تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الرابع في ذكر قرطبة التي كانت الخلافة بمصرها للأعداء قاهرة، وجامعها الأموي ذي

البدائع الباهية الباهرة والإلماع بحضرتي الملك الناصرية الزّهراء

والعامرية الزاهرة، ووصف جملة من منتزهات تلك الأقطار ومصانعها ذات

المحاسن الباطنة والظاهرة، وما يجرّ إليه شجون الحديث من أمور تقضي

بحسن إيرادها القرائح الوقّادة والأفكار الماهرة

[نقول في وصف قرطبة]

قال ابن سعيد، ﵀: مملكة قرطبة في الإقليم الرابع، وإيالته للشمس، وفي هذه المملكة معدن الفضة الخالصة في قرية كرتش، ومعدن الزئبق والزنجفر في بلد بسطاسة، ولجزائها خواصّ مذكورة في متفرّقاتها، وأرضها أرض كريمة النبات، انتهى.

وقدّم، ﵀ في المغرب الكلام عليها على سائر أقطار الأندلس وقال: إنّما قدمنا هذه المملكة من بين سائر الممالك الأندلسية لكون سلاطين الأندلس الأول اتخذوها سريراً لسلطنة الأندلس، ولم يعدلوا عن حضرتها قرطبة، ثم سلاطين بني أمية وخلفاؤهم لم يعدلوا عن هذه المملكة، وتقلّبوا منها في ثلاثة أقطاب أداروا فيها خلافتهم: قرطبة، والزهراء، والزاهرة، وإنّما

اتخذوها لهذا الشأن لما رأوها لذلك أهلاً، وقرطبة أعظم علماً وأكثر فضلاً بالنظر إلى غيرها من الممالك، لاتصال الحضارة العظيمة والدولة المتوارثة فيها.

ثم قسم ابن سعيد كتاب الحلة المذهبة، في حلى ممالك قرطبة بالنظر إلى الكور إلى أحد عشر كتاباً:

الكتاب الأوّل كتاب الحلة الذهبية، في حلى الكورة القرطبية.

الكتاب الثاني كتاب الدرر المصونة، في حلى كورة بلكونة.

الكتاب الثالث كتاب " محادثة السمير، في حلى كورة القصير ".

الكتاب الرابع كتاب الوشي المصوّر، في حلى كورة المدوّر.

الكتاب الخامس كتاب نيل المراد، في حلى كورة مراد.

الكتاب السادس كتاب المزنة، في حلى كورة كزنة.

الكتاب السابع كتاب الدر النافق، في حلى كورة غافق.

الكتاب الثامن كتاب النفحة الأرجة، في حلى كورة إستجة.

الكتاب التاسع كتاب الكواكب الدرّيّة، في حلى الكورة القبرية.

الكتاب العاشر كتاب رقة المحبة، في حلى كورة إستبة.

الكتاب الحادي عشر كتاب السّوسانة، في حلى كورة اليسّانة انتهى.

ثمّ قال، رحمه الله تعالى: إن العمارة اتّصلت في مباني قرطبة والزهراء والزاهرة، بحيث إنّه كان يمشى فيها لضوء السّرج المتصلة عشرة أميال حسبما ذكره الشّقندي في رسالته، ثم قال: ولكل مدينة من مدن قرطبة وأعمالها ذكر مختص به، ثم ذكر المسافات التي بين ممالك قرطبة المذكورة فقال: بين المدوّر وقرطبة ستة عشر ميلاً، وبين قرطبة ومراد خمسة وعشرون ميلاً، وبين قرطبة والقصير ثمانية عشر ميلاً، وبين قرطبة وغافق مرحلتان، وبين قرطبة وإستبة ستة وثلاثون ميلاً، وبين قرطبة وبلكونة

مرحلتان، وبين قرطبة واليسّانة أربعون ميلاً، وبين قرطبة وقبرة ثلاثون ميلاً، وبين قرطبة وبيّانة مرحلتان، وبين قرطبة وإستجة ثلاثون ميلاً، وكورة رندة كانت في القديم من عمل قرطبة، ثم صارت من مملكة إشبيلية، وهي أقرب وأدخل في المملكة الإشبيلية، انتهى.

ثمّ قسم رحمه الله تعالى كتاب الحلّة الذهبية، في حلى الكورة القرطبية إلى خمسة كتب:

الكتاب الأول كتاب النّغم المطربة، في حلى حضرة قرطبة.

الكتاب الثاني كتاب الصّبيحة الغرّاء، في حلى حضرة الزهراء.

الكتاب الثالث كتاب البدائع الباهرة، في حلى حضرة الزاهرة.

الكتاب الرابع كتاب الوردة، في حلى مدينة شقندة.

الكتاب الخامس كتاب " الجرعة السّيّغة، في حلى كورة وزغة ".

وقال، رحمه الله تعالى، في كتاب النغم المطربة، في حلى حضرة قرطبة: إن حضرة قرطبة إحدى عرائس مملكتها، وفي اصطلاح الكتاب أن للعروس الكاملة الزينة منصّة، وهي مختصّة بما يتعلّق بذكر المدينة في نفسها، وتاجاً، وهو مختصّ الإيالة السلطانية، وسلكاً، وهو مختصّ بأصحاب درر الكلام من النّثّر والنّظّام، وحلّة، وهي مختصّة بأعلام العلماء المصنفين الذين ليس لهم نظم ولا نثر، ولا يجب إهمال تراجمهم، وأهداباً، وهي مختصّة بأصحاب فنون الهزل وما ينحو منحاه، انتهى.

ثمّ فصّل، رحمه الله تعالى، ذلك كلّه بما تعدّدت منه الأجزاء، وقد لخصت منه هنا بعض ما ذكر، ثمّ أردفته بكلام غيره، فأقول: قال في كتاب أجار:

إن قرظبة - بالظاء المعجمة - ومعناه أجر ساكنها، يعني عربت بالطاء، ثمّ قال: ودور مدينة قرطبة ثلاثون ألف ذراع، انتهى.

وقال غيره: إن تكسيرها ومساحتها التي دار السور عليها دون الأرباض طولاً من القبلة إلى الجوف ألف وستمائة ذراع، واتصلت العمارة بها أيام بني أمية ثمانية فراسخ طولاً وفرسخين عرضاً، وذلك من الأميال أربعة وعشرون في الطول، وفي العرض ستّة، وكل ذلك ديار وقصور ومساجد وبساتين بطول ضفة الوادي المسمى بالوادي الكبير، وليس في الأندلس وادٍ يسمّى باسم عربي غيره. ولم تزل قرطبة في الزيادة منذ الفتح الإسلامي إلى سنة أربعمائة، فانحطت، واستولى عليها الخراب بكثرة الفتن إلى أن كانت الطامة الكبرى عليها بأخذ العدوّ الكافر لها ثالث عشري شوّال سنة ستمائة وثلاث وثلاثين.

