من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (٥)
سقاك يا سفح سفح الدّمع منهملاً ... وقلّ ذاك له إن أعوز المطر وله رحمه الله تعالى شروح لمقامات الحريري: كبير، ووسط، وصغير، وفي الكبير من الآداب ما لا كفاء له، وكان رحمه الله تعالى معجباً بالشام.
وقال ابن الأبار عندما ذكره: إنّه شرح مقامات الحريري في ثلاث نسخ: كبراها الأدبية، ووسطاها اللغوية، وصغراها المختصرة، انتهى.
وتوفّي بشريش بلده سنة تسع عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد، الأزدي، القرطبي، الملقّب بضياء الدين، أحد الأئمة المتأخرين في القراءات وعلوم القرآن الكريم والحديث والنحو واللغة وغير ذلك.
قال القاضي الشمس ابن خلّكان: إنّه رحل من الأندلس في عنفوان شبابه وقدم مصر فسمع بالإسكندرية أبا عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي، وبمصر أبا صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المدني المصري وأبا طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني المعروف بالسّلفي وغيرهم، ودخل بغداد سنة، وقرأ بها القرآن الكريم على الشيخ أبي محمد عبد الله بن علي المقرئ المعروف بابن بنت الشيخ أبي منصور الخياط، وسمع عليه كتباً كثيرة منها كتاب سيبويه، وقرأ الحديث على أبي بكر محمد بن عبد الباقي البزار المعروف بقاضي المارستان وأبي القاسم ابن الحصين وأبي العز وغيرهم، وكان ديّناً ورعاً عليه وقار وسكينة، وكان ثقة صدوقاً ثبتاً نبيلاً قليل الكلام كثير الخير مفيداً، أقام بدمشق مدّة، واستوطن الموصل، ورحل منها إلى أصبهان، ثم عاد إلى الموصل، وأخذ عنه شيوخ ذلك العصر. وذكره الحافظ ابن السمعاني في كتاب الذيل، وقال: إنّه اجتمع به بدمشق، وسمع عنه مشيخة أبي عبد الله الرازي، وانتخب عليه أجزاء، وسأله عن مولده، فقال: ولدت سنة في مدينة قرطبة، ورأيت في بعض الكتب أن مولده سنة، والأول أصح، وكان شيخنا القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم المعروف باب شداد قاضي حلب رحمه الله تعالى يفتخر بروايته وقراءته عليه، وقال: كنّا نقرأ عليه بالموصل، ونأخذ عنه، وكنّا نرى رجلاً يأتي إليه كل يوم فيسلّم عليه وهو قائم، ثم يمد يده إلى الشيخ بشيء ملفوف، فيأخذه الشيخ من يده، ولا نعلم ما هو، ويتركه ذلك الرجل ويذهب، ثم تقفّينا ذلك فعلمنا أنّها دجاجة مسموطة كانت ترسم للشيخ في كل يوم، يبتاعها له ذلك الرجل ويسمطها ويحضرها، وإذا دخل الشيخ إلى منزله تولى طبخها بيده.
وذكر في كتاب دلائل الأحكام أنّه لازم القراءة عليه إحدى عشرة سنة، آخرها سنة.
وكان الشيخ أبو بكر القرطبي المذكور كثيراً ما ينشد مسنداً إلى أبي الخير الكاتب الواسطي:
جرى قلم القضاء بما يكونفسيّان التحرّك والسكون
جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين وتوفّي القرطبي المذكور بالموصل يوم عيد الفطر سنة، رحمه اله تعالى.
انتهى كلام ابن خلّكان ببعض اختصار.
ومنهم الوزير أبو عبد الله محمد، ابن الشيخ الأجلّ أبي الحسن ابن عبد ربه، وهو من حفداء صاحب كتاب العقد المشهور. حدث الشيخ الأجل أبو عبد اله محمد بن علي اليحصبي القرموني رفيقه قال: اصطحبت معه في المركب من المغرب إلى الإسكندرية، فلمّا قربنا منها هاج علينا البحر، وأشفينا على الغرق، فلاح لنا ونحن على هذه الحال منار الإسكندرية، فسررنا برؤيته، وطمعنا في السلامة، فقال لي: لا بد أن أعمل في المنار شيئاً، فقلت له: أعلى مثل هذه الحال التي نحن فيها فقال: نعم، فقلت: فاصنع، فأطرق ثم عمل بديهاً:
لله درّ منار إسكندريّة كميسمو إليه على بعدٍ من الحدق
من شامخ الأنف في عرنينه شممٌكأنّه باهتٌ في دارة الأفق
يكسّر الموج منه جانبي رجلٍمشمّر الذيل لا يخشى من الغرق
لا يبرح الدهر من وردٍ على سفنٍما بين مصطبحٍ منها ومغتبق
للمنشآت الجواري عند رؤيته ... كموقع النوم من أجفان ذي أرق وتقدمت ترجمة الكاتب أبي عبد الله ابن عبد ربه، وأظنّه هذا، فليتنبّه له، بل أعتقد أنّه هو لا غيره، والله تعالى أعلم.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن الصفار، القرطبي. قال في القدح المعلى: بيتهم مشهور بقرطبة، لم يزل يتوارث في العلم والجاه وعلو المرتبة، ونشأ أبو عبد اله هذا حافظاً للآداب، إماماً في علم الحساب، مع أنّه كان أعمى مقعداً مشوّه الخلقة، ولكنّه إذا نطق علم كلّ منصف حقّه، ومن عجائبه أنّه سافر على تلك الحالة، حتى غدت بغداد له هالة. اجتمعت به بحضرة تونس فرأيت بحراً زاخراً، وروضاً ناضراً، إلا أنّه حاطب ليلٍ، وساحب ذيل، لا يبالي ما أورده، ولا يلتفت إلى ما أنشده، جامعاً بين السمين والغث، حافظاً للمتين والرث، وكان يقرئ الأدب بمراكش وفاس وتونس وغيرها.
ومن مشهور حكاياته أنّه لمّا قال أبو زيد الفازازي في أبي العلاء المستنصر قصيدته التي مطلعها:
الحزم والعزم منسوبان للعرب ... عارضه بقصيدة، ثم قال فيه وفي ابن أخيه يحيى بن الناصر الذي نازعه في ذلك الأوان [رداء السلطان]:
وإن ينازعك في المنصور ذو نسبٍفنجل ونوحٍ ثوى في قمّة العطب
وإن يقل أنا عمٌّ فالجواب له ... عمّ النبيّ بلا شكٍّ أبو لهب وشاعت القصيدة فبلغت أبا العلاء، فحرض على قتله، وسلّمه الله تعالى منه، ومات سنة.
ومن شعره قوله:
لا تحسب الناس سواءً متىتشابهوا فالناس أطوار
وانظر إلى الأحجار، في بعضهاماءٌ، وبعضٌ ضمنها نار وقوله:
يا طالعاً في جفونيوغائباً في ضلوعي
بالغت في السّخط ظلماًوما رحمت خضوعي
إذا نويت انقطاعاًفاحسب حساب الرجوع انتهى باختصار يسير
ومنهم أبو الوليد ابن الجنّان محمد بن المشرف أبي عمرو ابن الكاتب أبي بكر ابن العالم الجليل أبي العلاء ابن الجنّان الكناني الشاطبي. قال ابن سعيد: توارثوا بشاطبة، مراتب تحسدها النجوم الثاقبة، وأبو الوليد أشعرهم، وقد تجدّد به في أقطار المشرق مفخرهم، وهو معروف هناك بفخر الدين، ومتصدر في أئمة النحويين، ومرتب في شعراء الملك الناصر صاحب الشام، ومقطّعاته الغرامية قلائد أهل الغرام، صحبته بمصر ودمشق
وحلب، وجريت معه طلق الجموح في ميادين الأدب، وأنشدني بدمشق:
أنا من سكر هواهم ثمللا أبالي هجروا أم وصلوا
فبشعري وحديثي فيهمزمزم الحادي وسار المثل
إنّ عشاق الحمى تعرفنيوالحمى يعرفني والطّلل
رحلوا عن ربع عيني فلذاأدمعي عن مقلتي ترتحل
ما لها قد فارقت أوطانهاوهي ليست لحماهم تصل
لا تظنّوا أنّني أسلوا فمامذهبي عن حبّكم ينتقل وقوله رحمه الله تعالى:
بالله يا بانة الوادي إذا خطرتتلك المعاطف حيث الشيح والغار
فعانقيها عن الصّبّ الكئيب فماعلى معانقة الأغصان إنكار
وعرّفيها بأنّي فيك مكتئبفبعض هذا لها بالحبّ إخبار
وأنتم جيرة الجرعاء من إضمٍلي في حماكم أحاديث وأسمار
وأنتم أنتم في كلّ آونةٍوإنّما حبّكم في الكون أطوار
ويا نسيماً سرى تحدو ركائبهلي بالغوير لباناتٌ وأوطار وله:
يا رعى الله أنسنا بين روضٍحيث ماء السرور فيه يجول
تحسب الزهر عنده يتثنىوتخال الغصون فيه تميل وله:
هات المدام فقد ناح الحمام علىفقد الظلام وجيش الصبح في غلب
وأعين الزهر من طول البكا رمدتفكحّلتها يمين الشمس بالذهب
والكأس حلّتها حمراء مذهبةٌلكن أزرّتها من لؤلؤ الحبب
كم قلت للأفق لمّا أن بدا صلفاًبشمسه عندما لاحت من الحجب
إن تهت بالشمس يا أفق السماء فليشمسان وجه نديمي وابنة العنب
قم اسقنيها وثغر الصبح مبتسمٌوالليل تبكيه عين البدر بالشّهب
والسّحب قد لبست سود الثياب وقدقامت لترثيه الأطيار في القضب وله:
عليك من ذاك الحمى يا رسولبشرى علامات الرضى والقبول
جئت وفي عطفيك منهم شذاًيسكر من خمر هواه العذول ومنها:
أحبابنا ودّعتم ناظريوأنتم بين ضلوعي نزول
حللتم قلبي وهو الذييقول في دين الهوى بالحلول
أنا الذي حدّث عني الهوىبأنّني عن حبّكم لا أحول
فليزد العاذل في عذلهوليقل الواشي لكم ما يقول انتهى كلام النور بن سعيد
وقال غيره: ولد المذكور بشاطبة منتصف وشوال سنة، ومات بدمشق ودفن بسفح قاسيون، وكان عالماً فاضلاً، دمث الأخلاق كريم الشمائل، كثير الاحتمال واسع الصدر، صحب الشيخ كمال الدين ين العديم وولده قاضي
القضاة مجد الدين، فاجتذبوه إليهم، وصار حنفيّ المذهب، ودرس بالمدرسة الإقبالية الحنفيّة بدمشق، وله مشاركة في علوم كثيرة، وله يد في النظم، ومنه قوله:
لله قومّ يعشقون ذوي اللحىلا يسألون عن السواد المقبل
وبمهجتي قومٌ وإنّي منهمجبلوا على حبّ الطراز الأول وله أيضاً:
قم اسقنيها وليل الهمّ منهزمٌوالصبح أعلامه محمرّة العذب
والسّحب قد نثرت في الأرض لؤلؤها ... تضمّه الشمس في ثوبٍ من الذهب وقد تقدم عن ابن سعيد له ما يقارب هذا.
وله - رحمه الله تعالى - في كاتب:
وبي كاتبٌ أضمرت في القلب حبّهمخافة حسّادي عليه وعذّالي
له صنعةٌ في خطّ لام عذاره ... ولكن سها إذ نقّط اللام بالخال ومنهم أبو محمد القرطبي، قال ابن سعيد: لقيته بالقاهرة، وكأنّه لا خبر عنده من الآخرة، وقد طال عمره في أكل الأعراض، وفساد الأغراض، وممّا بقي في أذني من شعره قوله:
رحم الله من لقيت قديمافلقد كان بي رؤوفاً رحيما
أتمنى لقاء حرٍّ وقد أعوز بختي كما عدمت الكريما
وتوفّي بالقاهرة سنة، انتهى.
ومنهم علي بن أحمد القادسي، الكناني، قال ابن سعيد: لقيته ببيت المقدس على زي الفقراء، وحصّلت منه هذه الأبيات، وندمت بعد ذلك على ما فات، وهي:
ذاك العذار المطلّدمي عليه يطلّ
كأنّما الخدّ ماءٌوقد جرى فيه ظلّ
عقود صبري عليهمذ حلّ قلبي تحلّ
جرت دموعي عليه ... فقلت آسٌ وطلّ ومنهم أبو عبد الله ابن العطار، القرطبي، قال ابن سعيد: هو حلو المنازع، ظريف المقاطع والمطالع، مطبوع النوادر، موصوف بالأديب الشاعر، مازجته بالإسكندرية، وبهذه الحضرة العلية، وما زال يدين بالانفراد، والتجول في البلاد، حتى قضى مناه، وألقى بهذه المدينة عصاه، لا يخطر الهمّ له ببال، ولا يبيت إلاّ على وعد من وصال، وله حين سمع ما ارتجلته في السكين بالإسكندرية حين داعبني باختلاسها القاضي زين القضاة ابن الرّيغي، وقال: ما لي إليه سبيل، حتى يحضر مصري نبيل:
أيا سارقاً ملكاً مصوناً ولم يجبعلى يده قطعٌ وفيه نصاب
ستندبه الأقلام عند عثارهاويبكيه إن يعد الصواب كتاب فقال:
أحاجيك ما شيء إذا ما سرقتهوفيه نصابٌ ليس يلزمك القطع
على أن فيه القطع والحدّ ثابتٌ ... ولا حدّ فيه، هكذا حكم الشرع انتهى كلام ابن سعيد من كتابه " القدح المعلى " فيما أظن.
[رسالة للسان الدين]
ويعني والله ﷾ أعلم بقوله وبهذه الحضرة العلية حضرة تونس المحروسة، فإنّها كانت محط رحال الأفاضل، من الأواخر والأوائل، حتى إن قاضي القضاة ابن خلدون أقام بها مدة، ومنها ارتحل إلى مصر، وكذلك الخطيب الجليل سيدي أبو عبد الله ابن مرزوق رحمه الله تعالى، ومنها خاطب الوزير لسان الدين بن الخطيب وسلطانه في الشفاعة له عند سلطان المغرب، فكتب لسان الدين عن سلطانه في ذلك ما نصّه: المقام الذي نؤكد إليه ببر سلفه الوداد، ونغري بتخليد فخره وأمره القلم والمداد، ونصل به الاستظهار على عدو الله تعالى والاعتداد، ونخطب له من الله بهزّ أعطافه للخير والتوفيق والسداد، والإعانة منه والإمداد، مقام محل أخينا الذي اشتهر فضله ودينه، ووضح سعده متألّقةً براهينه، وحيّاه الصنع الجميل وبيّاه مشرقاً جبينه، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله يرعى الذمم، ويسلك من الفضائل المنهج الأمم، ويغلي البضائع النافقة عند الله تعالى ويعلي الهمم، معظم قدره، وملتزم بره، الحريص على توفير أجره وتخليد فخره، فلان. أمّا بعد حمد الله تعالى ناصر الإمرة المطاعة، المحافظة على السنّة والجماعة،
وحافظها من الإضاعة، إلى قيام الساعة، الذي جعل المودّة فيه أنفع الوسائل النفّاعة، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمد رسوله المخصوص بمقام الشفاعة على العموم والإشاعة، متمم مكارم الأخلاق من الفضل والبذل والحياء والشجاعة، والرضى عن آله وصحبه الذين اقتدوا بهديه بحسب الاستطاعة، وزرعوا الخير في العاجلة ففازوا في الآجلة بفائدة تلك الزراعة، والدعاء لمقامكم الأعلى بصنع يروي فيه عن الأشمط الباتر خبر النصر المتواتر لسان البراعة، وتأييد لا ترضى في القنا بمقام القناعة، فإنّا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لثنائكم العاطر بتخليد المفاخر منشور الإذاعة، في أيدي النواسم الضّوّاعة، من حمراء غرناطة - حرسها الله تعالى - عن خيرٍ هامي السحاب، وبشر مفتّح الأبواب، وعز للإسلام - ببركة الاعتداد بملككم المنصور الأعلام - مقتبل الشباب، ويمن ضافي الجلباب، والحمد لله على تضافر الأيدي في ذاته وتوفّر الأسباب، وجانبكم الرفيع الأمل للمنتاب، إذا حدت الحداة ذوات الأقتاب، ومطمح الوسائل المطرزة المسائل بتصحيح الود اللّباب، وإلى هذا وصل الله تعالى، سوابغ نعمة وآلائه دائمة الانسكاب، وجعل ما عجل لكم من نعمه كفيلةً بالزلفى وحسن المآب، وألهمكم تقييد شواردها بالشكر قولاً وعملاً فالشكر مستدعي المزيد كما وعد في الكتاب، فإن من المنقول الذي اشتهر، وراق فضله وبهر، قوله " اشفعوا تؤجروا " وما في معناه من المعتبر في الخبر، وتنفيس كربة عن مسلم، وسماع شكوى من متظلّم، ولولا أن مقامكم السني أغنى، لجلبنا الكثير من هذا المعنى، ولم تحقّق ما أنتم عليه من سلوك سبيل والدكم الملك الصالح - قدس الله تربته، وضاعف قربته - من يمن الظفر، وسلوك سبيل الخير وإقامة رسوم الدين، والاهتداء من هديه بالنور المبين، خفّ علينا أن نقصدكم بالشفاعات مع الساعات، ونتّجر لكم مع الله بأنفس البضاعات، فما أثمر من ذلك شكرنا الله تعالى عليه حقيقة وشكرناكم عليه شريعة، وما تأخّر أوسعناكم فيه عذراً يسد ذريعة، وعلمنا أن الله تعالى لم يأذن في تعجيله
وسألناه في تيسيره وتسهيله، سواء لدينا في ذلك ما عاد، بإعانة عامة وإمداد، وساهم في قصد جهاد، وما لم يعد علينا خصوصاً وعلى المسلمين عموماً بإعانة ولا إرفاد، إنّما علينا أن نجلب الخير الباقي والأجر الراقي إلى بابكم، وندلّ عليه كريم جنابكم، بمقتضى وداد، صبحه باد، وجميل ظن في دينكم المتين واعتقاد، وسلم مجمله ومفصّله من انتقاد، وذلك أن الشيخ الخطيب الفقيه الكبير الشهير الصدر الأوحد سلالة الصالحين، وخطيب والدكم كبير الخلفاء والسلاطين، ويا لها من مزية دنيا ودين، أبا عبد الله ابن مرزوق جبر الله تعالى على يدكم البرة حاله، وسنّى من مقامكم السني آماله، جرى عليه من المحن، وتباريح الإحن، ما يعلم كلّ ذي مروءة وعقل، واجتهاد ونقل، أن ذلك من الجنايات على والدكم السلطان محسوب، وإلى معقّاته منسوب، ولو كانت ذنوبه رضوى وثبيرا، لاستدعت إلى تعمدها عفواً كبيراً، رعياً لذلك الإمام الصالح الذي كبر خلفه وأحرم، وتشهّد وسلّم، وأمّن عقب دعائه، ونصب كفّه
لمواهب الله تعالى وآلائه، وأنصت لخطبته ووعظه، وأوجب المزيّة لسعة حفظه وعذوبة لفظه، فأحبط ذلك من أحبط الأعمال الصالحة، وعطّل المتاجر الرابحة، وأسف الملك المذكور بدم ولده، وإحراق خزائنه وعدده، وتغيير رسومه وحدوده، وإسخاطه وإسخاط الله معبوده، إلى أن طهّر سيفكم الملك من عاره، وأخذ منه بثاره، وتقرّب إلى الله وغلى السلف الكريم بمحو آثاره، والحمد لله تعلى ما خصّه من إيثاره، وتدارك الإسلام بإقالة عثاره، وإنّه خاطبنا الآن من حضرة تونس يقرّر من حاله ما يفتّ الفؤاد، ويوجب الامتعاض له والاجتهاد، يطلب منّا الإعانة بين يديكم والإنجاد، ويشكو العيلة والأولاد، والغربة التي أحلّته الأقطار النازحة والبلاد، والحوادث التي سلبته الطارف
والتّلاد، وأن نذكركم بوسيلته، وضعف حيلته، فبادرنا لذلك عملاً بالواجب، وسلوكاً من بره ورعي حقّه على السّنن اللاحب، وإن كنّا نطوقه في أمرنا عند الحادثة علينا تقصيراً، ولا نشكر إلاّ الله وليّاً ونصيراً، فحقّه علينا أوجب، فهو الذي لا يجحد ولا يحجب، ولا يلتبس منه المذهب، وكيف لا يشفع فيمن جعله السلف إلى الله تعالى شفيعاً، وأحلّه محلاًّ منيعاً رفيعاً، إلى وليّه الذي جبر ملكه سريعاً، وصير جنابه بعد المحول مريعاً، وجدّد رسومه تاصيلاً لها وتفريعاً، ومثلكم من اغتنم برّه في نصر مظلوم، وسبر مكلوم، وإعداء كرم على لوم، وهي منّا ذكرى تنفع، وحرص على أجر من يشفع، وإسعاف لمن سأل ما يعلي من قدركم ويرفع، وتأدية لحق سلفكم الذي توفّرت حقوقه، وإبلاغ نصيحة دينيّة إلى مجدكم الذي لا يمنعه عن المجد مانع ولا يعوقه، ومطلبه في جنب ملككم الكبير حقير، وهو إلى ما يفتح الله تعالى به على يد صدقتكم فقير، ومنهلكم الأروى، وباعكم في الخير أطول ساعدكم أقوى " وما تفعلوا من خيرٍ يعلمه الله وتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التقوى " والله، ﷿، يسلك بكم المسالك التي تخلد بالجميل ذكركم، تعظم عند الله أجركم، فما عند الله خير للأبرار، والدنيا دار الغرور والآخرة دار القرار، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، انتهى.
والسلطان المخاطب بهذا هو أبو فارس عبد العزيز ابن السلطان الكبير الشهير أبي الحسن المريني، وكان ابن مرزوق غالباً على دولة السلطان أبي سالم أخي أبي فارس المذكور، فقتله الوزير عمر بن عبد الله الفودودي، وتغلّب على الملك، ونصب أخاً لأبي سالم معتوهاً، وسجن ابن مرزوق، ورام قتله، فخلّصه الله تعالى منه، ثم إن السلطان أبا فارس ثار على الوزير المتغلّب وقتله، واستقل بالملك، فخوطب في شأن ابن مرزوق بما ذكر.
رجع إلى ما كنّا فيه من ذكر الراحلين من أعلام الأندلسيين إلى البلاد المشرقية المحروسة بالله ﷾، فنقول:
ومنهم أبو الوليد وأبو محمد عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر، الأزدي، القرطبي، المعروف بابن الفرضي، الحافظ المشهور، كان فقيهاً عالماً عارفاً بعلم الحديث ورجاله، بارعاً في الأدب وغيره، وله من التصانيف تاريخ علماء الأندلس، وقفت عليه بالمغرب، وهو بديع في بابه وهو الذي ذيّل عليه ابن بشكوال بكتاب الصلة، وله كتاب حسن في المؤتلف والمحتلف وفي مشتبه النسبة، وكتاب في أخبار شعراء الأندلس، وغير ذلك، ورحل من الأندلس إلى المشرق سنة، فحجّ وسمع من العلماء وأخذ منهم وكتب من أماليهم، وروى عن شيوخ عدّة من أهل المشرق.
ومن شعره:
أسير الخطايا عند بابك واقفعلى وجلٍ ممّا به أنت عارف
يخاف ذنوباً لم يغب عنك غيبهاويرجوك فيها فهو راجٍ وخائف
ومن ذا الذي يرجى سواك ويتّقىوما لك في فصل القضاء مخالف
فيا سيّدي لا تخزني في صحيفتيإذا نشرت يوم الحساب الصحائف
وكن مؤنسي في ظلمة القبر عندمايصدّ ذوو القربى ويجفو المؤالف
لئن ضاق عني عفوك الواسع الذي ... ارجّي لإسرافي فإنّي لتالف وكان - رحمه الله تعالى - حسن الشعر والبلاغة. ومن شعره أيضاً،
رحمه الله تعالى:
إن الذي أصبحت طوع يمينهإن لم يكن قمراً فليس بدونه
ذلّي له في الحبّ من سلطانه ... وسقام جسمي من سقام جفونه وله شعر كثير. ومولده في ذي القعدة ليلة الثلاثاء لتسع بقين منه سنة، وتولى القضاء بمدينة بلنسية في دولة محمد المهدي المرواني، وقتله البربر يوم فتح قرطبة يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة، وبقي في داره ثلاثة أيّام، ودفن متغيراً من غير غسل ولا كفن ولا صلاة، رحمه الله تعالى.
وروي عنه أنّه قال: تعلقت بأستار الكعبة، وسألت الله تعالى الشهادة، ثم انحرفت وفكرت في هول القتل، فندمت وهممت أن أرجع فأستقيل الله ﷾ فاستحييت. وأخبر من رآه بين القتلى ودنا منه فسمعه يقول بصوت ضعيف: لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلاّ جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك كأنّه يعيد على نفسه الحديث الوارد في ذلك، قال: ثم قضى على أثر ذلك.
وهذا الحديث أخرج مسلم في صحيحه.
وقد ساق في المطمح حكايته فال: كان حافظاً عالماً كلفاً بالرواية، رحل في طلبها، وتبحر في المعارف بسببها، مع حظ من الأدب كثير، واختصاص بنظيم منه ونثير، حجّ وبرع، في الزهادة والورع، فتعلّق بأستار الكعبة يسأل الله الشهادة ثم فكّر في القتل ومرارته، والسيف وحرارته، فأراد أن يرجع ويستقيل الله تعالى فاستحيا، وآثر نعيم الآخرة على شقاء الدنيا، فأصيب في تلك الفتن مكلوماً، وقتل مظلوماً، ثم ذكر مثل ما مرّ.
وممّا قال في طريقه، يتشوق إلى فريقه:
مضت لي شهورٌ منذ غبتم ثلاثةٌوما خلتني أبقى إذا غبتم شهرا
وما لي حياةٌ بعدكم أستلذّهاولو كان هذا لم أكن في الهوى حرّا
ولم يسلني طول التنائي عليكمبلى زادني وجداً وجدّد لي ذكرى
يمثّلكم لي طول شوقي إليكمويدنيكم حتى أناجيكم سرّا
سأستعتب الدهر المفرّق بينناوهل نافعي أن صرت أستعتب الدهرا
أعلّل نفسي بالمنى في لقائكمواستسهل البرّ الذي جبت والبحرا
ويؤنسني طيّ المراحل عنكمأروح على أرضٍ وأغدو على أخرى
وتالله ما فارقتكم عن قلىً لكمولكنها الأقدار تجري كما تجرى
رعتكم من الرحمن عينٌ بصيرةٌ ... ولا كشفت أيدي النّوى عنكم سترا وقد عرّف به ابن حيان في المقتبس، وذكر قصّة شهادته، رحمه الله تعالى.
ومنهم الشيخ أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، البكري، الشريشي، المالكي
ولد بشريش سنة، ورحل إلى العراق، فسمع به المشايخ كالقطيعيّ وابن روزبة وابن الكثير وغيرهم، واشتغل وساد أهل زمانه، واشتهر بين أقرانه، ثم عاد إلى مصر فدرس بالفاضلية، ثم انتقل إلى القدس الشريف، فأقام به شيخ الحرم، ثم جاء إلى دمشق المحروسة بالله، وتولى مشيخة الحديث بتربة أم صالح ومشيخة الرباط الناصري ومشيخة المالكية، وعرض عليه القضاء فلم يقبل، وكانت وفاته يوم الاثنين الرابع والعشرين من رجب، بالرباط الناصري، ودفن بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى، وذلك سنة خمس وثمانين وستمائة.
وليس هو بشارح المقامات، بل هو غيره، وقد اشتركا في البلد، فبسبب
ذلك ربّما يقع في الأذهان الوهم في أمرهما، وشارح المقامات أحمد وهذا محمد، وقد ترجمنا صاحب شرح المقامات فيما تقدم من هذا الباب، فليراجع، والله ﷾ أعلم.
ومنهم أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن السيد بن الغلّس، القيسي، الأندلسي، البلنسي: كان من أهل العلم باللغة والعربية، مشاراً إليه فيهما، رحل من الأندلس، وسكن بمصر واستوطنها، وقرأ الأدب على أبي العلاء صاعد اللغوي صاحب كتاب " الفصوص "، وعلى أبي يعقوب يوسف بن يعقوب بن خرّزاذ بن النّجيرمي. ودخل بغداد، واستفاد وأفاد، وله شعر حسن، فمن ذلك قوله:
مريض الجفون بلا علّةٍولكنّ قلبي به ممرض
أعان السّهاد على مقلتيبفيض الدموع فما تغمض
وما زار شوقاً ولكن أتى ... يعرّض لي أنّه معرض وله أشعار كثيرة. وتوفّي يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الأولى سنة، وقيل: سنة، بمصر، وكان استوطنها، وصلّى عليه الشيخ أبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي صاحب التفسير في مصلى الصّدفي، ودفن عند أبي إسحاق، رحمه الله تعالى.
ومغلّس: بضم الميم، وفتح الغين، وتشديد اللام المكسورة، وبعدها سين مهملة. وكانت بينه وبين أبي الطاهر إسماعيل بن خلف صاحب كتاب
" العنوان " معارضات في قصائد. ومن شعر ابن المغلّس أيضاً قوله في حمّام:
ومنزل أقوامٍ إذا ما اغتدوا بهتشابه فيه وغده ورئيسه
يخالط فيه المرء غير خليطهويضحي عدوّ المرء هو جليسه
يفرّج كربي إن تزايد كربهيؤنس قلبي أن يعدّ أنيسه
إذا ما أعرت الحوض ماءً تكاثرت ... على مائه أقماره وشموسه ومنهم أبو الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله الحكيم الأديب المعروف بالمغربي، وهو من أهل المرية، وانتقل إلى المشرق، وكان كامل الفضيلة، وجمع بين الأدب والحكمة، وله ديوان شعر جيّد، والخلاعة والمجون غالبة عليه، وذكر العماد في الخريدة أنّه كان طبيب المارستان الستصحب في معسكر السلطان السلجوقي حيث خيّم، وكان السديد يحيى ابن سعيد المعروف بابن المرخّم الذي صار أقضى القضاة ببغداد في أيام المقتفي فاصداً وطبيباً في هذا المارستان. وأثنى العماد على أبي الحكم المذكور، وذكر فضله وما كان عليه، وأن له كتاباً سمّاه نهج الوضاعة، لأولي الخلاعة، ثم إن أبا الحكم انتقل إلى الشام، وسكن دمشق، وله فيها أخبار ومجاريات ظريفة تدل على خفّة روحه.
قال ابن خلّكان: رأيت في ديوانه أنّ أبا الحسين أحمد بن منير الطرابلسي كان عند الأمراء بني منقذ بقلعة شيزر، وكانوا مقبلين عليه، وكان بدمشق شاعر يقال له أبو الوحش، وكانت فيه دعابة، وبينه وبين أبي الحكم المذكور
مداعبات، فسأل منه كتاباً إلى ابن منير بالوصية عليه، فكتب أبو الحكم:
أبا الحسين استمع مقال فتىًعوجل فيما يقول فارتجلا
هذا أبو الوحش جاء ممتدحاًللقوم فاهنأ به إذا وصلا
واتل عليهم بحسن شرحك ماأنقله من حديثه جملا
وخبّر القوم أنّه رجلٌما أبصر الناس مثله رجلا
تنوب عن وصفه شمائلهلا يبتغي عاقلٌ به بدلا ومنها:
وهو على خفّةٍ به أبداًمعترفٌ أنّه من الثّقلا
يمتّ بالثلب والرقاعة والسّخف، وأمّا بغير ذاك فلا
إن أنت فاتحته لتخبر مايصدر عنه فتحت منه خلا
فنبه عن حلّ خطة الخسف والهون ورحّب به إذا رحلا
وأسقه السمّ إن ظفرت به ... وامزج له من لسانك العسلا وله أشياء مستملحة، منها مقصورة هزلية، ضاهى بها مقصورة ابن دريد، من جملتها:
وكلّ ملمومٍ فلا بدّ له ... من فرقةٍ لو ألزقوه بالغرا وله مرثية في عماد الدين زنكي بن آق سنقر الأتابكي، شاب فيها الجدّ بالهزل، والغالب على شعره الانطباع. وتوفّي ليلة الأربعاء رابع ذي القعدة سنة، وقيل: في السنة التي قبلها، بدمشق، رحمه الله تعالى.
والقاضي ابن المرخّم المذكور هو الذي يقول فيه أبو القاسم هبة الله ابن الفضل الشاعر المعروف بابن القطان:
يا ابن المرخّم صرت فينا قاضياًخرف الزمان تراه أم جنّ الفلك
إن كنت تحكم بالنّجوم فربّما ... أمّا بشرع محمّدٍ من أين لك وكان أبو الحكم المذكور فاضلاً في العلوم الحكمية، متقناً للصناعة الطبيّة، حسن النادرة، كثير المداعبة، محبّاً للهو والخلاعة والشراب، وكان يعرف صنعة الموسيقى ويلعب بالعود، ويجلس في دكان بجيرون للطب، وسكناه باللبادين، وأتى في ديوانه نهج الوضاعة بكل غريب، يدل على أنّه أريب، سامحه الله تعالى وغفر له.
ومنهم من الراحلين من الأندلس إلى المشرق، من هو الأحق بالتقديم والسبق، الشهير عند أهل الغرب والشرق، الحافظ المقرئ الإمام الرباني، أبو عمرو الدّاني، عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر، الأموي، مولاهم، القرطبي، صاحب التصانيف التي منها المقنع والتيسير، وعرف بالدّاني لسكناه دانية، وولد سنة، وابتدأ بطلب العلم سنة ورحل إلى المشرق سنة، فمكث بالقيروان أربعة أشهر، ودخل مصر في شوّالها، فمكث بها سنة، وحج، ورجع إلى الأندلس في ذي القعدة سنة، وقرأ بالروايات على عبد العزيز بن جعفر الفارسي وغيره بقرطبة، وعلى أبي الحسن ابن غلبون وخلف بن خاقان المصري وأبي الفتح فارس بن أحمد، وسمع من أبي مسلم الكاتب، وهو أكبر شيخ له، ومن عبد الرحمن بن عثمان القشيري، حاتم بن عبد الله البزار، وغير واحد من أهل مصر وسواها، وسمع من الإمام أبي الحسن القابسي، وخلف كتبه بالحجاز ومصر والمغرب والأندلس، وتلا عليه خلقٌ منهم مفرج الأقفالي وأبو داود ابن نجاح صاحب
التنزيل في الرسم، وهو من أشهر تلامذته، وحدّث عنه خلقٌ كثير، منهم خلف بن إبراهيم الطّليطلي.
قال أبو محمد عبيد الله الحجري: ذكر بعض الشيوخ أنّه لم يكن في عصر الحافظ أبي عمرو الدّاني ولا بعد عصره أحد يضاهيه في حفظه وتحقيقه. وكان يقول: ما رأيت شيئاً قط إلاّ كتبته، ولا كتبته إلاّ حفظته، ولا حفظته فنسيته.
قال ابن بشكوال: كان أبو عمرو أحد الأئمّة في علم القرآن ورواياته وتفسيره ومعانيه وطرقه وإعرابه، وجمع في ذلك كلّه تواليف حساناً، وله معرفة بالحديث وطرقه وإعرابه وأسماء رجاله، وكان حسن الخط والضبط، من أهل الحفظ والذكاء واليقين، وكان ديّناً فاضلاً ورعاً سنّياً.
وقال بعضهم، وأظنّه المغامي: كان أبو عمرو مجاب الدعوة، مالكي المذهب.
وقال بعض أهل مكة: إن أبا عمرو الدّاني مقرئ متقدّم، وإليه المنتهى في علم القراءات وإتقان القرآن، والقراء خاضعون لتصانيفه، واثقون بنقله في القراءات والرسم والتجويد والوقف والابتداء وغير ذلك، وله مائة وعشرون مصنّفاً، وروى عنه بالإجازة رجلان: أحمد بن محمد بن عبد الله الحولاني، وأبو العباس أحمد بن عبد الملك بن أبي حمزة، وكانت وفاته رحمه الله تعالى بدانية في نصف شوّال سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن عيسى بن عبد الله بن أحمد بن أبي حبيب، الأندلسي، من بيت علم ووزارة، صرف عمره في طلب العلم،
وكان غزير العلم في الفقه والحديث والأدب وولي القضاء بالأندلس مدّة، ثم دخل الإسكندريّة ومصر، وجاور بمكّة المشرّفة، ثم قدم العراق وأقام ببغداد مدّة، ثم وافى خراسان فأقام بنيسابور وبلخ، وكانت ولادته ببلاد الأندلس، وتوفّي بهراة في شعبان سنة، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
ومنهم أبو العباس أحمد بن علي بن محمد بن علي بن شكر الأندلسي المقرئ، رحل وأخذ القراءات عن أبي الفضل جعفر الهمداني، وسمع من أبي القاسم ابن عيسى، وسكن الفيوم، واختصر التيسير وصنّف شرحاً للشاطبية، وتوفّي سنة، رحمه الله تعالى.
ومنهم العلاّمة ذو الفنون علم الدين القاسم بن أحمد المريني، اللورقي، المقرئ، النحوي، ولد سنة، وقرأ القراءات وأحكم العربية وبرع فيها، واجتمع بالجزولي، وسأله عن مسألة في مقدمته، وقرأ علم الكلام والأصولين والفلسفة، وكان خبيراً بهذه العلوم، مقصوداً بإقرائها، وولي مشيخة قراءة العادلية، ودرس بالعزيزيّة نيابة، وصنّف شرحاً للشاطبيّة، وشرحاً للمفصّل في عدّة مجلدات، وشرح الجزوليّة، وغير ذلك، وكان مليح الشكل، حسن البزّة، وتوفّي سنة، رحمه الله تعالى، ورضي عنه.
ومنهم أبو عبد الله ابن أبي الربيع القيسي، الأندلسي، الغرناطي،
قدم مصر سنة أو بعدها، فسمع على السّلفي، وبقراءته على جماعة من شيوخ مصر، وكان لديه فقهٌ وأدب، ثم سافر إلى باب الأبواب، وكان حيّاً سنة.
ومن نظمه يمدح كتاب " الشهاب ":
إن الشهاب له فضلٌ على الكتببما حوى من كلام المصطفى العربي
كم ضمّ من حكمةٍ غرّا وموعظةٍومن وعيدٍ ومن وعدٍ ومن أدب
أمّا القضاعيّ فالرحمن يرحمه ... كما حباه من التأليف بالعجب ومنهم الحافظ أبو عامر محمد بن سعدون بن مرجى، القرشي، العبدري، من أهل ميورقة من بلاد الأندلس، سكن بغداد، وسمع بها من أبي الفضل ابن خيرون وطرّاد الزينبي وأبي عبد الله الحميدي وجماعة، ولم يزل يسمع إلى حين وفاته، وكتب بخطّه كثيراً من الكتب والأجزاء، وجم وخرّج، وكان صحيح العقل، معتمد الضبط، مرجوعاً إليه في الإتقان، وكفاه فخراً وشرفاً أن روى عنه الحافظان أبو طاهر السّلفي وأبو الفضل محمد ابن ناصر، وكان فهّامة علاّمة ذا معرفة بالحديث، متعفّفاً مع فقره، وكان يذهب إلى أن المناولة والعرض كالسماع.
وقال السلفي فيه: إنّه من أعيان علماء الإسلام بمدينة السلام، متصرف في فنون من العلم أدباً ونحواً ومعرفة بأنساب العرب والمحدثين، وكان داودي المذهب، قرشي النسب، وقد كتب عني وكتبت عنه وسمعنا معاً كثيراً على شيوخ بغداد، ومولده بقرطبة من مدن الأندلس. وقبل اجتماعي به كنت أسمع إسماعيل ابن محمد بن الفضل الحافظ بأصبهان يثني عليه، فلمّا اجتمعنا وجدته فوق ما وصفه، انتهى.
وقال ابن عساكر: كان أحفظ شيخ لقيته؛ وربّما حكى عنه بعضهم كابن عساكر أموراً منكرة، فالله أعلم. وتوفّي في ربيع الآخر سنة ببغداد، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعدون، الباجي، سمع بمصر من ابن الورد وابن السكن وابن رشيق، وبمكّة من الآجرّي، وكان صالحاً فاضلاً زاهداً ورعاً، حدّث، ومات ببطليوس وفجأة سنة، ومولده سنة.
ومنهم أبو بكر محمد بن سعدون، التميمي الجزيري، المتعبد، كانت آدابه كثيرة، وحجّ غير مرّة، ورابط ببلاد المغرب، وكان حسن الصوت بالقرآن، سمع بمصر من جماعة وبمكّة، وصحب الفقراء وطاف بالشام، وغزا غزوات وتعرّض للجهاد وحرّض عليه، وساح بجبل المقطم، وذكر أنّه صلّى بمصر الضحى اثنتي عشرة ركعة، ثم نام فرأى النبي صلّى الله تعليه وسلّم، فقال: يا رسول الله، إن مالكاً والليث اختلفا في الضحى، فمالكٌ يقول: اثنتا عشرة ركعة، والليث يقول: ثمانٍ، فضرب ﵊ بين وركي ابن سعدون وقال: راي مالك هو الصواب، ثلاث مرّات، قال: وكان في وركي وجع، فمن تلك الليلة زال عنّي. وكان له براهين من نور يضيء عليه إذا صلّى نحوه، وأنشد:
سجن اللسان هو السلامة للفتىمن كلّ نازلةٍ لها استئصال
إنّ اللسان إذا حللت عقالهألقاك في شنعاء ليس تقال توفّي سنة
ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعد الأعرج، الطّليطلي الخطيب، وقال فيه ابن سعيد: سمع بمصر ابن الورد وابن السكن، وحدّث، مولده سنة، وتوفّي في ربيع الآخر سنة.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعيد بن إسحاق بن يوسف، الأموي، القرطبي، وأصله من لبلة، ولكن سكن قرطبة، وقدم مصر، وحجّ، وسمع في طريقه من الشيخ أبي محمد ابن أبي زيد صاحب الرسالة، وأخذ عن القابسي وعن جماعة من علماء مصر والحجاز، ومولده سنة، ورحلته سنة.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعيد بن حسان بن الحكم بن هشام، القرطبي، سمع من أبيه ويحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب، ورحل، فسمع من أشهب بن عبد العزيز وعبد الله بن نافع وعبد الله بن عبد الحكم، وعاد إلى الأندلس وبها توفّي سنة، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن سليمان المعافري، الشاطبي، نزيل الإسكندريّة ويعرف بابن أبي الربيع، أحد أولياء الله تعالى، شيخ الصالحين صاحب الكرامات المشهورة، جمع بين العلم والعمل والورع والزهد والانقطاع إلى الله تعالى والتخلّي عن الناس والتمسّك بطريقة السّلف، قرأ القرآن ببلده بالقراءات السبع على أبي عبد الله محمد بن سعادة الشاطبي وغيره، وقرأ بدمشق على الواسطي، وسمع عليه الحديث، ورحل فسمع من الزاهد أبي يوسف يعقوب
خادم أضياف رسول الله، ﷺ، بين قبره ومنبره سنة، وسمع بدمشق على أبي القاسم ابن صصرى وأبي المعالي ابن خضر وأبي الوفاء ابن عبد الحق وغيرهم، وانقطع لعبادة الله تعالى في رباط سوار من الإسكندرية بتربة أبي العباس الراسي، وتلمذ للشاطبي تلميذ الراسي، وصنّف كتباً حسنة: منها كتاب المسلك القريب في ترتيب الغريب وكتاب اللمعة الجامعة في العلوم النافعة في تفسير القرآن العزيز، وكتاب شرف المراتب والمنازل في معرفة العالي في القراءات والنازل وكتاب المباحث السنية في شرح الحصريّة وكتاب الحرقة في لباس الخرقة وكتاب المنهج المفيد فيما يلزم الشيخ والمريد وكتاب النبذة الجلية في ألفاظ اصطلح عليها الصوفية وكتاب زهر العريش في تحريم الحشيش وكتاب الزهر المضي في مناقب الشاطبي وكتاب الأربعين المضية في الأحاديث النبوية. ومولده بشاطبة سنة، ووفاته بالإسكندرية في رمضان سنة، ودفن بتربة شيخه المجاورة لزاويته، رحمهما الله تعالى، ونفع بهما.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن شريح الرّعيني الإشبيلي، قدم مصر وسمع بها من ابن نفيس وأبي علي الحسن البغدادي وأبي جعفر النحوي وأبي القاسم ابن الطيب البغدادي الكاتب، وبمكّة من أبي ذرالهروي.
قال ابن بشكوال: كان من جملة المقرئين وخيارهم، ثقة في روايته، وكانت رحلته إلى المشرق سنة، وولد سنة، وتوفّي سنة، وعمره أربع وثمانون سنة إلاّ خمسة وخمسين يوماً، وروى بإشبيلية عن جماعة،
رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن صالح الأنصاري، المالقي. قال السلفي: هو شاب من أهل الأدب له خاطر سمح كان يحضر عندي بالإسكندرية، كثير السماع للحديث، وذكر أنّه قرأ الأدب على أبي الحسين ابن الطّراوة النحوي بالأندلس، وعلى نظرائه، وأنشدني لنفسه:
كم ذا تقلقلين النوى وتسوقنيوإلى متى أشجى بها وأسام
ألفت ركائبي الفلا فكأنّماللبين عهدٌ بيننا وذمام
يا ويح قلبي من فراق أحبّةٍ ... أبداً بصدّعه به الأيّام ومنهم أبو عبد الله محمد بن صالح القحطاني، المعافري الأندلسي المالكي رحل إلى المشرق فسمع بالشام خيثمة بن سليمان، وبمكّة أبا سعيد ابن الأعرابي، وببغداد إسماعيل بن محمد الصفّار، وسمع بالمغرب بكر ابن حماد التّاهرتي ومحمد بن وضاح وقاسم بن أصبغ، وبمصر جماعة من أصحاب يونس والمزني. روى عنه أبو عبد الله الحاكم وقال: اجتمعنا به بهمذان، مات ببخارى سنة، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع وسبعين. وقال فيه أبو سعيد الإدريسي: إنّه كان من أفاضل الناس، ومن ثقاتهم. وقال غنجار: إنّه كان فقيهاً حافظاً، جمع تاريخاً لأهل الأندلس. وقال السمعاني فيه: كان فقيهاً حافظاً، رحل في طلب العلم إلى المشرق والمغرب، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن طاهر بن علي بن عيسى الخزرجي
الدّاني النحوي، أخو أبي العابس ابن عيسى، سمع بدانية من أبي داود المقرئ وغيره، وقدم دمشق سنة حين خرج حاجّاً، واقرأ بدمشق النحو مدّة، ثم خرج إلى بغداد، وأقام بها إلى أن مات سنة، وولد سنة، وقدم مصر سنة، وله من المصنّفات كتاب تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب ومن كلامه: ليست هيبة الشيخ لشيبه ولا لسنّه ولا لشخصه، ولكن لكمال عقله، والعقل هو المهاب، ولو رأيت شخصاً جمع جميع الخصال وعدم العقل لما هبته، وقال: من جهل شيئاً عابه، ومن قصّر عن شيء هابه.
ومنهم القاضي الشهير محمد بن بشير، وهو محمد بن سعيد بن بشير ابن شراحيل، المعافري، وقيل في آبائه غير ذلك كما يأتي، ولمّا أشير على الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بتقديم ابن بشير إلى خطّة القضاء بقرطبة وجّه إليه بباجة، فأقبل ولا يعلم ما دعي إليه، ونزل على صديق له من العبّاد، فتحدث في شأن استدعائه، وقدّم أنّه يصرّف في الكتابة، فقال له العابد: ما أراه بعث فيك إلاّ للقضاء، فإن القاضي بقرطبة مات وهي الآن دون قاضٍ، فقال ابن بشير: فأنا أستشيرك في ذلك إن وقع، فقال: أسألك عن أشياء ثلاثة، وأعزم عليك أن تصدقني فيها، ثم أشير بعد ذلك عليك، فقال: ما هي فقال: كيف حبّك للأكل الطيب واللباس اللين وركوب الفاره فقال: والله لا أبالي ما رددت به جوعي وسترت به عورتي وحملت به
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع