من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (٢)
صاحبه، فمحوني شزرا، وعظمت في أعينهم بعد أن كنت نزرا، وتقدّم إلى الأمير من نقل إليه الكلام، فاستدناني فدنوت منه، وسألني: هل لي بما هم فيه بصر فقلت: لي فيه بعض نظر، سيبدو لك ويظهر، حرّك تلك القطعة، ففعل وعارضه صاحبه، فأمرته أن يحرّك أخرى، وما زالت الحركات بينهم كذلك تترى، حتى هزمهم الأمير، وانقطع التدبير، فقالوا: ما أنت بصغير، وكان في أثناء تلك الحركات قد ترنم ابن عم الأمير منشداً:
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه ... وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتّقي فقال: لعن الله أبا الطيّب، أويشكّ الربّ فقلت له في الحال: ليس كما ظنّ صاحبك أيها الأمير، إنّما أراد بالرب ههنا الصاحب، يقول: ألذ الهوى ما كان المحبّ فيه من الوصال، وبلوغ الغرض من الآمال، على ريب، فهو في وقته كلّه على رجاء لما يؤمله، وتقاة لما يقطع به، كما قال:
إذا لم يكن في الحبّ سخطٌ ولا رضاً ... فأين حلاوات الرسائل والكتب وأخذنا نضيف إلى ذلك من الأغراض، في طرفي الإبرام والانتقاض، ما حرّك منهم إلى جهتي داعي الانتهاض، وأقبلا يتعجبون مني ويسألونني كم سني، ويستكشفونني عني، فبقرت لهم حديثي، وذكرت لهم نجيثي، وأعلمت الأمير بأن أبي معي فاستدعاه، وقمنا الثلاثة إلى مثواه، فخلع علينا خلعه، وأسبل علينا أدمعه، وجاء كل خوان، بأفنان الألوان.
ثم قال بعد المبالغة في وصف ما نالهم من إكرامه: فانظر إلى هذا العلم الذي هو إلى الجهل أقرب، مع تلك الصّبابة اليسيرة من الأدب، كيف أنقذا من العطب وهذا الذكر يرشدكم إن عقلتم إلى المطلب. وسرنا حتى انتهينا إلى ديار مصر. انتهى مختصراً.
والزول: العجب، ونجيث الخبر: ما ظهر من قبيحه، يقال: بدا نجيث
القوم، إذا ظهر سرهم الذي كان يحقّونه، قالهما الجوهري.
وذكر، رحمه الله تعالى، في رحلته عجائب، منها: أنّه حكى دخوله بدمشق بيوت بعض الأكابر أنّه رأى فيه النهر جائياً إلى موضع جلوسهم، ثم يعود من ناحية أخرى، فلم أفهم معنى ذلك حتى جاءت موائد الطعام في النهر المقبل إلينا، فأخذها الخدم ووضعوها بين يدينا، فلما فرغنا ألقى الخدم الأواني وما معها في النهر الراجع، فذهب بها الماء إلى ناحية الحريم من غير أن يقرب الخدم تلك الناحية، فعلمت السر، وإن هذا لعجيب، انتهى معناه.
وقال في " قانون التأويل ": ورد علينا دانشمند - يعني الغزالي - فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية، معرضاً عن الدنيا، مقبلاً على الله تعالى، فمشينا إليه، وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالّتنا التي كنّا ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن الخبر على الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم، ولو رآه عليّ بن العباس لما قال:
إذا ما مدحت امرأ غائباًفلا تغل في مدحه واقصد
فإنّك إن تغل تغل الظنون فيه إلى الأمد الأبعد
فيصغر من حيث عظّمته ... لفضل المغيب على المشهد وكنت نقلت من المطمح في حقّه ما صورته: علم الأعلام الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، الذي أنسى ذكاء إياس، وترك التقليد للقياس، وأنتج الفرع
من الأصل، وغدا في يد الإسلام أمضى من النّصل، سقى الله تعالى به الأندلس بعدما أجدبت من المعارف، ومد عليها منه الظلّ الوارف، وكساه رونق نبله، وسقاها ريّق وبله، وكان أبوه أبو محمد بإشبيلية بدراً في فلكها، وصدراً في مجلس ملكها، واصطفاه معتمد بني عبّاد، اصطفاء المأمون لابن أبي داود، وولاه الولايات الشريفة، وبوّأه المراتب المنيفة، فلمّا أقفرت حمص من ملكهم وخلت، وألقتهم منها وتخلّت، رحل به إلى المشرق، وحلّ فيه محلّ الخائف الفرق، فجال في أكنافه، وأجال قداح الرجاء في استقبال العز واستئنافه، فلم يستردّ ذاهباً، ولم يجد كمعتمده باذلاً له وواهباً، فعاد إلى الرواية والسماع، وما استفاد من آمال تلك الأطماع، وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيبٌ ما دوّح، وفي روض الشباب زهر ما صوّح، فألزمه مجالس العلم رائحاً وغادياً، ولازمه سائقاً إليها وحادياً، حتى استقرت به مجالسه، واطّردت له مقايسه، فجدّ في طلبه، واستجد به أبوه متمزق أربه، ثم أدركه حمامه، ووارته هناك رجامه، وبقي أبو بكر متفرداً، وللطلب متجرداً، حتى أصبح في العلم وحيداً، ولم تجد عنه رياسته محيداً، فكرّ إلى الأندلس فحلّها والنفوس إليه متطلّعة، ولأنبائه متسمعة، فناهيك من حظوة لقي، ومن عزة سقي، ومن رفعة سما إليها ورقي، وحسبك من مفاخر قلّدها، ومحاسن أنس أثبتها فيها وخلّدها، وقد أثبتّ من بديع نظمه ما يهز أعطافاً، وترده الأفهام نطافاً، فمن ذلك قوله يتشوق إلى بغداد، ويخاطب فيها أهل الوداد:
أمنك سرى واللّيل يخدع بالفجرخيال حبيبٍ قد حوى قصب الفخر
جلا ظلم الظّلماء مشرق نورهولم يخبط الظّلماء بالأنجم الزّهر
ولم يرض بالأرض البسيطة مسحباًفسار على الجوزا إلى فلك يجري
وحثّ مطايا قد مطاها بعزّةٍفأوطأها قسراً على قنّة النّسر
فصارت ثقالاً بالجلالة فوقهاوسارت عجالاً تتّقي ألم الزجر
وجرت على ذيل الجرة ذيلهافمن ثم يبدو ما هناك لمن يسري
ومرّت على الجوزاء توضع فوقهافآثر ما مرّت به كلف البدر
وساقت أريج الخلد من جنّة العلافدع عنك رملاً بالأنيعم يستذري
فما حذرت قيساً ولا خيل عامرٍولا أضمرت خوفاً لقاء بني ضمر
سقى الله مصراً والعراق وأهلهاوبغداد والشامين منهمل القطر انتهى
ومن تآليف الحافظ أبي بكر ابن العربي المذكور كتاب " القبس في شرح موطّإ مالك بن أنس " وكتاب " ترتيب المسالك، في شرح موطّإ مالك " وكتاب " أنوار الفجر " وكتاب " أحكام القرآن " وكتاب " عارضة الأحوذيّ في شرح الترمذيّ " - والأحوذي بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وكسر الذال المعجمة وآخره ياء مشدّدة - وكتاب " مراقي الزّلف " وكتاب " الخلافيات " وكتاب " نواهي الدواهي " وكتاب " سراج المريدين " وكتاب " المشكلين: مشكل القرآن والسنّة " وكتاب " الناسخ والمنسوخ في القرآن " وكتاب " قانون التأويل " وكتاب " النيرين في الصحيحين " وكتاب " سراج المهتدين " وكتاب " الأمد الأقصى، بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا " وكتاب " في الكلام على مشكل حديث السّبحات والحجاب "، وكتاب " العقد الأكبر للقلب الأصغر " و " تبيين الصحيح في تعيين الذبيح " و " تفصيل التفضيل بين
التحميد والتهليل " ورسالة " الكافي في أن لا دليل على النافي " وكتاب " السباعيات " وكتاب " المسلسلات " وكتاب " المتوسط في معرفة صحّة الاعتقاد والرد على من خالف أهل السنّة من ذوي البدع والإلحاد " وكتاب " شرح غريب الرسالة " وكتاب " الإنصاف في مسائل الخلاف " عشرون مجلداً، وكتاب " حديث الإفك " وكتاب " شرح حديث جابر في الشفاعة " وكتاب " شرح حديث أم زرع " وكتاب " ستر العورة " وكتاب " المحصول في علم الأصول " وكتاب " أعيان الأعيان " وكتاب " ملجاة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين " وكتاب " ترتيب الرحلة " وفيه من الفوائد ما لا يوصف.
ومن فوائد القاضي أبي بكر ابن العربي رحمه الله تعالى قوله: قال علماء الحديث: ما من رجل يطلب الحديث إلاّ كان على وجهه نضرة، لقول النبي، ﷺ: " نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها - الحديث " قال: وهذا دعاء منه ﵊ لحملة علمه، ولابدّ بفضل الله تعالى من نيل بركته، انتهى.
وإلى هذه النّضرة أشار أبو العباس العزفي بقوله:
أهل الحديث عصابة الحقّفازوا بدعوة سيّد الخلق
فوجوههم زهرٌ منضّرةٌلألاؤها كتألّق البرق
يا ليتني معهم فيدركنيما أدركوه بها من السّبق انتهى
ولا بأس أن نذكر هنا بعض فوائد الحافظ أبي بكر ابن العربي، رحمه الله تعالى:
فمنها قوله في تصريف المحصنات: يقال: أحصن الرجل فهو محصن - بفتح العين في اسم الفاعل - وأسهب في الكلام فهو مسهب، إذا أطال
البحث فيه، وألفج فهو ملفج، إذا كان عديماً، لا رابع لها، والله تعالى أعلم، انتهى.
ومنها قوله: سمعت الشيخ فخر الإسلام أبا بكر الشاشي وهو ينتصر لمذهب أبي حنيفة في مجلس النظر يقول: يقال في اللغة العربية لا تقرب كذا - بفتح الراء - أي لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن من الموضع، وهذا الذي قاله صحيح مسموع، انتهى.
ومنها قوله: شاهدت المائدة بطورزيتا مراراً، وأكلت عليها ليلاً ونهاراً، وذكرت الله ﷾ فيها سرّاً وجهاراً، وكان ارتفاعها أشفّ من القامة بنحو الشبر، وكان لها درجتان قبليّاً وجنوبيّاً، وكانت صخرة صلوداً لا تؤثر فيها المعاول وكان الناس يقولون مسخت صخرة إذ مسخ أربابها قردة وخنازير، والذي عندي أنّها كانت صخرة في الأصل قطعت من الأرض محلاًّ للمائدة النازلة من السماء، وكل ما حولها حجارة مثلها، وكان ما حولها محفوفاً بقصور، وقد نحتت في ذلك الحجر الصلد بيوت أبوابها منها ومجالسها منها، مقطوعة فيها، وحناياها في جوانبها، وبيوت خدمتها قد صوّرت من الحجر كما تصوّر من الطين والخشب، فإذا دخلت في قصر من قصورها ورددت الباب وجعلت من ورائه صخرة مقدار ثمن درهم لم يفتحه أهل الأرض للصوقه بالأرض، وإذا هبّت الريح وحثت تحته التراب لم يفتح إلا بعد صب الماء تحته والإكثار منه حتى يسيل بالتراب، وينفرج منفرج الباب، وقد بار بها قومٌ بهذه العلة، وقد كنت أخلو فيها كثيراً للدرس، ولكنّي كنت في كل حين أكنس حول الباب، مخافة ممّا جرى لغيري فيها، وقد شرحت أمرها في كتاب " ترتيب الرحلة " بأكثر من هذا، انتهى.
ومنها قوله، رحمه الله تعالى: تذاكرت بالمسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر
الفهري الطرطوشي في حديث أبي ثعلبة المرفوع: إن من ورائكم أيّاماً للعامل فيها أجر خمسين منكم فقالوا: بل منهم، فقال: بل منكم، لأنكم تجدون على الخير أعواناً، وهم لا يجدون عليه أعواناً، وتفاوضنا كيف يكون أجر من يأتي من الأمّة أضعاف أجر الصحابة مع أنّهم قد أسّسوا الإسلام، وعضدوا الدين، وأقاموا المنار، وافتتحوا الأمصار، وحموا البيضة، ومهّدوا الملّة، وقد قال، ﷺ، في الصحيح: " لو أنفق أحدكم كلّ يوم مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه "، فتراجعنا القول، وتحصّل ما أوضحناه في شرح الصحيح، وخلاصته: أن الصحابة كانت لهم أعمال كثيرة لا يلحقهم فيها أحد، ولا يدانيهم فيها بشر، وأعمال سواها من فروع الدين يساويهم فيها في الأجر من أخلص إخلاصهم، وخلّصها من شوائب البدع والرياء بعدهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بابٌ عظيم هو ابتداء الدين والإسلام، وهو أيضاً انتهاؤه، وقد كان قليلاً في ابتداء الإسلام، وصعب المرام، لغلبة الكفّار على الحق، وفي آخر الزمان أيضاً يعود كذلك، لوعد الصادق، ﷺ، بفساد الزمان، وظهور الفتن، وغلبة الباطل، واستيلاء التبديل والتغيير على الحق من الخلق، وركوب من يأتي سنن من مضى من أهل الكتاب، كما قال، ﷺ: " لتركبنّ سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ خربٍ لدخلتموه " وقال، ﷺ: " بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ " فلا بد، والله تعالى أعلم بحكم هذا الوعد الصادق، أن يرجع الإسلام إلى واحد، كما بدأ من واحد، ويضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى إذا قام من قائم مع احتواشه بالمخاوف وباع نفسه من الله تعالى في الدعاء إليه كان له من الأجر أضعاف
ما كان لمن ان متمكّناً منه معاناً عليه بكثرة الدّعاة إلى الله تعالى، وذلك قوله: " لأنّكم تجدون على الخير أعواناً وهم لا يجدون عليه أعواناً " حتى ينقطع ذلك انقطاعاً باتّاً لضعف اليقين وقلّة الدين، كما قال، ﷺ: " لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله " يروى برفع الهاء ونصبها، فالرفع على معنى لا يبقى موحد يذكر الله، ﷿، وحينئذ يتمنّى العاقل الموت، كما قال ﷺ: " لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني كنت مكانه " انتهى.
وأنشد رحمه الله تعالى لبعض الصوفية:
امتحن الله بذا خلقهفالنار والجنّة في قبضته
فهجره أعظم من ناره ... ووصله أطيب من جنّته ومن فوائد ابن العربي رحمه الله تعالى أنّه قال: كنت بمجلس الوزير العادل أبي منصور ابن جهير على ربة بيّنّاها في كتاب الرحلة للترغيب في الملّة فقرأ القارئ " تحيّتهم يوم يلقونه سلام " وكنت في الصف الثاني من الحلقة بظهر أبي الوفاء علي بن عقيل إمام الحنبلية بمدينة السلام، وكان معتزلي الأصول، فلمّا سمعت الآية قلت لصاحب لي كان يجلس على
يساري: هذه الآية دليل على رؤية الله في الآخرة: فإن العرب لا تقول لقيت فلاناً إلاّ إذا رأته، فصرف وجهه أبو الوفاء مسرعاً إلينا، وقال يتنصر لمذهب الاعتزال في أن الله تعالى لا يرى في الآخرة: فقد قال الله تعالى " فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه " وعندك أن المنافقين لا يرون الله تعالى في الآخرة، وقد شرحنا وجه الآية في المشكلين، وتقدير الآية: فأعقبهم هو نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه، فيحتمل ضمير يلقونه أن يعود إلى ضمير الفاعل في أعقبهم المقدر بقولنا هو، ويحتمل أن يعود إلى النفاق مجازاً على تقدير الجزاء، انتهى.
ومنها ما نقله عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما لا يقل أحدكم انصرفنا من الصلاة فإن قوماً قيل فيهم " ثمّ انصرفوا صرف الله قلوبهم " وقد أخبرنا محمد بن عبد الملك القيسي الواعظ، أخبرنا أبو الفضل الجوهري سماعاً منه: كنّا في جنازة فقال المنذر بها: انصرفوا رحمكم الله تعالى، فقال: لا يقل أحدكم انصرفوا فإن الله تعالى قال في قوم ذمهم " ثمّ انصرفوا صرف الله قلوبهم " ولكن قولوا: انقلبوا رحمكم الله، فإن الله تعالى قال في قوم مدحهم " فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوء " انتهى.
ومنها، وقد ذكر الخلاف في شاهد يوسف، ما صورته: فإذا قلنا إنّه القميص، فكان يصح من جهة اللغة أن يخبر عن حاله بتقدم مقاله، فإن لسان الحال أبلغ من لسان المقال في بعض الأمور، وقد تضيف العرب الكلام إلى الجمادات بما تخبر عنه بما عليها من الصفات، ومن أحلاه قول بعضهم: قال الحائط للوتد: لم تشقّني قال: سل من يدقّني، ما يتركني ورائي، هذا الذي ورائي، لكن قوله تعالى بعد ذلك " من أهلها " في
صفة الشاهد يبطل أن يكون القميص، وأمّا من قال إنّه ابن عمها أو رجل من أصحاب العزيز فإنّه يحتمل، لكن قوله " من أهلها " يعطي اختصاصها من جهة القرابة؛ انتهى.
ومنها قوله: إنّه كان بمدينة السلام إمام من الصوفية وأي إمام، يعرف بابن عطاء، فتكلّم يوماً على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته ممّا ينسب إليه من مكروه، فقام رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالخليقة من كل طائفة فقال: يا شيخ، يا سيدنا، فإذن يوسف همّ وما تمّ، فقال: نعم، لأن العناية من ثمّ، فانظروا إلى حلاوة العالم والمتعلم وفطنة العامي في سؤاله، والعالم في اختصاره واستيفائه، ولذا قال علماؤنا الصوفية: إن فائدة قوله تعالى " ولمّا بلغ أشدّه آتيناه حكماً وعلماً " أن الله تعالى أعطاه العلم والحكمة أيّام غلبة الشهوة لتكون له سبباً للعصمة؛ انتهى.