ثمّ قال القائل: ودور قرطبة أعني المسّر منها دون الأرباض ثلاثة وثلاثون ألف ذراع، ودور قصر إمارتها ألف ذراع ومائة ذراع، انتهى.

وعدد أرباضها واحد وعشرون، في كل ربض منها من المساجد والأسواق والحمامات ما يقوم بأهله ولا يحتاجون إلى غيره، وبخارج قرطبة ثلاثة آلاف قرية، في كل واحدة منبر وفقيه مقلّص تكون الفتيا في الأحكام والشرائع له، وكان لا يجعل القالص عندهم على رأسه إلاّ من حفظ الموطّأ، وقيل: من حفظ عشرة آلاف حديث عن النبي ﷺ وحفظ المدوّنة، وكان هؤلاء المقلّصون المجاورون لقرطبة يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة بقرطبة، ويسلّمون عليه، ويطالعونه بأحوال بلدهم. انتهى.

قال: وانتهت جباية قرطبة أيام ابن أبي عامر إلى ثلاثة آلاف ألف دينار، بالإنصاف، وقد ذكرنا في موضع آخر ما فيه مخالفة لهذا، فالله أعلم.

وما أحسن قول بعضهم:

دع عنك حضرة بغدادٍ وبهجتهاولا تعظّم بلاد الفرس والصّين

فما على الأرض قطرٌ مثل قرطبة ... وما مشى فوقها مثل ابن حمدين وقال بعضهم: قرطبة قاعدة الأندلس ودار الملك التي يجبى لها ثمرات كل جهة وخيرات كلّ ناحية، واسطة بين الكور، موفية على النهر، زاهرة مشرقة، أحدقت بها المنى فحسن مرآها، وطاب جناها.

وفي كتاب فرحة الأندلس لابن غالب: أمّا قرطبة فإنّه اسم ينحو إلى لفظ اليونانيين، وتأويله القلوب المشكّكة.

وقال أبو عبيد البكري: إنّها في لفظ القوط بالظاء المعجمة.

وقال الحجاري: الضبط فيها بإهمال الطاء وضمها، وقد يكسرها المشرقيون في الضبط، كما يعجمها آخرون. انتهى.

وقال بعض العلماء: أما قرطبة فهي قاعدة الأندلس، وقطبها وقطرها الأعظم، وأم مدائنها ومساكنها، ومستقرّ الخلفاء، ودار المملكة في النصرانيّة والإسلام، ومدينة العلم، ومقرّ السنّة والجماعة، نزلها جملة من التابعين

وتابعي التابعين، ويقال: نزلها بعض من الصحابة، وفيه كلام.

وهي مدينة عظيمة أزلية من بنيان الأوائل، طيبة الماء والهواء، أحدقت بها البساتين والزيتون والقرى والحصون والمياه والعيون من كل جانب، وبها المحرث العظيم الذي ليس في بلاد الأندلس مثله ولا أعظم منه بركة.

وقال الرازي: قرطبة أم المدائن، وسرّة الأندلس، وقرارة الملك في القديم والحديث والجاهلية والإسلام، ونهرها أعظم أنهار الأندلس، وبها القنطرة التي هي إحدى غرائب الأرض في الصنعة والإحكام، والجامع الذي ليس في بلاد الأندلس والإسلام أكبر منه.

وقال ابن حوقل: هي أعظم مدينة بالأندلس، وليس بجميع المغرب لها عندي شبيه في كثرة أهل، وسعة محلّ، وفسحة أسواق، ونظافة محالّ، وعمارة مساجد، وكثرة حمامات وفنادق، ويزعم قوم من أهلها أنّها كأحد جانبي بغداد، وإن لم تكن كأحد جانبي بغداد في قريبة من ذلك ولاحقة به، وهي مدينة حصينة ذات سور من حجارة ومحالّ حسنة، وفيها كان سلاطينهم قديماً، ودورهم داخل سورها المحيط بها، وأكثر أبواب القصر السلطاني من البلد وجنوب قرطبة على النهر.

قال: وقرطبة هذه بائنة عن مساكن أرباضها ظاهرة ودرت بها في غير يوم في قدر ساعة وقد قطعت الشمس خمس عشرة درجة ماشياً.

وقال الحجاري: وكانت قرطبة في الدولة المروانية قبّة الإسلام،

ومجتمع علماء الأنام، بها استقر سرير الخلافة المروانية، وفيها تمحضت خلاصة القبائل المعدّيّة واليمانيّة، وإليها كانت الرحلة في رواية الشعر والشعراء، إذ كانت مركز الكرماء، ومعدن العلماء، ولم تزل تملأ الصدور منها والحقائب، ويباري فيها أصحاب الكتب أصحاب الكتائب، ولم تبرح ساحاتها مجرّ عوالٍ ومجرى سوابق، ومحطّ معالٍ وحمى حقائق، وهي من بلاد الأندلس بمنزلة الرأس من الجسد، والزّور من الأسد، ولها الداخل الفسيح، والخارج الذي يمتع البصر بامتداده فلا يزال مستريحاً وهو من تردّد النظر طليح.

وقال الحجاري: حضرة قرطبة منذ استفتحت الجزيرة هي كانت منتهى الغاية، ومركز الراية، وأمّ القرى، وقرارة أولي الفضل والتّقى، ووطن أولي العلم والنّهى، وقلب الإقليم، وينبوع متفجّر العلوم، وقبّة الإسلام، وحضرة الإمام، ودار صوب العقول، وبستان ثمر الخواطر، وبحر درر القرائح، ومن أفقها طلعت نجوم الأرض وأعلام العصر وفرسان النظم والنثر، وبها أنشئت التأليفات الرائقة، والسبب في تبريز القوم حديثاً وقديماً على من سواهم أن أفقهم القرطبي لم يشتمل قط إلاّ على البحث والطلب، لأنواع العلم والأدب. انتهى.

