تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

رجع إلى المنارة

وارتفاع المنارة إلى مكان الأذان أربعة وخمسون ذراعاً، وطول كل حائط من حيطانها على الأرض ثمانية عشر ذراعاً، انتهى بحروفه. وفيه بعض مخالفة لما ذكره ابن الفرضي وبعضهم، إذ قال في ترجمة المنصور بن أبي عامر ما صورته: وكان من أخبار المنصور الداخلة في أبواب البر والقربة بنيان المسجد الجامع والزيادة فيه سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وذلك أنّه لما زاد الناس بقرطبة وانجلب إليها قبائل البربر من العدوة وإفريقية، وتناهى حالها في الجلالة، ضاقت الأرباض وغيرها، وضاق المسجد الجامع عن حمل الناس، فشرع المنصور في الزيادة بشقيه حيث تتمكّن الزيادة لاتصال الجانب الغربي بقصر الخلافة، فبدأ ابن أبي عامر هذه الزيادة على بلاطات تمتد طولاً من أول المسجد إلى آخره، وقصد ابن أبي عامر في هذه الزيادة المبالغة في

الإتقان والوثاقة، دون الزخرفة، ولم يقصّر - مع هذا - عن سائر الزيادات جودة، ما عدا زيادة الحكم. وأوّل ما عمله ابن أبي عام تطييب نفوس أرباب الدور الذين اشتريت منهم للهدم لهذه الزيادة بإنصافهم من الثمن، وصنع في صحنه الجبّ العظيم قدره، الواسع فناؤه، وهو - أعني ابن أبي عامر - هو الذي رتّب إحراق الشمع بالجامع زيادة للزيت، فتطابق بذلك النوران، وكان عدد سواري الجامع الحاملة لسمائه واللاصقة بمبانيه وقبابه ومناره بين كبيرة وصغيرة ألف سارية وأربعمائة سارية وسبع عشرة سارية، وقيل: أكثر، وعدد ثريّات الجامع ما بين كبيرة وصغيرة مائتان وثمانون ثريا، وعدد الكؤوس سبعة آلاف كاس وأربعمائة كأس وخمسة وعشرون كأساً، وقيل: عشرة آلاف وثمانمائة وخمس كؤوس، وزنة مشاكي الرصاص للكؤوس المذكورة عشرة أرباع أو نحوها، وزنة ما يحتاج إليه من الكتان للفتائل في كل شهر رمضان ثلاثة أرباع القنطار، وجميع ما يحتاج إليه الجامع من الزيت في السنة خمسمائة وربع أو نحوها، يصرف منه في رمضان خاصة نحو نصف العدد، وممّا كان يختصّ برمضان المعظّم ثلاثة قناطير من الشمع وثلاثة أرباع القنطار من الكتان المقطن لإقامة الشمع المذكور، والكبيرة من الشمع التي تؤخذ بجانب الإمام يكون وزنها من خمسين إلى ستين رطلاً، يحترق بعضها بطول الشهر، ويعم الحرق لجميعها ليلة الختمة، وكان عدد من يخدم الجامع المذكور بقرطبة في دولة ابن أبي عامر ويتصرف فيه من أئمة ومقرئين وأمناء ومؤذنين وسدنة وموقدين وغيرهم من المتصفين مائة وتسعة وخمسين شخصاً، ويرقد من البخور ليلة الختمة أربع أواقٍ من العنبر الأشهب وثماني أواقٍ من العود الرطب، انتهى.

وقال بعض المؤرخين: كان للجامع كل ليلة جمعة رطل عود، وربع رطل عنبر، يتبخر به، انتهى.

وقال ابن سعيد، نقلاً عن ابن بشكوال: طول جامع قرطبة الأعظم الذي هو بداخل مدينتها من القبلة إلى الجوف ثلاثمائة وثلاثون ذراعاً، الصحن المكشوف عنه ثمانون ذراعاً، وغير ذلك مقرمد، وعرضه من الغرب إلى الشرق مائتان وخمسون ذراعاً، وعدد أبهائه عند اكتمالها بالشمالية التي زادها المنصور بن أبي عامر بعد هذا تسعة عشر بهواً، وتسمى البلاطات، وعدد أبوابه الكبار والصغار واحد وعشرون باباً: في الجانب الغربي تسعة أبواب، منها واحد كبير للنساء يشرع إلى مقاصيرهن، وفي الجهة الشرقية تسعة أبواب، منها لدخول الرجال ثمانية أبواب، وفي الجهة الشمالية ثلاثة أبواب، منها لدخول الرجال بابان كبيران وباب لدخول النساء إلى مقاصيرهنّ، وليس لهذا الجامع في القبليّ سوى باب واحد بداخل المقصورة المتخذة في قبلته متصل بالساباط المفضي إلى قصر الخلافة منه كان السلطان يخرج من القصر إلى الجامع لشهود الجمعة، وجميع هذه الأبواب ملبّسة بالنحاس الأصفر بأغرب صنعة، وعدد سواري هذا المسجد الجامع الحاملة لسمائه والملصقة بمبانيه وقبابه ومناره وغير ذلك من أعماله بين كبار وصغار ألفٌ وأربعمائة سارية وتسع سوار، منها بداخل المقصورة مائة وتسع عشرة سارية.

وذكر المقصورة البديعة التي صنعها الحكم المستنصر في هذا الجامع فقال: إنّه خطر بها على خمسة بلاطات من الزيادة الحكمية، وأطلق حفافيها على الستة الباقية: ثلاثة من كلّ جهة، فصار طولها من الشرق إلى الغرب خمسة وسبعين ذراعاً وعرضها من جدار الخشب إلى سور المسجد بالقبلة اثنين

وعشرين ذراعاً وارتفاعها في السماء إلى حدّ شرفاتها ثمانية أذرع، وارتفاع كل شرفة ثلاثة أشبار، ولهذه المقصورة ثلاثة أبواب بديعة الصنعة عجيبة النقش شارعة إلى الجامع شرقيّ وغربيّ وشماليّ، ثم قال: وذرع المحراب في الطول من القبلة إلى الجوف ثمانية أذرع ونصف، وعرضه من الشرق إلى الغرب سبعة أذرع ونصف، وارتفاع قبوه في السماء ثلاثة عشر ذراعاً ونصف، والمنبر إلى جنبه مؤلف من أكارم الخشب ما بين آبنوس وصندل ونبع وبقّمٍ وشوحط وما أشبه ذلك، ومبلغ النفقة فيه خمسة وثلاثون ألف دينار وسبعمائة دينار وخمسة دنانير وثلاثة دراهم وثلث درهم وقيل غير ذلك، وعدد درجه تسع درجات صنعة الحكم المستنصر ﵀.

وذكر أن عدد ثريّات الجامع التي تسرج فها المصابيح بداخل البلاطات خاصّة - سوى ما منها على الأبواب - مائتان وأربع وعشرون ثريّا، جميعها من لاطون مختلفة الصنعة، منها أربع ثريّات كبار معلقة في البلاط الأوسط أكبرها الضخمة المعلّقة في القبّة الكبرى التي فيها المصاحف حيال المقصورة، فيها من السّرج - فيما زعموا - ألف وأربعة وخمسون، تستوقد هذه الثريات الضخام في العشر الأخير من شهر رمضان، تسقى كل ثريّا منها سبعة أرباع في الليلة، وكان مبلغ ما ينفق من الزيت على جميع المصابيح في هذا المسجد في السنة أيام تمام وقوده في مدّة ابن أبي عامر مكملة بالزيادة المنسوبة ألف ربع، منها في شهر رمضان سبعمائة وخمسون ربعاً، قال: وفي بعض التواريخ القديمة كان عدد القومة بالمسجد الجامع بقرطبة في زمن الخلفاء وفي زمن ابن أبي عامر ثلاثمائة، انتهى. وفيه مخالفة لبعض ما تقدّم.

وذكر بعضهم الزيت - ولكن قوله أولى بالاتباع، لنقله عن ابن بشكوال،

ولمعرفة ابن سعيد بمثل هذا وتحقيقه فيه أكثر من غيره، والله سبحانه أعلم - فقال: ألف ربع وثلاثون ربعاً، منها في رمضان خمسمائة ربع، وفي الثريات التي من الفضة - وهي ثلاث - اثنان وسبعون رطلاً، لكل واحدة ثمانية عشر في ليلة وقدها. وقال في المنبر: إنّه مركب من ستة وثلاثين ألف وصل، قام كل واحد منها بسبعة دراهم فضّة، وسمرت بمسامير الذهب والفضّة، وفي بعضها نفيس الأحجار، واتصل العمل فيه تسعة، ثم قال: ودور الثريا العظيمة خمسون شبراً، وتحتوي على ألف كأس وأربعة وثمانين، كلّها موشّاة بالذهب، إلى غير ذلك من الغرائب.

[وصف جامع قرطبة لابن صاحب الصلاة]

وكتب الفقيه الكاتب أبو محمّد إبراهيم ابن صاحب الصلاة الولبني يصف جامع قرطبة بما نصّه: عمر الله سبحانه بشمول السعادة رسمك، ووفر من جزيل الكرامة قسمك، ولا برحت سحائب الإنعام تهمي عليك ثرّة، وأنامل الأيام تهدي إليك كلّ مسرّة، لئن كان أعزّك الله طريق الوداد بيننا عامراً، وسبيل الاتحاد غامراً، لوجب أن نفض ختمه، ونرفض كتمه، لا سيّما فيما يدرّ أخلاف الفضائل، ويهز أعطاف الشمائل، وإنّي شخصت إلى حضرة قرطبة - حرسها الله تعالى - منشرح الصدر، لحضور ليلة القدر، والجامع - قدس الله تعالى بقعته ومكانه، وثبت أساسه وأركانه - قد كسي ببردة الازدهاء، وجلي في معرض البهاء، كأن شرفاته فلول في سنان، أو أشرٌ في أسنان، وكأنما ضربت على سمائه كلل، أو خلعت على أرجائه حلل، وكأن الشمس قد خلّفت فيه ضياءها، ونسجت على أقطاره أفياءها، فترى نهاراً

قد أحدق به ليل، كما أحدق بربوةٍ سيل، ليل دامس، ونهار شامس، وللذّبال تألّق كنضنضة الحيات، أو إشارة السبّابات في التحيّات، قد أترعت من السليط كؤوسها، ووصلت بمحاجن الحديد رؤوسها، ونيطت بسلاسل كالجذوع القائمة، أو كالثعابين العائمة، عصبت بها تفاح من الصّفر، كاللّفّاح الصّفر: بولغ في صقلها وجلائها، حتى بهرت بحسنها ولألائها، كأنّها جليت باللهب، وأشربت ماء الذهب، إن سامتّها طولاً رأيت منها سبائك عسجد، أو قلائد زبرجد، وإن جئتها عرضاً رأيت منها أفلاكاً ولكنّها غير دائرة، ونجوماً ولكنّها ليست بسائرة، تتعلّق تعلّق القرط من الذّفرى، وتبسط شعاعها بسط الأديم حين يفرى، والشمع قد رفعت على المنار رفع البنود، وعرضت عليها عرض الجنود، ليجتلي طلاقة روائها القريب والبعيد، ويستوي في هداية ضيائها الشقي والسعيد، وقد قوبل منها مبيضّ بمحمرّ، وعروض مخضرّ بمصفرّ، تضحك ببكائها وتبكي بضحكها، وتهلك بحياتها وتحيي بهلكها، والطيب تفغم أفواحه، وتتنسّم أرواحه، وقتار الألنجوج والند، يسترجع من روح الحياة ما ندّ، وكلّما تصاعد وهو محاصر، أطال من العمر ما كان تقاصر، في صفوف مجامر، ككعوب مقامر، وظهور القباب مؤللة، وبطونها مهللة، كأنّها تيجان، رصّع فيها ياقوت ومرجان، قد قوس محرابها أحكم تقويس، ووشم بمثل ريش الطواويس، حتى كأنّه بالمجرّة مقرطق، وبقوس قزح ممنطق، وكأن اللازورد حول وشومه، وبين رسومه، نتف من قوادم الحمام، أو كسف من ظلل الغمام، والناس أخياف في دواعيهم، وأوزاع في أغراضهم ومراميهم، بين ركّع وسجّد، وأيقاظ وهجّد، ومزدحم على الرقاب يتخطاها، ومقتحم على الظهور يتمطّاها،

كأنّهم ردٌ خلال قطر، أو حروف في عرض سطر، حتى إذا قرعت أسماعهم روعة التسليم، تبادروا بالتكليم، وتجاذبوا بالأثواب، وتساقوا بالأكواب، كأنّهم حضور طال عليهم غياب، أو سفر أتيح لهم إياب، وصفيّك مع إخوان صدق، تنسكب العلوم بينهم انسكاب الودق، في مكان كوكر العصفور، أستغفر الله أو ككناس اليعفور، كأن إقليدس قد قسم بيننا مساحته بالموازين، وارتبطنا فيه ارتباط البيادق بالفرازين، حتى صار عقدنا لا يحلّ، وحدّنا لا يفلّ، بحيث نسمع سور التنزيل كيف تتلى، ونتطّلع صور التفصيل كيف تجلى، والقومة حوالينا يجهدون في دفع الضرر، ويعمدون إلى قرع العمد بالدّرر، فإذا سمع بها الصبيان قد طبّقت الخافقين، وسرت نحوهم سرى القين، توهموا أنّها إلى أعطافهم واصلة، وفي أقحافهم حاصلة، ففروا بين الأساطين، كما تفرّ من النجوم الشياطين، كأنّما ضربهم أبو جهم بعصاه، أو حصبهم عمير بن ضابئ بحصاه، فأكرم بها مساعٍ تشوق إلى جنّة الخلد، ويهون في السعي إليها إنفاق الطوارف والتّلد، تعظيماً لشعائر الله، وتنبيهاً لكل ساهٍ ولاه، أدام الله عزّك، منظراً منها أبهى، ولا مخبراً أشهى، وإذا لم تتأمّله عياناً، فتخيّله بياناً، وإن كان حظ منطقي من الكلام، حظ السفيح من الأزلام، لكن ما بيننا من مودة أكدنا وسائلها، وأذمّة تقلدنا حمائلها، يوجب قبول إتحافي سميناً وغثّاً، ولبس إلطافي جديداً

ورثّاً، لا زلت لزناد النبل مورياً، وإلى آماد الفضل مجرياً، والتحيّة العبقة الريّا، المشرقة المحيّا، عليك ما طلع قمر، وأينع ثمر، ورحمة الله تعالى وبركاته، انتهى.

[تمام الحديث في متعلقات الجامع]

وذكر ابن بشكوال أن الحكم المستنصر هدم الميضأة القديمة التي كانت بفناء الجامع، يستسقى لها الماء من بئر السانية، وبنى موضعها أربع ميضآت في كل جانب من جانبي المسجد الشرقي والغربي منها ثنتان كبرى للرجال وصغرى للنساء، أجرى في جميعها الماء في قناة اجتلبها من سفح جبل قرطبة إلى أن صبت ماءها في أحواض رخام لا ينقطع جريانه الليل والنهار، وأجرى فضل هذا الماء العذب إلى سقايات اتخذهن على أبواب هذا المسجد بجهاته الثلاث الشرقية والغربيّة والشمالية، أجراها هنالك إلى ثلاث جواب من حياض الرخام استقطعها بمقطع المنستير بسفح جبل قرطبة بالمال الكثير، وألقاه الرخّامون هنالك، واحتفروا أجوافها بمناقيرهم في المدّة الطويلة حتى استوت في صورها البديعة لأعين الناس، فخفّف ذلك من ثقلها، وأمكن من إهباطها إلى أماكن نصبها بأكناف المسجد الجامع، وأمد الله تعالى على ذلك بمعونته، فتهيّأ حمل الواحدة منهافوق عجلة كبيرة اتخذت من ضخام خشب البلوط على فلكٍ موثقة بالحديد المثقّف محفوفة بوثاق الحبال قرن لجرّها سبعون دابة من أشد الدواب، وسهلت قدامها الطرق والمسالك، وسهل الله تعالى حملها واحدة بعد أخرى على هذه الصفة في مدة اثني عشر يوماً، فنصبت في الأقباء المعقودة لها، قال: وابتنى المستنصر في غربي الجامع دار الصدقة، واتخذها معهداً لتفريق صدقاته المتوالية،

وابتنى للفقراء البيوت قبالة باب المسجد الكبير الغربي، انتهى.

[عمل أهل قرطبة حجة في الفقه]

واعلم أنّه لعظم أمر قرطبة كان عملها حجّةً بالمغرب، حتى إنّهم يقولون في الأحكام: هذا ممّا جرى به عمل قرطبة، وفي هذه المسألة نزاع كثير، ولا بأس أن نذكر ما لا بد منه من ذلك، قال الإمام ابن عرفة رحمه الله تعالى: في اشتراط الإمام على القاضي الحكم بمذهب معين - وإن خالف معتقد المشترط اجتهاداً وتقليداً - ثلاثة أقوال: الصحة للباجي، ولعمل أهل قرطبة، ولظاهر شرط سحنون على مذهب من ولاّه الحكم بمذهب أهل المدينة؛ قال المازري: مع احتمال كون الرجل مجتهداً. الثاني: البطلان، للطرطوشي، إذ قال في شرط أهل قرطبة: هذا جهل عظيم. الثالث: تصح التولية ويبطل الشرط، تخريجاً على أحد الأقوال في الشرط الفاسد في البيع للمازري عن بعض الناس، انتهى مختصراً.

قال ابن غازي: إن ابن عرفة نسب للطرطوشي البطلان مطلقاً، وابن شاس إنّما نسب له التفصيل، انتهى.

ولمّا ذكر مولاي الجد الإمام قاضي القضاة بفاس سيدي أبو عبد الله المقري التلمساني في كتابه القواعد شرط أهل قرطبة المذكور، قال بعده ما نصّه:

وعلى هذا الشرط ترتب إيجاب عمل القضاة بالأندلس، ثم انتقل إلى المغرب، فبينا نحن ننازع الناس في عمل المدينة ونصيح بأهل الكوفة مع كثرة من نزل بها من علماء الأمّة كعلي وابن مسعود ومن كان معهما:

ليس التّكحّل في العينين كالكحلسنح لنا بعض الجمود، ومعدن التقليد:

الله أخّر مدّتي فتأخّرت ... حتى رأيت من الزّمان عجائبا يا لله وللمسلمين، ذهبت قرطبة وأهلها، ولم يبرح من الناس جهلها، ما ذاك إلاّ لأن الشيطان يسعى في محو الحق فينسيه، والباطل لا زال يلقنه ويلقيه، ألا ترى خصال الجاهلية كالنياحة والتفاخر والتكاثر والطعن والتفضيل والكهانة والنجوم والخط والتشاؤم وما أشبه ذلك، وأسماءها كالعتمة ويثرب، وكذا التنابز بالألقاب وغيره ممّا نهي عنه وحذر منه، كيف لم تزل من أهلها، وانتقلت إلى غيرهم مع تيّسر أمرها، حتى كأنّهم لا يرفعون بالدين رأساً، بل يجعلون العادات القديمة أسّاً، وكذلك محبّة الشعر والتلحين والنسب وما انخرط في هذا السلك ثابتة الموقع من القلوب، والشرع فينا منذ سبعمائة سنة وسبع وستين سنة لا نحفظه إلاّ قولاً، ولا نحمله إلاّ كلاًّ، انتهى.

وقال الحافظ ابن غازي - بعد ذكر كلام مولاي الجد - ما نصّه: وحدثني ثقة ممّن لقيت أنّه لما قدم مدينة فاس العلامة أبو يحيى الشريف التلمساني وتصدى لإقراء التفسير بالبلد الجديد وأمر السلطان أبو سعيد المريني الحفيد أعيان الفقهاء

بحضور مجلسه كان ممّا ألقاه إليهم منزع المقّري هذا، فبالغوا في إنكاره، ورأوا أنّه لا معدل عمّا عول عليه زعماء الفقهاء كابن رشد وأصحاب الوثائق كالمتيطي من اعتماد عمل أهل قرطبة ومن في معناهم، انتهى.

[رجع إلى وصف قرطبة ومسجدها]

وقال بعض المؤرخين - حين ذكر قرطبة - ما ملخّصه: هي قاعدة بلاد الأندلس، ودار الخلافة الإسلاميّة، وهي مدينة عظيمة، وأهلها أعيان البلاد وسراة الناس، في حسن المآكل والمشارب واللابس والمراكب، وعلو الهمم وبها أعلام العلماء، وسادات الفضلاء، وأجلاد الغزاة، وأنجاد الحروب، وهي في تقسيمها خمس مدن يتلو بعضها بعضاً، وبين المدينة والمدينة سور عظيم حصين حاجز، وكل مدينة مستقلّة بنفسها، وفيها ما يكفي أهلها من الحمّامات والأسواق والصناعات، وطول قرطبة ثلاثة أميال في عرض ميل واحد، وهي في سفح جبل مطل عليها، وفي مدينتها الثالثة وهي الوسطى القنطرة والجامع الذي ليس في معمور الأرض مثله وطوله مائة ذراع في عرض ثمانين، وفيه من السواري الكبار ألف سارية، وفيه مائة وثلاث عشرة ثريّا للوقود أكبرها تحمل ألف مصباح، وفيه من النقوش والرقوم ما لا يقدر أحد على وصفه، وبقبلته صناعات تدهش العقول، وعلى فرجة المحراب سبع قسيّ قائمة على عمد طول كل قوس فوق القامة قد تحير الروم والمسلمون في حسن وضعها، وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة: اثنان أخضران واثنان لازورديان، ليس لها قيمة لنفاستها، وبه منبر ليس على معمور الأرض أنفس منه ولا مثله في حسن صنعته، وخشبه

ساج وآبنوس وبقّم وعود قاقلّى، ويذكر في تاريخ بني أميّة أنّه أحكم عمله ونقشه في سبع سنين، وكان يعمل فيه ثمانية صنّاع لكل صانع في كل يوم نصف مثقال محمدي، فكان جملة ما صرف على المنبر لا غير عشرة آلاف مثقال وخمسون مثقالاً، وفي الجامع حاصل كبير ملآن من آنية الذهب والفضّة لجل وقوده، وبهذا الجامع مصحف يقال: إنّه عثماني، وللجامع عشرون باباً مصفحات بالنحاس الأندلسي مخرّمة تخريماً عجيباً بديعاً يعجز البشر ويبهرهم، وفي كل باب حلقة في نهاية الصنعة والحكمة، وبه الصومعة العجيبة التي ارتفاعها مائة ذراع بالمكي المعروف بالرشاشي، وفيها من أنواع الصنائع الدقيقة ما يعجز الواصف عن وصفه ونعته، وبهذا الجامع ثلاثة أعمد حمر مكتوب على الواحد اسم محمد، وعلى الآخر صورة عصا موسى وأهل الكهف، وعلى الثالث صورة غراب نوح، والجميع خلقة ربانية، وأما القنطرة التي بقرطبة فهي بديعة الصنعة، عجيبة المرأى، فاقت قناطر الدنيا حسناً، وعدد قسيّها سبع عشرة قوساً، سعة كل قوس منها خمسون شبراً وبين كل قوسين خمسون شبراً، وبالجملة فمحاسن قرطبة أعظم من أن يحيط بها وصفٌ، انتهى ملخّصاً.

وهو وإن تكرّر بعضه مع ما قدمته فلا يخلو من فائدة زائدة، والله الموفق.

وما ذكره في طول المسجد وعرضه مخالف لما مرّ، ويمكن الجواب بأن هذا الذراع أكبر من ذلك، كما أشار إليه هو في أمر الصومعة، وكذا ما ذكره في

عدد السواري، وإلاّ أن يقال: ما تقدم باعتبار الصغار والكبار، وهذا العدد الذي ذكره هنا إنّما هو للكبار فقط، كما صرح به، والله تعالى أعلم.

وأمّا الثريات فقد خالف في عددها ما تقدّم، مع أن المتقدّم هو قول ثقات مؤرخي الأندلس، ونحن جلبنا النقل من مواضعه، وإن اختلفت طرقه ومضموناته.

وقال في المغرب - عند تعرّضه لذكر جامع قرطبة - ما نصّه: اعتمدت فيما أنقله في هذا الفصل على كتاب ابن بشكوال، فقد اعتنى بهذا الشأن أتم اعتناء، وأغنى عن الاستطلاع إلى كلام غيره: عن الرازي أنّه لما افتتح المسلمون الأندلس امتثلوا ما فعله أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد عن رأي عمر رضي الله تعالى عنه بالشام من مشاطرة الروم في كنائسهم مثل كنيسة دمشق وغيرها ممّا أخذوه صلحاً، فشاطر المسلمون أعاجم قرطبة كنيستهم العظمى التي كانت داخل مدينتها تحت السور، وكانوا يسمّونها بشنت بنجنت، وابتنوا في ذلك الشطر مسجداً جامعاً، وبقي الشطر الثاني بأيدي النصارى، وهدمت عليهم سائر الكنائس بحضرة قرطبة، واقتنع المسلمون بما في أيديهم، إلى أن كثروا، وتزيدت عمارة قرطبة، ونزلها أمراء العرب، فضاق عنهم ذلك المسجد وجعلوا يعلقون منه سقيفة بعد سقيفة يستكنّون بها، حتى كان الناس ينالون في الوصول إلى داخل المسجد الأعظم مشقّة لتلاصق السقائف، وقصر أبوابها، وتطامن سقفها، حتى ما يمكن أكثرهم القيام على اعتدال لتقارب سقفها من الأرض، ولم يزل المسجد على هذه الصفة إلى أن دخل الأمير عبد الرحمن بن معاوية المرواني إلى الأندلس، واستولى على إمارتها، وسكن دار سلطانها قرطبة، وتمدّنت به، فنظر في أمر الجامع، وذهب إلى توسعته وإتقان بنيانه، فأحضر أعاظم النصارى،

وسامهم بيع ما بقي بأيديهم من كنيستهم لصق الجامع ليدخله فيه، وأوسع لهم البذل وفاء بالعهد الذي صولحوا عليه، فأبوا من بيع ما بأيديهم، وسألوا بعد الجد بهم أن يباحوا بناء كنيستهم التي هدمت عليهم بخارج المدينة على أن يتخلّوا للمسلمين عن هذا الشطر الذي طولبوا به، فتم الأمر على ذلك، وكان ذلك سنة ثمان وستين ومائة، فابتنى عند ذلك عبد الرحمن المسجد الجامع على صفة ذكرها لا حاجة إلى تفسير الزيادة فيه، وإنّما الحاجة في وصفه بكماله. وفي بنائه لهذه الزيادة يقول دحية بن محمد البلوي من قصيدة:

وأنفق في دين الإله ووجههثمانين ألفاً من لجينٍ وعسجد
توزّعها في مسجد أسّه التّقىومنهجه دين النبي محمد

ترى الذهب الناريّ فوق سموكه ... يلوح كبرق العارض المتوقّد قال: وكمل سنة سبعين ومائة؛ ثم ذكر زيادة ابنه هشام الرضى وما جدّده فيه، وأنّه بناه من خمس فيء أربونة، ثم زيادة ابنه عبد الرحمن الأوسط لما تزايد الناس، قال: وهلك قبل أن يتم الزخرف، فأمّها ولده محمد بن عبد الرحمن، ثم رمّ المنذر بن محمد ما وهى منه، وذكر ما جدده خليفتهم الناصر ونقضه للصومعة الأولى وبنيانه للصومعة العظيمة، قال: ولمّا ولي الحكم المستنصر بن الناصر؟ وقد اتسع نطاق قرطبة، وكثر أهلها، وتبين الضيق في جامعها؟ لم يقدّم شيئاً على النظر في الزيادة، فبلغ الجهد، وزاد الزيادة العظمى، قال: وبها كملت محاسن هذا الجامع، وصار في حدّ يحسر الوصف عنه، وذكر حضوره لمشاورة العلماء في تحريف القبلة إلى نحو المشرق، حسبما فعله

والده الناصر في قبلة جامع الزهراء، لأن أهل التعديل يقولون بانحراف قبلة الجامع القديمة إلى نحو الغرب، فقال له الفقيه أبو إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إنّه قد صلى إلى هذه القبلة خيار هذه الأمّة من أجدادك الأئمة وصلحاء المسلمين وعلمائهم، منذ افتتحت الأندلس إلى هذا الوقت، متأسّين بأوّل من نصبها من التابعين كموسى بن نصير وحنش الصنعاني وأمثالهما، رحمهم الله تعالى؛ وإنّما فضل من فضل بالاتّباع، وهلك من هلك بالابتداع، فأخذ الخليفة برأيه، وقال: نعم ما قلت، وإنّما مذهبنا الاتّباع.

قال ابن بشكوال: ونقلت من خط أمير المؤمنين المستنصر أن النفقة في هذه الزيادة وما اتصل بها انتهت إلى مائتي ألف دينار وأحد وستين ألف دينار وخمسمائة دينار وسبعة وثلاثين ديناراً ودرهمين ونصف.

ثم ذكر الصومعة نقلاً عن ابن بشكوال فقال: أمر الناصر عبد الرحمن بهدم الصومعة الأولى سنة وأقام هذه الصومعة البديعة، فحفر في أساسها حتى بلغ الماء مدّة من ثلاثة وأربعين يوماً، ولمّا كملت ركب الناصر إليها من مدينة الزهراء وصعد في الصّومعة من أحد درجيها، ونزل من الثاني، ثم خرج الناصر وصلى ركعتين في المقصورة، وانصرف، قال: وكانت الأولى ذات مطلع واحد، فصير لهذه مطلعين، فصل بينهما البناء، فلا يلتقي الراقون فيها إلاّ بأعلاها، تزيد مراقي كل مطلع منها على مائةٍ سبعاً.

قال: وخبر هذه الصومعة مشهور في الأندلس، وليس في مساجد المسلمين صومعة تعدلها.

قال ابن سعيد: قال ابن بشكوال هذا لأنّه لم ير صومعة مراكش ولا صومعة إشبيلية التين بناهما المنصور من بني عبد المؤمن، فهما أعظم وأطول، لأنّه ذكر أن طول صومعة قرطبة إلى مكان موقف المؤذن أربعة وخمسون ذراعاً

وإلى أعلى الرمانة الأخيرة بأعلى الزج ثلاثة وسبعون ذراعً، وعرضها في كل تربيع منها ثمانية عشر ذراعاً، وذلك اثنان وسبعون ذراعاً، قال ابن سعيد: وطول صومعة مراكش مائة وعشرة أذرع. وذكر أن صومعة قرطبة بضخام الحجارة المقطعة منجّدة غاية التنجيد، وفي أعلى ذروتها ثلاث شمسات يسمونها رمانات ملصقة في السفود البارز في أعلاها من النحاس: الثنتان منها ذهب إبريز، والثالثة منها وسطى بينهما من فضّة إكسير، وفوقها سوسنة من ذهب مسدّسة فوقها رمّانة ذهب صغيرة في طرف الزج البارز بأعلى الجوّ، وكان تمام هذه الصومعة في ثلاثة عشر شهراً.

وذكر ابن بشكوال في رواية أن موضع الجامع الأعظم بقرطبة كان حفرة عظيمة يطرح فيها أهل قرطبة قمامتهم وغيرها، فلمّا قدم سليمان بن داود صلّى الله عليهما ودخل قرطبة قال للجن: اردموا هذا الموضع وعدّلوا مكانه فسيكون فيه بيت يعبد الله فيه، ففعلوا ما أمرهم به، وبني فيه بعد ذلك الجامع المذكور، قال: ومن فضائله أن الدارات الماثلة في تزاويق سمائه مكتوبة كلّها بالذكر والدعاء إلى غيره بأحكم صنعة، انتهى.

وذكر مصحف عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه الذي كان في جامع قرطبة وصار إلى بني عبد المؤمن فقال: هو مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه، ممّا خطّه بيمينه، وله عند أهل الأندلس شأن عظيم، انتهى. وسنذكر فيه زيادة على هذا.

[الزهراء]

وأمّا الزهراء فهي مدينة الملك التي اخترعها أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر

لدين الله، وقد تقدّم ذكره، وهي من المدن الجليلة العظيمة القدر، قال ابن الفرضي وغيره: كان يعمل في جامعها حين شرع فيه من حذّاق الفعلة كلّ يوم ألف نسمة منها ثلاثمائة بنّاء ومائتا نجّار وخمسمائة من الأجراء وسائر الصنائع، فاستتم بنيانه وإتقانه في مدّة من ثمانية وأربعين يوماً، وجاء في غاية الإتقان من خمسة أبهاء عجيبة الصّنعة، وطوله من القبلة إلى الجوف - حاشا المقصورة - ثلاثون ذراعاً، وعرض كل بهو من الأربعة المكتنفة له اثنا عشر ذراعاً، وطول صحنه المكشوف من القبلة إلى الجوف ثلاثة وأربعون ذراعاً، وعرضه من الشرق إلى الغرب واحد وأربعون ذراعاً، وجميعه مفروش بالرخام الخمري، وفي وسطه فوّارة يجري فيها الماء، فطول هذا المسجد أجمع من القبلة إلى الجوف - سوى المحراب - سبعة وتسعون ذراعاً، وعرضه من الشرق إلى الغرب تسعة وخمسون ذراعاً، وطول صومعته في الهواء أربعون ذراعاً، وعرضها عشرة أذرع في مثلها.

وأمر الناصر لدين الله باتخاذ منبر بديع لهذا المسجد، فصنع في نهاية من الحسن، ووضع في مكانه منهن وحظرت حوله مقصورة عجيبة الصنعة، وكان وضع هذا المنبر في مكانه من هذا المسجد عند إكماله يوم الخميس لسبع بقين من شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.

قال: وفي صدر هذه السنة كمل للناصر بنيان القناة الغريبة الصنعة التي جرى فيها الماء العذب من جبل قرطبة إلى قصر الناعورة غربي قرطبة، في المناهر المهندسة، وعلى الحنايا المعقودة، يجري ماؤها بتدبير عجيب وصنعة محكمة إلى بركة عظيمة، عليها أسدٌ عظيم الصورة بديع الصنعة شديد الروعة لم يشاهد

أبهى منه فيما صوّر الملوك في غابر الدهر، مطلي بذهب إبريز، وعيناه جوهرتان لهما وميض شديد، يجوز هذا الماء إلى عجز هذا الأسد فيمجّه في تلك البركة من فيه، فيبهر الناظر بحسنه وروعة منظره وثجاجة صبّه، فتسقى من مجاجه جنان هذا القصر على سعتها، ويستفيض على ساحاته وجنباته، ويمدّ النهر الأعظم بما فضل منه، فكانت هذه القناة وبركتها والتمثال الذي يصب فيها من أعظم آثار الملوك في غابر الدهر، لبعد مسافتها، واختلاف مسالكها، وفخامة بنيانها، وسموّ أبراجها التي يترقى الماء منها ويتصوّب من أعاليها، وكانت مدّة العمل فيها من يوم ابتدئت من الجبل إلى أن وصلت - اعني القناة - إلى هذه البركة أربعة عشر شهراً، وكان انطلاق الماء في هذه البركة الانطلاق الذي اتصل واستمر يوم الخميس غرّة جمادى الآخرة من السنة، وكانت للناصر في هذا اليوم بقصر الناعورة دعوة حسنة أفضل فيها على عامّة أهل مملكته، ووصل المهندسين والقوّام بالعمل بصلات حسنة جزيلة.

وأمّا مدينة الزهراء فاستمر العمل فيها من عام خمسة وعشرين وثلاثمائة إلى آخر دولة الناصر وابنه الحكم، وذلك نحو من أربعين سنة.

ولما فرغ من بناء مسجد الزهراء على ما وصف كانت أوّل جماعة صلّيت فيه صلاة المغرب من ليلة الجمعة لثمان بقين من شعبان، وكان الإمام القاضي أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي عيسى، ومن الغد صلى الناصر فين الجمعة، وأوّل خطيب به القاضي المذكور.

ولمّا بنى الناصر قصر الزهراء المتناهي في الجلالة والفخامة أطبق الناس على أنّه لم يبن مثله في الإسلام البتّة، وما دخل إليه قطّ أحد من سائر البلاد النائية والنّحل المختلفة من ملك وارد ورسول وافد وتاجر جهبذ، وفي هذه الطبقات

من الناس تكون المعرفة والفطنة، إلا وكلهم قطع أنّه لم ير له شبهاً، بل لم يسمع به، بل لم يتوهم كون مثله، حتى إنّه كان أعجب ما يؤمله القطع إلى الأندلس في تلك العصور النظر إليه، والتحدث عنه، والأخبار عن هذا تتسع جدّاً، والأدلّة عليه تكثر، ولو لم يكن فيه إلاّ السطح الممرّد المشرف على الروضة المباهي بمجلس الذهب والقبة وعجيب ما تضمّنه من إتقان الصنعة وفخامة الهمّة وحسن المستشرف وبراعة الملبس والحلة ما بين مرمر مسنون وذهب موضون وعمدٍ كأنّما أفرغت في القوالب، ونقوش كالرياض، وبرك عظيمة محكمة الصنعة، وحياضٍ وتماثيل عجيبة الأشخاص لا تهتدي الأوهام إلى سبيل استقصاء التعبير عنها، فسبحان الذي أقدر هذا المخلوق الضعيف على إبداعها واختراعها من أجزاء الأرض المنحلّة كيما يري الغافلين عنه من عباده مثالاً لما أعدّه لأهل السعادة في دار المقامة التي لا يتسلّط عليها الفناء، ولا تحتاج إلى الرّم، لا إله إلاّ هو المنفرد بالكرم.

وذكر المؤرخ أبو مروان ابن حيّان صاحب الشرطة أن مباني قصر الزهراء اشتملت على أربعة آلاف سارية، ما بين كبيرة وصغيرة حاملة ومحمولة، ونيّف هو ثنتا عشرة على ثلاثمائة سارية، قال: منها ما جلب من مدينة رومة، ومنها ما أهداه صاحب القسطنطينيّة، وأن مصاريع أبوابها صغارها وكبارها كانت تنيّف على خمسة عشر ألف باب، وكلها ملبسة بالحديد والنحاس المموّه، والله سبحانه أعلم فإنّها كانت من أهول ما بناه الإنس، وأجلّه خطراً، وأعظمه شأناً، انتهى.

قلت: فسّر بعضهم ذلك النيّف في كلامه بثلاث عشرة، والله أعلم.

وقال بعض من أرّخ الأندلس: كان عدد الفتيان بالزهراء ثلاثة عشر ألف فتىً وسبعمائة وخمسين فتىً، ودخالتهم من اللحم في كل يوم - حاشا أنواع الطير والحوت - ثلاثة عشر ألف رطل، وعدة النساء بقصر الزهراء الصغار والكبار، وخدم الخدمة ستة آلاف وثلاثمائة امرأة وأربع عشرة، انتهى.

وقيل: إن عدد الفتيان الصقالبة ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسون، وجعل بعضٌ مكان الخمسين سبعة وثمانين.

وقال آخر: ستة آلاف صقلبي وسبعة وثمانون، والمرتب من الخبز لحيتان بحيرة الزهراء اثنا عشر ألف خبزة كل يوم، وينقع لها من الحمص الأسود ستة أقفزة كل يوم، انتهى.

ثم قال الأول: وكان لهؤلاء من اللحم ثلاثة عشر ألف رطل، تقسم من عشرة أرطال للشخص إلى ما دون ذلك، سوى الدجاج والحجل وصنوف الطير وضروب الحيتان، انتهى.

وقال ابن حيّان: ألفيت بخط ابن دحون الفقيه، قال مسلمة بن عبد الله العريف المهندس: بدأ عبد الرحمن الناصر لدين الله بنيان الزهراء أول سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، وكان مبلغ ما ينفق فيها كل يوم من الصخر المنحوت المنجور المعدل ستة آلاف صخرة، سوى الصخر المصرّف في التبليط، فإنّه لم يدخل في هذا العدد، وكان يخدم في الزهراء كل يوم ألف وأربعمائة بغل، وقيل أكثر، منها أربعمائة زوامل الناصر لدين الله، ومن دواب الأكرياء الراتبة للخدمة ألف بغل، لكل بغل منها ثلاثة مثاقيل في الشهر، يجب لها في الشهر

ثلاثة آلاف مثقال، وكان يرد الزهراء من الجيار والجص في كل ثالث من الأيام ألف ومائة حمل، وكان فيها حمّامان: واحد للقصر، وثانٍ للعامة.

وذكر بعض أهل الخدمة في الزهراء أنّه قدر النفقة فيها في كل عام بثلاثمائة ألف دينار مدة خمسة وعشرين عاماً التي بقيت من دولة الناصر من حين ابتدأها، لأنّه توفّي سنة خمسين، فحصل جميع الإنفاق فيها فكان مبلغه خمسة عشر بيت مال.

قال: وجلب إليها الرخام من قرطاجنة وإفريقية وتونس، وكان الذين يجلبونه عبد الله بن يونس عريف البنائين وحسن وعلي بن جعفر الإسكندراني، وكان الناصر يصلهم على كل رخامة صغيرة وكبيرة بعشرة دنانير، انتهى.

وقال بعض ثقات المؤرخين: إنّه كان يصلهم على كل رخامة صغيرة بثلاثة دنانير، وعلى كل سارية بثمانية دنانير سجلماسية، قيل: وكان عدد السواري المجلوبة من إفريقية ألف سارية وثلاثة عشرة سارية، وسائرها من مقاطع الأندلس طرّكونة وغيرها، فالرخام المجزع من ريّة، والأبيض من غيرها، والوردي والأخضر من إفريقية من كنيسة إسفاقس، وأمّا الحوض المنقوش المذهب الغريب الشكل الغالي القيمة فجلبه إليه أحمد اليوناني من القسطنطينية مع ربيع الأسقف القادم من إيلياء، وأما الحوض الصغير الأخضر المنقوش بتماثيل الإنسان فجلبه أحمد من الشام، وقيل: من القسطنطينية، مع ربيع الأسقف

أيضاً، وقالوا: إنّه لا قيمة له لفرط غرابته وجماله، وحمل من مكان إلى مكان حتى وصل إلى البحر، ونصبه الناصر في بيت المنام في المجلس الشرقي المعروف المؤنس، وجعل عليه اثني عشر تمثالاً من الذهب الأحمر مرصعة بالدر النفيس الغالي ممّا عمل بدار الصناعة بقرطبة: صورة أسد إلى جانبه غزال إلى جانبه تمساح، وفيما يقابله ثعبان وعقاب وفيل، وفي المجنبتين حمامة وشاهين وطاووس ودجاجة وديك وحدأة ونسر، وكل ذلك من ذهب مرصع بالجوهر النفيس، ويخرج الماء من أفواهها، وكان المتولي لهذا البنيان المذكور ابنه الحكم، لم يتكل فيه الناصر على أمين غيره، وكان يخبز في أيامه في كل يوم برسم حيتان البحيرات ثمانمائة خبزة، وقيل: أكثر، إلى غير ذلك ممّا يطول تتبعه.

قال: وكان الناصر كما قدمنا قسم الجباية أثلاثاً: ثلث للجند، وثلث للبناء، وثلث مدخر، وكانت جباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستين ألف دينار، وأمّا أخماس الغنائم العظيمة فلا يحصيها الديوان.

وقد سبق هذا كلّه، وإنّما كرّرته لقول بعضهم إثر حكايته له، ما صورته: وقيل: إن مبلغ تحصيل النفقة في بناء الزهراء مائة مدي من الدراهم القاسمية بكيل قرطبة، وقيل: إن مبلغ النفقة فيها بالكيل المذكور ثمانون مدياً وسبعة أقفزة من الدراهم المذكورة. واتصل بنيان الزهراء أيّام الناصر خمساً وعشرين سنة شطر خلافته، ثم اتصل بعد وفاته خلافة ابنه الحكم كلّها، وكانت خمسة عشر عاماً وأشهراً، فسبحان الباقي بعد فناء الخلق، لا إله إلاّ هو، انتهى.

[بين الناصر ومنذر بن سعيد في شأن المباني]

وقال ابن أصبغ الهمداني والفتح في المطمح: كان الناصر كلفاً بعمارة الأرض، وإقامة معالمها، وانبساط أمرها، واستجلابها من أبعد بقاعها، وتخليد الآثار الدالة على قوّة الملك وعزّة السلطان وعلوّ الهمّة، فأفضى به الإغراق في ذلك إلى أن ابتنى مدينة الزهراء البناء الشائع ذكره، الذائع خبره، المنتشر في الأرض أثره، واستفرغ وسعه في تنميقها، وإتقان قصورها، وزخرفة مصانعها، وانهمك في ذلك حتى عطل شهود الجمعة بالمسجد الجامع الذي اتخذه ثلاث جمع متواليات، فأراد القاضي منذر أن يغض منه بما يتناوله من الوعظة بفصل الخطاب والحكمة والتذكر بالإنابة والرجوع، فابتدأ في أول خطبته بقوله تعالى: " أتبنون بكلّ ريع - إلى قوله تعالى: فلا تكن من الواعظين " ثم وصله بقوله: فمتاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى، وهي دار القرار، ومكان الجزاء، ومضى في ذم تشييد البنيان، والاستغراق في زخرفته، والإسراف في الإنفاق عليه، بكلام جزل، وقول فصل، قال الحاكي: فجرى فيه طلقاً، وانتزع فيه قوله تعالى: " أفمن أسّس بنيانه - إلى آخر الآية " وأتى بما يشاكل المعنى من التخويف بالموت، والتحذير من فجأته، والدعاء إلى الزهد في هذه الدار الفانية، والحض على اعتزالها، والرفض لها، والندب إلى الإعراض عنها، والإقصار عن طلب اللذّات، ونهي النفس عن اتّباع هواها، فأسهب في ذلك كلّه، وأضاف إليه من آي القرآن ما يطابقه، وجلب من الحديث والأثر ما يشاكله، حتى أذكر من حضره من الناس

وخشعوا ورقّوا واعترفوا وبكوا وضجوا ودعوا وأعلنوا التضرّع إلى الله تعالى في التوبة والابتهال في المغفرة، وأخذ خليفتهم من ذلك بأوفر حظ، وقد علم أنّه المقصود به، فبكى وندم على ما سلف له من فرطه، واستعاذ بالله من سخطه، إلاّ أنّه وجد على منذر لغلظ ما قرّعه به، فشكا ذلك لولده الحكم بعد انصراف منذر، وقال: والله لقد تعمدني منذر بخطبته، وما عنى بها غيري، فأسرف عليّ، وأفرط في تقريعي، ولم يحسن السياسة في وعظي، فزعزع قلبي، وكاد بعصاه يقرعني، واستشاط غيظاً عليه فأقسم أن لا يصلي خلفه صلاة الجمعة خاصة، فجعل يلتزم صلاتها وراء أحمد بن مطرّف صاحب الصلاة بقرطبة، ويجانب الصلاة بالزهراء، وقال له الحكم: فما الذي يمنعك من عزل منذر عن الصلاة بك والاستبدال بغيره منه إذ كرهته؟ فزجره وانتهره، وقال له: أمثل منذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه؟ لا أمّ لك؟ يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد، سالكة غير القصد؟ هذا ما لا يكون، وإنّي لأستحي من الله أن لا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة شفيعاً مثل منذر في ورعه وصدقه، ولكنّه أحرجني، فأقسمت، ولوددت أنّي أجد سبيلاً إلى كفّارة يميني بملكي، بل يصلّي بالناس حياته وحياتنا إن شاء الله تعالى، فما أظنّنا نعتاض منه أبداً. وقيل: إن الحكم اعتذر عمّا قال منذر، وقال: يا أمير المؤمنين، إنّه رجل صالح، وما أراد إلاّ خيراً، ولو رأى ما أنفقت وحسن تلك البنية لعذرك، فأمر حينئذ الناصر بالقصور ففرشت، وفرش ذلك المجلس بأصناف فرش الديباج، وأمر بالأطعمة، وقد أحضر العلماء وغيرهم من الأمراء وغصّ بهم المجلس، فدخل منذر في آخرهم،

فأومأ إليه الناصر أن يقعد بقربه، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّما يقعد الرجل حيث انتهى به المجلس، ولا يتخطّى الرقاب، فجلس في آخر الناس وعليه ثياب رثّة، ثم ذكر هذا القائل بعد هذا كلاماً من كلام المنذر يأتي قريباً.

وقحط الناس آخر مدة الناصر، فأمر القاضي منذر المذكور بالبروز إلى الاستسقاء بالناس، فتأهّب لذلك، وصام بين يديه أياماً ثلاثة تنفلاً وإنابة ورهبة، واجتمع له الناس في مصلّى الرّبض بقرطبة بارزين إلى الله تعالى في جمع عظيم، وصعد الخليفة الناصر في أعلى مصانعه المرتفعة من القصر ليشارف الناس، ويشاركهم في الخروج إلى الله تعالى والضّراعة له، فأبطأ القاضي حتى اجتمع الناس وغصت بهم ساحة المصلّى، ثم خرج نحوهم ماشياً متضرّعاً مخبتاً متخشّعاً، وقام ليخطب، فلمّا رأى بدار الناس إلى ارتقائه، واستكانتهم من خيفة الله، وإخباتهم له، وابتهالهم إليه - رقّت نفسه، وغلبته عيناه، فاستعبر وبكى حيناً، ثم افتتح خطبته بأن قال: يا أيّها الناس، سلام عليكم، ثم سكت ووقف شبه الحصر، ولم يك من عادته، فنظر الناس بعضهم إلى بعض لا يدرون ما عراه ولا ما أراد بقوله، ثم اندفع تالياً قوله تعالى " كتب ربّكم على نفسه الرّحمة، إلى قوله: رحيم " ثم قال: استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً، استغفروا ربكم ثمّ توبوا إليه، وتزلّفوا بالأعمال الصالحة لديه، قال الحاكي: فضج الناس بالبكاء، وجأروا بالدعاء، ومضى على تمام خطبته، ففزّع النفوس بوعظه، وانبعث الإخلاص بتذكيره، فلم ينقض النهار حتى أرسل الله السماء بماء منهمر، روّى الثرى، وطرد المحل وسكّن الأزل، والله لطيف بعباده. وكان لمنذر في خطب الاستسقاء استفتاح عجيب، ومنه أن قال يوماً - وقد سرح طرفه في ملإ الناس عندما شخصوا

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.