ومنها قوله: كنت بمكّة مقيماً في ذي الحجّة سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وكنت أشرب ماء زمزم كثيراً، وكلّما شربته نويت به العلم والإيمان، ففتح الله تعالى لي ببركته في المقدار الذي يسّره لي من العلم، ونسيت أن أشربه للعمل، ويا ليتني شربته لهما حتى يفتح الله تعالى لي فيهما، ولم يقدّر فكان صغوي للعلم أكثر منه للعمل، وأسأل الله تعالى الحفظ والتوفيق برحمته.
ومنها قوله: سمعت إمام الحنابلة بمدينة السلام أبا الوفاء علي بن عقيل يقول: إنّما تبع الولد الأم في المالية وصار بحكمها في الرق والحريّة لأنّه انفصل عن الأب نطفة لا قيمة له، ولا مالية فيه، ولا منفعة مبثوثة عليه، وإنّما اكتسب ما اكتسب بها ومنها، فلذلك تبعها، كما لو أكل رجل تمراً في أرض رجل وسقطت منه نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة فإنّها ملك صاحب
الأرض دون الآكل بإجماع من الأمّة، لأنّها انفصلت عن الآكل ولا قيمة لها، وهذه من البدائع، انتهى.
ومنها قوله: ومن نوادر أبي الفضل الجوهري ما أخبرنا عنه محمد بن عبد الملك الواعظ وغيره أنّه كان يقول: إذا أمسكت علاقة الميزان بالإبهام والسبّابة، وارتفعت سائر الأصابع كان شكلها مقرّراً بقولك الله، فكأنّها إشارة منه سبحانه في تيسير الوزن كذلك إلى أن الله سبحانه مطّلع عليك، فاعدل في وزنك، انتهى.
ومنها قوله: كان ابن الكازروني يأوي إلى المسجد الأقصى، ثم تمتعنا به ثلاث سنوات، ولقد كان يقرأ في مهد عيسى، ﵇، فيسمع من الطور، فلا يقدر أحد أن يصنع شيئاً دون قراءته، إلاّ الإصغاء إليه، انتهى.
ومنها قوله في تفسير قوله تعالى " في أيّامٍ نحساتٍ " قيل: إنّها كانت آخر شوال، من الأربعاء إلى الأربعاء، والناس يكرهون السفر يوم الأربعاء لأجل هذه الرواية، حتى إنّي لقيت يوماً مع خالي الحسن بن أبي حفص رجلاً من الكتّاب، فودعنا بنيّة السفر، فلمّا فارقنا قال لي خالي: إنّك لا تراه أبداً لأنّه سافر في يوم أربعاء لا تكرر وكذلك كان مات في سفره وهذا مالا أراه لأن يوم الأربعاء يوم عجيب، بما جاء في الحديث من الخلق فيه والترتيب، فإن الحديث ثابت بأن الله تعالى خلق يوم السبت التربة، ويوم الأحد الجبال، ويوم الاثنين الشجر، ويوم الثلاثاء المكروه، ويوم الأربعاء النور، وروي النون، وفي غريب الحديث أنّه خلق يوم الأربعاء التّقن، وهو كل شيء تتقن به الأشياء، يعني المعادن من الذهب والفضّة والنحاس والحديد والرصاص، فاليوم الذي خلق فيه المكروه لا يعافه الناس، واليوم الذي خلق فيه النور أو التّقن يعافونه، إن هذا لهو الجهل المبين. وفي المغازي أن النبيّ ﷺ دعا على الأحزاب من يوم الاثنين إلى يوم الأربعاء بين الظّهر والعصر، فاستجيب له، وهي ساعة فاضلة، فالآثار الصّحاح تدل على
فضل هذا اليوم، فكيف يدّعى فيه التحذير والنحس بأحاديث لا أصل لها، وقد صوّر قوم أيّاماً من الأشهر الشمسية ادّعوا فيها الكراهية لا يحل لمسلم أن ينظر إليها ولا يشغل بالاً بها والله حسبهم، انتهى.
ومنها: وكان يقرأ معنا برباط أبي سعيد على الإمام دانشمند من بلاد المغرب خنثى ليس له لحية وله ثديان وعنده جارية، فربك أعلم به، ومع طول الصحبة عقلني الحياء عن سؤاله، وبودي اليوم لو كاشفته عن حاله، انتهى.
ومن شعر ابن العربي ممّا نسبه له الشيخ أبو حيان قوله:
ليت شعري هل درواأيّ قلبٍ ملكوا
وفؤادي لو درىأيّ شعبٍ سلكوا
أتراهم سلمواأم تراهم هلكوا
حار أرباب الهوى ... في الهوى وارتبكوا ومن فوائده: أخبرني المهرة من السحرة بأرض بابل أنّه من كتب آخر آية من كل سورة ويعلّقها لم يبلغ إليه سحرنا، قال: هكذا قالوا، والله تعالى أعلم بما نقلوه.
وقال رحمه الله تعالى: حذقت القرآن ابن تسع سنين ثم ثلاثاً لضبط القرآن والعربية والحساب، فبلغت ست عشرة وقد قرأت من الأحرف نحواً من عشرة بما يتبعها من إظهار، وإدغام ونحوه، وتمرنت في العربية والشعر واللّغة، ثم رحل بي أبي إلى المشرق، ثم ذكر تمام رحلته، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو بكر محمد بن أبي عامر ابن حجّاج، الغافقي، الإشبيلي، ومن ونظمه بالمدينة المشرّفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام:
لم يبق لي سؤلٌ ولا مطلبمذ صرت جاراً لحبيب الحبيب
لا أبتغي شيئاً سوى قربهوها أنا منه قريبٌ قريب
من غاب عن حضرة محبوبهفلست عن طيبة ممن يغيب
لا تسأل المغبوط عن حالهجارٌ كريمٌ ومحلٌّ خصيب
العيش والموت هنا طيّبٌ ... بطيبةٍ لي كلّ شيء بطيب وممّن روى عنه هذه الأبيات الأشرف بن الفاضل.
منهم الشيخ الأديب الفاضل البارع جمال الدين أبو عبد الله محمد ابن الفقيه الخطيب أبي الحسن محمد بن أبي عبد الله محمد بن عيسى بن محمد بن علي ابن ذي النون، الأنصاري، المالقي
من أشياخ أبي حيّان، لقيه ببلبيس من ديار مصر، قال: وأنشدني لشيخه أبي عبد الله الاستجي من قصيدة:
ما للنّسيم سرى الأصيل عليلاأتراه يشكو لوعةً وغليلا
جرّ الذّيول على ديار أحبّتيفأتى يجرّ من السقام ذيولا وأنشد، رحمه الله تعالى، لرضوان المخزومي:
إن كنت يوسف حسناًوكنت عبد العزيز
فإن يوسف من قب ... ل كان عبد العزيز وأخذ ابن ذي النون المذكور عن أبي عبد الله ابن صالح، وقرأ للسبعة على أبي جعفر الفحام وأبي وزيد القمارشي، وعلى أبي جعفر السّهيلي، وولد ابن
ذي النون سنة بمالقة، ومن تواليفه نفح المسك الأذفر في مدح المنصور ابن المظفّر وأزهار الخميلة في الآثار الجميلة واستطلاع البشير ومحض اليقين وروض المتقين.
ومنهم زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخميّ المعروف بشبطون، يكنى أبا عبد الله، كان فقيه الأندلس على مذهب مالك، وهو أول من أدخل مذهبه الأندلس، وكانوا قبله يتفقّهون على مذهب الأوزاعي، وأراده الأمير هشام على القضاء بقرطبة وعزم عليه، فهرب، فقال هشام: ليت الناس كلّهم كزياد حتى أكفى أهل الرغبة في الدنيا، وأرسل إلى زياد فأمّنه حتى رجع إلى داره.
ويحكى أنّه لما أراده للقضاء كلمه الوزراء في ذلك عن الأمير، وعرّفوه عزمه عليه، فقال لهم: أما إن أكرهتموني على القضاء فزوجتي فلانة طالق ثلاثاً، لئن أتاني مدّع في شيء ممّا في أيديكم لأخرجنّه عنكم ثم أجعلكم مدّعين فيه؛ فلمّا سمعوا منه ذلك علموا صدقه، فتكلّموا عند الأمير في معافاته.
سمع من مالك الموطّأ، ويعرف سماعه بسماع زياد، وسمع من معاوية ابن صالح، وكانت ابنة معاوية تحته، وروى يحيى بن يحيى الليثي عن زياد هذا الموطّأ قبل أن يرحل إلى مالك، ثم رحل فأدرك مالكاً فرواه عنه إلاّ أبواباً في كتاب الاعتكاف، شك في سماعها من مالك، فأبقى روايته فيها عن زياد عن مالك.
وتوفّي سنة أربع ومائتين، وقيل: سنة، وقيل: في التي بعدها، وقيل: سنة، والأول أولى بالقبول، والله تعالى أعلم.
ورحل في ذلك العصر جماعة من أنظار شبطون، كفرغوس بن العباس
وعيسى بن دينار وسعيد بن أبي هند وغيرهم ممّن رحل إلى الحج أيّام هشام ابن عبد الرحمن والد الحكم، فلمّا رجعوا وصفوا من فضل مالك وسعة علمه وجلالة قدره ما عظم به صيته بالأندلس، فانتشر يومئذ رأيه وعلمه بالأندلس، وكان رائد الجماعة في ذلك شبطون.
وهو أول من أدخل موطّأ مالك إلى الأندلس مكملاً متقناً، فأخذه عنه يحيى بن يحيى كما مر، وهو إذ ذاك صدر في طلاب الفقه، فأشار عليه زياد بالرحيل إلى مالك ما دام حيّاً، فرحل سريعاً، وأخذ يحيى عن زياد هذا الكتب العشرة المنسوبة إلى يحيى.
ولقي أيضاً عبد الله بن وهب صاحب مالك، وسمع منه الموطّأ، ولقي أيضاً عبد الله بن نافع المدني صاحب مالك، وسمع منه ومن الليث بن سعد فقيه مصر، ومن سفيان بن عيينة بمكّة، وقدم يحيى الأندلس أيام الحكم، فانتشر به وبزياد وعيسى بن دينار علم مالك بالأندلس، رضي الله تعالى عن الجميع.
وقد قدمنا الحديث الذي رواه زياد بن عبد الرحمن عن مالك، فليراجع في الباب الثالث.
ومنهم سوار بن طارق مولى عبد الرحمن بن معاوية، قرطبي، حج ودخل البصرة، ولقي الأصمعي ونظراءه، وانصرف إلى الأندلس وأدّب الحكم، ومن ولده محمد بن عبد الله بن سوار، حج أيضاً، ولقي أبا حاتم بالبصرة والرياشي وغيرهما، وأدخل الأندلس علماً كثيراً، رحم الله
تعالى الجميع.
ومنهم بقيّ بن مخلد، الشهير الذكر، صاحب التآليف التي لم يؤلّف مثلها في الإسلام، ولقي مائتين وأربعة وثمانين شيخاً، وكانت له خاصة من الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، وستأتي جملة ممّا يتعلّق ببقيّ بن مخلد في رسالة ابن حزم في الباب السابع؛ وبقيّ على وزن عليّ، رحمه الله تعالى ورضي عنه؛ وقد عرّف ببقيّ بن مخلد غير واحد من العلماء كصاحب " النبراس " وغيره.
ومنهم قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف أبو محمد، البيّاني - وبيّانة من أعمال قرطبة - وأصل سلفه من موالي الوليد بن عبد الملك، وسمع المذكور بقرطبة من بقيّ بن مخلد ومحمد بن وضاح ومطرّف بن قيس وأصبغ ابن خليل وابن مسرة وغير واحد، ورحل إلى المشرق مع محمد بن عبد الملك ابن أيمن ومحمد بن زكريا بن عبد الأعلى سنة أربع وسبعين ومائتين، فسمع بمكة من محمد بن إسماعيل الصائغ وعلي بن عبد العزيز، ودخل العراق، فلقي من أهل الكوفة إبراهيم بن أبي العنبس قاضيها وإبراهيم بن عبد الله القصار، وسمع ببغداد من القاضي إسماعيل وأحمد بن زهير بن حرب وغيرهما كعبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل والحارث بن أبي أسامة وكتب عن ابن أبي خيثمة
تاريخه، وسمع من ابن قتيبة كثيراً من كتبه، وسمع من المبرّد وثعلب وابن الجهم في آخرين، وسمع بمصر من محمد بن عبد الله العمري ومطلب بن شعيب وغيرهما، وسمع بالقيروان من أحمد بن يزيد المعلم وبكر بن حماد التاهرتي الشاعر، وانصرف إلى الأندلس بعلم كثير، فمال الناس إليه في تاريخ أحمد ابن زهير وكتب ابن قتيبة، وأخذوا ذلك عنه دون صاحبيه ابن أيمن وابن عبد الأعلى، وكان بصيراً بالحديث والرجال، نبيلاً في النحو والعربية والشعر، وكان يشاور في الأحكام، وصنّف على كتاب السنن لأبي داود كتاباً في الحديث، وسببه أنّه لمّا قدم العراق سنة ست وسبعين ومائتين مع صاحبه محمد ابن أيمن، فوجدا أبا داود قد مات قبل وصولهما بيسير، فلمّا فاتهما عمل كل واحد منهما مصنفاً في السنن على أبواب كتاب أبي داود، وخرّجا الحديث من روايتهما عن شيوخهما وهما مصنفان جليلان، ثم اختصر قاسم بن أصبغ كتابه وسماه المجتنى - بالنون - وابتدأ اختصاره في المحرم سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وجعله باسم الحكم المستنصر، وفيه من الحديث المسند ألفان وأربعمائة وتسعون حديثاً في سبعة أجزاء.
ومولده يوم الاثنين عاشر ذي الحجّة سنة سبع وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
وحكى القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى " قالوا سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا " أن قاسم ابن أصبغ قال: لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان، فأخذت عن بكر بن حماد حديث مسدد، فقرأت عليه يوماً فيه حديث النبي ﷺ " أنّه قدم عليه قوم من مضر مجتابي النمار " فقال: إنّما هو مجتابي الثمار، فقلت: إنّما هو مجتابي النمار، هكذا قرأته
على كل من لقيته بالأندلس والعراق، فقال لي: بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا أو نحو هذا، ثم قال لي: قم بنا إلى ذلك [الشيخ] لشيخ كان في المسجد، فإن له بمثل هذا علماً، فقمنا إليه وسألناه عن ذلك، فقال: إنّما هو مجتابي النمار، كما قلت، وهو قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة جيوبهم أمامهم، والنمار: جمع نمرة، فقال بكر بن حماد وأخذ بأنفه: رغم أنفي للحق، وانصرف، انتهى.
وهذه الحكاية دالة على عظيم قدر الرجلين، رحمهما الله تعالى ورضي عنهما، ونفعنا بهما.
ومنهم قاسم بن ثابت أبو محمد العوفي السّرقسطي، رحل مع أبيه فسمع بمصر من أحمد بن شعيب النسائي وأحمد بن عمرو البزار، وبمكّة من عبد الله بن علي بن الجارود ومحمد بن علي الجوهري، واعتنى بجمع الحديث واللغة هو وأبوه، فأدخلا إلى الأندلس علماً كثيراً، يقال: إنّهما أوّل من أدخل كتاب العين إلى الأندلس، وألف قاسم في شرح الحديث كتاباً سمّاه الدلائل، بلغ في الغاية في الإتقان، ومات قبل إكماله، فأكمله أبوه ثابت بعده، وقد روي عن أبي علي البغدادي أنّه كان يقول: كتبت كتاب الدلائل، وما أعلم أنّه وضع بالأندلس مثله، وكان قاسم عالماً بالحديث واللغة، متقدماً في معرفة الحديث والنحو والشعر، وكان مع ذلك ورعاً ناسكاً، وأريد على القضاء بسرقسطة، فأبى ذلك، فأراد أبوه إكراهه عليه، فسأله أن يتركه ينظر في أمره ثلاثاً، ويستخير الله تعالى، فمات في هذه الثلاثة الأيام، فيروون أنّه دعا لنفسه بالموت، وكان مجاب
الدعوة، توفّي سنة بسرقسطة، رحمه الله تعالى.
ومنهم علم الدين أبو محمد المرسيّ اللّورقي، وهو قاسم بن أحمد ابن موفق بن جعفر، العلامة المقرئ الأصولي النحوي، ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وقرأ بالروايات قبل الستمائة على أبي جعفر الحصار وأبي عبد الله المرادي وأبي عبد الله ابن نوح الغافقي، وقدم مصر فقرأ بها على أبي الجود غياث بن فارس، بدمشق على التاج زيد الكندي، وسمع ببغداد من أبي محمد ابن الأخضر، وأخذ العربية عن أبي البقاء، ولقي الجزولي بالمغرب، وسأله عن مسألة مشكلة في مقدمته، فأجابه، وبرع في العربية وفي علم الكلام والفلسفة، وكان يقرئ ذلك ويحققه، وأقرأ بدمشق ودرس، وشرح المفصل في النحو في أربع مجلدات فأجاد وأفاد، وشرح الجزولية والشاطبية، وكان مليح الشكل، حسن البزة، موطّأ الأكناف، قرأ عليه جماعة، وتوفّي سابع رجب سنة، وكان معمّراً مشتغلاً بأنواع العلوم، وسمّاه بعضهم أبا القاسم، والأوّل أصح.