قال الإمام عليّ بن سعيد: أخبرني والدي أن السلطان الأعظم أبا يعقوب ابن عبد المؤمن قال لوالده محمّد بن عبد الملك بن سعيد: ما عندك في قرطبة؟ قال: فقلت له: ما كان لي أن أتكلّم حتى أسمع مذهب أمير المؤمنين فيها، فقال السلطان: إن ملوك بني أميّة حين اتخذوها حضرة ملكهم لعلى بصيرة:

الديار الكثيرة المنفسحة، والشوارع المتسعة، والمباني الضخمة، والنهر الجاري، والهواء المعتدل، والخارج النضر، والمحرث العظيم، والشّعراء الكافية، والتوسّط بين شرق الأندلس وغربها، قال: فقلت: ما أبقى لي أمير المؤمنين ما أقول.

ثم قال ابن سعيد: ومن كلام والدي في شأنها: هي من أحسن بلاد الأندلس مباني، وأوسعها مالك، وأبرعها ظاهراً وباطناً، وتفضل إشبيلية بسلامتها في فصل الشتاء من كثرة الطين، ولأهلها رياسة ووقار، لا تزال سمة العلم متوارثة فيهم، إلا أنّ عامّتها أكثر الناس فضولاً، وأشدهم تشنيعاً وتشغيباً، ويضرب بهم المثل ما بين أهل الأندلس في القيام على الملوك والتشنيع على الولاة وقلة الرضى بأمورهم، حتى إن السيد أبا يحيى بن أبي يعقوب بن عبد المؤمن لما انفصل عن ولايتها قيل له: كيف وجدت أهل قرطبة؟ قال: مثل الجمل إن خفّفت عنه الحمل صاح، وإن أثقلته به صاحن ما ندري أين رضاهم فنقصده، ولا أين سخطهم فنتجنّبه، وما سلّط الله عليهم حجّاج الفتنة حتى كان عامتها شرّاً من عامة العراق، وإن العزل عنها لما قاسيت من أهلها عندي ولاية، وإنّي إن كلّفت العود إليها لقائل: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.

قال والدي: ومن محاسنها ظرف اللباس، والتظاهر بالدين، والمواظبة على الصلاة، وتعظيم أهلها لجامعها الأعظم، وكسر أواني الخمر حيثما وقع عين أحد من أهلها عليها، والتستر بأنواع المنكرات، والتفاخر بأصالة البيت وبالجندية وبالعلم، وهي أكثر بلاد الأندلس كتباً، وأشدّ الناس اعتناء بخزائن الكتب، صار ذلك عندهم من آلات التعين والرياسة، حتى إن الرئيس منهم الذي لا تكون عنده معرفة يحتفل في أن تكون في بيته خزانة كتب، وينتخب فيها ليس إلاّ لأن يقال: فلان عنده خزانة كتب، والكتاب الفلاني

ليس هو عند أحد غيره، والكتاب الذي هو بخط فلان قد حصله وظفر به.

قال الحضرمي: أقمت مرّة بقرطبة، ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيها وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع وهو بخط جيد وتسفير مليح، ففرحت به أشد الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه، فيرجع إليّ المنادي بالزيادة عليّ، إلى أن بلغ فوق حدّه، فقلت له: يا هذا أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلّغه إلى ما لا يساوي، قال: فأراني شخصاً عليه لباس رياسة، فدنوت منه، وقلت له: أعز الله سيّدنا الفقيه، إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده؛ قال: فقال لي: لست بفقيه، ولا أدري ما فيه، ولكنّي أقمت خزانة كتب، واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فها موضع يسع هذاالكتاب، فلمّا رأيته حسن الخط جيّد التجليد استحسنته، ولم أبال بما أزيد فيه، والحمد لله على ما أنعم به من الرزق فهو كثير؛ قال الحضرمي: فأحرجني، وحملني على أن قلت له: نعم لا يكون الرزق كثيراً إلاّ عند مثلك، يعطى الجوز من لا عنده أسنان، وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب، وأطلب الانتفاع به، يكون الرزق عندي قليلاً، وتحول قلّة ما بيدي بيني وبينه.

قال ابن سعيد: وجرت مناظرة بين يدي منصور بني عبد المؤمن بين الفقيه العالم أبي الوليد بن رشد والرئيس أبي بكر بن زهر، فقال ابن رشد لابن زهر في كلامه: ما أدري ما تقول، غير أنّه إذا مات عالم بإشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حملت إلى إشبيلية.

ولما ذكر ابن بشكوال قصر قرطبة، قال: هو قصر أوليٌّ تداولته ملوك

الأمم من لدن عهد موسى النبيّ، صلى الله على نبيّنا وعليه وسلّم، وفيه من المباني الأولية والآثار العجيبة لليونانيين ثمّ للروم والقوط والأمم السالفة ما يعجز الوصف، ثم ابتدع الخلفاء من بني مروان - منذ فتح الله عليهم الأندلس بما فيها - في قصرها البدائع الحسان، وأثروا فيه الآثار العجيبة، والرياض المونقة، وأجروا فيه المياه العذبة المجلوبة من جبال قرطبة على المسافات البعيدة، وتموّنوا المؤن الجسيمة حتى أوصلوها إلى القصر المكرّم، وأجروها في كل ساحة من ساحاته وناحية من نواحيه في قنوات الرّصاص تؤديها منها إلى المصانع صورٌ مختلفة الأشكال من الذهب الإبريز والفضّة الخالصة والنحاس المموّه إلى البحيرات الهائلة والبرك البديعة والصهاريج الغريبة في أحواض الرخام الرومية المنقوشة العجيبة.

قال: وفي هذا القصر القصاب العالية السمو، المنيفة العلو، التي لم ير الراؤون مثلها في مشارق الأرض ومغاربها.

قال: ومن قصوره المشهورة، وبساتينه المعروفة: الكامل، والمجدد، وقصر الحائر، والروضة، والزاهر، والمعشوق، والمبارك، والرشيق، وقصر السرور، والتاج، والبديع.

قال: ومن أبوابه التي فتحها الله لنصر المظلومين، وغياث الملهوفين، والحكم بالحق، الباب الذي عليه السطح المشرف الذي لا نظير له في الدنيا، وعلى هذا الباب باب حديد، وفيه حلق لاطون قد أثبتت في قواعدها، وقد صورت صورة إنسان فتح فمه، وهي حلق باب مدينة أربونة من بلد الإفرنج، وكان الأمير محمد قد افتتحها، فجلب حلقها إلى هذا الباب، وله باب قبلي أيضاً، وهو المعروف بباب الجنان، وقدّام هذين البابين المذكورين على الرصيف

المشرف على النهر الأعظم مسجدان بالفضل كان الأمير هشامٌ الرضى يستعمل الحكم في المظالم فيهما ابتغاء ثواب الله الجزيل، وله باب ثالث يعرف بباب الوادي، وله باب بشماليّه يعرف بباب قورية، وله باب رابع يدعى بباب الجامع، وهو باب قديم كان يدخل منه الخلفاء يوم الجمعة إلى المسجد الجامع على الساباط، وعدد أبواباً بعد هذا طمست أيام فتنة المهدي ابن عبد الجبّار.

وذكر ابن بشكوال ﵀ أن أبواب قرطبة سبعة أبواب: باب القنطرة إلى جهة القبلة ويعرف بباب الوادي وبباب الجزيرة الخضراء وهو على النهر، وباب الحديد ويعرف بباب سرقسطة، وباب ابن عبد الجبّار وهو باب طليطلة، وباب رومية وفيه تجتمع الثلاثة الرّصف التي تشق دائرة الأرض من جزيرة قادس إلى قرمونة إلى قرطبة إلى سرقسطة إلى طرّكونة إلى أربونة مارّة في الأرض الكبيرة، ثم باب طلبيرة وهو أيضاً باب ليون، ثم باب عامر القرشي وقدّامه المقبرة المنسوبة إليه، ثم باب الجوز ويعرف بباب بطليوس، ثم باب العطّارين، وهو باب إشبيلية، انتهى.

وذكر أيضاً أن عدد أرباض قرطبة عند انتهائها في التوسيع والعمارة واحد وعشرون ربضاً، منها القبلية بعدوة النهر: ربض شقندة، وربض منية عجب، وأما الغربية فتسعة: ربض حوانيت الريحان، وربض الرقّاقين، وربض مسجد الكهف، وربض بلاط مغيث، وربض مسجد الشّفاء، وربض

حمّم الإلبيري، وربض مسجد المسرور، وربض مسجد الرّوضة، وربض السّجن القديم، وأمّا الشمالية فثلاثة: ربض باب اليهود، وربض مسجد أم سلمة، وربض الرّصافة، وأما الشرقية فسبعة: ربض شبلار، وربض فرن برّيل، وربض البرج، وربض منية عبد الله، وربض منية المغيرة، وربض الزاهرة، وربض المدينة العتيقة.

قال: ووسط هذه الأرباض قصبة قرطبة التي تختص بالسور دونها، وكانت هذه الأرباض دون سور، فلمّا كانت أيّام الفتنة صنع لها خندق يدور بجميعها وحائط مانع. وذكر ابن غالب أنّه كان دور هذا الحائط أربعة عشر ميلاً، وشقندة معدودةٌ في المدينة لأنّها مدينة قديمة كانت مسوّرة.

[متنزهات قرطبة]

قال ابن سعيد في المغرب: ولنذكر الآن من منتزهات قرطبة ومعاهدها المذكورة في الألسن نظماً ونثراً ما انتهى إليه الضبط، من غير تغلغل في غير المشهور منها والأهمّ، ونوشّي ذلك بجميع ما يحضرني من مختار النظم في قرطبة، وما يحتوي عليه نطاقها المذكور.

فأوّل ما نذكر من المنتزهات منتزه الخلفاء المروانية، وهو قصر الرّصافة؛ قال والدي ﵀: كان ممّا ابتناه عبد الرحمن بن معاوية في أول أيّامه لنزهه وسكناه أكثر أوقاته: منية الرّصافة التي اتخذها بشمال قرطبة

منحرفة إلى الغرب، فاتخذ بها قصراً حسناً، ودحا جناناً واسعة، ونقل إليها غرائب الغروس وأكارم الشجر من كل ناحية، وأودعها ما كان استجلبه يزيد وسفرٌ رسولاه إلى الشأم من النوى المختار والحبوب الغريبة، حتى نمت بيمن الجدّ وحسن التربية في المدة القريبة أشجاراً معتمّة أثمرت بغرائب من الفواكه انتشرت عمّا قليل بأرض الأندلس، فاعترف بفضلها على أنواعها. قال: وسمّاها باسم رصافة جدّه هشام بأرض الشأم الأثيرة لديه، وامتثله في اختيار رصافته هذه، وكلفه بها وكثرة تردّده عليها، وسكناه أكثر أوقاته بها، فطار لها الذكر في أيّامه، واتصل من بعده في إيثارها.

قال: وكلّهم فضّلها، وزاد في عمارتها، وانبرى وصّاف الشعراء لها، فتناغوا في ذلك فيما هو إلى الآن مأثور عنهم، مستجاد منهم.

قال ابن سعيد: والرّمّان السّفري الذي فاض على أرجاء الأندلس، وصاروا لا يفضلون عليه سواه، أصله من هذه الرّصافة. وقد ذكر ابن حيّان شانه، وأفرد له فصلاً، فقال: إنّه الموصوف بالفضيلة، المقدم على أجناس الرّمان بعذوبة الطعم، ورقّة العجم، وغزارة الماء، وحسن الصورة، وكان رسوله إلى الشأم في توصيل أخيته منها إلى الأندلس قد جلب طرائف منها من رمّان الرصافة المنسوبة إلى هشام، قال: فعرضه عبد الرحمن على خواص رجاله مباهياً به، وكان فيمن حضره منهم سفر بن عبيد الكلاعي من جند الأردن، ويقال: هو من الأنصار الذين كانوا يحملون ألوية رسول الله ﷺ في غزواته، قال: وهم يحملون الألوية بين يدي الخلفاء من بني

أمية، فأعطاه من ذلك الرمان جزءاً فراقه حسنه وخبره، فسار به إلى قرية بكورة ريّة فعالج عجمه واحتال لغرسه وغذائه وتنقيله حتى طلع شجراً أثمر وأينع، فنزع إلى عرقه، وأغرب في حسنه، فجاء به عمّا قليل إلى عبد الرحمن، فإذا هو أشبه شيء بذلك الرصافي، فسأله الأمير عنه، فعرّفه وجه حيلته، فاستبرع استنباطه، واستنبل همّته، وشكر صنعه، وأجزل صلته واغترس منه بمنية الرصافة وبغيرها من جناته، فانتشر نوعه، واستوسع الناس في غراسه، ولزمه النسب إليه، فصار يعرف إلى الآن بالرمان السّفري.

قال: وقد وصف هذا الرمان أحمد بن فرج الشاعر في أبيات كتب بها إلى بعض من أهداه له، فقال:

ولابسة صدفاً أحمراأتتك وقد ملئت جوهرا
كأنّك فاتح حقّ لطيفٍتضمّن مرجانه الأحمرا
للشاعر ابن فرج الجياني، اقرأ القصيدة
حبوباً كمثل لثات الحبيبرضاباً إذا شئت أو منظرا
للشاعر ابن فرج الجياني، اقرأ القصيدة
وللسّفر تعزى وما سافرتفتشكو النّوى أو تقاسي السّرى
بلى فارقت أيكها ناعماًرطيباً وأغصانها نضّرا
وجاءتك معتاضةً إذ أتتكبأكرم من عودها عنصرا
بعودٍ ترى فيه ماء النّدىويورق من قبل أن يثمرا

هدية من لو غدت نفسه ... هديّته ظنّه قصّرا وقال ابن سعيد: وأخبرني والدي قال: أخبرني الوشّاح المبرّز المحسن أبو الحسن المريني قال: بينما أنا أشرب مع ندماني بإزاء الرّصافة، إذا بإنسان

رث الهيئة، مجفوّ الطلعة، قد جاء فجلس معنا، فقلنا له: ما هذا الإقدام على الجلوس معنا دون سابق معرفة؟ فقال: لا تعجلوا علي، ثمّ فكر قليلاً ورفع رأسه فأنشدنا:

اسقنيها إزاء قصر الرّصافهواعتبر في مآل أمر الخلافه
وانظر الأفق كيف بدّل أرضاًكي يطيل اللبيب فيه اعترافه
ويرى أن كلّ ما هو فيهمن نعيمٍ وعزّ أمرٍ سخافه

كلّ شيء رايته غير شيء ... ما خلا لذة الهوى والسّلافه قال المريني: فقبّلت رأسه، وقلت له: بالله من تكون؟ فقال: قاسم بن عبّود الرياحي، الذي يزعم الناس أنّه موسوس أحمق، قال: فقلت له: ما هذا شعر أحمق، وإن العقلاء لتعجز عنه، فبالله إلا ما تمّمت مسرتنا بمؤانستك ومنادمتك ومناشدة طرف أشعارك، فنادم وأنشد، وما زلنا معه في طيبة عيش إلى أن ودّعناه وهو يتلاطم مع الحيطان سكراً، ويقول: اللهم غفراً. انتهى.

قال: ومن أبدع قصور خارج قرطبة قصر السيد أبي يحيى بن أبي يعقوب بن عبد المؤمن، وهو على متن النهر الأعظم، تحمله أقواس، وقيل للسيد: كيف تأنقت في بنيان هذا القصر مع انحرافك عن أهل قرطبة؟ فقال: علمت أنهم لا يذكرون والياً بعد عزله ولا له عندهم قد، لما بقي في رؤوسهم من الخلافة المروانيّة، فأحببت أن يبقى لي في بلادهم أثر أذكر به على رغمهم.

قال ابن سعيد: وأخبرني والدي أن ناهض بن إدريس شاعر وادي آش في عصره أنشده لنفسه في هذا القصر:

ألا حبّذا القصر الذي ارتفعت بهعلى الماء من تحت الحجارة أقواس
هو المصنع الأعلى الذي أنف الثرىورفّعه عن لثمه المجد والباس
فأركب متن النهر عزّاً ورفعةًيغصّ وحلّت أفقه الدهر أعراس

فلا زال معمور الجناب وبابه ... يغص وحلت افقه الدهر أعراس وقال الفتح في قلائده، لمّا ذكر الوزير ابن عمّار: وتنزه بالدمشق بقرطبة، وهو قصر شيّده بنو أميّة بالصّفّاح والعمد، وجري في إتقانه إلى غير أمد، وأبدع بناؤه، ونمّقت ساحاته وفناؤه، واتخذوه ميدان مراحهم، ومضمار أفراحهم، وحكوا به قصرهم بالمشرق، وأطلعوه كالكوكب المشرق، وأنشد في لابن عمّار:

كلّ قصرٍ بعد الدمشق يذّمفيه طاب الجنى ولذّ المشمّ
للشاعر الحاجب المصحفي، اقرأ القصيدة
منظرٌ رائقٌ، وماءٌ نميرٌوثرىً عاطرٌ، وقصرٌ أشمّ
للشاعر الحاجب المصحفي، اقرأ القصيدة
بتّ فيه والليل والفجر عنديعنبرٌ أشهبٌ ومسكٌ أحمّ
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة

وهي منسوبة للحاجب أبي عثمان جعفر بن عثمان المصحفي.

وذكر الحجاري في المسهب أن الرئيس أبا بكر محمد بن أحمد بن جعفر المصحفي، اجتاز بالمنية المصحفية التي كانت لجدّه أيّام حجابته للخليفة الحكم المستنصر، فاستعبر حين تذكر ما آل إليه حال جده مع المنصور بن أبي عامر، واستيلاءه على ملكه وأملاكه، فقال:

قف قليلاً بالمصحفيّة واندبمقلةً أصبحت بلا إنسان
واسألنها عن جعفر وسطاهونداه في سالف الأزمان
جعفر مثل جعفرٍ حكم الده؟ر عليه بعسرة وهوان
ولكم حذّر الردى فصممنالا أمانٌ لصاحب السلطان

بينما يعتلي غدا خافضاً من ... هـ اكتسابٌ ككفّة الميزان ومنية الزبير منسوبة إلى الزبير بن عمر الملثّم ملك قرطبة.

قال ابن سعيد: أخبرني والدي عن أبيه قال: خرج معي إلى هذه المنية في زمان فتح النّوّار أبو بكر بن بقيّ الشاعر المشهور، فجلسنا تحت سطر من أشجار اللّوز قد نوّرت، فقال ابن بقيّ:

سطرٌ من اللوز في البستان قابلنيما زاد شيء على شيء ولا نقصا
للشاعر ابن بقي القرطبي، اقرأ القصيدة
كأنّما كلّ غصنٍ كمّ جاريةإذا النسيم ثنى أعطافه رقصا
للشاعر ابن بقي القرطبي، اقرأ القصيدة

ثم قال شعراً منه:

عجبت لمن أبقى على خمر دنّه ... غداة رأى لوز الحديقة نوّرا ولا أذكر بقية الأبيات، قال جدّي: ثم اجتمعت به بعد ذلك بغرناطة، فذكرته باجتماعه في منية الزبير، فتنهّد وفكّر ساعة وقال: اكتبوا عنّي، فكتبنا:

سقى الله بستان الزبير، ودام فيمجاريه سيل النّهر ما غنّت الورق
للشاعر ابن بقي القرطبي، اقرأ القصيدة
فكائن لنا من نعمة في جنابهكبزّته الخضراء طالعها طلق
هو الموضع الزاهي على كل موضعأما ظلّه ضافٍ أما ماؤه دفق
للشاعر ابن بقي القرطبي، اقرأ القصيدة
أهيم به في حالة القرب والنوىوحقّ له منّي التذكّر والعشق
للشاعر ابن بقي القرطبي، اقرأ القصيدة

ومن ذلك النّهر الخفوق فؤاده ... بقلبي ما غيّبت عن وجهه خفق قال: فقلت له: جمع الله بينك وبينه على الحالة التي تشتهي، قال: ذلك لك، قلت: وكيف ذلك؟ قال: تدفع لي هذا السيف الذي تقلّدت به أتزوّد به إليه، وأنفق الباقي فيه على ما تعلم، قال: فقلت له: هذا سيفٌ شرّفني به السلطان أبو زكريّاء ابن غانية، وما لعطائه سبيل، ولكن أعطيك قيمته، فخرج وأبى بشخصٍ يعرف قيمة السيوف، فقدّره وجعل يقول: إنّه سيف السلطان ابن غانية، ليعظم قدره في عينه فيزيد في قيمته، ثم قبض ما قدّر به، وأنشد ارتجالاً:

أطال الله عمر فتى سعيدٍوبقّاه ورقّته السّعود
غدا لي جوده سبباً لعوديإلى وطين فها أنا ذا أعود
وألثم كفّه شكراً ويتلوطريقي آي نعماه النّشيد

حباني من ذخائره بسيفٍ ... به لم يبق للأحزان جيد والقصر الفارسي من القصور المقصودة للنزاهة بخارج قرطبة، وقد ذكره الوزير أبو الوليد ابن زيدون في قصيد ضمّنه من منتزهات قرطبة ما تقف عليه، وكان قد فرّ من قرطبة أيّام بني جهور، فحضره في فراره عيد ذكّره بأعياد وطنه ومعاهده الأنسيّة مع ولاّدة التي كان يهواها ويتغزّل فيها، فقال:

خليليّ لا فطرٌ يسرّ ولا أضحى ... فما حال من أمسى مشوقاً كما أضحى وستأتي هذه القصيد في هذا الباب، كما ستأتي قصيدة أبي القاسم ابن هشام القرطبي التي أوّلها:

يا هبّةً باكرت من نحو دارينوفيها كثير من منتزهات قرطبة

قال ابن سعيد: كان والدي كثيراً ما يأمرني بقراءتها عليه، ويقول: والله لقد أنبأت عن فضلٍ لهذا الرجل، قال: وكان أبو يحيى الحضرمي يحفظها، ويزين بها مجالسه، ويحلف أن لا ينشدها بمحضر جاهل لا يفهم، أو حاسد لا ينصف في الاهتزاز لها، وإنّه لجدير بذلك، وإنّها لمن كنوز الأدب.

ثم قال: والمرج النّضير المذكور بها هو مرج الخز، أخبرني والدي أنّه حضر في زمان الصّبا بهذا المرج على راحة، ومعه الرئيس الفاضل أبو الحسين ابن الوزير أبي جعفر الوقّشي والمسنّ ابن دريدة المشهور بخفة الروح، قال: فسبحت أمامنا إوز، وجعلت تمرح وتنثر ما عليها من الماء فوق المرج،

والمرج قد أحدق به الوادي، والشمس قد مالت عليه للغروب، فقال لي أبو الحسين: بالله صف يومنا وحسن هذا المنظر، فقلت: لا أصفه أو تصفه أنت، فقال: ولك مني ذلك، فأفكر كلٌّ منّا على انفراد بعدما ذكرنا ما نصف نثراً، فقال أبو الحسين الوقّشي:

لله يوم بمرج الخزّ طاب لنافيه النعيم بحيث الروض والنّهر
للشاعر أبو الحسين الوقشي، اقرأ القصيدة
وللإوزّ على أرجائه لعبٌإذا جرت بدّدت ما بيننا الدّرر
للشاعر أبو الحسين الوقشي، اقرأ القصيدة
والشمس تجنح نحو البين مائلةًكأنّ عاشقها في الغرب ينتظر
للشاعر أبو الحسين الوقشي، اقرأ القصيدة
والكأس جائلةٌ باللبّ حائرةٌوكلّنا غفلات الدهر نبتدر قال: فقلت:
ألا حبّذا يومٌ ظفرنا بطيبهبأكناف مرج الخزّ والنهر يبسم
وقد مرحت في الإوزّ، وأرسلتعلى سندسٍ درّاً به يتنظّم
ومدّ به للشمس فهو كأنّهلثامٌ لها ملقىً من النّور معصم
أدرنا عليه أكؤساً بعثت بهمن الأنس ميتاً عاد وهو يكلّم

غدونا إليه صامتين سكينةً ... فرحنا وكلٌّ بالهوى يترنّم فأظهر كلّ منّا لصاحبه استحسان ما قال تنشيطاً وتتميماً للمسرّة، ثم قلنا للمسنّ: ما عندك أنت ما تعارض به هاتين القطعتين؟ قال: بهذا، ورفع رجله وحبق حبقة فرقعت منها أرجاؤه، فقال له أبو الحسين: ما هذا يا شيخ السوء؟ فقال: الطلاق له لازم إن لم تكن أوزن من شعركما، وأطيب رائحة، وأغنّ صوتاً، وأطرب معنى، فضحكنا منه اشد ضحك، وجعلنا نهتز غاية

الاهتزاز لموقع نادرته، فقال: والدليل على ذلك أنّكم طربتم لما جئت به أكثر ممّا طربتم من شعركم.

ثم قال ابن سعيد: ومن منتزهات قرطبة المشهورة فحص السرادق، مقصود للفرجة، يسرح فيه البصر، وتبتهج فيه النفس، وأخبرني والدي عن أخيه أبي جعفر بن عبد الملك بن سعيد قال: خرجت مع الشريف الأصم القرطبي إلى بسيط الجزيرة الخضراء - وقد تدبج بالأنوار - فلمّا حركنا حسن المكان، وتشوقنا إلى الأركان، قال الشريف: لقد ذكرني هذا البسيط بسيط فحص السرادق، فقلت له: فهل ثار في خاطرك نظم فيه؟ قال: نعم، ثم أنشد:

ألا فدعوا ذكر العذيب وبارقولا تسأموا من ذكر فحص السّرادق
مجرّ ذيول السّكر من كلّ مترفومجرى الكؤوس المترعات السّوابق
قصرت عليه اللّحظ ما دمت حاضراًوفكري في غيبٍ لمرآه شائقي
أيا طيب أيّام تقضّت بروضةٍعلى لمح غدرانٍ وشمّ حدائق
إذا غرّدت فيه حمائم دوحهاتخيّلتها الكتّاب بين المهارق

وما باختيار الطّرف فارقت حسنها ... ولكن بكيدٍ من زمانٍ منافق قال أبو جعفر: فلمّا سمعت هذا الشعر لم أتمالك من الاستعبار، وحرّكني ذلك إلى أن قلت في حور مؤمل سيد منتزهات غرناطة، ولم يذكر هنا ما قاله فيه، وذكره في موضع آخر لم يحضرني الآن حتى أورده هنا، والله أعلم.

ومن منتزهات قرطبة السّدّ، قال ابن سعيد: أخبرني والدي أن الشاعر

المبرز أبا شهاب المالقي أنشده لنفسه واصفاً يوم راحة بهذا السّد:

ويوم لنا بالسّدّ لو ردّ عيشهبعيشة أيّام الزّمان رددناه
بكرنا له والشمس في خدر شرقهاإلى أن أجابت إذ دعا الغرب دعواه
قطعناه شدواً واغتباقاً ونشوةورجع حديثٍ لو رقى الميت أحياه
على مثله من منزه تبتغى المنىفلله ما أحلى وأبدع مرآه
شدتنا به الأرحا وألقت نثارهاعلينا فأصغينا له وقبلناه

لئن بان إنّا بالأنين لفقده ... وبالدّمع في إثر الفراق حكيناه وأنشدني والدي موشحة لأبي الحسن المريني معاصره وصاحبه يذكر فيها هذا السد، وهي:

في نغمة العود والسّلافهوالروض والنهر والنديم
أطال من لامني خلافهفظلّ في نصحه مليم
دعني على منهج التّصابيما قام لي العذر الشّباب
ولا تطل في المنى عتابيفلست أصغي إلى عتاب
لا ترج ردّي إلى صوابوالكأس تفترّ عن حباب
والغصن يبدي لنا انعطافهإذا هفا فوقه النسيم
والرّوض أهدى لنا قطافهواختال في برده الرقيم
يا حبّذا عهدي القديمومن به همت مسعدي
ريمٌ عن الوصل لا يريممولّعٌ بالتودّد
ما تمّ إلاّ به النعيمطوعاً على رغم حسّدي
معتدل القدّ ذو نحافهأسقمني طرفه السقيم
ورام طرفي به انتصافهفخدّ في خدّه الكليم
غضّ الصّبا عاطر المقبّلأحلى من الأمن والأمل
ظامي الحشا مفعم المخلخلحلو اللّمى ساحر المقل
لكل من رامه توصّللم يخش ردّاً بما فعل
أشكو فيبدي لي اعترافهإن حاد عن نهجه القويم
لا أعدم الدهر فيه رافهفحقّ لي فيه أن أهيم
لله عصرٌ لنا تقضّىبالسّدّ والمنبر البهيج
أرى ادّكاري إليه فرضاوشوقه دائماً يهيج
فكم خلعنا عليه غمضاوللصّبا مسرحٌ أريج
وردٌ أطال المنى ارتشافهحتى انقضى شربه الكريم
لله ما أسرع انحرافهوهكذا الدهر لا يديم
يا من يحثّ المطيّ غرباعرّج على حضرة الملوك
وانثر بها إن سفحت غربامن مدمع عاطل سلوك
واسمع إلى من أقام صبّاواحك صداه لا فضّ فوك
بلغّ سلامي قصر الرّصافهوذكّرو عهدي القديم

وحيّ عنّي دار الخلافه ... وقف بها وقفة الغريم وقال ابن سعيد: والمنبر المذكور في هذه الموشّحة من منتزهات قرطبة، والسّدّ هو الأرحا التي ذكرها في زجله قاسم بن عبّود الرياحي، رويته عن والدي عن قائله، وهو:

بالله أين نصيبمن لس لي فيه نصيب
محبوباً مخالفومعو رقيب
حين نقصد مكانويقم ف المقام
ويبخل علينابردّ السّلام
أدخلت يا قلبيروحك في زحام
سلامتك عنديهي شي عجيب
وكف بالله يسلممن هو في لهيب
بالله يا حبيبياترك ذا النّفار
واعمل أن نطيبوافي هذا النّهار
واخرج معي للواديلشرب العقار
نتمّم نهارنافي لذه وطيب
في الأرحا وإلافي المرج الخصيب
أو عند النواعروالروض الشّريق
أو قصر الرصافهأو وادي العقيق
رحق والله دونكهو عندي الحريق
وفي حبّك أمسيتفي أهلي غريب
وما الموت عنديإلاّ حن تغيب
اتّكل على اللهوكن فظ جسور
وإن ريت فضوليوقل إين تمور
كمّش عنّو وجهكفإن راك نفور
يهرب عنّك خايفويبقى مريب
وامش أنت موقّركأنّك خطيب
ما أعجب حديثيإش هذا الجنون
نطلب وندبّرأمراً لا يكون
وكم ذا نهوّنشيئاً لا يهون
وإش مقدار ما نصبرلبعد الحبيب
ربّ اجمعني معوعاجلاً قريب

[نهرها وقنطرتها]

قال ابن سعيد: وأما نهر قرطبة فإنّه يصغر عن عظمه عند إشبيلية، بحيث صنع عليه قنطرة من حجارة لا يتأتى مثلها في نهر إشبيلية، ومنبعه من جهة شقورة يمر النصف منه إلى مرسية مشرقاً والنصف إلى قرطبة وإشبيلية مغرباً.

ولما ذكر الرازي قرطبة قال: " ونهرها الساكن في جريه، اللين في انصبابه، الذي تؤمن مغبة ضرره في حمله ". وقال هذا لأنّه يعظم عند إشبيلية، فإذا حان حمله في أيام الأمطار أشفت إشبيلية على الغرق، وتوقّع أهلها الهلاك.

والقنطرة التي على هذا النهر عند قرطبة من أعظم آثار الأندلس وأعجبها، أقواسها سبع عشرة قوساً، وبانيها - على ما ذكره ابن حيّان وغيره - السّمح ابن مالك الخولاني صاحب الأندلس بأمر عمر بن عبد العزيز، ﵁، وشيّدها بنو أميّة بعد ذلك وحسّنوها، قال ابن حيّان: وقيل: إنّه قد كانت في هذا المكان قنطرة من بنيان الأعاجم قبل دخول العرب بنحو مائتي سنة أثّرت فيها الأزمان بمكابدة المدود حتى سقطت حناياها، ومحيت أعاليها، وبقيت أرجلها وأسافلها، وعليها بنى السمح في سنة إحدى ومائة، انتهى.

وقال في مناهج الفكر: إن قنطرة قرطبة إحدى أعاجيب الدنيا، بنيت زمن عمر بن عبد العزيز على يد عبد الرحمن بن عبيد الله الغافقي، وطولها ثمانمائة ذراع، وعرضها عشرون باعاً، وارتفاعها ستون ذراعاً، وعدد حناياها ثماني عشرة حنية، وعدد أبراجها تسعة عشر برجاً، انتهى.

رجع إلى قرطبة

ذكر ابن حيّان والرازي والحجاري أن أكتبيان - ثاني قياصرة الروم الذي ملك أكثر الدّنيا وصفّح نهر رومية بالصّفر، فأرّخت الروم، من ذلك العهد، وكان من قبل ميلاد المسيح ﵇ بثمان وثلاثين سنة - أمر ببناء المدن العظيمة بالأندلس، فبنيت في مدّته قرطبة وإشبيلية وماردة وسرقسطة، وانفرد الحجاري بأن أكتبيان المذكور وجهّ أربعة من أعيان ملوكه للأندلس فبنى كل واحد منهم مدينة في الجهة التي ولاّه عليها، وسمّاها باسمه، وأن هذه الأسماء الأربعة كانت أسماء لأولئك الملوك، وغير الحجاري جعل أسماء هذه المدن مشتقّة ممّا تقتضيه أوضاعها كما مر؛ وذكروا أنّه قد تداولت على قرطبة ولاة الروم الأخيرة الذين هم بنو عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، على نبيّنا وعليهم الصلاة والسلام، إلى أن انتزعها من أيديهم القوط من ولد يافث المتغلّبون على الأندلس، إلى أن أخذها منهم المسلمون. ولم تكن في الجاهلية سريراً لسلطنة الأندلس، بل كرسيّاً لخاص مملكتها، وسعدت في الإسلام، فصارت سريراً للسلطنة العظمى الشاملة، وقطباً للخلافة المروانية، وصارت إشبيلية وطليطلة تبعاً لها، بعدما كان الأمر بالعكس، والله يفعل ما يشاء، بيده الملك والتدبير، وهو على كل شيء قدي، لا إله إلا هو العلي الكبير.

وقال صاحب " نشق الأزهار " عندما تعرّض لذكر قرطبة: هي مدينة مشهورة، دار خلافة، وأهلها أعيان ناس في العلم والفضل، وبها جامع ليس في الإسلام مثله، انتهى.

[الفتنة البربرية والنزاع بين الحموديين والأمويين]

ومن الأسباب في سلب محاسن قرطبة عيث البربر بها في دخولهم مع سليمان المستعين الأموي حين استولى على قرطبة في دولته التي افتتحت بالقهر وسفك الدماء، وكان من أمراء البربر المعارضين لسليمان عليّ بن حمّود من بني علي بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين - وجدّه إدريس هرب من هرون الرشيد إلى البربر، فتبربر ولده، وبنى ابنه إدريس مدينة فاس، وكان المؤيّد هشام يشتغل بالملاحم، ووقف على أن دولة بني أميّة تنقرض بالأندلس على يد علوي أول اسمه عين، فلمّا دخل سليمان مع البربر قرطبة ومحوا كثيراً من محاسنها ومحاسن أهلها كان من أكبر أمرائهم علي بن حمّود، وبلغ هشاماً المؤيد وهو محبوس خبره واسمه ونسبه فدسّ إليه أن الدولة صائرة إليك، وقال له: إن خاطري يحدّثني أن هذا الرجل يقتلني، يعني سليمان، فإن فعل فخذ بثأري، وكان هذا الأمر هو الذي قوّى نفس ابن حمّود على طلب الإمامة، وحمله على الأخذ بثأر هشام المؤيد، فكان المؤيد أحد من أخذ بثأره بعد موته.

وتولّى بعد ذلك علي بن حمّود، وبويع بقرطبة في قصرها في اليوم الذي قتل فيه سليمان المستعين، وأخذ الناس بالإرهاب والسطوة، وأذلّ رؤوس البربر، وبرقت للعدل في أيّامه بارقة خلّب لم تكد تقد حتى خبت، وجلس للمظالم، وقدمت له جماعة من البربر في إجرام فضرب رقابهم، وأهلهم وعشائرهم ينظرون، وخرج يوماً على باب عامر فالتقى فارساً من البربر وأمامه حمل عنب، فاستوقفه وقال له: من أين لك هذا؟ فقال: أخذته كما يأخذ الناس، فأمر بضرب عنقه، ووضع رأسه وسط الحمل، وطيف به في البلد،

واستمر على هذا مع أهل قرطبة في أحسن عشرة نحو ثمانية أشهر، حتى بلغه قيام الأندلسيين بالمرتضى المرواني في شرق الأندلس، فتغير عمّا كان عليه، وعزم على إخلاء قرطبة وإبادة أهلها، فلا يعود لأئمتهم بها سلطان آخر الدهر، وأغضى للبربر عن ظلمهم فعاد البلاء إلى حاله، وانتزع الإسلام من أهل قرطبة، وهدم المنازل، واستهان بالأكابر، ووضع المغارم، وقبض على جماعة من أعيانهم وألزمهم بمال، فلمّا غرموه سرّحهم، فلمّا جيء إليهم بدوابهم ليركبوها أمر من أخذ الدواب، وتركهم ينزلون إلى منازلهم على أرجلهم، وكان منهم أبو الحزم الذي ملك قرطبة بعد وصارت دولته بوراثة ولده معدودة في دول الطوائف، فانجمعت عن عليّ النفوس، وتوالى عليه الدعاء، فقتله صبيان أغمار من صقالبة بني مروان في الحمّام، وكان قتله غرّة ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة، وكان الصقالبة ثلاثة فهربوا واختفوا في أماكن يعرفونها، وصح عند الناس موته، ففرحوا، وكانت مدّته كما مر نحو عامين، وحقّقها بعض فقال: أحد وعشرون شهراً وستّة أيّام.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.