلمون بعزّةٍ وبرفعةٍوالمشركون بذلّةٍ وسفال
ألقت بأيديها الأعاجم نحوهمتوقّعين لصولة الرئبال
هذا أميرهم أتاه آخذاًمنه أواصر ذمّةٍ وحبال
متواضعاً لجلاله متخشّعاًمتبرّعاً لمّا يرع بقتال
سينال بالتأميل للملك الرّضىعزّاً يعمّ عداه بالإذلال
لا يوم أعظم للولاة مسرّةًوأشدّه غيظاً على الأقيال
من يوم أردون الذي إقبالهأمل المدى ونهاية الإقبال
ملك الأعاجم كلّها ابن ملوكهاوالي الرّعاة وللأعاجم والي
إن كان جاء ضرورةً فلقد أتىعن عزّ مملكة وطوع رجال
فالحمد لله المنيل إمامناحظّ الملوك بقدره المتعالي
هو يوم حشر الناس إلاّ أنّهملم يسألوا فيه عن الأعمال
أضحى الفضاء مفعّماً بجيوشهوالأفق أقتم أغبر السّربال
لا يهتدي الساري لليل قتامهإلا بضوء صوارم وعوالي
وكأن أجسام الكماة تسربلتمذ عرّيت عنه جسوم صلال
وكأنّما العقبان عقبان الفلامنقضّة لتخطّف الضّلاّل
وكأنّ منتصب القنا مهتزّةأشطان نازحةٍ بعيدة جال
وكأنما قبل التجافيف اكتستناراً توهجها بلا إشعال [؟ عود إلى سيرة الحكم]
وقال بعض المؤرخين في حق الحكم المستنصر عن فتاه تليد صاحب خزانته العلمية فيما حدّث عنه الحافظ أبو محمد بن حزم: إن عدة الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة في كل فهرسة عشرون ورقة ليس فيها إلا ذكر الدواوين فقط، انتهى، وقد قدّمناه عن ابن خلدون، ونقله ابن الأبار في التكملة.
وقال بعض المؤرخين في حق الحكم: إنّه كان حسن السيرة، مكرماً للقادمين
عليه، جمع من الكتب ما لا يحدّ ولا يوصف كثرة ونفاسة، حتى قيل: إنها كانت أربعمائة ألف مجلد، وإنّهم لما نقلوها أقاموا ستة أشهر في نقلها، وكان عالماً نبيهاً صافي السريرة، وسمع من قاسم بن أصبغ وأحمد بن دحيم ومحمد بن عبد السلام الخشني وزكريا بن خطاب وأكثر عنه، وأجز له ثابت بن قاسم، وكتب عن خلق كثير سوى هؤلاء. وكان يستجلب المصنفات من الأقاليم والنواحي باذلاً فيها ما أمكن من الأموال حتى ضاقت عنها خزائنه، وكان ذا غرام بها، قد آثر ذلك على لذات الملوك، فاستوسع علمه ودق نظره، وجمّت استفادته، وكان في المعرفة بالرجال والأخبار والأنساب أحوذيّاً نسيج وحده، وكان ثقة فيما ينقله، بهذا وصفه ابن الأبار وبأضعافه، وقال: عجباً لابن الفرضي وابن بشكوال كيف لم يذكراه وقلّما يوجد كتاب من خزائنه إلاّ وله فيه قراءة أو نظر في أيّ فنّ كان ويكتب في نسب المؤلف ومولده ووفاته ويأتي من بعد ذلك بغرائب لا تكاد توجد إلا عنده لعنايته بهذا الشأن.
وممّا ينسب إليه من النظم قوله:
إلى الله أشكو من شمائل مترفٍعليّ ظلوم لا يدين بما دنت
نأت عنه داري فاستزاد صدودهوإنّي على وجدي القديم كما كنت
ولو كنت أدري أنّ شوقي بالغٌمن الوجد ما بلغته لم أكن بنت وقوله:
عجبت وقد ودّعتها كيف لم أمتوكيف انثنت بعد الوداع يدي معي
فيا مقلتي العبرى عليها اسكبي دماًويا كبدي الحرّى عليها تقطّعي
توفّي - رحمه الله تعالى - بقصر قرطبة ثاني صفر سنة ست وستين وثلاثمائة، لست عشرة سنة من خلافته، وكان أصابه الفالج، فلزم الفراش إلى أن هلك - رحمه الله تعالى - وكان قد شدد في إبطال الخمر في مملكته تشديداً عظيماً.
[خلافة هشام بن الحكم وتسلط ابن أبي عامر]
وولي بعده ابنه هشامٌ صغيراً سنّه تسع سنين، ولا ينافيه قول ابن خلدون: قد ناهز الحلم وكان الحكم قد استوزر له محمد بن أبي عامر، ونقله من خطّة القضاء إلى وزارته، وفوّض إليه أموره، فاستقل.
قال ابن خلدون: وترقّت حال ابن أبي عامر عند الحكم، فلمّا توفّي الحكم وبويع هشام ولقّب المؤيد بعد أن قتل ليلتئذ المغير ة أخو الحكم المرشّح لأمره تناول الفتك به محمد بن أبي عامر هذا بممالأة من جعفر بن عثمان المصحفيّ حاجب أبيه وغالب مولى الحكم صاحب مدينة سالم ومن خصيان القصر يومئذ ورؤسائهم فائق وجؤذر، فقتل ابن أبي عامر المغيرة بممالأة من ذكر، وتمت البيعة لهشام، ثم سما لابن أبي عامر في التغلب على هشام لمكانه في السنّ، وثاب له برأي في الاستبداد، فمكر بأهل الدولة، وضرب بين رجالها، وقتل بعضاً ببعض، وكان من رجال اليمنية من معافر، دخل جدّه عبد الملك مع طارق، وكان عظيماً في قومه، وكان له في الفتح أثر، وعظم ابن أبي عامر هذا، غلب على المؤيد، ومنع الوزراء من الوصول إليه إلاّ في النادر من الأيام يسلّمون وينصرفون، وأرضخ للجند في العطاء، وأعلى مراتب العلماء، وقمع أهل البدع، وكان ذا عقل ورأي وشجاعة وبصر بالحروب ودين متين، ثمّ تجرّد لرؤساء الدولة ممّن عانده وزاحمه، فمال عليهم، وحطّهم عن
مراتبهم، وقتل بعضاً ببعض، كلّ ذلك عن] أمر] هشام وخطّه وتوقيعه، حتى استأصلهم وفرّق جموعهم، وأول ما بدأ بالصقالبة الخصيان الخدّام بالقصر، فحمل الحاجب المصحفيّ على نكبتهم، فنكبهم وأخرجهم من القصر، وكانوا ثمانمائة أو يزيدون، ثم أصهر إلى غالب مولى الحكم، وبالغ في خدمته والتنصّح له، واستعان به على المصحفيّ فنكبه ومحا أثره من الدولة، ثم استعان على غالب بجعفر بن عليّ بن حمدون صاحب المسيلة وقائد الشيعة ممدوح بن هانئ بالفائية المشهورة وغيرها، وهو النازع إلى الحكم أوّل الدولة بمن كان معه من زناتة والبربر، ثم قتل جعفراً بممالأة ابن عبد الودود وابن جهور وابن ذي النون وأمثالهم من أولياء الدولة من العرب وغيرهم، ثمّ لمّا خلا الجو من أولياء الخلافة والمرشّحين للرياسة رجع إلى الجند، فاستدعى أهل العدوة من رجال زناتة والبرابرة فرتب منهم جنداً، واصطنع أولياء، وعرّف عرفاء من صنهاجة ومغراوة وبني يفرن وبني برزال ومكناسة وغيرهم، فتغلّب على هشام وحجره، واستولى على الدولة، وملأ الدنيا وهو في جوف بيته، من تعظيم الخلافة، والخضوع لها، وردّ الأمور إليها، وترديد الغزو والجهاد، وقدّم رجال البرابرة وزناتة، وأخّر رجال العرب وأسقطهم عن مراتبهم، فتم له ما أراد من الاستقلال بالملك والاستبداد بالأمر، وبنى لنفسه مدينة لنزله سمّاها الزاهرة، ونقل إليها خزائن الأموال والأسلحة، وقعد على سرير الملك، وأمر أن يحيّا بتحية الملوك، وتسمى بالحاجب المنصور، ونفذت الكتب والمخاطبات والأوامر باسمه، وأمر بالدعاء له على المنابر باسمه عقب الدعاء للخليفة، ومحا رسم الخلافة بالجملة، ولم يبق لهشام المؤيد من رسوم الخلافة أكثر من الدعاء على
المنابر وكتب اسمه في السّكة والطرز، وأغفل ديوانه ممّا سوى ذلك؛ وجنّد البرابرة والمماليك، واستكثر من العبيد والعلوج للاستيلاء على تلك الرتبة، وقهر من تطاول إليها من العلية، فظفر من ذلك بما أراد، وردد الغزو بنفسه إلى دار الحرب، فغزا ستّاً وخمسين غزوة في سائر أيام ملكه لم تنتكس له فيها راية، ولا فلّ له جيش، وما أصيب له بعث، وما هلكت له سريّة، وأجاز عساكره إلى العدوة، وضرب بين ملوك البرابرة وضرب بعضهم ببعض، فاستوثق له ملك المغرب، وأخبتت له ملوك زناتة وانقادوا لحكمه وأطاعوا سلطانه، وأجاز ابنه عبد الملك إلى ملوك مغراوة بفاس من آل خزر، ولمّا سخط زيري بن عطية ملكهم لمّا بلغه ما بلغه من إعلانه بالنّيل منه والغضّ من منصبه والتأفّف لحجر الخليفة هشام أوقع به عبد الملك سنة ست وثمانين، ونزل بفاس وملكها، وعقد لملوك زناتة على ممالك المغرب وأعماله من سجلماسة وغيرها، وشرّد زيري بن عطية إلى تاهرت، فأبعد المفرّ، وهلك في مفرّه ذلك، ثم قفل عبد الملك إلى قرطبة، واستعمل واضحاً على المغرب، وهلك المنصور أعظم ما كان ملكاً، وأشدّ استيلاء، سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، بمدينة سالم منصرفه من بعض غزواته، ودفن هنالك، وذلك لسبع وعشرين سنة من ملكه، انتهى كلام ابن خلدون، وبعضه بالمعنى وزيادة يسيرة.
ولا بأس أن نزيد عليه فنقول: ممّا حكي أنّه مكتوب على قبر المنصور رحمه الله تعالى:
آثاره تنبيك عن أخبارهحتّى كأنّك بالعيان تراه
تالله لا يأتي الزمان بمثله ... أبداً، ولا يحمي الثغور سواه وعن شجاع مولى المستعين بن هود: لمّا توجّهت إلى أذفونش وجدته في
مدينة سالم، وقد نصب على قبر المنصور بن أبي عامر سريره، وامرأته متكئة إلى جانبه، فقال لي: يا شجاع، أما تراني قد ملكت بلاد المسلمين، وجلست على قبر ملكهم؟ قال: فحملتني الغيرة أن قلت له: لو تنفّس صاحب هذا القبر وأنت عليه ما سمع منك ما يكره سماعه، ولا استقر بك قرار، فهمّ بي، فحالت امرأته بيني وبينه، وقالت له: صدقك فيما قال، أيفخر مثلك بمثل هذا؟
وهذا تلخيص ترجمة المنصور من كلام ابن سعيد، قال ﵀: ترجمة الملك الأعظم المنصور أبي عامر محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، المعافري، من قرية تركش، وعبد الملك جدّه هو الوافد على الأندلس معطارق في أوّل الداخلين من العرب، وأمّا المنصور فقد ذكره ابن حيّان في كتابه المخصوص بالدولة العامرية، والفتح في المطمح، والحجاري في المسهب، الشّقندي في الطرف، وذكر الجميع أن أصله من قرية تركش، وأنّه رحل إلى قرطبة، وتأدب بها، ثم اقتعد دكاناً عند باب القصر يكتب فيه لمن يعنّ له كتب من الخدم والمرافعين للسلطان، إلى أن طلبت السيدة صبح أم المؤيد من يكتب عنها، فعرّفها به من كان يأنس إليه بالجلوس من فتيان القصر، فترقّى إلى أن كتب عنها، فاستحسنته ونبّهت عليه الحكم ورغبت في تشريفه بالخدمة، فولاّه قضاء بعض المواضع، فظهرت منه نجابة، فترقّى إلى الزكاة والمواريث بإشبيلية وتمكّن في قلب السيدة بما استمالها به من التّحف والخدمة ما لم يتمكن لغيره ولم يقصر - مع ذلك - في خدمة المصحفيّ الحاجب، إلى أن توفّي الحكم وولي ابنه هشام المؤيد، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فجاشت الروم، فجهز المصحفيّ ابن أبي عامر لدفاعهم، فنصره الله عليهم، وتمكّن حبّه من قلوب الناس.
وكان جواداً عاقلاً ذكيّاً، استعان بالمصحفيّ على الصقالبة، ثم بغالب على المصحفيّ، وكان غالب صاحب مدينة سالم - وتزوج ابن أبي عامر ابنته أسماء، وكان أعظم عرس بالأندلس - ثمّ بجعفر بن علي الأندلسي ممدوح ابن هانئ على غالب، ثم بعبد الرحمن بن محمد بن هشام التّجيبي على جعفر، وله في الحزم والكيد والجلد ما أفرد له ابن حيّان تأليفاً، وعدد غزواته المنشأة من قرطبة نيّف وخمسون غزوة، ولم تهزم له راية، وقبره بمدينة سالم في أقصى شرق الأندلس.
ومن شعره:
رميت بنفسي هول كلّ عظيمةوخاطرت والحرّ الكريم يخاطر
وما صاحبي إلا جنانٌ مشيّعٌوأسمر خطّيٌّ وأبيض باتر
فسدت بنفسي أهل كلّ سيادةوفاخرت حتى لم أجد من أفاخر
وما شدت بنياناً ولكن زيادةعلى ما بنى عبد المليك وعامر
رفعنا المعالي بالعوالي حديثةوأورثناها في القديم معافر وجوده مع صاعد البغدادي اللغوي مشهور
وصدر عن بعض غزواته فكتب إليه عبد الملك بن شهيد، وكان قد تخلّف عنه:
أنا شيخٌ والشيخ يهوى الصّبايايا بنفسي أقيك كلّ الرّزايا
ورسول الإله أسهم في الفي ... ء لمن لم يخبّ فيه المطايا فبعث إليه بثلاث جوارٍ من أجمل السبي، وكتب معهنّ، وكانت واحدة أجملهنّ، قوله:
قد بعثنا بها كشمس النّهارفي ثلاثٍ من المها أبكار
وامتحنّا بعذرة البكر إن كنت ترجّي بوادر الإعذار
فاجتهد وابتدر فإنّك شيخٌقد جلا ليله بياض النهار
صانك الله من كلالك فيهافمن العار كلة المسمار فافتضهن من ليلته، وكتب له بكرة:
قد فضضنا ختام ذاك السّوارواصطبغنا من النّجيع الجاري
وصبرنا على دفاعٍ وحربٍفلعبنا بالدّرّ أو بالدراري
وقضى الشيخ ما قضى بحسامٍذي مضاءٍ عضب الظّبا بتّار
فاصطنعه فليس يجزيك كفراً ... واتخذه فحلاً على الكفّار وقدم بعض التجّار ومعه كيس فيه ياقوت نفيس، فتجرّد ليسبح في النهر، وترك الكيس، وكان أحمر، على ثيابه، فرفعته حدأة في مخالبها، فجرى تابعاً لها وقد ذهل، فتغلغلت في البساتين، وانقطعت عن عينه، فرجع متحيّراً، فشكا ذلك إلى بعض من يأنس به، فقال له: صف حالك لابن أبي عامر، فتلطّف في وصف ذلك بين يديه، فقال: ننظر إن شاء الله تعالى في شأنك، وجعل يستدعي أصحاب تلك البساتين، ويسأل خدّامها عمّن ظهر عليه تبديل حال، فأخبروه أن شخصاً ينقل الزبل اشترى حماراً، وظهر من حاله ما لم يكن قبل ذلك، فأمر بمجيئه، فلمّا وقعت عينه عليه قال له: أحضر الكيس الأحمر، فتملك الرعب قلبه وارتعش، وقال: دعني آتي به من منزلي، فوكل به من حمله إلى منزله وجاء بالكيس، وقد نقص منه ما لا يقدح في
مسرّة صاحبه، فجبره، ودفعه إلى صاحبه، فقال: والله لأحدثنّ في مشارق الأرض ومغاربها أن ابن أبي عامر يحكم على الطيور وينصف منها، والتفت ابن أبي عامر إلى الزبال فقال له: لو أتيت به أغنيناك، لكن تخرج كفافاً لا عقاباً ولا ثواباً.
وتوفّي ﵀ في غزاته للإفرنج بصفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وحمل في سريره على أعناق الرجال، وعسكره يحفّ به وبين يديه، إلى أن وصل إلى مدينة سالم.
ودامت دولته ستّاً وعشرين سنة، غزا فيها اثنتين وخمسين غزوة واحدة في الشتاء وأخرى في الصيف، انتهى كلام ابن سعيد، وفي بعضه مخالفة لبعض كلام ابن خلدون.
[الحاجب المصحفي عن المطمح]
وقال الفتح في " المطمح " في حق المصحفيّ الحاجب جعفر بن عثمان المصحفيّ، ما صورته: تجرّد للعليا، وتمرّد في طلب الدنيا، حتى بلغ المنى، وتسوّغ ذلك الجنى، ووصل إلى المنتهى، وحصل على ما اشتهى، دون مجد تفرّع من دوحته، ولا فخر نشأ بين مغداه وروحته، فسما دون سابقة، ورمى إلى رتبة لم تكن لنفسه مطابقة، فبلغ بنفسه، ونزع عن جنسه، ولم يزل يستقل ويضطلع، وينتقل من مطلع إلى مطلع، حتى التاح في أفق الخلافة، وارتاح إليها بعطفه كنشوان السّلافة، واستوزره المستنصر، وعنه كان يسمع وبه يبصر، وحجب الإمام، وأسكب برأيه ذلك الغمام، فأدرك لذلك
ما أدرك، ونصب لأمانيه الحبائل والشّرك، فاقتنى اقتناء؟؟؟؟ مدّخر، وأزرى بمن سواه وسخر، واستعطفه ابن أبي عامر ونجمه غائر لم يلح، وسرّه مكتوم لم يبح، فما عطف، ولا جنى من روضة دنياه ولا قطف، وأقام في تدبير الأندلس ما أقام وبرهانه مستقيم، ومن الفتن عقيم، وهو يجري من السعد في ميدان رحب، ويكرع من العزّ في مشرب عذب، ويفضّ ختام السرور، وينهض بملكٍ على لبّته مزرور، وكان له أدبٌ بارع، وخاطر إلى نظم القريض مسارع، فمن محاسنه التي بعثها إيناس دهره وإسعاده، وقاله حين ألهته سلماه وسعاده، قوله:
لعينيك في قلبي عليّ عيونوبين ضلوعي للشّجون فنون
نصيبي من الدنيا هواك، وإنّه ... غذائي، ولكنّي عليه ضنين وستأتي هذه الترجمة من المطمح الصغير إن شاء الله تعالى بما فيه بعض زيادة ونقصان في الباب الرابع.
[؟؟ ترجمة ابن أبي عامر في المطمح]
وقال في المطمح في حقّ ابن أبي عامر: إنّه تمرّس ببلاد الشّرك أعظم تمرّس، ومحا من طواغيتها كلّ تعجرف وتغطرس، وغادرهم صرعى البقاع، وتركهم أذلّ من وتدٍ بقاع، ووالى على بلادهم الوقائع، وسدّد إلى أكبادهم سهام الفجائع، وأعضّ بالحمام أرواحهم، ونغّص بتلك الآلام بكورهم ورواحهم، ومن أوضح الأمور هنالك، وأفصح الأخبار في ذلك، أن أحد رسله كان كثير الانتياب، لذلك الجناب، فسار في بعض مسيراته إلى غرسية
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع