تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (٦)

رحلي، فقال: هذه واحدة، فكيف حبّك للتمتّع بالوجوه الحسان والتبطن للكواعب الغيد وما شاكل ذلك من الشهوات فقال: هذه حال والله ما استشرفت قط إليها، ولا خطرت ببالي، ولا اكترثت لفقدها، فقال: وهذه ثانية، فكيف حبّك لمدح الناس لك وثنائهم عليك وكيف حبّك للولاية وكراهيتك للعزل فقال: والله ما أبالي في الحق من مدحني وذمّني، وما أسرّ للولاية ولا أستوحش للعزل، فقال: وهذه الثالثة، اقبل الولاية فلا بأس عليك، فقدم قرطبة، فولاّه الأمير الحكم القضاء والصلاة.

قال ابن وضاح: أخبرني من كان يرى محمد بن بشير القاضي داخلاً على باب المسجد الجامع يوم الجمعة، وعليه رداء معصفر، وفي رجله نعل صرّارة، وله جمّة مفرقة، ثم يقوم فيخطب ويصلّي وهو في هذا الزي، وبه كان يجلس للقضاء بين الناس، فإن رام أحدمن دينه شيئاً وجده أبعد من الثريا.

وأتاه رجل لا يعرفه، فلمّا رأى ما هو فيه من زي الحداثة من الجمة المفرقة والرداء المعصفر وظهور الكحل والسواك وأثر الحناء في يديه، توقّف وقال: دلوني على القاضي، فقيل له: ها هو، وأشير إليه، فقال: إنّي رجل غريب، وأراكم تستهزئون بي، أنا أسألكم عن القاضي وأنتم تدلونني على زامرٍ، فصحّحوا له أنّه القاضي، فتقدم إليه واعتذر، فأدناه وتحدث معه، فوجد عنده من العدل والإنصاف فوق ما ظنّه، فكان يحدث بقصّته معه.

وعوتب في إرسال لمّته ولبسه الخز والمعصفر، فقال: حدّثني مالك بن أنس أن محمد بن المنكدر - وكان سيّد القرّاء - كانت له لمّةٌ، وأن هشام بن عروة فقيه هذا البلد - يعني المدينة - كان يلبس المعصفر، وأن القاسم بن محمد كان يلبس الخزّ.

ولقد سئل يحيى بن يحيى عن لباس العمائم فقال: هي لباس الناس في المشرق، وعليه كان أمرهم في القديم، فقيل له: لو لبستها لاتّبعك الناس في لباسها، فقال: قد لبس محمد بن بشير الخز فما تبعه الناس فيه، وكان ابن بشير أهلاً أن يقتدى به، فلعلّي لو لبست العمامة لتركني الناس ولم يتبعوني كما تركوا ابن بشير.

وكان أول ما نظر فيه محمد بن بشير - حين ولي القضاء - التسجيل على الخليفة الحكم في أرحي القنطرة إذ قيم عليه فيها وثبت عنده حق المدّعي، وأعذر إلى الحكم فلم يكن عنده مدفع، فسجّل فيها، وأشهد على نفسه، فما مضت مديدة حتى ابتاعها الحكم ابتياعاً صحيحاً، فسرّ بذلك، وقال: رحم الله محمد بن بشير، فلقد أحسن فيما فعل بنا على كره منّا، كان في أيدينا شيء مشتبه فصححه لنا، وصار حلالاً طيب الملك في أعقابنا، وحكم على ابن فطيس الوزير، ولم يعرّفه بالشهود، فرفع الوزير ذلك إلى الحكم، وتظلم من ابن بشير، فأومأ الحكم إليه أن الوزير ذكر حكمك عليه بشهادة قوم لم تعرّفه بهم، ولا أعذرت إليه فيهم، وإن أهل العلم يقولون: إن ذلك له، فكتب إليه ابن بشير: ليس ابن فطيس ممّن يعرّف بمن شهد عليه، لأنّه إن لم يجد سبيلاً إلى تجريحهم لم يتحرج عن طلب أذاهم في أنفسهم وأموالهم، فيدعون الشهادة هم ومن ائتسى بهم، وتضيع أموال الناس.

وأكثر موسى بن سماعة أحد خواصّ الأمير الحكم في ابن بشير الشكاية، وأنّه يجور عليه، فقال له الحكم: أنا أمتحن قولك الساعة، فاخرج إليه فوراً، واستأذن عليه، فإن أذن لك عزلته، وصدّقت قولك فيه، وإن لم يأذن لك دون خصمك ازددت بصيرة فيه، فليس هو عندي بجائر على حال، وإنّما

مقصده الحق في كل ما يتصرّف فيه، فخرج يؤم دار ابن بشير، وقد أمر الحكم من يثق به من الفتيان الصّقالبة أن يقفوا أثره ويعلموا ما يكون منه، فلم يكن إلاّ ريثما بلغ، ثمّ انصرف فحكى للحكم أنّه لمّا خرج الآذن إلى موسى وعلم القاضي بمكانه عاد إليه فقال له: إن كانت لك حاجة فاقصد فيها إذا جلس القاضي مجلس القضاء، فتبسّم الحكم، وقال: قد أعلمته أن ابن بشير صاحب حقّ لا هوادة فيه عنده لأحد.

وولي القضاء مرتين، فلمّا عزل المرّة الأولى انصرف إلى بلده، وكان بعض إخوانه يعاتبه في صلابته، ويقول له: أخشى عليك العزل، فيقول له: ليته قدّر، إن الشقراء - يعني بغلته - تقطع الطريق بي حاثة نحو باجة. فما مضى إلا يسير حتى عتب عليه الأمير في قصّة اشتدّ فيها على بعض خاصّته، فكانت سبباً لعزله، وانصرف كما تمنى، فلم يمكث إلى يسيراً حتى أتى فيه رقّاص من قبل الأمير الحكم، - والرّقاص عند المغاربة: هو الساعي عند المشارقة - فعاد إلى قرطبة، وجبره على القعود للقضاء الأمير الحكم، فلاذ منه باليمين بطلاق زوجته وبصدقة ما يملك في سبيل الله تعالى، إن حكم بين اثنين، فلم يعذره، وأخرجه من ماله، وعوّضه من طيب ما عنده، وهب له جارية من جواريه، فعاد إلى القضاء ثانية.

وممّا يحكى عنه في العدل أن سعيد الخير ابن السلطان عبد الرحمن الداخل وكّل عند ابن بشير وكيلاً يخاصم عنه لشيء اضطر إليه، وكانت بيده فيه وثيقة فيها شهادات شهود قد ماتوا، ولم يكن فيها من الأحياء إلاّ الأمير الحكم وشاهد آخر مبرز، فشهد لسعيد الخير ذلك الشاهد، وضربت على وكيله الآجال في شاهد ثانٍ، وجدّ به الخصام، فدخل سعيد الخير بالكتاب إلى الحكم وأراه. شهادته في الوثيقة، وقد كان كتبها قبل الخلافة في حياة أبيه، وعرّفه مكان

حاجته إلى أدائها عند قاضيه خوفاً من بطلان حقّه، وكان الحكم يعظم سعيد الخير عمّه، ويلتزم مبرته، فقال له: يا عمّ، إنّا لسنا من أهل الشهادات، وقد التبسنا من هذه الدنيا بما لا تجهله، ونخشى أن توقفنا مع القاضي موقف مخزاة كنّا نفديه بملكنا، فصر في خصامك حيث صيرك الحق إليه، وعلينا خلف ما انتقصك، فأبى عليه، وقال: سبحان الله، وما عسى أني قول قاضيك في شهادتك وأنت ولّيته، وهو حسنة من حسناتك، وقد لزمتك في الديانة أن تشهد لي بما علمته، ولا تكتمني ما أخذ الله عليك؛ فقال: بلى، إن ذلك لمن حقّك كما تقول، ولكنّك تدخل علينا به داخلة، فإن أعفيتنا منه فهو أحبّ إلينا، وإن اضطررتنا لم يمكنّا عقوقك، فعزم عليه عزم من لم يشكّ أن قد ظفر بحاجته، وضايقته الآجال، فألح عليه، فأرسل الحكم عند ذلك إلى فقيهين من فقهاء زمانه، وخط شهادته بيده في قرطاس، وختم بخاتمه، ودفعها إلى الفقيهين وقال لهما: هذه شهادتي بخطّي تحت ختمي، فأدّياها إلى القاضي، فأتياه بها إلى مجلسه وقت قعوده للسّماع من الشهود، فادّياها إليه، فقال لهما: قد سمعت منكما فقوما راشدين في حفظ الله تعالى، وجاء وكيل سعيد الخير، وتقدّم إليه مدلاًّ واثقاً، وقال له: أيّها القاضي، قد شهد عندك الأمير أصلحه الله تعالى فماذا تقول فأخذ كتاب الشهادة ونظر فيه، ثم قال للوكيل: هذه شهادة لا تعمل عندي فجئني بشاهد عدل، فدهش الوكيل ومضى إلى سعيد الخير فأعلمه، فركب من فوره إلى الحكم، وقال: ذهب سلطاننا، وأزيل بهاؤنا، يجترئ هذا القاضي على ردّ شهادتك، والله سبحانه قد استخلفك على عباده، وجعل الأمر في دمائهم وأموالهم وإليك هذا ما لا يجب أن تحمل عليه، وجعل يغريه بالقاضي ويحرّضه على الإيقاع به، فقال له الحكم: وهو شككت أنا في هذا يا عمّ القاضي رجلٌ صالح والله،

لا تأخذه في الله لومة لائم، فعل ما يجب عليه ويلزمه، وسدّ دونه باباً كان يصعب عليه الدخول منه، فأحسن الله تعالى جزاءه؛ فغضب سعيد الخير، وقال: هذا حسبي منك، فقال له: نعم، قد قضيت الذي كان لك علي، ولست والله أعارض القاضي فيما احتاط به لنفسه، ولا أخون المسلمين في قبض يد مثله.

ولمّا عوتب ابن بشير فيما أتاه من ذلك قال لمن عاتبه: يا عاجز، أما تعلم أنّه لا بد من الإعذار في الشهادات، فمن كان يجترئ على الدفع في شهادة الأمير لو قبلتها ولو لم أعذر لبخست المشهود عليه حقّه.

وتوفّي القاضي محمد بن بشير سنة قبل الشافعيّ بست سنين كما يأتي قريباً، ومحاسنه - رحمه الله تعالى - كثيرة، وقد استوفى ترجمته بقدر الإمكان القاضي عياض في المدارك، فليراجعها من أرادها، فإن عهدي بها في المغرب.

وقال بعض من عرف به، ما نصّه: القاضي محمد بن بشير بن محمد المعافري، أصله من جند باجة من عرب مصر، ولاه الحكم بن هشام قضاء القضاة الذي يعبرون عنه بالمغرب بقضاء الجماعة، بقرطبة، بعد المصعب بن عمران، ثم صرفه وولى مكانه الفرج بن كنانة. وعن ابن حارث، قال أحمد ابن خالد: طلب محمد بن بشير العلم بقرطبة عند شيوخ أهلها حتى أخذ منه بحظ وافر، ثم كتب لأحد أولاد عبد الملك بن عمر المرواني لمظلمة نالته على وجه الاعتصام به وتصرف معه تصرفاً لطيفاً، ثم انقبض عنه، وخرج حاجّاً، قال ابن الحارث: وكتب محمد بن بشير في حداثته للقاضي مصعب بن عمران، ثم انصرف حاجّاً فلقي مالك بن أنس وجالسه وسمع منه، وطلب العلم أيضاً بمصر، ثم انصرف فلزم ضيعته في باجة.

وقال ابن حيّان: إنّه استقدم من باجة للقضاء برأي العباس بن عبد الملك.

وقال ابن شعبان في الرواة عن مالك من أهل الأندلس: محمد بن بشير بن سرافيل، ويقال شراحيل، ولي القضاء، وكان رجلاً صالحاً، وبعدله تضرب الأمثال، واستوطن قرطبة، وتوفّي بها سنة ثمان وتسعين ومائة، انتهى، وبعضه عن غيره.

ومن شعره قوله:

إنّما أزرى بقدري أنّنيلست من بابة أهل البلد
ليس منهم غير ذي مقليةٍلذوي الألباب أو ذي حسد
يتحامون لقائي مثلمايتحامون لقاء الأسد
مطلعي أثقل في أعينهموعلى أنفسهم من أحد

لو رأوني وسط بحرٍ لم يكن ... أحدٌ يأخذ منهم بيدي ومنهم محمد بن عيسى بن دينار الغافقي، من أهل قرطبة، كان فقيهاً زاهداً، وحج وحضر افتتاح إقريطش، واستوطنها، قاله الرازي.

ومنهم محمد بن يحيى بن يحيى الليثي، خرج حاجّاً، ولقي سحنون بن سعيد بإفريقية، ولقي بمصر رجالاً من أصحاب مالك فسمع منهم، وعرف بالفقه والزهد، وجاور بمكّة، وتوفي هنالك.

ومنهم محمد بن مروان بن خطاب، المعروف بابن أبي جمرة،

رحل حاجّا هو وابناه خطاب وعميرة في سنة اثنتين وعشرين ومائتين، وسمعوا ثلاثتهم من سحنون بن سعيد المدوّنة بالقيروان، وأدركوا أصبغ بن الفرج، وأخذوا عنه.

ومنهم محمد بن أبي علاقة البواب، من أهل قرطبة، كانت له رحلة إلى المشرق، ولقي فيها جماعة من أهل العلم، وأخذ عن أبي إسحاق الأخفش، وأبي عبد الله نفطويه، وغيرهم، وسمع من الأخفش الكامل للمبرّد، وقال الحكم المستنصر: لم يصح كتاب " الكامل " عندنا من رواية إلاّ من قبل ابن [أبي] علاقة، وكان ابن جابر الإشبيلي قد رواه قبل بمصر بمدة، وما علمت أحداً رواه غيرهما، وكان ابن الأحمر القرشي يذكر أنّه رواه، وكان صدوقاً، ولكن كتابه ضاع، ولو حضر ضاهى الرجلين المتقدمين.

ومنهم محمد بن حزم بن بكر التّنوخي، من أهل طليطلة، وسكن قرطبة، يعرف بابن الديني، سمع من أحمد بن خالد وغيره، وصحب محمد بن مسرة الجبلي قديماً، واختص بمرافقته في طريق الحج، ولازمه بعد انصرافه، وكان من أهل الورع والانقباض، وحكى عن ابن مسرّة أنّه كان في سكناه المدينة يتتبع آثار النبيّ ﷺ، قال: ودلّه بعض أهل المدينة على دار ماريّة أم إبراهيم سرّيّة النبيّ ﷺ، فقصد إليها فإذا دويرة لطيفة بين البساتين بشرقي المدينة عرضها وطولها واحد قد شق في وسطها بحائط، وفرش على حائطها خشب غليظ يرتقىإلى ذلك الفرش

على خارج لطيف، وفي أعلى ذلك بيتان وسقيفة كانت مقعد النبيّ ﷺ في الصيف، قال: فرأيت أبا عبد الله بعدما صلّى في البيتين والسقيفة وفي كل ناحية من نواحي تلك الدار ضرب أحد البيتين بشبره، فكشفته بعد انصرافي وهو ساكن في الجبل عن ذلك، فقال: هذا البيت الذي تراني فيه بنيته على تلك الحالة في العرض والطول بلا زيادة ولا نقصان، انتهى.

ومنهم محمد بن يحيى بن مالك بن يحيى ين عائذ، ولد أبي زكريا الراوية، من أهل طرطوشة، يكنى أبا بكر، تأدّب بقرطبة، وسمع بها من قاسم بن أصبغ ومحمد بن معاوية القرشي وأحمد بن سعيد ومنذر بن سعيد وأبي علي القالي وغيرهم، وكان حافظاً للنحو واللّغة والشعر، يفوت من جاراه على حداثة سنّه، شاعراً مجيداً مرسلاً بليغاً، ورحل مع أبيه إلى المشرق سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، فسمع بمصر من ابن الورد وابن السكن وحمزة الكناني هنالك، وجمع كتباً عظيمة، وأقام بها إلى أن توفّي بأصبهان معتبطاً مع الستين وثلاثمائة، ومولده بطرطوشة صدر ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ذكره ابن حيّان، رحمه الله تعالى.

ومنهم محمد بن عبدون الجبلي العددي من أهل قرطبة، أدّب بالحساب والهندسة، ورحل في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، فدخل مصر والبصرة، وعني بعلم الطب فمهر فيه، ودبّر في مارستان الفسطاط، ثم رجع

إلى الأندلس في سنة ستين وثلاثمائة، فاتصل بالمستنصر بالله وابنه المؤيد بالله، وله في التكسير تأليف حسن، رحمه الله تعالى.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأزدي، الفراء القرطبي، صحب أبا بكر ابن يحيى بن مجاهد، واختص به، ولطف محلّه منه، وقرأ عليه القرآن، ورحل صحبته لأداء فريضة الحجّ، وكان رجلاً صالحاً كثير التلاوة للقرآن والخشوع، إذا قرأ بكى ورتّل وبيّن في مهل، ويقول: أبو بكر علّمني هذه القراءة، وحكي أنّه سرد الصوم اثنتي عشرة سنة قبل موت ابن مجاهد مفطراً كلّ ليلة وقت الإفطار، ثم تمادى على ذلك بعد موته مفطراً عقب العشاء الآخرة لالتزامه الصلاة من المغرب إليها، تزيّداً من الخير، واجتهاداً في العمل.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن صالح المعافري، الأندلسي، رحل إلى المشرق فسمع خيثمة بن سليمان وأبا سعيد ابن الأعرابي وإسماعيل ابن محمد الصفار وبكر بن حمّاد التاهرتي وغيرهم، روى عنهم أبو عبد الله الحكم وقال: اجتمعنا بهمذان سنة إحدى وأربعين، يعني وثلاثمائة، فتوجّه منها إلى أصبهان، وكان قد سمع في بلاده وبمصر من أصحاب يونس، وبالحجاز وبالشام وبالجزيرة من أصحاب علي بن حرب، وببغداد، وورد نيسابور في ذي الحجّة سنة إحدى وأربعين فسمع الكثير، ثم خرج إلى مرو ومنها إلى بخارى فتوفّي بها في رجب من سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وروى عنه أيضاً أبو القاسم ابن حبيبي النيسابوري وغيرهما، ذكره ابن عساكر، وأسند إليه قوله:

ودّعت قلبي ساعة التوديعوأطعت قلبي وهو غير مطيعي
إن لم أشيّعهم فقد شيّعتهمبمشيّعين تنفّسي ودموعي

وذكره ابن الفرضي وقال: إنّه استوطن بخارى، وجعل وفاته بها سنة ثمان وسبعين، والأول قول الحاكم، وهو أصح.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، السّرقسطي، روى عن الباجي وابن عبد البر، ورحل حاجّاً فقدم دمشق وحدّث بها عن شيوخه الأندلسيين، وعن أبي حفص عمر بن أبي القاسم ابن أبي زيد القفصيّ، وذكره ابن عساكر، وقال: سمع عنه أبو محمد الأكفاني، وحكى عنه تدليساً ضعّفه به، وتوفّي سنة.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن عيسى بن بقاء، الأنصاري، من بلاد الثغر الشرقي، أخذ القراءات عن أبي داود سليمان بن نجاح، ورحل حاجّاً، فقدم دمشق، وأقرأ بها القرآن بالسبع، وأخذ عنه جماعة من أهلها، وكان شيخاً فاضلاً حافظاً للحكايات، قليل التكلّف في اللباس، ذكره ابن عساكر وقال: رأيته وسمعته ينشد قصيدة يوم خرج الناس للمصلّى للاستسقاء على المنبر، وأولها:

أستغفر الله من ذنبي وإن كبرا ... واستقلّ له شكري وإن كثرا ولد في الثاني والعشرين من شعبان سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وتوفّي يوم الأربعاء عند صلاة العصر، ودفن يوم الخميس لصلاة الظهر الثاني من ذي الحجّة سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، ودفن في مقابر الصحابة بالقرب من قبر أبي الدّرداء، رضي الله تعالى عنه، قال: وشهدت أنا غسله والصلاة عليه

ودفنه؛ وذكره السلفي.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن طاهر بن علي بن عيسى، الأنصاري، الخزرجي، من أهل دانية، سمع كتاب " التقصي " لابن عبد البر، ولقي أبا الحسن الحصري ثم خرج حاجّاً فقدم دمشق سنة أربع وخمسمائة، وأقام بها مدة يقرئ العربية، وكان شديد الوسوسة من الوضوء.

ذكره ابن عساكر وقال: أنشدني أخي أبو الحسين هبة الله بن الحسن الفقيه قال: أنشدنا ابن طاهر الأندلسي بدمشق قال: أنشدني الحصري لنفسه:

يموت من في الأنام طرّاًمن طيّبٍ كان أو خبيث
فمستريحٌ ومستراحٌمنه، كما جاء في الحديث قال: وأنشدني الحصري لنفسه:
لو كان تحت الأرض أو فوق الذرىحرٌّ أتيح له العدوّ ليوذى

فاحذر عدوّك وهو أهون هيّنٍ ... إنّ البعوضة أردت النمروذا ومنهم محمد بن أبي سعيد الفرج بن عبد الله، البزاز، من أهل سرقسطة، لقي بدانية الحصري، وسمع منه بعض منظومه، ورحل حاجّاً فأدّى الفريضة، ودخل العراق فسمع من جماعة وأجازوا له: منهم ابن خيرون، والحميدي، وأبو زكريا التبريزي، والمبارك بن عبد الجبار، وثابت بن بندار، وهبة الله بن الأكفاني، وغيرهم، ونزل الإسكندريّة، وحدّث بها وأخذ الناس عنه، وتوفّي هنالك، وأنشد للحصري:

الناس كالأرض، ومنهم هممن خشن اللّمس ومن ليّن
صلدٌ تشكّى الرّجل منه الوجىوإثمدٌ يجعل في الأعين روى عنه ابن الحضرمي وابن جارة، وغيرهما

ومنهم أبو بكر محمد بن الحسين، الشهير بالميورقي لأن أصله منها، وسكن غرناطة، وروى عن أبي علي الصّدفي، ورحل حاجّاً فسمع بمكّة من أبي الفتح عبد الله بن محمد البيضاوي، وأبي نصر عبد الملك بن أبي مسلم النهاوندي، في شوّال وذي القعدة من سنة، وبالإسكندريّة من أبي عبد الله الرازي وأبي الحسن ابن مشرّف وأبي بكر الطّرطوشي وغرهم، وعاد إلى الأندلس بعد مدّى طويلة فحدّث في غير ما بلد لتجوّله، وكان فقيهاً ظاهريّاً، عارفاً بالحديث وأسماء الرجال، متقناً لما رواه، يغلب عليه الزهد والصلاح، روى عنه أبو عبد الله النميري الحافظ ويقول فيه: الأزدي تدليساً، لأن الأنصار من الأزد، وأبو بكر ابن رزق وأبو عبد الله ابن عبد الرحيم وابنه عبد المنعم وسواهم، وصار أخيراً إلى بجاية هارباً من صاحب المغرب حينئذ بعد أن حمل إليه هو وأبو العباس ابن العريف وأبو الحكم ابن برّجان، وحدّث هنالك، وسمع منه في سنة، رحمه الله تعالى.

ومنهم أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن بن الطّفيل العبدي الإشبيلي ويعرف بابن عظيمة، أخذ القراءات عن أبي عبد الله السّرقسطي

وروى عن أبي عبد الله الخولاني وأبي عبد الله ابن فرج وأبي علي الغساني وأبي داود المقرئ وأبي جعفر ابن عبد الحق وأبي الوليد ابن طريف، ورحل حاجّاً فروى بمكّة عن رزين بن معاوية، ثم بالإسكندريّة عن ابن الحضرمي أبي عبد الله محمد بن منصور وأبي الحسن ابن مشرّف الأنماطي، وبالمهدية عن المازريّ، وكانت رحلته مع أبي علي منصور بن الخير الأحدب للقاء أبي معشر الطبري، فبلغهما نعيه بمصر، فلمّا قفلا من حجّهما قعد منصور يقول: قرأت على أبي معشر، واقتصر أبو الحسن في تصدره للإقراء على التحديث عمّن لقي، فعرف مكانه من الصدق والعدالة، وولي الصلاة ببلده، وتقدّم في صناعته، واشتهر بها، وتلاه أهل بيته فيها، فأخذ عنهم الناس، وله أرجوزة في القراءات السبع، وأخرى في مخارج الحروف، وشرح قصيدة الشقراطسي، وله أيضاً كتاب " الفريدة الحمصية في شرح القصيدة الحصريّة "، وإليه وإلى بنيه بعده كانت الرياسة في هذا الشأن، ومن جلّة الرواة عنه أبو بكر ابن خير، قرأ عليه " الشهاب " للقضاعي، وأجاز له جميع رواياته وتواليفه في رجب سنة، وتوفّي في حدود الأربعين وخمسمائة، وروى عنه أبو الضحاك الفزاري.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عيسى بن هشام بن جراح الخزرجي، من أهل جيّان، ويعرف بالبغدادي لطول سكناه إيّاها، روى عن أبي علي الغسّاني، وأبي محمد ابن عتاب، ورحل حاجّاً فلقي أبا الحسن الطبري المعروف بالكيّا، وأبا طالب الزينبي، وأبا بكر الشاشي،

وغيرهم. وكان فقيهاً مشاوراً، حدث عنه أبو عبد الله النميري، وأبو محمد ابن عبيد الله، وأبو عبد الله ابن حميد، وأبو القاسم عبد الرحيم بن الملجوم، وغير واحد، وتوفّي بفاس سنة.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي بن ياسر، الأنصاري الجيّاني، ونزل حلب، يكنى أبا بكر، رحل إلى المشرق، وأدّى الفريضة وقدم دمشق قبل العشرين وخمسمائة، وسكن قنطرة سنان منها، وكان يعلّم القرآن، ويتردّد إلى أبي عبد الله نصر الله بن محمد يسمع الحديث منه، ثم رحل صحبة أبي القاسم ابن عساكر صاحب تاريخ الشام إلى بغداد سنة عشرين، وكان زميله، فسمع بها معه من هبة الله بن الحصين وغيره، ثم خرج إلى خراسان فسمع بها من حمزة الحسيني وأبي عبد الله الفراوي وأبي القاسم الشّحّامي وغيرهم، وسمع ببلخ جماعة منهم أبو محمد الحسن بن علي الحسيني وأبو النجم مصباح ابن محمد المسكي وغيرهما، وبلغ الموصل فأقام بهامدة يسمع منه ويؤخذ عنه، ثم انتهى إلى حلب فاستوطنها، وسلّمت إليه خزانة الكتب النورية، وأجريت عليه جراية، وكان فيه عسر في الرواية والإعارة معاً، ووقف كتبه على أصحاب الحديث، وله عوالٍ مخرّجة من حديثه ساوى [بها] بعض شيوخه البخاريّ ومسلماً وأبا داود والترمذي والنسائي، روى عنه أبو حفص الميانشي وأبو المنصور مظفر بن سوار اللخمي وأبو محمد عبد الله بن علي بن سويدة وابن أبي السنان وغيرهم.

ذكره ابن عساكر في تاريخه وقال: سمعت منه، ومات [بحلب] في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وخمسمائة على ما بلغني.

وقال ابن نقطة: حدّث عن جماعة منهم أبو القاسم سهل بن إبراهيم النيسابوري وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الهمداني، حدّثنا عنه أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الحلبي وأخوه أبو العباس أحمد، وحكي عن الحسن بن هبة الله بن صصرى أنّه توفّي بحلب في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وخمسمائة كما تقدم، وقد بلغ السبعين، قاله ابن الأبار.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة، مرسيّ سكن شاطبة، ودار سلفه بلنسية، سمع أبا علي الصّدفي واختص به، وأكثر عنه، وإليه صارت دواوينه وأصوله العتاق وأمّهات كتبه الصحاح، لصهر كان بينهما، وسمع أيضاً أبا محمد ابن أبي جعفر، ولازم حضور مجلسه للتفقّه به، وحمل ما كان يرويه، ورحل إلى غرب الأندلس فسمع أبا محمد ابن عتاب وأبا بحر الأسدي وأبا الوليد ابن رشد، وأبا عبد الله الخولاني، وأبا عبد الله ابن الحاج، وأبا بكر العربي وغيرهم، وكتب إليه أبو عبد الله الخولاني وأبو الوليد ابن طريف وأبو الحسن ابن عفيف وأبو القاسم وابن صواب وأبو محمد ابن السيّد وغيرهم، ثم رحل إلى المشرق سنة عشرين وخمسمائة، فلقي بالإسكندريّة أبا الحجّاج ابن نادر الميورقي، وصحبه وسمع منه، وأخذ عنه الفقه وعلم الكلام، وأدّى فريضة الحج في سنة إحدى وعشرين، ولقي بمكّة أبا الحسن رزين بن معاوية العبدري إمام المالكيّة بها، وأبا محمد ابن صدقة المعروف بابن غزال من أصحاب كريمة المروزيّة فسمع منهم وأخذ عنهما، وروى عن أبي الحسن علي بن سند بن عياش الغساني ما حمل عن أبي حامد الغزالي من تصانيفه، ثم انصرف إلى ديار مصر فصحب ابن نادر إلى حين وفاته بالإسكندريّة، ولقي أبا طاهر ابن عوف وأبا عبد الله ابن مسلم القرشي وأبا طاهر السّلفي وأبا

زكريا الزناتي وغيرهم، فأخذ عنهم، وكان قد كتب إليه منها أبو بكر الطّرطوشي وأبو الحسن ابن مشرّف الأنماطي، ولقي في صدره بالمهديّة أبا عبد الله المازري فسمع منه بعض كتاب المعلم، وأجاز له باقيه، وعاد إلى مرسية في سنة ست وعشرين.

وقد حصّل في رحلته علوماً جمة ورواية فسيحة، وكان عارفاً بالسنن والآثار، مشاركاً في علم القرآن وتفسيره، حافظاً للفروع، بصيراً باللّغة والغريب، ذا حظ من علم الكلام، مائلاً إلى التصوّف، مؤثراً له، أديباً بليغاً خطيباً فصيحاً، ينشئ الخطب مع الهدي والسّمت والوقار والحلم، جميل الشارة، محافظاً على التلاوة، [بادي] الخشوع، راتباً على الصوم، وولي خطّة الشورى بمرسية مضافة إلى الخطبة بجامعها، وأخذ في إسماع الحديث وتدريس الفقه، ثم ولي القضاء بها بعد انقراض دولة الملثمين، ونقل إلى قضاء شاطبة فاتخذها وطناً، وكان يسمع الحديث بها وبمرسية وبلنسية، ويقيم الخطب أيّام الجمع في جوامع هذه الأمصار الثلاثة متعاقباً عليها، وقد حدّث بالمريّة وهناك أبو الحسن ابن موهب وأبو محمد الرّشاطي وغيرهما، وسمع منه أبو الحسن ابن هذيل جامع الترمذي، وألّف كتابه شجرة الوهم المترقية إلى ذروة الفهم ولم يسبق إلى مثله، وليس له غيره، وجمع فهرسة حافلة.

ووصفه غير واحد بالتّفنّن في العلوم والمعارف، والرسوخ في الفقه وأصوله، والمشاركة في علم الحديث والأدب.

وقال ابن عياد في حقّه: إنّه كان صليباً في الأحكام، مقتفياً للعدل، حسن الخلق والخلق، جميل المعاملة، لين الجانب، فكه المجالسة، ثبتاً، حسن الخط، من أهل الإتقان والضبط. وحكي أنّه كانت عنده أصول حسان

بخطّ عمّه، مع الصحيحين بخطّ الصّدفي في سفرين، قال: ولم يكن عند شيوخنا مثل كتبه في صحتها وإتقانها وجودتها ولا كان فيهم من رزق عند الخاصة والعامة من الحظوة والذكر وجلالة القدر ما رزقه.

وذكره أبو سفيان أيضاً وأبو عمر ابن عاتٍ، ورفعوا جميعاً بذكره.

وتوفّي بشاطبة مصروفاً عن قضائها آخر ذي الحجّة سنة خمس وستين وخمسمائة ودفن أول يوم من سنة ست وستين وخمسمائة، بالروضة المنسوبة إلى أبي عمر ابن عبد البر، ومولده في رمضان سنة.

ومنهم محمد بن إبراهيم بن وضاح، اللخمي، من أهل غرناطة، ونزل جزيرة شقر، يكنى أبا القاسم، وأخذ القراءة عن أبي الحسن ابن هذيل وسمع منه كثيراً ورحل حاجّاً فأدّى الفريضة، وأخذ القراءات بمكّة عن أبي علي ابن العرجاء في سنة ست وأربعين وخمسمائة وسنة سبع بعدها، وحجّ ثلاث حجّات، ودخل بغداد، وأقام في رحلته نحواً من تسعة أعوام، وقفل إلى الأندلس، فنزل جزيرة شقر من أعمال بلنسية، وأقرأ بها القرآن نحواً من أربعين سنة لم يأخذ من أحد أجراً، ولا قبل هديّة، وولي الصلاة والخطبة بجامعها، وكان رجلاً صالحاً، زاهداً يشار إليه بإجابة الدعوة، معروفاً بالورع والانقباض، وتوفّي في صفر سنة.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن، التّجيبي، نزيل تلمسان، من أهل لقنت عمل مرسية، وسكن أبوه أريولة، رحل إلى

المشرق فأدّى الفريضة، وأطال الإقامة هنالك، واستوسع في الرواية، وكتب العلم عن جماعة كثيرة أزيد من مائة وثلاثين، من أعيانهم المشرقيين أبو طاهر السّلفي، صحبه واختص به وأكثر عنه، وحكى أنّه لمّا ودّعه في قفوله إلى المغرب سأله عمّا كتب عنه، فأخبره أنّه كتب كثيراً من الأسفار ومئين من الأجزاء، فسرّ بذلك، وقال له: تكون محدّث المغرب إن شاء الله تعالى، قد حصّلت خيراً كثيراً، قال: ودعا لي بطول العمر حتى يؤخذ عني ما أخذت عنه، وقد جمع في أسماء شيوخه على حروف المعجم تأليفاً مفيداً أكثر فيه من الآثار والحكايات والأخبار، وقفل من رحلته، وله أربعون حديثاً من المواعظ، وأخرى في الفقر وفضله، وثالثة في الحب في الله تعالى، رابعة في فضل الصلاة على النبيّ، ﷺ، ومسلسلاته في جزء، وكتاب فضائل الأشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان وكتاب فضل عشر ذي الحجّة وكتاب مناقب السبطين وكتاب الفوائد الكبرى مجلد، والفوائد الصغرى جزء، وكتاب الترغيب في الجهاد خمسون باباً في مجلّد، وكتاب المواعظ والرقائق أربعون مجلساً، سفران، وكتاب مشيخة السّلفي وغير ذلك.

ومولده بلقنت الصغرى في نحو الأربعين وخمسمائة، وتوفّي سنة عشر وستمائة، رحمه الله تعالى.

ومنهم الشيخ الأكبر، ذو المحاسن التي تبهر، سيّدي محيي الدين بن عربي محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله، الحاتمي، من ولد

عبد الله بن حاتم أخي عديّ بن حاتم، الصوفي الفقيه المشهور الظاهري، ولد بمرسية يوم الاثنين سابع عشر رمضان سنة، قرأ القرآن على أبي بكر ابن خلف بإشبيلية بالسبع وبكتاب الكافي، وحدّثه به عن ابن المؤلف أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح الرّعيني عن أبيه، وقرأ أيضاً السبع بالكتاب المذكور على أبي القاسم الشّرّاط القرطبي، وحدّثه به عن ابن المؤلف، وسمع على أبي بكر محمد بن أبي جمرة كتاب التيسير للدّاني عن أبيه عن المؤلف، وسمع على ابن زرقون وأبي محمد عبد الحق الإشبيلي الأزدي وغير واحد من أهل المشرق والمغرب يطول تعدادهم.

وكان انتقاله من مرسية لإشبيلية سنة، فأقام بها إلى سنة، ثم ارتحل إلى المشرق، وأجازه جماعة منهم الحافظ السّلفي وابن عساكر وأبو الفرج ابن الجوزي، ودخل مصر، وأقام بالحجاز مدّة، ودخل بغداد والموصل وبلاد الروم، ومات بدمشق سنة، ليلة الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر، ودفن بسفح قاسيون، وأنشدني لنفسه مؤرخاً وفاته الشيخ محمد ابن سعد الكلشني سنة، حفظه الله تعالى:

إنّما الحاتميّ في الكون فردٌوهو غوثٌ وسيّدٌ وإمام
كم علومٍ أتى بها من غيوبٍمن بحار التوحيد يا مستهام

إن سألتم متى توفّي حميداً ... قلت أرخت: مات قطبٌ همام وقال ابن الأبار: هو من أهر المريّة، وقال ابن النجار: أقام بإشبيلية

إلى سنة، ثم دخل بلاد المشرق، وقال ابن الأبار: إنّه أخذ عن مشيخة بلده، ومال إلى الآداب، وكتب لبعض الولاة، ثم رحل إلى المشرق حاجّاً، ولم يعد بعدها إلى الأندلس. وقال المنذري: ذكر أنّه سمع بقرطبة من أبي القاسم ابن بشكوال وجماعة سواه، وطاف البلاد، وسكن بلاد الروم مدّة، وجمع مجاميع في الطريقة، وقال ابن الأبار: إنّه لقيه جماعة من العلماء والمتعبدين، وأخذوا عنه، وقال غيره: إنّه قدم بغداد سنة، وكان يومأ إليه بالفضل والمعرفة، والغالب عليه طرق أهل الحقيقة، وله قدم في الرياضة والمجاهدة وكلام على لسان أهل التصوّف، ووصفه غير واحد بالتقدّم والمكانة من أهل هذا الشأن بالشام والحجاز، وله أصحاب وأتباع.

ومن تآليفه مجموع ضمّنه منامات رأى فيها النبيّ ﷺ وما سمع منه ومنامات قد حدّث بها عمّن رآه ﷺ.

قال ابن النجار: وكان قد صحب الصوفية، وأرباب القلوب، وسلك طريق الفقر، وحجّ وجاور، وكتب في علم القوم، وفي أخبار مشايخ المغرب وزهّادها، وله أشعار حسنة وكلام مليح؛ اجتمعت به في دمشق في رحلتي سنة، فأقام بها اثني عشر يوماً، ثم دخلها ثانياً حاجّاً مع الركب سنة، وأنشدني لنفسه:

أيا حائراً ما بين علم وشهوةليتّصلا، ما بين ضدّين من وصل

ومن لم يكن يستنشق الريح لم يكن ... يرى الفضل للمسك الفتيق على الزّبل وسألته عن مولده فقال: ليلة الاثنين رمضان سنة بمرسية من بلاد الأندلس، انتهى.

وقال ابن مسدي: إنّه كان جميل الجملة والتفصيل، محصّلاً لفنون العلم أخصّ تحصيل، وله في الأدب الشأو الذي لا يلحق، والتقدم الذي لا يسبق، سمع ببلاده من ابن زرقون والحافظ ابن الجد وأبي الوليد الحضرمي وبسبتة من أبي محمد ابن عبد الله، وقدم عليه إشبيلية أبو محمد عبد المنعم بن محمد الخزرجي فسمع منه، وأبو جعفر ابن مصلّي، وذكر أنّه لقي عبد الحق الإشبيلي، وفي ذلك عندي نظر، انتهى.

قلت: لا نظر في ذلك، فإن سيدي الشيخ محيي الدين ذكر في إجازته للملك المظفر غازي ابن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب ما معناه أو نصّه: ومن شيوخنا الأندلسيين أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الإشبيلي، رحمه الله تعالى؛ حدّثني بجميع مصنّفاته في الحديث، وعين لي من أسمائها تلقين المهتدي، والأحكام الكبرى، والوسطى، والصغرى، وكتاب التهجد، وكتاب العاقبة، ونظمه ونثره، وحدّثني بكتب الإمام أبي محمد علي بن أحمد ابن حزم عن أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح عنه، انتهى.

وقال: إن الحافظ السّلفي أجاز له، انتهى. قال بعض الحفّاظ: وأحسبها الإجازة العامة.

وكان ظاهريّ المذهب في العبادات، باطنيّ النظر في الاعتقادات، وكان دفنه يوم الجمعة بجبل قاسيون، واتفق أنّه لمّا أقام ببلاد الروم زكاه ذاتيوم الملك فقال: هذا تذلّ له الأسود، أو كلاماً هذا معناه، فسئل عن ذلك، فقال: خدمت بمكّة بعض الصلحاء، فقال لي يوماً: الله يذلّ لك أعزّ خلقه، وأمر له ملك الروم مرّة بدارٍ تساوي مائة ألف درهم، فلمّا نزلها وأقام بها مرّ به في بعض الأيّام سائل، فقال له: شيء لله، فقال: ما لي غير هذه الدار، خذها لك، فتسلّمها السائل وصارت له.

وقال المذهبي في حقّه: إن له توسّعاً في الكلام، وذكاء، وقوّة خاطر، وحافظة، وتدقيقاً في التصوّف، وتواليف جمّة في العرفان، لولا شطحه في كلامه وشعره، ولعلّ ذلك وقع منه حال سكره وغيبته، فيرجى له الخير، انتهى.

وقال القطب اليونيني في ذيل مرآة الزمان: عن سيدي الشيخ محيي الدين - رضي الله تعالى عنه ونفعنا به - أنّه كان يقول: إنّي أعرف اسم الله الأعظم، وأعرف الكيمياء، انتهى.

وقال ابن شودكين عنه: إنّه كان يقول: ينبغي للعبد أن يستعمل همّته في الحضور في مناماته، بحيث يكون حاكماً على خياله يصرفه بعقله نوماً، كما كان يحكم عليه يقظة؛ فإذا حصل للعبد هذا الحضور وصار خلقاً له وجد ثمرة ذلك في البرزخ وانتفع به جدّاً، فليهتم العبد بتحصيل هذا القدر، فإنّه عظيم الفائدة بإذن الله تعالى.

وقال: إن الشيطان ليقنع من الإنسان بأن ينقله من طاعة إلى طاعة ليفسخ عزمه بذلك.

وقال: ينبغي للسالك أنّه متى حضر له أنّه يعقد على أمرٍ ويعاهد الله تعالى عليه، أن يترك ذلك الأمر يجيء وقته، فإن يسّر الله تعالى فعله فعله، وإن لم ييسّر الله فعله، يكون مخلصاً من نكث العهد، ولا يكون متصفاً بنقض الميثاق.

ومن نظم الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى قوله:

بين التّذلّل والتّدلّل نقطةٌفيها يتيه العالم النّحرير
هي نقطة الأكوان إن جاوزتهاكنت الحكيم وعلمك الإكسير وقوله أيضاً ﵀:
يا درّة بيضاء لاهوتيّةًقد ركّبت صدفاً من الناسوت

جهل البسيطة قدره لشقائهم ... وتنافسوا في الدّرّ والياقوت وحكى العماد بن النحاس الأطروش أنّه كان في سفح جبل قاسيون على مستشرف، وعنده الشيخ محيي الدين، والغيث والسحاب عليهم، ودمشق ليس عليها شيء، قال: فقالت للشيخ: أما ترى هذه الحال فقال: كنت بمراكش وعندي ابن خروف الشاعر، يعني أبا الحسن علي بن محمد القرطبي القبذاقي، وقد اتفق الحال مثل هذه، فقلت له مثل هذه المقالة، فأنشدني:

يطوف السحاب بمرّاكشٍطواف الحجيج ببيت الحرم

يروم نزولاً فلا يستطيع ... لسفك الدماء وهتك الحرم وحكى المفريزي في ترجمة سيدي عمر بن الفارض - أفاض الله علينا من أنواره - أن الشيخ محيي الدين بن العربي تعث إلى سيدي عمر يستأذنه في شرح التائية، فقال: كتابك المسمّى بالفتوحات المكيّة شرحٌ لها، انتهى.

وقال بعض من عرّف به: إنّه لمّا صنّف الفتوحات المكيّة كان يكتب كلّ يوم ثلاث كراريس حيث كان، وحصلت له بدمشق دنيا كثيرة، فما ادّخر منها شيئاً، وقيل: إن صاحب حمص رتّب له كلّ يوم مائة درهم، وابن الزكي كلّ يوم ثلاثين درهماً، فكان يتصدّق بالجميع، واشتغل الناس بمصنّفاته، ولها ببلاد اليمن والروم صيت عظيم، وهو من عجائب الزمان، وكان يقول: أعرف الكيمياء بطريق المنازلة لا بطريق الكسب.

ومن نظمه:

حقيقتي همت بهاوما رآها بصري
ولو رآها لغداقتيل ذاك الحور
فعندما أبصرتهاصرت بحكم النّظر
فبتّ مسحوراً بهاأهيم حتى السحر
يا حذري من حذريلو كان يغني حذري
والله ما هيّمنيجمال ذاك الخفر
في حسنها من ظبيةٍترعى بذات الخمر
إذا رنت أو عطفتتسبي عقول البشر
كأنّما أنفاسهاأعراف مسكٍ عطر
كأنها شمس الضحىفي النور أو كالقمر
إن أسفرت أبرزهانور صباحٍ مسفر
أو سدلت غيّبهاسواد ذاك الشّعر
يا قمراً تحت دجىًخذي فؤادي وذري

عيني لكي أبصركم ... إذ كان حظّي نظري وقال الخويّي: قال الشيخ سيدي محيي الدين بن عربي رضي الله تعالى عنه: رأيت بعض الفقهاء في النوم في رؤيا طويلة، فسألني: كيف حالك مع أهلك فقلت:

إذا رأت أهل بيتي الكيس ممتلئاًتبسمت ودنت مني تمازحني
وإن رأته خليّاً من دراهمهتجهّمت وانثنت عنّي تقابحني فقال لي: صدقت، كلّنا ذلك الرجل

وذكر الإمام العالم بالله تعالى لسان الحقيقة، وشيخ الطريقة، صفي الدين

حسين ابن الإمام العلامة جمال الدين أبي الحسن علي، ابن الإمام مفتي الأنام كمال الدين أبي منصور ظافر الأزدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه، في رسالته الفريدة المحتوية على من رأى من سادات مشايخ عصره، بعد كلام، ما صورته: ورأيت بدمشق الشيخ الإمام العارف الوحيد محيي الدين بن عربي، وكان من أكبر علماء الطريق، جمع بين سائر العلوم الكسبية، وما وفّر له من العلوم الوهبية، ومنزلته شهيرة، وتصانيفه كثيرة، وكان غلب عليه التوحيد علماً وخلقاً وحالاً، لا يكترث بالوجود، مقبلاً كان أو معرضاً، وله علماء أتباع أرباب مواجيد، وتصانيف، وكان بينه وبين سيدي الأستاذ الحرّار إخاء ورفقة في السياحات، رضي الله تعالى عنهما، في الآصال والبكرات، ومن نظم سيدي الشيخ محيي الدين رضي الله تعالى عنه قوله:

يا من يراني ولا أراه ... كم ذا أراه ولا يراني قال رحمه الله تعالى: قال لي بعض إخواني لمّا سمع هذا البيت: كيف تقول: إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك فقلت له مرتجلاً:

يا من يراني مجرماًولا أراه آخذا

كم ذا أراه منعماً ... ولا يراني لائذا قلت: من هذا وشبهه تعلم أن كلام الشيخ رحمه الله تعالى مؤوّل، وأنّه لا يقصد ظاهره، وإنّما له محامل تليق به، وكفاك شاهداً هذه الجزئية الواحدة، فأحسن الظنّ به ولا تنتقد، بل اعتقد، وللنّاس في هذا المعنى كلام كثير، والتسليم أسلم، والله سبحانه بكلام أوليائه أعلم.

ومن النظم المنسوب لمحاسن الشيخ سيدي محيي الدين رضي الله تعالى عنه في ضابط ليلة القدر:

وإنّا جميعاً إن نصم يوم جمعةٍففي تاسع العشرين خذ ليلة القدر
وإن كان يوم السبت أوّل صومنافحادي وعشرين اعتمده بلا عسر
وإن كان صوم الشّهر في أحدٍ فخذففي سابع العشرين ما شئت فاستقري
ويوم الثلاثا إن بدا الشهر فاعتمدعلى خامس العشرين فاعمل بها تدري
وفي الأربعا إن هلّ يا من يرومهافدونك نيل الوجد في تاسع العشر
ويوم خميس إن بدا الشّعر فاجتهدففي ثالث العشرين تظفر بالنّصر

وضابطها بالقول ليلة جمعةٍ ... توافيك بعد النّصف في ليلة الوتر قلت: لست على يقين من نسبة هذا النظم إلى الشيخ رحمه الله تعالى، فإن نفسه أعلى من هذه النظم، ولكنّي ذكرته لما فيه من الفائدة، ولأن بعض الناس نسبه إليه، فالله تعالى غير واحد قوله:

قلبي قطبي، وقالبي أجفانيسرّي خضري، وعينه عرفاني

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.