ومنهم قاسم بن محمد بن قاسم بن محمد بن سيار، أبو محمد، من أهل قرطبة، وجدّه مولى الوليد بن عبد الملك، رحل فسمع بمصر من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم والمزني والبرقي والحارث بن مسكين ويونس بن عبد الأعلى وإبراهيم بن المنذر وغيرهم، ولزم ابن عبد الحكم للتفقّه، وتحقق به وبالمزني، وكان يذهب مذهب الحجة والنظر وترك التقليد، ويميل إلى مذهب
الشافعي، ولما قال له ابنه محمد بن القاسم: يا أبت أوصني، قال: أوصيك بكتاب الله، فلا تنس حظك منه، واقرأ منه كلّ يوم جزءاً، واجعل ذلك عليك واجباً، وإن أأردت أن تأخذ من هذا الأمر بحظ، يعني الفقه، فعليك برأي الشافعي، فإنّي رأيته أقل خطأ. قال أبو الوليد ابن الفرضي: ولم يكن بالأندلس مثله في حسن النظر والبصر بالحجة. وقال أحمد بن خالد ومحمد بن عمر بن لبابة: ما رأينا أفقه من قاسم بن محمد ممن دخل الأندلس من أهل الرحلة. وقال أسلم بن عبد العزيز: سمعت عن ابن عبد الحكم أنّه قال: لم يقدم علينا من الأندلس أحد أعلم من قاسم بن محمد، ولقد عاتبته في حين انصرافه إلى الأندلس، وقلت له: أقم عندنا فإنّك تقتعد ههنا رياسة ويحتاج الناس إليك، فقال: لا بدّ من الوطن. وقال سعيد بن عثمان: قال لي أحمد ابن صالح الكوفي: قدم علينا من بلادكم رجل يسمى قاسم بن محمد، فرأيت رجلاً فقيهاً.
وألّف رحمه الله تعالى كتاباً نبيلاً في الرد على ابن مزين وعبد الله بن خالد والعتبي يدل على علمه، وله كتاب في خبر الواحد. وكان يلي وثائق الأمير محمد طول أيامه. روى عنه ابن لبابة وابن أيمن والأعناقي وابنه محمد بن قاسم في آخرين. توفّي سنة ست - أو سبع، أو ثمان - وسبعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو بكر الغساني، وهو محمد بن إبراهيم بن أحمد بن أسود، من أهل المرية، قدم إلى مصر ولقي بها أبا بكر الطرطوشي، ثم عاد إلى بلده،
وشوور واستقضي بمرسية مدة طويلة، ثم صرف وسكن مراكش. قال ابن بشكوال: توفّي بمراكش في رجب سنة، وقال أبو جعفر ابن الزبير: إن له كتاب تفسير القرآن، وبيته بيت علم ودين.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن حيّون، من أهل وادي الحجارة، قال ابن الفرضي: سمع من ابن وضاح والخشني ونظرائهما بالأندلس، ورحل إلى المشرق، فتردد هنالك نحواً من خمس عشرة سنة، وسمع بصنعاء ومكة وبغداد ولقي جماعة من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل: منهم عبد الله ابن أحمد، وسمع بمصر من الخفاف النيسابوري وإبراهيم بن موسى وغيرهما، وبالمصيصة والقيروان، وكان إماماً في الحديث، عالماً، حافظاً للعلل، بصيراً بالطرق، ولم يكن بالأندلس قبله أبصر بالحديث منه، وهو ضابط متقن، حسن التوجيه للحديث، صدوق، ولم يذهب مذهب مالك. وممّن روى عنه ابن أيمن وقاسم بن أصبغ ووهب بن مسرة وأحمد بن سعيد بن حزم، وقال خالد بن سعيد: لو كان الصدق إنساناً لكان ابن حيّون. وكان يزنّ بالتشييع لشيء كان يظهر منه في حق معاوية، رضي الله تعالى عنه، وكان شاعراً، وتوفّي بقرطبة سنة، سامحه الله تعالى.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن غالب، المالقيّ، قال ابن نقطة: سمع بالإسكندرية من أبي الحسن ابن المقدسي، وكان فاضلاً،
رأيت بخطّه إجازة بمصر لبعض المصريين في رجب سنة، وسمع بمصر شيئاً من الخلعيّات، قال ابن فرتون الفاسي في ذيل تاريخ الأندلس: روى بمالقة، ورحل إلى المشرق وحج، ولقي أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي، وأخذ عنه كتاب تحقيق الجواب عمّن أجيز له ما فاته من الكتاب من تآليفه، ورجع إلى الأندلس، ثم نهض إلى مراكش فتوفّي في أقصى بلاد السّوس في حدود سنة، رحمه الله تعالى.
ومنهم اليقّوري، وهو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم مصنف كتاب إكمال الإكمال للقاضي عياض على صحيح مسلم، وكتبٍ على كتاب الشهاب القرافي في الأصول، وسمع الحديث، وقدم إلى مصر ومعه مصحف قرآن حمل بغل بعثه ملك المغرب ليوقف بمكة، ثم عاد بعد حجّه، ومات بمراكش سنة، وقد زرت قبره بها مراراً، قال الحافظ المقريزي: واليقّوري نسبة إلى يقّورة - بياء آخر الحروف مفتوحة، وقاف مشددة، وراء مهملة - بلد بالأندلس، انتهى.
ومنهم أبو عبد الله الأنصاري، وهو محمد بن إبراهيم بن موسى ابن عبد السلام، ويعرف بابن شق الليل، من أهل طليطلة، سمع بمصر أبا الفرج الصوفي وأبا القاسم الطحان الحافظ وأبا محمد ابن النحاس وأبا القاسم ابن ميسرة وأبا الحسن ابن بشر وغيرهم، وسمع بطليطلة من جماعة، وحدّث عن جماعة من المحدثين كثيرة.
قال ابن بشكوال: وكان فقيهاًعالماً، وإماماً متكلّماً، حافظاً للفقه، والحديث، قائماً بهما متقناً لهما، إلا أنّ المعرفة بالحديث وأسماء رجاله والبصر
بمعانيه وعلله كان أغلب عليه، وكان مليح الخط، جيد الضبط، من أهل الرواية والدراية والمشاركة في العلوم، وكان أديباً شاعراً مجيداً لغويّاً ديّناً فاضلاً، كثير التصانيف والكلام على علم الحديث، حلو الكلام في تآليفه، وله عناية بأصول الديانات وإظهار الكرامات، توفّي بطلبيرة يوم الجمعة منتصف شعبان سنة، رحمه الله تعالى.
ومنهم الشيخ الإمام الشهير الكبير الولي العارف بالله تعالى سيدي أبو عبد الله القرشي الهاشمي الأندلسي، شيخ السالكين، وإمام العارفين، وقدوة المحققين، قدم مصر بعدما صحب ببلاد المغرب جماعة من أعلام الزهاد، وكان يقول: صحبت ستمائة شيخ اقتديت منهم بأربعة: الشيخ أبي الربيع، والشيخ أبي الحسن ابن طريف، والشيخ أبي زيد القرطبي، والشيخ أبي العباس الجوزي، وسلك على يده جماعة: منهم أبو العباس القسطلاني، فإنّه أخذ عنه كلامه وجمعه في جزء. وخرج سيدي أبو عبد الله القرشي من مصر إلى بيت المقدس فأقام به إلى حين وفاته عشية الخميس السادس من ذي الحجّة سنة عن خمس وخمسين سنة، ودفن هنالك، وقبره ظاهر يقصد للزيارة زرته أول قدماتي على بيت المقدس سنة، ومن كلامه: من لم يدخل في الأمور بالأدب لم يدرك مطلوبه منها، وقوله: العاقل يأخذ ما صفا ويدع التكلف، فإنّه تعالى يقول: " وإن يردك بخيرٍ فلا رادّ لفضله ". وقال: من لم يراع حقوق الإخوان بترك حقوقه حرم بركة الصحبة، وقال سمعت الشيخ أبا إسحاق إبراهيم بن طريف يقول: لما حضرت الشيخ أبا الحسن ابن غالب الوفاة قال لأصحابه: اجتمعوا وهللوا سبعين ألف مرّة، واجعلوا ثوابها لي، فإنّه بلغني أنها فداء كلّ مؤمن من النار، قال: فعملناها واجتمعنا عليها وجعلنا ثوابها له.
ثم حكى عن شيخه أبي زيد القرطبي ما حكاه السنوسي عنه في أواخر شرح صغراه، وقد أنكر غير واحد من الحفاظ كابن حجر وغيره كون ما ذكر حديثاً، ولعل هؤلاء أخذوه من جهة الكشف ونحوه، والله تعالى أعلم.
وقال رحمه الله تعالى: دخلت على الشيخ أبي محمد عبد الله المغاور، فقال لي: أعلمك شيئاً تستعين به، إذا احتجت لشيء فقل: يا واحد يا أحد يا واجد يا جوّاد، انفحنا منك بنفحة خير، إنّك على كل شيء قدير، قال: فأنا أنفق منها منذ سمعتها. قال رحمه الله تعالى: ما من حال ذكر في رسالة القشيري إلاّ وقد شاهدته نفسي. وتزوج رحمه الله تعالى بنساء حدثن عنه بكرامات، ومنهنّ أم القطب القسطلاني، وحكت أنها خرجت عنه يوماً لحاجتها، ثم عادت فسمعت عنده في طبقته حسّ رجل، فتوقفت وافتقدت الباب فوجدته مغلقاً، فلمّا انقطع الكلام دخلت إليه، فإذا هو وحده كما تركته، فسألته عن ذلك، فقال: هو الخضر دخل علي وفي يده حية فقال: هذه جئتك بها من أرض نجد، وفيها شفاء مرضك، فقلت: لا أريد، اذهب أنت وحيتك لا حاجة لي بها. ودخل عليه بعض نسائه يوماً، فوجدته بصيراً نقي الجسم من الجذام، فلمّا نظرته قال لها: أتريدين أن أبقى لك هكذا فقال له: يا سيّدي كن كيف شئت، إنّما مقصودي خدمتك وبركتك. وقيل له، وقد تكاثرت منه رؤية الأشياء وإخباره بها، مع كونه ضريراً، عن ذلك، فقال: كلّي عين، بأي عضو أردت أن أنظر به نظرت. وقال: هممت أن أدعو برفع الغلاء، فقيل لي: لا تدع فما نسمع لأحد منكم في هذا الأمر دعاء، فسافرت إلى الشام، فلمّا وصلت إلى بلد الخليل، ﵇، تلقاني رسول [الله] الخليل حين ورودي عليه، فقلت له: يا رسول الله اجعل ضيافتي عندك أهل مصر، فدعا لهم ففرّج الله عنهم. ومناقبه رحمه الله تعالى وكراماته لا يفي بها هذا المختصر، وإنّما قصدنا بذكرها البركة وكفّارة ما وقع في هذا الكتاب من الإحماض، والله المرجو في العفو.
ومن فوائده ما نقله عن شيخه أبي الربيع المالقي أنّه قال له: ألا أعلمك كنزاً تنفق منه ولا ينفد قلت: بلى، قال قل: يا ألله، يا أحد، يا واحد، يا موجود، يا جواد، يا باسط، يا كريم، يا وهّاب، يا ذا الطّول، يا غني، يا مغني، يا فتّاح، يا رزّاق، يا عليم، يا حيّ، يا قيّوم، يا رحمن، يا رحيم، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حنّان، يا منّان، انفحني منك بنفحة خير تغنيني بها عمن سواك " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً نصرٌ من الله وفتحٌ قريبٌ " اللهم يا غني يا حميد، يا مبدئ ويا معيد، يا ودود يا ذا العرش المجيد، يا فعّالاً لما يريد، اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك، واحفظني بما حفظت به الذكر وانصرني بما نصرت به الرسل، إنّك على كل شيء قدير. فمن داوم على قراءته بعد كل صلاة خصوصاً صلاة الجمعة حفظه الله تعالى من كل مخوف، ونصره على أعدائه، وأغناه ورزقه من حيث لا يحتسب، ويسّر عليه معيشته، وقضى عنه دينه ولو كان عليه أمثال الجبال ديناً، بكرمه وإحسانه، انتهى. نقله عنه العلامة ابن داود البلوي الأندلسي، ومن خطه نقلت، رحم الله تعالى الجميع، ونقله اليافعي كما ذكر رحمه الله تعالى، إلاّ أنّه لم يقل فيه يا ودود، واتفقا فيما عدا ذلك، والله سبحانه أعلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع