من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (٣)
وقال ابن خلكان في حقّه: محمد بن أحمد بن إبراهيم القرشي الهاشمي العبد الصالح الزاهد من أهل الجزيرة الخضراء، كانت له كرامات ظاهرة، ورأيت أهل مصر يحكون عنه أشياء خارقة، ولقيت جماعة ممّن صحبه، وكل منهم قد نمى عليه من بركته، وذكروا عنه أنّه وعد جماعته الذي صحبوه مواعيد
من الولايات والمناصب العلية، وأنها صحت كلّها. وكان من السادات الأكابر والطراز الأول، وهو مغربي صحب بالمغرب أعلام الزهاد وانتفع بهم، فلمّا وصل إلى مصر انتفع به من صحبه أو شاهده، ثم سافر إلى الشام قاصداً زيارة بيت المقدس، فأقام بها إلى أن مات، وصلّي عليه بالمسجد الأقصى، وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقبره ظاهر للزيارة والتبرك به.
والجزيرة الخضراء في بلاد الأندلس: مدينة تقابل سبتة من بر العدوة.
ومن جملة وصاياه لأصحابه: سيروا إلى الله تعالى عرجاً ومكاسير فإن انتظار الصحة بطالة، انتهى ببعض اختصار.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن أبي الحسين القرطبي، سمع من قاسم بن أصبغ وغيره، وقدم مصر فسمع بها من ابن الورد وابن أبي الموت والبارودي وابن السكن في آخرين، وسمع بالرملة وبيت المقدس، وكان ضابطاً بصيراً بالنحو واللغة فصيحاً بليغاً طويل اللسان، ولي الشرطة ببلاد المغرب. توفّي سنة.
ومنهم أبو بكر محمد بن علي بن خلف، التّجيبي الإشبيلي الحافظ الكاتب، روى عن ابن الجد وغيره، ومر بمصر حاجّاً فلقي بمكة أبا حفص الميانشي وأبا الحسن المكناسي، ولقي بالإسكندرية السّلفي وابن عوف وغيرهما، وكان مدرّساً للفقه، فقيهاً جليلاً، متقدماً فيه عارفاً فاضلاً سنيّاً، توفي بعد امتحان من منصور بني عبد المؤمن سنة، وذلك أنّه وشي به للمنصور
أيّام عزم على ترك التقليد والعمل بالحديث.
ومنهم أبو بكر الأندلسي الجيّاني، محمد بن علي بن عبد الله بن محمد ابن ياسر، الأنصاري، الجيّاني، سافر من بلده ودخل ديار مصر والشام والعراق وخراسان وما وراء النهر، ولقي أئمتها، وتفقه ببخارى حتى تمهر في المذهب والخلاف والجدل، ثم اشتغل بالحديث وسمعاه وحفظه وحصّل منه كثيراً، ثم سكن بلخ مدة، وعاد إلى بغداد ودخلها سنة، وتوجه إلى مكة فحج ورجع إلى الشام واستوطن حلب، إلى أن توفّي بها، ووقف كتبه، وكان متديّناً صدوقاً حافظاً عالماً بالحديث، وفيه فضل، ولد بجيّان سنة، ومات بحلب سنة.
ومنهم أبو علد الله محمد بن علي التّجيبي الدهان الغرناطي، كان حسن السّمت بارع الخط والخلق والخلق، رحل إلى الحج، وجال في البلاد في حدود سنة ست وستمائة فأخذ بمكة والشام ومصر والإسكندرية عن جماعة كثيرة، وكان عدلاً فاضلاً على خير دين، وكان متحرّفاً بالتجارة بغرناطة، ثم خرج منها آخر عمره فمات بقوص بعدما حج سنة، وصدر من مكّة سنة فمات قبل منتصف السنة، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو عمر محمد بن علي بن محمد بن أبي الربيع القرشي العثماني
الأندلسي الإشبيلي النحوي، ولد سنة بإشبيلية، وقدم مصر فسمع الكثير بها، وبدمشق وغيرها، وكان إماماً عالماً نحويّاً فاضلاً، كتب عنه أبو محمد الدمياطي والقطب عبد الكريم، ناهيك بهما.
ومنهم أبو بكر [و] أبو عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن علي ابن هذيل البلنسي، رحل وسمع من السّلفي، وحج، قال أبو الربيع ابن سالم: هو شيخ صدوق متيقّظ، سمع أباه وأبا الوليد ابن الدباغ وأبا الحسن طارق بن موسى بن يعيش وجماعة، وأخذ بمكّة سنة عن أبي علي الحسن المقرئ، وقفل إلى الأندلس سنة، فأخذ عنه بها، وسمع منه جماعة، قال ابن الأبار: كان غاية في الصلاح وأعمال البر والورع، توفّي ببعض قرى بلنسية سنة، ومولده سنة سبع أو تسع عشرة وخمسمائة، وله حظ من علم التعبير واللغة، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو عبد الله، ويقال: أبو سلمة، محمد بن علي البيّاسي الغرناطي الأنصاري ناصر الدين، روى عن الحافظ أبي جعفر بن الزبير وغيره، وقدم إلى القاهرة واستوطنها بعد الحج، حتى مات بها سنة، وكان عارفاً بعلم الحديث وكتب منه كثيراً، ومال إلى مذهب الظاهرية، وانتفع به جماعة من طلبة الحديث، وكان ثقة، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى بن علي بن الشامي الأندلسي، الغرناطي، قدم مصر حاجّاً، وأقام بمكّة والمدينة، وكان إماماً فاضلاً عالماً متفنّناً في علوم ما بين فقه وأصول ونحو ولغة وقراءات ونظم ونثر، ومع
معرفته بمذهب مالك ينقل كثيراً من مذهب الشافعي، وسمع الموطّأ بتونس من أبي محمد ابن هرون القرطبي، ومولده بغرناطة سنة، وتوفّي سنة.
ومن شعره:
إذا كنت جاراً للنبيّ وصحبهومكّة بيت الله منّي على قرب
فما ضرّني أن فاتني رغد عيشةٍوحسبي الذي أوتيته نعمةً حسبي وقوله:
نزيل الكرام عزيز الجواروإنّي نزيلٌ عليكم وجار
حللت ذراك وأنت الكريم ... ومن حلّ مثوى كريم يجار ومنهم أبو عبد الله محمد بن عمار الكلاعي الميورقي، قدم مصر، وروى عن ابن الوليد بها، وان عالماً، وله قصيدة طويلة فيها حكم ومواعظ يوصي ابنه بها، منها قوله:
وطاعة من إليه الأمر فالزم وإن جاروا وكانوا مسلمينا
فإن كفروا ككفر بني عبيدٍ فلا تسكن ديار الكافرينا
واسم ابنه حسن، وسمع من المذكور الحافظ القاضي أبو بكر ابن العربي في رحلته سنة، ووصفه بالعلم، وعمّار: بالراء.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عمر بن يوسف بن الفخّار القرطبي الحافظ، روى عن [أبي] عيسى الليثي وابن عون الله وأبي جعفر التميمي
وأبي محمد الباجي، وقدم مصر، وحج، وجاور بالمدينة النبوية على ساكنها الصلاة والسلام، وأفتى بها، وافتخر بذلك على أصحابه، وقال: لقد شوورت بمدينة الرسول ﷺ دار مالك بن أنس ومكان شوراه، ولقي جماعة من العلماء وأخذ عنهم، وكان من أهل العلم والذكاء والحفظ والفهم، عارفاً بمذاهب الأئمة وأقوال العلماء، ذاكراً للروايات، يحفظ المدونة والنوادر لابن أبي زيد، ويوردها من صدره دون كتاب.
قال ابن حيّان مؤرخ الأندلس: توفّي الفقيه المشاور الحافظ المتبحّر الرواية الطويل الهجرة في طلب العلم الناسك المتقشف بمدينة بلنسية في ربيع الأول سنة لعشر خلون من الشهر، وكان الحفل في جنازته عظيماً، وعاين الناس فيها آية من ظهور أشباه الخطاطيف بها تجللت الجمع رافّةً فوق النعش لم تفارق نعشه وإلى أن ووري، فتفرقت، ومكث مدة ببلنسية مطاعاً عظيم القدر عند السلطان والعامة.
وذكر جماهر بن عبد الرحمن حديث الطير، وكذا ذكر الحسن بن محمد القيسي خبر الطير. قال: وكانت سنّه نحو الثمانين سنة، وكان مجاب الدعوة، وظهرت في دعوته الإجابة.
وقال أبو عمرو الداني: إن وفاته يوم السبت لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة تسع عشرة وأربعمائة، ودفن يوم الأحد بمدينة بلنسية، وبلغ نحو ست وسبعين سنة، وهو آخر الفقهاء الحفّاظ الراسخين العالمين بالكتاب والسنّة بالأندلس، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عمروس القرطبي، سمع عليّ بن مفرج وغيره من شيوخ قرطبة، وقدم مصر فأخذ بها عن ابن المهندس وغيره،
وحجّ ودخل العراق، وسمع من أبي بكر الأبهري والدارقطني وجماعة، وعاد إلى الأندلس، وشهر بالعلم والمال، وولي الأحباس بقرطبة، حدّث عنه أبو عمر ابن عبد البر وغيره، ومات في جمادى الآخرة سنة أربعمائة، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عيسى بن عبد الواحد بن نجيح، المعافري، أبو عبد الله محمد بن عيسى بن عبد الواحد بن نجيح، المعافري، المعروف بالأعشى، القرطبي، رحل سنة فسمع سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان وعبد الله بن وهب وجماعة، وكان الغالب عليه الحديث ورواية الآثار، وكان صالحاً عاقلاً سريّاً جواداً يذهب إلى مذهب أهل العراق، وتوفّي سنة، ذكره ابن يونس وغيره.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن فطيس الغافقي، الإلبيري، الزاهد، قال الحميدي في حقّه: هو من أهل الحديث والحفظ والفهم والبحث عن الرجال، وله رحلة سمع فيها من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ومن ابن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب وغيرهما، وروى بالأندلس عن جماعة منهم بقيّ ابن مخلد وابن وضاح، وسمع بمكّة وغيرها من مائة شيخ، قال ابن الفرضي: كان شيخاً نبيلاً، ضابطاً لكتبه، ثقة في روايته، صدوقاً في حديثه، وكانت الرحلة إليه بإلبيرة، وبها مات في شوال سنة وهو ابن تسعين سنة، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن محمد بن سيّار، القرطبي أبو عبد الله من موالي بني أميّة، سمع من أبيه ومن بقيّ بن مخلد وغيره، ورحل سنة فسمع بمصر من النسائي، ومن أحمد بن حماد زغبة، وسمع بمكة والبصرة والكوفة وبغداد ودمياط والإسكندرية والقيروان
من مائة وستين رجلاً، قال أبو محمد الباجي: لم أدرك بقرطبة أكثر حديثاً منه، وكان عالماً بالفقه، متقدّماً في علم الوثائق رأساً فيها، وكان مشاوراً، سمع من الناس كثيراً، وكان ثقة صدوقاً، وغزا سنة، ومات ثالث ذي الحجّة منها، ومولده سنة، وقيل: توفّي سنة، قاله ابن يونس والحميدي.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد بن قاسم، القرشي الفهري، عرف بابن رمان، الغرناطي، قرأ على أبي جعفر ابن الزبير بها، وقدم إلى القاهرة سنة، ومات بالمدينة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام سنة.
ومن شعره قوله:
فديتم خبّروني كيف صحّتفريضة هالكٍ من غير مين
لزيدٍ زوجةٌ ولها ابن أمٍّفماتت عنهما لا غير ذين
فحاز البعل ما تركته إرثاًوولّى غيره صفر اليدين
ولا رقٌّ فديت على أخيهاوليس بكافرٍ يرمى بشين
وليس معجّلاً إرثاً بقتلٍ ... مخافة أن ينال شقاوتين ومنهم أبو عبد الله محمد بن لبّ الشاطبي، حدث بالقاهرة، وتوفّي قريباً من سنة، وهو أحد أصحاب الشيخ أبي الحسن ابن الصباغ، ومن كلامه: اشتغالك بوقتٍ لم يأت تضييعٌ للوقت الذي أنت فيه، ولعمري لقد صدق.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن سراقة الشاطبي بن محمد بن إبراهيم ابن الحسين بن سراقة، محيي الدين، ويكنى أيضاً أبا القاسم وأبا بكر،
الأنصاري الشاطبي، المالكي، ولد بشاطبة سنة، وسمع من أبي القاسم ابن بقيّ، ورحل في طلب الحديث، فسمع ببغداد من الشيخ أبي حفص عمر السهروردي وأبي طالب القبّيطي وأبي حفص الدينوري وجماعة، وسمع بحلب من ابن شداد وغيره، وتولى مشيخة دار الحديث البهائية بحلب، ثم قدم مصر وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة بعد وفاة ابن سهل اقصري سنة، وبقي بها إلى أن توفّي بالقاهرة في شعبان سنة، ودفن بسفح المقطم وكان الجمع كبيراً، وهو أحد الأئمة المشهورين بغزارة الفضل وكثرة العلم والجلالة والنبل، وأحد المشايخ الصوفية، له في ذلك إشارات لطيفة مع الدين والعفاف والبشر والوقار والمعرفة الجيدة بمعاني الشعر، وكان صالح الفكرة في حلّ التراجم، مع ما جبل عليه من كرم الأخلاق، واطّراح التكلف، ورقّة الطبع، ولين الجانب.
ومن شعره قوله:
نصبت ومثلي للمكارم ينصبورمت شروق الشمس وهي تغرّب
وحاولت إحياء النفوس بأسرهاوقد غرغرت يا بعد ما أنا أطلب
وأتعب إن لم تمنح الخلق راحةًوغيري إن لم تتعب الخلق يتعب
مرادي شيءٌ والمقادير غيرهومن عاند الأقدار لا شكّ يغلب وقوله:
إلى كم أمنّي النفس ما لا تنالهفيذهب عمري والأمانيّ لا تقضى
وقد مرّ لي خمسٌ وعشرون حجّةولم أرض فيها عيشتي فمتى أرضى
وأعلم أنّي والثّلاثون مدّتيحرٍ بمغاني اللهو أوسعها رفضا
فماذا عسى في هذه الخمس أرتجيووجدي إلى أوبٍ من العشر قد أفضى وقال رحمه الله تعالى:
وصاحبٍ كالزّلال يمحوصفاؤه الشّكّ باليقين
لم يحص إلاّ الجميل منّيكأنّه كاتب اليمين وهذا عكس قول المنازي:
وصاحبٍ خلته خليلاًوما جرى غدره ببالي
لم يحص إلاّ القبيح منّي ... كأنّه كاتب الشمال ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الفرّيشي - بكسر الفاء، وتشديد الراء المهملة، بعدها شين معجمة - نسبة إلى فرّيش إحدى مدائن قرطبة. ولد بغرناطة سنة، وقرأ بالروايات على أبي القاسم ابن غالب، وسمع عليه وعلى أبي القاسم ابن بشكوال وغيره، وسمع بمكّة، وحدث بمصر، وعاد إلى الأندلس فمات بقرطبة سنة، وكان مشهوراً بالصلاح معروفاً بإجابة الدعاء، ورعاً ثقة زاهداً فاضلاً، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد بن خيرون، وقيل: محمد بن عمر بن خيرون، أندلسي، سكن القيروان، ورحل إلى المشرق، وأخذ القراءات بمصر عن محمد بن سعيد الأنماطي وغيره كعبيد بن رجاء وأبي الحسن
إسماعيل بن يعقوب الأزرق المدني، ودخل العراق، وسمع به من أصحاب علي ابن المديني ويحيى بن معين، وعاد إلى القيروان، وسمع بها وبقرطبة، وقدم بقراءة نافع على أهل إفريقية، وكان الغالب على قراءتهم حرف حمزة، ولم يكن يقرأ بحرف نافع إلاّ الخواص، حتى قدم بها فاجتمع إليه الناس، ورحل إليه أهل القيروان من الآفاق، وكان يأخذ أخذاً شديداً على مذهب المشيخة من أصحاب ورش، وتوفّي بشعبان سنة، وكان رجلاً صالحاً فاضلاً كريم الأخلاق إماماً في القراءات، مشهوراً بذلك، ثقة، مأموناً، واحد أهل زمانه وأئمتهم في علم القرآن، رحمه الله تعالى.
ومنهم ضياء الدين أبو جعفر محمد بن محمد بن صابر بن بندار، القيسي، الأندلسي، المالقي، ولد بمالقة سنة وسمع الكثير، وقدم القاهرة حاجّاً فسمع بها وبدمشق وكتب بخطّه كثيراً، وكان سريع الكتابة سريع القراءة كثير الفوائد، ديّناً خيّراً فاضلاً، له مشاركة جيّدة في عدة علوم، توفّي شابّاً بالقاهرة سنة، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو بكر محمد الزّهري، المعروف بابن محرز، البلنسي، ولد بها سنة، وقدم مصر فسمع ابن الفضل وغيره، وروى عنه جماعة، وكان أحد رجال الكمال علماً وإدراكاً وفصاحة وحفظاً للفقه وتفنّناً في العلوم ومتانة في الأدب، حافظاً للغة والغريب، وله شعر رائق، ودين متين، وأخذ الناس عنه ببلده وبمرسية وإشبيلية ومالقة وغرناطة في اجتيازه عليها، وبغيرها من البلاد، وعلا صيته، وعرف بالدين والعلم والفضل، وكان أبو الخطاب
يثني على علمه ودينه، توفّي ببجاية سنة عن سن عالية، رحمه الله تعالى.
وممن ارتحل من الأندلس إلى المشرق القاضي أبو الوليد الباجي صاحب التصانيف المشهورة. وقال ابن ماكولا في حقّه: إنّه فقيه متكلّم أديب شاعر، سمع بالعراق، ودرس الكلام وصنف إلى أن مات، وكان جليلاً رفيع القدر والخطر.
وقال غير واحد: إنّه ولد سنة، وارتحل سنة، وجاور ثلاثة أعوام ملازماً لأبي ذر الحافظ يخدمه، ورحل إلى بغداد ودمشق، ولقي في رحلته غير واحد، وتفقه بالقاضي أبي الطيب الطّبري وغيره.
وقال أبو علي ابن سكرة: ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي، وما رأيت أحداً على هيئته وسمته وتوقير مجلسه، ولما كنت ببغداد قدم ولده أبو القاسم، فسرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشاشي، فقلت له: أدام الله تعالى عزك، هذا ابن شيخ الأندلس، فقال: لعلّه ابن الباجي، فقلت: نعم، فأقبل عليه.
قال القاضي عياض: وكثرت القالة في القاضي أبي الوليد لمداخلته الرؤساء، وولي قضاء أماكن تصغر عن قدره، وكان يبعث إلى تلك النواحي خلفاءه، وربما أتاها المرة ونحوها، وكان في أول أمره مقلاًّ حتى احتاج إلى القصد بشعره، واستأجر نفسه مدّة مقامه ببغداد، فيما سمعته مستفيضاً، لحراسة دربٍ. وقد جمع ابنه شعره.
قال: ولمّا قدم الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة، إلاّ أنّه كان خارجاً عن المذهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه، فقصرت ألسنة الفقهاء عن
مجادلته، وكلامه، واتبعه على رأيه جماعة من أهل الجهل، وحل بجزيرة ميورقة، فرأس فيها واتبعه أهلها، فلمّا قدم أبو الوليد كلّموه في ذلك، فدخل إليه، وناظره وشهر باطله، وله معه مجالس كثيرة.
ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر الصائغ وكفره بإجازة الكتب على الرسول الأمي، ﷺ، وأنّه تكذيب للقرآن، فتكلّم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أثاروا عليه الفتنة وقبّحوا عليه عند العامة ما أتى به، وتكلّم به خطباؤهم في الجمع، وقال شاعرهم:
برئت ممّن شرى دنياً بآخرةٍ ... وقال: إن رسول الله قد كتبا فصنف أبو الوليد رحمه اله تعالى رسالة بيّن فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة، فرجع بها جماعة؛ إذ ليس من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن كونه أمّيّاً لأنّه لا يسمّى كاتباً، وجماعة من الملوك قد أدمنوا على كتابة العلامة وهو أمّيون، والحكم للغالب لا للصورة النادرة، وقد قال ﵊ " إنّا أمّة أمّيون " أي: أكثرهم كذلك، لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: " هو الّذي بعث في الأمّيّين رسولاً منهم " انتهى، وبعضه بالمعنى.
وذكر ابن بسّام أن أبا الوليد الباجي نشأ وهمته في العلم، وأنّه بدأ بالأدب، فبرز في ميادينه، وجعل الشعر بضاعته، فنال به من كل الرغائب، ثم رحل فما حلّ بلداً إلاّ وجده ملآن بذكره، نشوان من قهوتي نظمه ونثره، فمال إلى علم الديانة، فمشى بمقياس، وبنى على أساس، حتى صار كثير من العلماء يسمعون منه، ويرتاحون للأخذ عنه، ثم كرّ واستقضي في طريقه بحلب، فأقام بها نحواً من عام.
قال: وبلغني عن ابن حزم أنّه كان يقول: لو لم يكن لأصحاب المذهب
الملكي بعد عبد الوهاب إلاّ مثل أبي الوليد الباجي لكفاهم.
وصنف أبو الوليد كتباً كثيرة منها كتاب التسديد إلى معرفة التوحيد وكتاب سنن المنهاج وترتيب الحجاج وكتاب إحكام الفصول في أحكام الأصول وكتاب التعديل والتجريح لمن خرّج عنه البخاري في الصحيح وكتاب شرح الموطأ وهو نسختان: نسخة سمّاها الاستيفاء، ثم انتقى منها فوائد سمّاها المنتقى في سبع مجلدات، وهو أحسن كتاب ألّف في مذهب مالك، لأنّه شرح في أحاديث الموطّأ، وفرّع عليها تفريعاً حسناً، وأفرد منه شيئاً سمّاه الإيماء، وقال بعضهم: إنّه صنف كتاب المعاني في شرح الموطّأ فجاء عشرين مجلداً عديم النظير، وكان أيضاً صنف كتاباً كبيراً جامعاً يلغ فيه الغاية سمّاه الاستيفاء، وله كتابا لإيماء في الفقه، خمس مجلدات، انتهى.
ومن تصانيفه مختصر المختصر في مسائل المدونة، وله كتاب اختلاف الموطأ وكتاب الإشارة في أصول الفقه وكتاب الحدود وكتاب سنن الصالحين وكتاب التفسير لم يتمّه، وكتاب شرح المنهاج وكتاب التبيين لسبيل المهتدين في اختصار فرق الفقهاء، وكتاب السراج في الخلاف، ولم يتم، وغير ذلك.
وحجّ الباجي رحمه اله تعالى أربع حجج جور فيها ثلاثة أعوام ملازماً لأبي ذر عبد بن أحمد الهروي، وكان يسافر معه للسّروات لأن أبا ذر تزوّج من العرب، وسكن بها.
[ترجمة أبي ذر الهروي]
وأبو ذر المذكور هو عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير الأنصاري المالكي، ويعرف بابن السمّاك، سمع بهراة وسرخس وبلخ ومرو والبصرة وبغداد ودمشق ومصر، وجاور بمكة، وألّف معجماً لشيوخه، وعمل الصحيح، وصنف التصانيف، قال الخطيب: قدم أبو ذرّ بغداد وأنا غائب، فحدث بها، ثم حجّ وجاور، ثم تزوّج في العرب، وسكن السّروات، وكان يحجّ كل عام ويحدث ويرجع، وكان ثقة ضابطاً ديّناً، وقال الحسن بن بقيّ المالقي: حدّثني شيخي قال: قيل لأبي ذر: من أين تمذهبت بمذهب مالك ورأي الأشعري مع أنّك هروي فقال: قدمت بغداد وكنت ماشياً مع الدارقطني، فلقينا أبا بكر ابن الطيب، فالتزمه الدارقطني، وقبّل وجهه وعينيه، فلمّا افترقنا قلت: من هذا قال: هذا إمام المسلمين، والذابّ عن الدين، القاضي أبو بكر ابن الطيب، فمن ذلك الوقت تكررت إليه وتمذهبت بمذهبه، انتهى.
قلت: هذا صريح في أن القاضي أبا بكر الباقلاني مالكي، وهو الذي جزم به غير واحد، ولذا ذكره عياض في المدارك في جملة المالكية، وكذلك شيخ السنّة الإمام أبو الحسن الأشعري مالكي المذهب فيما ذكره غير واحد من الأئمة، وذكر بعض الشافعية أنهما شافعيان، والله تعالى أعلم.
وقال عبد الغافر في تاريخ نيسابور: كان أبو ذرّ زاهداً، ورعاً، عالماً، سخيّاً لا يدّخر شيئاً، وصار كبير مشيخة الحرم، مشاراً إليه في التصوف، خرّج على الصحيح تخريجاً حسناً، وكان حافظاً، كثير الشيوخ، توفّي سنة، وقال أبو علي ابن سكرة: توفّي عقب شوّال سنة، وقال الخطيب: في ذي القعدة من سنة أربع وثلاثين، رحمه الله تعالى، وأكثر
نسخ البخاري الصحيحة بالمغرب إمّا من رواية الباجي عن أبي ذر عبد بن أحمد الهروي المذكور، وإمّا من رواية أبي علي الصّدفي الشهير المعروف بابن سكرة بسنده.
واعلم أن هراة المنسوب إليها الحافظ أبو ذر ليست بهراة التي وراء النهر نظيرة بلخ، وإنّما هي هراة بني شيمانة بالحجاز، وبها كان سكنى أبي ذر، والله أعلم.
رجع إلى القاضي أبي الوليد الباجي رحمه الله تعالى
ثم إنّه - أعني الباجي - قدم بغداد، وأقام بها ثلاثة أعوام يدرّس الفقه، ويقرأ الحديث، فلقي بها عدّة من العلماء كأبي الطيب الطبري والإمام الشهير أبي إسحاق الشيرازي والصّيمري وابن عمروس المالكي، وأقام بالموصل سنة مع أبي جعفر السّمناني يأخذ عنه علم الكلام؛ فبرع في الحديث وعلله ورجاله، وفي الفقه وغوامضه وخلافه، وفي الكلام ومضايقه، وتدبج مع الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي بحيث روى كل واحد منهما عن الآخر، رضي الله تعالى عنهما ونفع بهما. ورجع إلى الأندلس بعد ثلاث عشرة سنة بعلم جمٍّ حصّله مع الفقر والتّعفّف.
وممّا يفتخر به أنّه روى عنه حافظا المغرب والمشرق أبو عمر ابن عبد البر والخطيب أبو بكر ابن ثابت البغدادي، وناهيك بهما، وهما أسنّ منه وأكبر، وأبو عبد الله الحميدي، وعلي بن عبد الله الصقلي، وأحمد بن علي بن غزلون، وأبو بكر الطرطوشي، وأبو علي ابن الحسين السبتي، وأو بحر سفيان بن العاصي،
وممّن روى عنه ابنه أبو القاسم أحمد. وكان لما رجع إلى الأندلس فشا علمه، وتهيأت الدنيا له، وعظم جاهه، وأجزلت له الصّلات، فمات عن مال وافر، وترسل للملوك، وولي القضاء بعدة مواضع، رحمه الله تعالى.
وأمّا ما تقدّم عن القاضي أبي الوليد الباجي من إجراء حديث الكتابة على ظاهره فهو قول بعض، والصواب خلافه، قال القاضي أبو الفضل عياض: حدّثنا محمد بن علي المعروف باب الصيقل الشاطبي من لفظه، قال: حدثني أبو الحسن ابن مفوّز قال: كان أبو محمد ابن أحمد بن الحاج الهوّاري من أهل جزيرة شقر ممّن لازم الباجي وتفقّه عنده، وكان يميل إلى مذهب الباجي في جواز مباشرة النبي ﷺ الكتابة بيده في حديث المقاضاة في الحديبية على ما جاء في ظاهر بعض رواياته، ويعجب به، وكنت أنكر ذلك عليه، فمّا كان بعد برهة أتاني زائراً على عادته، وأعلمني أن رجلاً من إخوانه كان يرى في النوم أنّه بالمدينة، وأنّه يدخل المسجد، فيرى قبر النبي ﷺ أمامه، فيجد له قشعريرة وهيبة عظيمة، ثم يراه ينشقّ ويميد ولا يستقر، فيعتريه منه فزع عظيم، وسألني عن عبارة رؤياه، فقلت: أخشى على صاحب هذا المنام أن يصف رسول الله ﷺ بغير صفته، أو ينحله ما ليس له بأصل، أو لعلّه يفتري عليه، فسألني: من أين قلت هذا قلت له: من قول الله تعالى " تكاد السّموات يتفطّرن منه إلى قوله تعالى: ولداً " فقال لي: لله درّك يا سيّدي، وأقبل يقبّل رأسي وبين عينيّ، ويبكي مرّة ويضحك أخرى، ثم قال لي: أنا صاحب الرويا، واسمع تمامها يشهد لك بصحة تأويلك، قال: إنّه لمّا رأيتني في ذلك الفزع العظيم كنت أقول: والله ما هذا إلاّ أنّني أقول وأعتقد أن رسول الله ﷺ كتب، فكنت أبكي وأقول: أنا تائب يا رسول الله، وأكرّر ذلك مراراً، فارى القبر قد عاد إلى هيأته أوّلاً وسكن، فاستيقظت، ثم قال لي: وأنا أشهد أن رسول الله ﷺ ما كتب قطّ حرفاً
وعليه ألقى الله تعالى، فقلت: الحمد لله الذي أراك البرهان، فاشكر له كثيراً، انتهى.
قال ابن الأبار: حدثني بهذه الحكاية أبو الربيع ابن سالم بقراءتي عليه، عن الكاتب أبي بكر عبد الرحمن بن مغاور قراءةً عليه، عن القاضي أبي حفص أحمد بن عبد الرحمن بن جحدر عن أبي الحسن طاهر بن مفوّز قال: كان أبو محمد - إلى آخرها، وهي أتم من هذه، انتهى.
رجع إلى الباجي
ذكر أبو العرب عبد الوهاب البقساني بسنده إلى القاضي أبي الوليد الباجي أنّه كان يقول، وقد ذكرت له صحبة السلطان: لولا السلطان لنقلتني الذرّ من الظل إلى الشمس، أو ما هذا معناه، انتهى.
ومن فوائد الباجي أنّه حكى أن الطلبة كانوا ينتابون مجلس أبي علي البغدادي، واتفق أن كان يوماً مطرٌ ووحل، فلم يحضر من الطلبة سوى واحد، فلمّا رأى الشيخ حرصه على الاشتغال وإتيانه في تلك الحال أنشده:
دببت للمجد والسّاعون قد بلغواحدّ النفوس وألقوا دونه الأزرا
وكابدوا المجد حتّى ملّ أكثرهموعانق المجد من وافى ومن صبرا
لا تحسب المجد تمراً أنت آكلهلن تبلغ المجد حتى تلعق الصّبرا انتهى
وروى عن القاضي أبي الوليد الباجي رحمه الله تعالى الخطيب البغدادي قوله رحمه الله تعالى:
إذا كنت أعلم علم اليقينبأنّ جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنيناً بها ... وأجعلها في صلاحٍ وطاعه وقد ذكرناهما فيما يأتي قريباً من كلام الفتح، لكوننا نقلنا كلامه بلفظه، رحمه الله تعالى، ورضي عنه.
وقال في القلائد في حق الباجي رحمه الله تعالى، ما صورته: بدر العلوم اللائح، وقطرها الغادي الرائح، وثبيرها الذي لا يزحم، ومنيرها الذي ينجلي به ليلها الأسحم، كان إمام الأندلس الذي تقتبس أنواره، وتنتجع نجوده وأغواره، رحل إلى المشرق فعكف على الطلب ساهراً، وقطف من العلم أزاهراً، وتفنن في اقتنائه، وثنى إليه عنان اعتنائه، حتى غدا مملوء الوطاب، وعاد بلح طلبه إلى الإرطاب، فكرّ إلى الأندلس بحراً لا تخاض لججه، وفجراً لا يطمس منهجه، فتهادته الدول، وتلقته الخيل والخول، وانتقل من محجر إلى ناظر، وتبدل من يانع بناضر، ثم استدعاه المقتدر بالله فصار إليه مرتاحاً، وبدا بأفقه ملتاحاً، وهناك ظهرت تواليفه وأوضاعه، وبد وخده في سبل العلم وإيضاعه، وكان المقتدر يباهي بانحياشه إلى سلطانه، وإيثاره لحضرته باستيطانه، ويحتفل فيما يرتبه له ويجريه، وينزله في مكانه متى كان يوافيه، وكان له نظم يوقفه على ذاته، ولا يصرفه في رفث القول وبذاته.
فمن ذلك قوله في معنى الزهد:
إذا كنت أعلم علم اليقينبأن جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنيناً بها ... وأجعلها في صلاحٍ وطاعه وله يرثي ابنيه وماتا مغتربين، وغربا كوكبين، وكانا ناظري الدهر،
وساحري النّظم والنثر:
رعى الله قبرين استكانا ببلدةهما أسكناها في السّواد من القلب
لئن غيّبا عن ناظري وتبوّءافؤادي لقد زاد التباعد في القرب
يقرّ بعيني أن أزور ثراهماوألصق مكنون الترائب بالتّرب
وأبكي وأبكي ساكنيها لعلّنيسأنجد من صحبٍ وأسعد من سحب
فما ساعدت ورق الحمام أخا أسىًولا روّحت ريح الصّبا عن أخي كرب
ولا استعذبت عيناي بعدهما كرىًولا ظمئت نفسي إلى البارد العذب
أحنّ ويثني اليأس نفسي عن الأسىكما اضطرّ محمولٌ على المركب الصعب وله يرثي ابنه محمداً:
أمحمداً، إن كنت بعدك صابراًصبر السليم لما به لا يسلم
رزئت قبلك بالنبيّ محمدٍولرزؤه أدهى لديّ وأعظم
فلقد علمت بأنّي بك لاحقٌمن بعد ظنّي أنّني متقدّم
لله ذكرٌ لا يزال بخاطريمتصرّفٌ في صبره مستحكم
فإذا نظرت فشخصه متخيّلٌوإذا أصخت فصوته متوهّم
وبكلّ أرضٍ لي من أجلك لوعةٌوبكلّ قبرٍ وقفةٌ وتلوّم
فإذا دعوت سواك حاد عن اسمهودعاه باسمك معولٌ بك مغرم
حكم الردى ومناهج قد سنّهالأولي النّهى والحزن قبل متمّم انتهى
ولعمري إنّه لم يوف القاضي أبا الوليد الباجي حقه الواجب المفترض، ووددت أنّه مدّ النفس في ترجمته بعبارته التي يعترف ببراعتها من سلّم
له ومن اعترض، فإن ترجمة المذكور ممّا سطّره أفسح مجالاً، وأفصح رويّة وارتجالاً، وبالجملة فهو أحد أعلام الأندلس، وهو سليمان بن خلف ابن سعد بن أيوب بن وارث التّجيبي، وذكره ابن بسّام في الذخيرة وابن خلّكان وغير واحد، وأصله من بطليوس، وانتقل جدّه إلى باجة قرب إشبيلية، وليس هو من باجة القيروان، ومولده سنة، ورحل سنة، فقدم مصر، وسمع بها، وأجّر نفسه ببغداد لحراسة الدروب، وكان لما رجع إلى الأندلس يضرب ورق الذهب، ويعقد الوثائق، إلى أن فشا علمه، وتهيأت له الدنيا، وشهرته تغني عن وصفه.
ومن نظمه قوله:
ما طال عهدي بالديار، وإنّماأنسى معاهدها أسىً وتبلّد
لو كنت أنبأت الديار صبابتيرقّ الصّفا بفنائها والجلمد وله في المعتضد بن عباد والد المعتمد:
عبّادٌ استعبد البرايابأنعمٍ تبلغ النعائم
مديحه ضمن كلّ قلبٍحتى تغنّت به الحمائم ومن أشهر نظمه قوله:
إذا كنت أعلم - البيتين، وقد سبقا
وممّن ذكره أيضاً الحجاري في المسهب، وابن بشكوال في الصّلة، وأنّه حج أربع حجج، رحمه الله تعالى، وتوفّي في المرية لإحدى عشرة بقيت من رجب، وقيل: ليلة الخميس تاسع رجب، وقيل: تاسع عشر صفر،
سنة أربع وسبعين وأربعمائة.
ومن تواليفه المنتقى في شرح الموطّأ ذهب فيه مذهب الاجتهاد وإيراد الحجج، وهو ممّا يدل على تبحره في الفنون، ولمّا قدم من المشرق إلى الأندلس بعد ثلاثة عشر عاماً وجد ملوك الطوائف أحزاباً متفرقة، فمشى بينهم في الصلح، وهم يجلّونه في الظاهر، ويستثقلونه في الباطن، ويستردون نزعته، ولم يفد شيئاً فالله تعالى يجازيه عن نيته، ولمّا ناظر ابن حزم قال له الباجي: أنا أعظم منك همّة في طلب العلم، لأنّك طلبته وأنت معان عليه تسهر بمشكاة الذهب وطلبته وأنا أسهر بقنديل بائت السوق، فقال ابن حزم: هذا الكلام عليك لا لك، لأنّك إنّما طلبت العلم وأنت في اتلك الحال رجاء تبديلها بمثل حالي، وأنا طلبته في حين ما تعلمه وما ذكرته، فلم أرج به إلاّ علوّ القدر العلمي في الدنيا والآخرة؛ فأفحمه.
قال عياض: قال لي أصحابه: كان يخرج إلينا للإقراء، وفي يده أثر المطرقة، إلى أن فشا علمه، ونوهت الدنيا به، وعظم جاهه، وأجزلت صلاته، حتى مات عن مال وافر، وكان يستعمله الأعيان في ترسّلهم، ويقبل جوائزهم، وولي القضاء بمواضع من الأندلس.
[ترجمة ابن حزم]
وابن حزم المذكور هو أبو محمد ابن حزم الظاهري، قال ابن حيّان وغيره: كان ابن حزم صاحب حديث وفقه وجدل، وله كتب كثيرة في المنطق
والفلسفة لم يخل فيها من غلط، وكان شافعيّ المذهب، يناضل الفقهاء عن مذهبه ثم صار ظاهريّاً، فوضع الكتب في هذا المذهب، وثبت عليه إلى أن مات، وكان له تعلّق بالأدب، وشنّع عليه الفقهاء، وطعنوا فيه، وأقصاه الملوك وأبعدوه عن وطنه، وتوفّي بالبادية عشية يوم الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة.
وقال صاعد في تاريخه: كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة، مع توسعه في علم اللسان والبلاغة والشعر والسّير والأخبار، أخبرني ابنه الفضل أنّه اجتمع عنده بخط أبيه من تواليفه نحو أربعمائة مجلد، نقله عن تاريخ صاعد الحافظ الذهبي.
قال الذهبي: وهو العلامة أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح، الأموي، مولاهم، الفارسي الأصل، الأندلسي القرطبي الظاهري، صاحب المصنفات، وأول سماعه سنة، وكان إليه المنتهى في الذكاء وحدّة الذهن وسعة العلم بالكتاب والسنّة والمذاهب والملل والنّحل والعربية والآداب والمنطق والشعر، مع الصدق والديانة الحشمة والسؤدد والرياسة والثروة وكثرة الكتب.
قال الغزالي رحمه الله تعالى: وجدت في أسماء الله تعالى كتاباً لأي محمد ابن حزم يدل على عظم حفظه وسيلان ذهنه، انتهى باختصار.
وعلى الجملة فهو نسيج وحده، لولا ما وصف به من سوء الاعتقاد، والوقوع في السلف الذي أثار عليه الانتقاد، سامحه الله تعالى.
وذكر الذهبي أن عمره اثنتان وسبعون سنة، وهو لا ينافي قول غيره " إنّه كان عمره إحدى وسبعين سنة وعشرة أشهر " لأنّه ولد رحمه الله تعالى بقرطبة بالجانب الشرقي في ربض منية المغيرة قبل طلوع الشمس وبعد سلام
الإمام من صلاة الصبح آخر ليلة الأربعاء آخر يوم من شهر رمضان، سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، بطالع العقرب، وتوفّي ليومين بقيا من شعبان سنة، وكان كثير المواظبة على التأليف، ومن جملة تآليفه كتاب الفصل بين أهل الأهواء والنّحل وكتاب الصادع والرادع على من كفّر أهل التأويل من فرق المسلمين والرد على فرق التقليد وكتاب شرح حديث الموطإ والكلام على مسائله وكتاب الجامع في صحيح الحديث باختصار الأسانيد والاقتصار على أصحها وكتاب " التلخيص والتخليص في المسائل النظريّة وفروعها التي لا نصّ عليها في الكتاب والحديث " وكتاب منتقى الإجماع وبيانه من جملة ما لا يعرف فيه اختلاف وكتاب الإمامة والخلافة في سير الخلفاء ومراتبها والندب والواجب منها وكتاب كشف الالتباس ما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس انتهى.
وقال ابن سعيد في حق ابن حزم، ما ملخّصه: الوزير العالم الحافظ أبو محمد علي ابن الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي، وشهرته تغني عن وصفه، وتوفّي منفيّاً بقرية من بلد لبلة، ووصله من ابن عمه أبي المغيرة رسالةٌ فيها ما أوجب أن جاوبه بهذه الرسالة، وهي: سمعت وأطعت، لقوله تعالى: " وأعرض عن الجاهلين " وأسلمت وانقدت لقول نبيه ﵊: " صل من قطعك، واعف عمّن ظلمك " ورضيت بقول الحكماء: " كفاك انتصاراً ممّن تعرض لأذاك إعراضك عنه "، وأقول:
تتبّع سواي امرأً يبتغيسبابك إنّ هواك السّباب
فإنّي أبيت طلاب السفاهوصنت محلّي عمّا يعاب
وقل ما بدا لك من بعد ذاوأكثر فإنّ سكوتي خطاب وأقول:
كفاني بذكر الناس لي ومآثريوما لك فيهم يا ابن عمّي ذاكر
عدوّي وأشياعي كثيرٌ كذاك منغدا وهو نفّاع المساعي وضائر
وإنّي وإن آذيتني وعققتني ... لمحتملٌ ما جاءني منك صابر فوقّع له أبو المغيرة على ظهر رقعته: قرأت هذه الرقعة العاقّة، فحين استوعبتها أنشدتني:
نحنح زيدٌ وسعل ... لمّا رأى وقع الأسل فأردت قطعها، وترك المراجعة عنها، فقالت لي نفسي: قد عرفت مكانها، بالله لا قطعتها إلاّ يده، فأثبتّ على ظهرها ما يكون سبباً إلى صونها، فقلت:
نعقت ولم تدر كيف الجوابوأخطأت حتى أتاك الصواب
وأجريت وحدك في حلبةٍنأت عنك فيها الجياد العراب
وبتّ من الجهل مستنبحاًلغير قرىً فأتتك الذئاب
فكيف تبيّنت عقرى الظّلومإذا ما انقضت بالخميس العقاب
لعمرك ما لي طباعٌ تذمّولا شيمةٌ يوم مجدٍ تعاب
أنيل المنى والظّبا سخّطٌوأعطي الرضى والعوالي غضاب وأقول:
وغاصب حقٍّ أوبقته المقادريذكّرني حاميم والرمح شاجر
غدا يستعير الفخر من خيم خصمهويجهل أنّ الحقّ أبلج ظاهر
ألم تتعلّم يا أخا الظّلم أنّنيبرغمك ناهٍ منذ عشرٍ وآمر
تذلّ لي الأملاك حرّ نفوسهاوأركب ظهر النسر والنسر طائر
وأبعث في أهل الزمان شوارداًتليّنهم وهي الصعاب النوافر
فإن أثو في أرض فإنّي سائرٌوإن أنأ عن قومٍ فإنّي حاضر
وحسبك أن الأرض عندك خاتمٌوأنّك في سطح السلامة عاثر
ولا لوم عندي في استراحتك التيتنفست عنها والخطوب فواقر
فإنّي للحلف الذي مرّ حافظٌوللنزعة الأولى بحاميم ذاكر
هنيئاً لكلٍّ ما لديه فإنّنا ... عطيّة من تبلى لديه السرائر ومن شعر أبي محمد ابن حزم يخاطب قاضي الجماعة بقرطبة عبد الرحمن ابن بشر:
أنا الشمس في جوّ العلوم منيرةًولكنّ عيبي أنّ مطلعي الغرب
ولو أنّني من جانب الشرق طالعٌلجدّ على ما ضاع من ذكري النهب
ولي نحو آفاق العراق صبابةٌولا غرو أن يستوحش الكلف الصبّ
فإن ينزل الرحمن رحلي بينهمفحينئذ يبدو التأسف والكرب
فكم قائلٍ أغفلته وهو حاضرٌوأطلب ما عنه تجيء به الكتب
هنالك يدري أن للعبد قصّةًوأن كساد العلم آفته القرب
فيا عجباً من غال عنهم تشوّقواله، ودنوّ المرء من دارهم ذنب
وإنّ مكاناً ضاق عنّي لضيّقٌعلى أنّه فيحٌ مهامهه سهب
وإنّ رجالاً ضيّعوني لضيّعٌوإنّ زماناً لم أنل خصبه جدب
ومنها في الاعتذار عن مدحه لنفسه:
ولكنّ لي في يوسفٍ خير أسوةٍوليس على من بالنبيّ ائتسى ذنب
يقول مقال الصّدق والحقّ إنّنيحفيظٌ عليمٌ، ما على صادقٍ عتب وقوله:
لا يشمتن حاسدي إن نكبةٌ عرضتفالدهر ليس على حالٍ بمتّرك
ذو الفضل كالتبر يلقى تحت متربةٍ ... طوراً، وطوراً يرى تاجاً على ملك وقوله لمّا أحرق المعتضد بن عباد كتبه بإشبيلية:
دعوني من إحراق رقٍّ وكاغدٍوقولوا بعلمٍ كي يرى الناس من يدري
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذيتضمّنه القرطاس، بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلّت ركائبيوينزل إن أنزل ويدفن في قبري وقوله:
لئن أصبحت مرتحلاً بشخصيفقلبي عندكم أبداً مقيم
ولكن للعيان لطيف معنىًلذا سأل المعاينة الكليم وقوله:
وذي عذلٍ فيمن سباني حسنهيطيل ملامي في الهوى ويقول
أمن أجل وجهٍ لاح لم تر غيرهولم تدر كيف الجسم أنت عليل
فقلت له أسرفت في اللوم فاتّئدفعندي ردٌّ لو أشاء طويل
ألم تر أنّي ظاهريٌّ، وأنّنيعلى ما أرى حتى يقوم دليل
وهو أبو محمد علي بن أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن مزيد، القرطبي. قال ابنه أبو رافع الفضل: اجتمع عندي بخط أبي من تواليفه نحو أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من نحو ثمانين ألف ورقة، انتهى.
أبوه الوزير أبو عمر المذكور كان من وزراء المنصور بن أبي عامر، وتوفّي - كما قال ابن حيان - بذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة، وكان منشؤه ومولده بقرية تعرف بالزاوية.
وحكي أن الحافظ أبا محمد ابن حزم قصد أبا عامر ابن شهيد في يوم غزير المطر والوحل شديد الريح، فلقيه أبو عامر، وأعظم قصده على تلك الحال، وقال له: يا سيّدي، مثلك يقصدني في مثل هذا اليوم! فأنشده أبو محمد ابن حزم بديهاً:
فلو كانت الدنيا دوينك لجّةًوفي الجوّ صعقٌ دائمٌ وحريق
لسهّل ودّي فيك نحوك مسلكاً ... ولم يتعذّر لي إليك طريق قال الحافظ ابن حزم: أنشدني الوزير أبي في بعض وصاياه لي:
إذا شئت أن تحيا غنيّاً فلا تكن ... على حالةٍ إلا رضيت بدونها وهذا كافٍ في فضل الفرع والأصل، سامح الله الجميع.
قال ابن حزم في " طوق الحمامة ": إنّه مرّ يوماً هو وأبو عمر ابن عبد البر صاحب الاستيعاب بسكّة الحطابين من مدينة إشبيلية، فلقيهما شاب حسن الوجه، فقال أبو محمد: هذه صورة حسنة، فقال له أبو عمر: لم نر إلاّ الوجه، فلعلّ ما سترته الثياب ليس كذلك، فقال ابن حزم ارتجالاً:
وذي عذلٍ فيمن سباني حسنه... الأبيات
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع