من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (٩)
وسليم بفتح السين مكبراً.
ومنهم موسى بن بهيج المغربي الأندلسي الواعظ الفقيه العالم،
من أهل المرية، نزل مصر، يكنى أبا عمران، كان من أهل العلم والأدب، وله في الزهد وغيره أشعار حملت عنه، وحدث المرشاني عنه بمخمّسة في الحج وأعماله كلها، ولقيه بمصر وقرأها عليه.
ولابن بهيج هذا قوله:
إنّما دنياك ساعهفاجعل الساعة طاعه
واحذر التقصير فيهاواجتهد، ما قدره ساعه
وإذا أحببت عزّاً ... فالتمس عزّ القناعه ومنهم أبو عمران موسى بن سعادة، مولى سعيد بن نصر، من أهل مرسية، سمع صهره أبا علي ابن سكرة الصّدفي، وكانت بنته عند أبي علي، ولازمه وأكثر عنه، وروى عن أبي محمد ابن مفوّز الشاطبي وأبي الحسن ابن شفيع، قرأ عليهما الموطأ، ورحل، وحج، وسمع السنن من الطرطوشي، وعني بالرواية، وانتسخ صحيحي البخاري ومسلم بخطه، وسمعهما على صهره أبي علي، وكانا أصلين لا يكاد يوجد في الصحة مثلهما، حكى الفقيه أبو محمد عاشر بن محمد أنهما سمعا على أبي علي نحو ستين مرة، وكتب أيضاً الغريبين للهروي، وغير ذلك، وكان أحد الأفاضل الصّلحاء، والأجواد السّمحاء، يؤم الناس في صلاة الفريضة، وتولى القيام بمؤن صهره أبي علي وبما يحتاج إليه من دقيق الأشياء وجليلها، وإليه أوصى عند توجّهه إلى غزوة كتندة التي فقد فيها سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكانت له مشاركة في علم اللغة والأدب، وقد حدث عنه ابن أخيه القاضي أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة بكتاب أدب الكتّاب لابن قتيبة، وبالفصيح لثعلب.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن طاهر، الأزدي، من أهل وادي آش، له رحلة إلى المشرق أدى فيها الفريضة، وسمع بدمشق من أي طاهر الخشوعي مقامات الحريري وابن عساكر وغيرهما، ثم قفل إلى بلده، انتهى ملخصاً من ابن الأبار.
وحكى الصفدي أن ابن المستكفي اجتمع بالمتنبي بمصر، وروى عنه شيئاً من شعره، وممّا روى عنه أنه قال: أنشدني المتنبي لنفسه:
لاعبت بالخاتم إنسانةًكمثل بدر في الدّجى الفاحم
وكلّما حاولت أخذي لهمن البنان المترف الناعم
ألقته في فيها فقلت: انظروا ... يقد خبّت الخاتم في الخاتم ومن الراحلين من الأندلس إلى المشرق أبو عبد الله ابن مالك، صاحب التسهيل والألفية، وهو: جمال الدين محمد بن عبد الله بن عبد الله ابن مالك الإمام العلامة الأوحد الطائي الجياني المالكي حين كان بالمغرب، الشافعي حين انتقل إلى المشرق، النحوي، نزيل دمشق.
ولد سنة ستمائة أبو في التي بعدها، وسمع بدمشق من مكرم وأبي صادق الحسن بن صبّاح وأبي الحسن السخاوي وغيرهم، وأخذ العربية عن غير واحد، فممن أخذ عنه بجيّان أبو المظفر، وقيل: أبو الحسن، ثابت بن خيار، عرف بابن الطيلسان، وأبي رزين ابن ثابت بن محمد بن يوسف بن خيار الكلاعي
من أهل لبلة، وأخذ القراءات عن أبي العباس أحمد بن نوّار، وقرأ كتاب سيبويه على أبي عبد الله ابن مالك المرشاني، وجالس يعيش وتلميذه ابن عمرون وغيره بحلب، وتصدّر بها لإقراء العربية، وصرف همته إلى إتقان لسان العرب، حتى بلغ فيه الغاية، وأربى على المتقدمين، وكان إماماً في القراءات، وعالماً بها، وصنف فيها قصيدة دالية مرموزة في قدر الشاطبية، وأما اللغة فكان إليه المنتهى فيها.
قال الصفدي: أخبرني أبو الثناء محمود قال: ذكر ابن مالك يوماً ما انفرد به صاحب المحكم عن الأزهري في اللغة، قال الصفدي: وهذا أمر معجز، لأنه يحتاج إلى معرفة جميع ما في الكتابين، وأخبرني عنه أنه كان إذا صلّى في العادلية - لأنه كان إمام المدرسة - يشيعه قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان إلى بيته تعظيماً له.
وقد روى عنه الألفية شهاب الدين محمود المذكور، ورواها الصفدي خليل عن شهاب الدين محمود قراءة، ورواها إجازةً عن ناصر الدين شافع بن عبد الظاهر وعن شهاب الدين بن غانم بالإجازة عنهما عنه.
وأما النحو والتصريف فكان فيهما ابن مالك بحراً لا يشق لجّه، وأما اطلاعه على أشعار العرب التي يستشهد بها على النحو واللغة فكان أمراً عجيباً، وكان الأئمة الأعلام يتحيرون في أمره، وأما الاطلاع على الحديث فكان فيه آية، لأنه أكثر ما يستشهد بالقرآن، فإن لم يكن فيه شاهد عدل إلى الحديث، وإن لم يكن فيه شيء عدل إلى أشعار العرب، هذا مع ما هو عليه من الدين والعبادة وصدق اللهجة، وكثرة النوافل، وحسن السّمت، وكمال العقل،
وأقام بدمشق مدة يصنف ويشتغل بالجامع وبالتربة العادلية، وتخرج به جماعة، وكان نظم الشعر عليه سهلاً رجزه وطويله وبسيطه، وصنف كتاب تسهيل الفوائد، قال الصفدي: ومدحه سعد الدين محمد بن عربي بأبيات مليحة إلى الغاية، وهي:
إن الإمام جمال الدين جمّلهربّ العلا ولنشر العلم أهّله
أملى كتاباً له يسمى " الفوائد " لميزل مفيداً لذي لبٍّ تأمله
وكلّ مسألة في النحو يجمعها ... إن الفوائد جمع لا نظير له قال: وفي هذه الأبيات مع حسن التورية فيها ما لا يخلو من إيراد ذكرته في كتابي " فض الختام "، انتهى.
قلت: أجاب العجيسي عن ذلك بأن الأبيات ليست في التسهيل، وإنما هي في كتاب له يسمى " الفوائد " وهو الذي لخصه في " التسهيل "، فقوله في اسم التسهيل تسهيل الفوائد معناه تسهيل هذا الكتاب، وذكر أيضاً أنه مثل التسهيل في القدر على ما ذكره من وقف عليه، وقال: وإليه يشير سعد الدين محمد بن عربي بقوله إن الإمام - إلى آخره وسعد الدين ابن الشيخ محيي الدين صاحب الفصوص وغيرها.
ثم قال العجيسي: وذكر غير واحد من أصحابنا أن له كتاباً آخر سمّاه بالمقاصد، وضمّنها تسهيله، فسماه لذلك تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد فعلى هذا لا يصح قول الصفدي: إن المدح المذكور في التسهيل، إلاّ بارتكاب ضرب من التأويل، انتهى كلام العجيسي.
قلت: وذكر غيره أن قوله في الألفية " مقاصد النحو بها محوية " إشارة لكتاب المقاصد، وتعقب بقوله محوية فإنه لو كان كما ذكر لقال محويّ،
وأجاب بعضهم بأنه من باب الاستخدام، وفيه تعسف.
رجع - من تصانيف ابن مالك " الموصل في نظم المفصل " وقد حل هذا النظم فسماه " سبك المنظوم وفك المختوم " ومن قال " إن اسمه فك المنظوم وسبك المختوم " فقد خالف النقل والعقل، ومن كتب ابن مالك كتاب " الكافية الشافية " ثلاثة آلاف بيت، وشرحها، و " الخلاصة " وهي مختصر الشافية، و " إكمال الإعلام بمثلث الكلام " وهو مجلد كبير كثير الفوائد يدل على اطلاع عظيم، و " لامية الأفعال " وشرحها، و " فعل وأفعل "، و " المقدمة الأسدية " وضعها باسم ولده الأسد، و " عدّة اللافظ وعمدة الحافظ "، و " النظم الأوجز فيما يهمز "، و " الاعتضاد في الظاء والضاد " مجلد، وإعراب مشكل البخاري، و " تحفة المودود في المقصور والممدود " وغير ذلك كشرح التسهيل، وروى عنه ولده بدر الدين محمد، وشمس الدين بن جعوان، وشمس الدين بن أبي الفتح، وابن العطار، وزين الدين أبو بكر المزّي، والشيخ أبو الحسين اليونيني، وأبو عبد الله الصيرفي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وشهاب الدين محمود، وشهاب الدين بن غانم، وناصر الدين بن شافع، وخلق كثير سواهم.
ومن نظمه في الحلبة:
خيل السباق المجلّي يقتفيه مصلٍّ والمسلّي وتعالٍ قبل مرتاح
وعاطفٌ وحظيٌّ والمؤمّل واللطيم والفسكل السّكيت يا صاح وله من هذه الضوابط شيء كثير
وكان يقول عن الشيخ ابن الحاجب: إنه أخذ نحوه من صاحب المفصل، وصاحب المفصل نحوه صغيرات، وناهيك بمن يقول هذا في حق الزمخشري.
وكان الشيخ ركن الدين بن القوبع يقول: إن ابن مالك ما خلّى للنحو حرمة.
وحكي عنه أنه كان يوماً في الحمّام وقد اعتزل في مكان يستعمل فيه الموسى، فهجم عليه فتى فقال: ما تصنع فقال: أكنس لك الموضع للقعود، قال
بعضهم: وهذا ممّا يستبعد على دين ابن مالك، والعهدة على ناقله، قال الصفدي: ولا يستبعد ذلك من لطف النحاة وطباع أهل الأندلس.
وتوفي ابن مالك بدمشق سنة اثنتين وسبعين وستمائة.
وقال بعضهم: من أحسن شعر ابن مالك قوله:
إذا رمدت عيني تداويت منكمبنظرة حسن أو بسمع كلام
فإن لم أجد ماء تيممت باسمكموصليت فرضي والديار أمامي
وأخلصت تكبيري عن الغير معرضاوقابلت أعلام السوى بسلام
ولم أر إلا نور ذاتك لائحا ... فهل تدع الشمس امتداد ظلام وقدم - رحمه الله تعالى - القاهرة، ثم رحل إلى دمشق، وبها مات كما علم.
وقال الشرف الحصيني يرثيه:
يا شتات الأسماء والأفعالبعد موت ابن مالك المفضال
وانحراف الحروف من بعد ضبطمنه في الانفصال والاتصال
مصدرا كان للعلوم بإذن الله من غير شبهة ومحال
عدم النعت والتعطف والتوكيد مستبدلا من الأبدال
ألم إعتراه أسكن منهحركات كانت بغير اعتلال
يا لها سكتة لهمز قضاءأورثت طول مدة الانفصال
رفعوه في نعشه فانتصبانصب تمييز، كيف سير الجبال
فخموه عند الصلاة بدلفأمليت أسراره للدلال
صرفوه يا عظم ما فعلوهوهو عدل معرف بالجمال
أدغموه في الترب من غير مثلسالما من تغير الإنتقال
وقفوا عند قبره ساعة الدفن وقوفا ضرورة الإمتثال
ومددنا الأكف نطلب قصرامسكنا للنزيل من ذي الجلال
آخر الآي من سبا الحظ منهحظه جاء أول الأنفال
يا بيان الإعراب يا جامع الإغراب يا مفهما لكل مقال
يا فريد الزمان في النظم والنثر وفي نقل مسندات العوالي
كم علوم بثثتها في أناسعلموا ما بثثت عند الزوال انتهت ملخصة
قال الصفدي: وما رأيت مرثية في نحوي أحسن منها على طولها، انتهى.
ودفن ابن مالك بسفح قاسيون، بتربة القاضي عز الدين ابن الصائغ، وقال العجيسي: بتربة ابن جعوان. ورثاه الشيخ بهاء الدين ابن النحاس بقوله:
قل لابن مالك أن جرت بك أدمعيحمراً يحاكيها النّجيع القاني
فلقد جرحت القلب حين نعيت ليوتدفقت بدمائه أجفاني
لكن يهوّن ما أجنّ من الأسىعلمي بنقلته إلى رضوان
فسقى ضريحاً ضمّه صوب الحيا ... يهمي به بالرّوح والرّيحان وابن النحاس المذكور أحد تلامذة ابن مالك، وهو القائل يخاطب رضي الدين الشاطبي الأندلسي، وقد كلفه أن يشتري له قطراً:
أيها الأوحد الرضيّ الذي طال علاءً وطاب في الناس نشرا
أنت بحرٌ لا غرو إن نحن وافيناك راجين من نداك القطرا
وابن النحاس المذكور له نظم كثير مشهور بين الناس، وهو: بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن نصر، الحلبي الأصل، المعروف بابن النحاس، وهو شيخ أبي حيّان، ولم يأخذ أبو حيّان عن ابن مالك وإن عاصره بنحو ثلاثين سنة.
وقال بعض من عرّف بابن مالك: إنه تصدر بحلب مدة، وأمّ بالسلطانية، ثم تحول إلى دمشق، وتكاثر عليه الطلبة، وحاز قصب السبق، وصار يضرب به المثل في دقائق النحو، وغوامض الصرف، وغريب اللغات، وأشعار العرب، مع الحفظ والذكاء والورع والديانة وحسن السّمت والصيانة والتحري لما ينقله والتحرير فيه، وكان ذا عقل راجح، حسن الأخلاق مهذباً، ذا رزانة وحياء ووقار، وانتصاب للإفادة، وصبر على المطالعة الكثيرة، تخرج به أئمة ذلك الزمان كابن المنجي وغيره، وسارت بتصانيفه الرّكبان، وخضع لها العلماء الأعيان، وكان حريصاً على العلم، حتى إنه حفظ يوم موته ثمانية شواهد.
وقال بعض الحفاظ حين عرّف بابن مالك: يقال إن عبد الله في نسبه مذكور مرتين متواليتين، وبعض يقول: مرة واحدة، وهو الموجود بخطه أول شرحه لعمدته، وهو الذي اعتمده الصفدي وابن خطيب داريّا محمد بن أحمد بن سليمان الأنصاري، وعلى كل حال فهو مشهور بجدّه في المشرق والمغرب.
وحكى بعضهم أن ولادته سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وعليه عوّل شيخ شيوخ شيوخنا ابن غازي في قوله:
قد خبع ابن مالك في خبعا ... وهو ابن عه وكذا وعى من قد وعى وقيل، كما تقدم: إن مولده سنة ستمائة أو بعدها بجيّان الحرير مدينة من مدن الأندلس جبر الله كسرها - وهي مفتوحة الجيم وياؤها مشددة تحتانية - وتصدّر ابن مالك بحماة مدة، وانتقد بعضهم على ابن خلكان إسقاطه من تاريخه،
مع كونه كان يعظمه إلى الغاية، وقدّم، رحمه الله تعالى، لصاحب دمشق قصة يقول فيها عن نفسه: إنه أعلم الناس بالعربية والحديث، ويكفيه شرفاً أن من تلامذته الشيخ النووي، والعلم الفارقي، والشمس البعلي، والزين المزّي، وغيرهم ممن لا يحصى.
وكان، رحمه اله تعالى، كثير المطالعة، سريع المراجعة، لا يكتب شيئاً من محفوظه حتى يراجعه في محله، وهذه حالة المشايخ الثقات، والعلماء الأثبات، ولا يرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنف أو يقرأ، وكذا كان الشيخ أبو حيّان، ولكن كان جدّه في التصنيف والإقراء.
وحكي أنه توجه يوماً مع أصحابه للفرجة بدمشق، فلما بلغوا الموضع الذي أرادوه غفلوا عنه بسويعة، فطلبوه فلم يجدوه، ثم فحصوا عنه فوجدوه منكبّاً على أوراق.
وأغرب من هذا في اعتنائه بالعلم ما مر أنه حفظ يوم موته عدة أبيات حدّها بعضهم بثمانية، وفي عبارة بعض أو نحوها لقنه ابنه إياها، وهذا ممّا يصدق ما قيل: بقدر ما تتعنى، تنال ما تتمنى، فجزاه الله خيراً عن هذه الهمة العلية.
وذكر أبو حيان في الجوازم من تذييله وتكميله، أنه لم يصحب من له البراعة في علم اللسان، ولذا تضعف استنباطاته وتعقّباته على أهل هذا الشان، وينفر من المنازعة، والمباحثة والمراجعة، قال: وهذا شأن من يقرأ بنفسه، ويأخذ العلم من الصحف بفهمه، ولقد طال فحصي وتنقيري عمّن قرأ عليه، واستند في العلم إليه، فلم أجد من يذكر لي شيئاً من ذلك، ولقد جرى يوماً مع صاحبنا تلميذه علم الدين سليمان بن أبي حرب الفارقي الحنفي فقال: ذكر لنا أنه قرأ على ثابت بن خيار من أهل بلده، جيّان، وأنه جلس في حلقة
الأستاذ أبي علي الشلوبين نحواً من ثلاثة عشر يوماً، وثابت بن خيار ليس من أهل الجلالة والشهرة في هذا الشأن، وإنما جلالته وشهرته في إقراء القرآن، هذا حاصل ما ذكره أبو حيّان.
قال بعض المحققين، وهو العلامة يحيى العجيسي: وليس ذلك منه بإنصاف ولا يحمل على مثله إلاّ هوى النفس وسرعة الانحراف، فنفيه المسند عنه والمتبع، شهادة نفي فلا تنفع ولا تسمع، ويكفي ما سطر في حقه قوله في أثنائه: نظم في هذا العلم كثيراً ونثر، وجمع باعتكاف على الاشتغال به ومراجعة الكتب ومطالعة الدواوين العربية وطول السن من هذا العلم غرائب، وحوت مصنفاته منها نوادر وعجائب، وإن منها كثيراً استخرجه من أشعار العرب وكتب اللغة إذ هي مرتبة الأكابر النقاد، وأرباب النظر والاجتهاد، وقوله في موضع آخر من تذييله لا يكون تحت السماء أنحى ممّن عرف ما في تسهيله وقرنه في بحره بمصنف سيبويه فما ينبغي له أن يغمصه، ولا أن يحط عليه، ولا أن يقع فيما وقع فيه، فإنه ممّا يجرّئ على أمثاله الغبي والنبيه، والحليم والسفيه، وما هذا جزاء السلف من الخلف، والدّرر من الصدف، والجيد من الحشف، أوما ينظر إلى شيخه أبي عبد الله ابن النحاس، فإنه لا يذكره إلاّ بأحسن ذكر كما هو أدب خيار الناس، ومن كلامه في نقله عنه: وهو الثقة فيما ينقل والفاضل حين يقول، وإلى تلميذه أبي البقاء المصري حيث يقول فيه، أعني في أبي حيّان:
هو الأوحد الفرد الذي تمّ علمهوسار مسير الشمس في الشرق والغرب
ومن غاية الإحسان مبدأ فضله ... فلا غرو أن يسمو على العجم والعرب ومن غاية الإحسان، في هذا الشان، التصانيف التي سارت بها الرّكبان، في جميع الأوطان، واعترف بحسنها الحاضر والبادي، والداني والقاصي، والصديق والعدو، فتلقّاها بالقبول والإذعان فسامح الله تعالى أبا حيّان، فإن
كلامه يحقق قول القائل: كما تدين تدان، ورحم الله تعالى ابن مالك، فلقد أحيا من العلم رسوماً دارسة، وبيّن معالم طامسة، وجمع من ذلك ما تفرق، وحقق ما لم يكن تبين منه ولا تحقق، ورحم شيخه ثابت بن الخيار، فإنه كان من الثقات الأخيار، وهو أبو المظفر ثابت بن محمد بن يوسف بن الخيار الكلاعي - بضم الكاف على ما كان يضبط بيده فيما حكاه ابن الخطيب في الإحاطة - وأصله من لبلة، وبعد في أهل جيّان، وتوفّي بغرناطة سنة.
وكان أبو حيّان يغض من هذا الكتاب ويقول: ما فيه من الضوابط والقواعد حائد عن مهيع الصواب والسداد، وكثيراً ما يشير إلى ذلك في شرحه المسمى منهج السالك ومن غضّه منه بالنظم في ملإ من الناس من جملتهم شيخه بهاء الدين ابن النحاس والأقسراني يجاريه مقتفياً له ومتأسياً في تسويد القرطاس:
ألفية ابن مالكمطموسة المسالك
وكم بها مشتغل ... أوقع في المهالك ولا تغتر أنت بهذا الغرر، فإنه ما كل سحاب أبرق مطر، ولا كل عود أورق ثمر، وقيل معارضة للقوم، وتنبيهاً لهم ممّا هم فيه من النوم:
ألفية ابن مالكمشرقة المسالك
وكم بها من مشغلٍعلا على الأرائك وما أحسن قول ابن الوردي في هذا المعنى:
يا عائباً ألفيّة ابن مالكوغائباً عن حفظها وفهمها
أما تراها قد حوت فضائلاًكثيرة فلا تجر في ظلمها
وازجر لمن جادل من يحفظها ... برابع وخامس من اسمها يعني " صه " فإنه عند الاستقلال بمعنى اسكت، انتهى ملخصاً.
قال أيضاً عند ذكره مصنفات ابن مالك: وهي كما قيل غزيرة المسائل، ولكنها على الناظر بعيدة الوسائل، وهي مع ذلك كثيرة الإفادة، موسومة بالإجادة، وليست لمن هو في هذا الفن في درجة ابتدائه، بل للمتوسط يترقى بها درجة انتهائه، انتهى.
واعلم أن الألفية مختصرة الكافية كما تقدم، وكثير من أبياتها فيها بلفظها، ومتبوعه فيها ابن معطي، ونظمه أجمع وأوعب، ونظم ابن معطي أسلس وأعذب، وذكر الصفدي عن الذهبي أن ابن مالك صنف الألفية لولده تقي الدين محمد المدعو بالأسد، واعترضه العلامة العجيسي بأن الذي صنفه له عن تحقيق المقدمة الأسدية قال: وأما هذه - يعني الألفية - فذكر لي من أثق بقوله أنه صنفها برسم القاضي شرف الدين هبة الله بن نجم الدين عبد الرحيم بن شمس الدين بن إبراهيم بن عفيف الدين بن هبة الله بن مسلم بن هبة الله بن حسان الجهني الحموي الشافعي الشهير بابن البارزي، ويقال: إن هذه النسبة إلى باب أبرز أحد أبواب بغداد، ولكن خفف لكثرة دوره على الألسنة، انتهى مختصراً.
وقال بعض من عرّف بابن مالك: هو مقيم أود، وقاطع لدد، ومزين سماء موّهت الأصائل ديباجتها، وشعشعت البكر زجاجتها، وجاءت أيامه صافية من الكدر، ولياليه وما بها شائبة من الكبر، وقد خلّفها العشي بردعه، وخلفها الصباح بربعه، فكان كل متعين حول مسجده، وكل عين فاخرة بعسجده، هذا وزمر الطلاب، وطلبة الأجلاب، لا تزال تزجي إليه القلاص، وتكثر من سربه الاقتناص، كان أوحد وقته في علم النحو واللغة مع ثرة الديانة والصلاح، انتهى.
وقال بعض المغاربة:
لقد مزّقت قلبي سهام جفونهاكما مزّق اللخميّ مذهب مالك
وصال على الأوصال بالقدّ قدّهافأضحت كأبيات بتقطيع مالك
وقلدت إذ ذاك الهوى لمرادهاكتقليد أعلام النحاة ابن مالك
وملّكتها رقيّ لرقة لفظهاوإن كنت لا أرضاه ملكاً لمالك
وناديتها يا منيتي بذل مهجتي ... ومالي قليلٌ في بديع جمالك ويعني بقوله بتقطيع مالك مالك بن المرحّل السّبتي، رحمه الله تعالى.
ولما سئل ابن مالك عن قول النبي، ﷺ: نعوذ بالله من الحور بعد الكور هل هو بالراء أو بالنون أنكر النون، فقيل له: إن في الغريبين للهروي رواية بالنون، فرجع عن قوله الأول، وقال: إنما هو بالنون، انتهى.
وقد ذكر في المشارق النون والراء، فقال: الحور بعد الكور بالراء رواه العذري وابن الحذاّء، وللباقين بالنون، معناه النقصان بعد الزيادة، وقيل: من الشذوذ بعد الجماعة، وقيل: من الفساد بعد الصلاح، وقيل: من القلة بعد الكثرة، كار عمامته إذا لفها على رأسه واجتمعت، وحارها إذا نقضها فافترقت، ويقال: حار إذا رجع عن أمر كان عليه، ووهم بعضهم رواية النون، وقيل: معناها رجع إلى الفساد بعد أن كان على خير ممّا رجع إليه، وقال عياض في موضع آخر بعد: الحور بعد الكور، كذا للعذري، والكون للفارسي والسجزي وابن ماهان، وقول عاصم في تفسيره حار بعدما كار وهي روايته، ويقال: إن عاصماً وهم فيه، انتهى.
والسائل لابن مالك عن اللفظة هو ابن خلّكان، لأن ابن الأثيرسأل ابن خلكان عنها، فسأل هو ابن مالك، رحم الله تعالى الجميع.
[تعريف بابنه بدر الدين]
وقد عرّف الحافظ الذهبي بابن مالك في تاريخ الإسلام، وذكر فيه ترجمة لولده بدر الدين محمد، وأنه كان حاد الذهن، ذكيّاً، إماماً في النحو وعلم
المعاني والمنطق، جيد المشاركة في الفقه والتدريس، وأنه تصدّر بعد والده للتدريس، ومات شابّاً قبل الكهولة سنة، ومن أجلّ تصانيفه شرحه على ألفية والده، وهو كتاب في غاية الإغلاق، ويقال: إنه نظير الرضي في شرح الكافية، وللناس عليه حواشٍ كثيرة، رحمهم الله تعالى أجمعين.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن طاهر القيسي، التّدميري ويعرف بالشهيد كان عظيم القدر جدّاً بالأندلس، بعيد الأثر في الخير الاصلاح والعلم والنسك والانقطاع إلى الله تعالى، وكان من وجوه أهل كورة تدمير ذوي البيوت الرفيعة، وبرع بخصاله المحمودة، فكان في نفسه فقيهاً، عالماً، زاهداً، خيّراً، ناسكاً، متبتلاً، نشأ على الاستقامة والصلاح والاهتداء والدّعة، طلب العلم في حدثان سنّه، ورحل إلى قرطبة فروى الحديث وتفقّه وناظر، وأخذ بحظٍّ وافر من علم المسألة والجواب، وكان أكثر علمه وعمله الورع، والتشدد فيه، والتحفظ بدينه ومكسبه، ورسخ في علم السنّة، ثم ارتحل إلى المشرق، فمر بمصر حاجّاً، فأقام بالحرمين ثماينة أعوام يتعيش فيها من عمل يده بالنسخ، ثم سار إلى العراق، فلقي أبا بكر الأبهري وأخذ عنه، وأكثر من لقاء الصالحين وأهل العلم، ولبس الصوف، وقنع، وتورع جدّاً، وأعرض عن الشهوات، وكان إذا سئم من النسخ الذي جعل قوته منه آجر نفسه في الخدمة رياضةً لها، فأصبح عابداً متقشفاً منيباً مخبتاً عالماً عاملاً منقطع القرين، قد جرت منه دعوات مجابة، وحفظت له كرامات ظاهرة، ثم عاد إلى بلده تدمير سنة ست أو سبع وسبعين وثلاثمائة، وبها أبوه أبو الحسام طاهر حيّاً، فنزل خارج مدينة مرسية تورّعاً عن سكناها وعن الصلاة في جامعها، فاتخذ له بيتاً سقفه من حطب السّدر يأوي إليه، واعتمر جنينة بيده يقتات منها، وصار يغزو مع المنصور محمد بن أبي عامر، ثم تحول من قريته بعد عامين إلى الثغر، وواصل
الرّباط، ونزل مدينة طلبيرة، وكان يدخل منها في السرايا في بلد العدو فيغزو ويتقوت من سهمانه، ويعوّ ل على فرس له ارتبطه لذلك، وكان له بأس وشدة وشجاعة وثقافة، يحدّث عنه فيها بحكايات عجيبة، إلى أن استشهد مقبلاً غير مدبر، سنة، أو في التي قبلها، عن اثنتين وأربعين سنة، وأبوه حي، رحم الله تعالى الجميع.
ومنهم أبو عبد الله القيجاطي محمد بن عبد الجليل بن عبد الله بن جهور، مولده سنة بقيجاطة، وكتب عنه الحافظ المنذري، ومن شعره قوله:
إذا كنت تهوى من نأت عنك دارهفحسبك ما تلقى من الشّوق والبعد
فيا ويح صبٍّ قد تضرّم ناره ... وواحرّ قلبٍ ذاب من شدّة الوجد ومنهم أبو عبد الله - ويقال: أبو حامد - محمد بن عبد الرحيم، المازنيّ، القيسي، الغرناطي، ولد سنة، ودخل الإسكندرية سنة، وسمع بها من أبي عبد الله الرازي، وبمصر من أبي صادق مرشد بن يحيى المديني وأبي الحسن الفراء الموصلي وأبي عبد الله محمد بن بركات بن هلال النحوي وغيرهم، وحدث بدمشق، وسمع أيضاً بها وببغداد، وقدمها سنة، ودخل خراسان، وأقام بها مدة، ثم رجع إلى الشام، وأقام بحلب سنين، وسكن دمشق، وكان يذكر أنه رأى عجائب في بلاد شتى، ونسبه بعض الناس بسبب ذلك إلى ما لا يليق، وصنّف في ذلك كتاباً سماه تحفة الألباب وكان حافظاً عالماً أديباً، وتكلم فيه الحافظ ابن عساكر، وزنّه بالكذب، وقال ابن النجار: ما علمته إلاً أميناً.
ومن شعره قوله:
تكتب العلم وتلقي في سفطثم لا تحفظ لا تفلح قطّ
إنّما يفلح من يحفظهبعد فهمٍ وتوقٍّ من غلط وقوله:
العلم في القلب ليس العلم في الكتبفلا تكن مغرماً باللهو واللعب
فاحفظه وافهمه واعمل كي تفوز بهفالعلم لا يجتنى إلاّ مع التّعب توفي بدمشق في صفر سنة
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد السلام، القرطبي، من ذرية أبي ثعلبة الخشني صاحب رسول الله، ﷺ، رحل قبل الأربعين ومائتين، فحج، وسمع بالبصرة من محمد بن بشار وأبي موسى الزّمن ونصر ابن علي الجهضمي، ولقي أبا حاتم السجستاني والعباس بن العرج الرياشي، وسمع ببغداد من أبي عبيد القاسم بن سلام، وبمكة من محمد بن يحيى العدني، وبمصر من سلمة بن شبيب صاحب عبد الرزّاق والبرقي وغيرهما، وأدخل الأندلس علماً كثيراً من الحديث واللغة والشعر، وكان فصيحاً جزل المنطق، صارماً، أنوفاً، منقبضاً عن السلطان، أراده على القضاء فأبى، وقال: إباية إشفاق لا إباية عصيان، فأعفاه، وكان ثقة مأموناً، وتوفي في رمضان سنة عن ثمان وستين سنة، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن أيمن بن فرج، القرطبي، سمع من محمد بن وضاح وأكثر عنه، وأخذ عن محمد الخشني وقاسم بن أصبغ وإبراهيم بن قاسم بن هلال، ورحل سنة، فسمع بمصر من المطلب بن شعيب والمقدام بن داود الرّعيني، وأدرك بالعراق إسماعيل القاضي وعبد الله ابن أحمد بن حنبل.
قال الحميدي: حدث بالمغرب وبالمشرق، وصنّف السنن، وممّن روى عنه خالد بن سعيد، وقال لنا أبو محمد ابن حزم: مصنّف ابن أيمن مصنف رفيع احتوى من صحيح الحديث وغريبه على ما ليس في كثير من المصنفات، وتوفي في ذي القعدة سنة، بقرطبة، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن ضيفون اللخمي، الرصافي، القرطبي، الحداد، سمع بقرطبة من عبد الله بن يونس وقاسم بن أصبغ، وحج سنة سنة ردّ القرامطة الحجر الأسود إلى مكانه، وسمع بمكة من ابن الأعرابي، وبمصر من ابن الورد وأبي علي ابن السكن وعبد الكريم النسائي وغيرهم وسمع بأطرابلس والقيروان من جماعة، وكان رجلاً صالحاً، عدلاً، حدث وكتب عنه الناس، وعلت سنه، وتوفي بشوال سنة، وولد فيما أظن سنة، وكانت وفاته بقرطبة، وقد اضطرب في أشياء قرئت عليه، وممّن أخذ عنه الحافظ أبو عمران ابن عبد البر، رحم الله تعالى الجميع.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك، الخزرجي، السعدي، القرطبي أبو عبد الله
روى عن أبي الحسن علي بن هشام، وروى عنه أبو القاسم ابن بشكوال، وقدم مصر وحدث بها، وممّن سمع منه بها ابن وردان وأبو الرضى القيسراني في آخرين، واستوطن مصر، وتوفي سنة.
ومنهم أبو بكر ابن السرّاج، النحوي - بتشديد الراء - وهو محمد بن عبد الملك بن محمد ين السّرّاج الشّنتمري، أحد أئمة العربية المبرزين فيها، ويكفيه فخراً أنه أستاذ أبي محمد عبد الله بن بري المصري اللغوي النحوي، وحدث عن أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد النفطي، وقرأ العربية بالأندلس على ابن أبي العافية وابن الأخضر، وقدم مصر سنة، وأقام بها وأقرأ الناس العربية، ثم انتقل إلى اليمن، وروى عنه أبو حفص عمر بن إسماعيل وأبو الحسن علي والد الرشيد العطار، وله تواليف منها تنبيه الألباب في فضل الإعراب " وكتاب في العروض، وكتاب مختصر العمدة لابن رشيق وتنبيه أغلاطه. قال السلفي: كان من أهل الفضل الوافر، والصلاح الظاهر، وكانت له حلقة في جامع مصر لإقراء النحو، وكثيراً ما كان يحضر عندي - رحمه الله تعالى - مدة مقامي بالفسطاط، توفي بمصر سنة، وقيل: سنة خمس وأربعين، وقيل: خمسين وخمسمائة، برمضان، والأول أثبت.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن علي بن سعيد [العنسي]، ويكنى أيضاً أبا القاسم، الغرناطي، سمع من الجلّة بمصر والإسكندرية ودمشق وبغداد: منهم الحراني أبو عبد الله وأبو محمد عبد الصمد
ابن داود بدمشق، وكتب الحديث [وعني] بالرواية أتم عناية، وفقد بأصبهان حين استولى عليها التتار قبل الثلاثين وستمائة.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الدفاع، بالدال المهملة، وقيل: بالراء، قرطبي سمع عبد الملك بن حبيب، ورحل فسمع بمصر من الحارث بن مسكين وغيره، وكان زاهداً فاضلاً، وتوفي سنة، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن عابد، المعافري القرطبي، ولد بقرطبة سنة، ودخل مصر فسمع من أبي بكر ابن المهندس وأبي بكر البصري، وروى عن أبي عبد الله ابن مفرج وأبي محمد الأصيلي وجماعة، ولقي الشيخ أبا محمد ابن أبي زيد في رحلته سنة فسمع منه رسالته في الفقه وغيرها، وحج من عامه، ثم عاد من مصر إلى المغرب سنة، وكان معتنياً بالأخبار والآثار، ثقة فيما رواه، وعني به، خيّراً، فاضلاً، ديّناً، متواضعاً، متصاوناً، مقبلاً على ما يعنيه، صاحب حظ من الفقه، وبصر بالمسائل، ودعي إلى الشورى بقرطبة فأبى، ومات سنة. وعابد جده بالباء الوحدة، رحم الله تعالى الجميع.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سليمان بن عثمان بن هاجد الأنصاري البلنسي، أخذ القراءات عن جماعة من أهل بلده، وخرج حاجّاً سنة، فجاور بمكة، وسمع بها وبالإسكندرية من السّلفي، وعاد إلى بلده
سنة، وحدث وكان من أهل الصلاح والفضل والورع، كثير البر، ومفاداة الأسرى، ويحترف بالتجارة، ومولده بعد سنة، ومات سنة بمرسية، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو الوليد محمد بن عبد الله ابن محمد بن خيرة القرطبي، المالكي، الحافظ، ولد سنة، وأخذ الفقه عن القاضي أبي الوليد ابن رشد، والحديث عن ابن عتاب، وروى الموطأ عن أبي بحر سفيان بن العاص بن سفيان، وأخذ الأدب عن أبي الحسين سراج بن عبد الملك بن سراج الأموي، وعن مالك بن عبد الله العتبي، وخرج من قرطبة في الفتنة بعدا درّس بها وانتفع الناس به في فروع الفقه وأصوله، وأقام بالإسكندرية خوفاً من بني عبد المؤمن بن علي، ثم قال: كأني والله بمراكبهم قد وصلت إلى الإسكندرية، ثم سافر إلى المصر بعدما روى عنه السّلفي، وأقام بها مدة، ثم قال: والله ما مصر والإسكندرية بمتباعدتين، ثم سافر إلى الصعيد، وحدث في قوص بالموطأ، ثم قال: والله يصلون إلى مصر ويتأخرون عن هذه البلاد، فمضى إلى مكة، وأقام بها، ثم قال: وتصل إلى هذه البلاد ولا تحج ما أنا إلاّ هربت منه إليه ثم دخل اليمن، فلما رآها قال: هذه أرض لا يتركها بنو عبد المؤمن، فتوجه إلى الهند، فأدركته وفاه بها سنة، وقيل: بل مات بزبيد من مدن اليمن، وكان من جلّة العلماء متقناً متفنناً في المعارف كلها جامعاً لها، كثير الرواية، واسع المعرفة، حافل الأدب، من كبار فقهاء المالكية
يتصرف في علوم شتى حافظاً للآداب، عارفاً بشعراء الأندلس، وكان علمه أوفر من منطقه، ولم يرزق فصاحة ولا حسن إيراد [والله أعلم].
قال قال ابن نقطة: خيرة بكسر الخاء المعجمة وفتح الياء المنقوطة من تحتها باثنتين.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل، السلمي، المرسي، قال ابن النجار: ولد بمرسية سنة، وقال غيره: في التي قبلها، وخرج من بلاد المغرب سنة، ودخل مصر، وسار إلى الحجاز، ودخل مع قافلة الحجاج إلى بغداد، وأقام بها يسمع ويقرأ الفقه والخلاف والأصلين بالنّظامية، ثم سافر إلى خراسان، وسمع بنيسابور وهراة ومرو، وعاد إلى بلاد بغداد، وحدث بكتاب السنن الكبير للبيهقي عن منصور ابن عبد المنعم الفراوي، وبكتاب غريب الحديث للخطابي، وقدم إلى مصر فحدث بالكثير عن جماعة منهم أم المؤيد زينب وأبو الحسن المؤيد الطوسي، وخرج من مصر يريد الشام فمات بين الزّعقة والعريش من منازل الرمل في ربيع الأول سنة، ودفن بتل الزعقة، وكان من الأئمة الفضلاء في جميع فنون العلم من علوم القرآن والحديث والفقه والخلاف والأصلين والنحو واللغة، وله فهم ثاقب، وتدقيق في المعاني، مع النظم والنثر المليح، وكان زاهداً، متورعاً، حسن الطريقة، متديّناً، كثير العبادة، فقيهاً، مجرداً، متعففاً، نزه النفس، قليل المخالطة لأوقاته، طيب الأخلاق، متودداً، كريم النفس،
قال ابن النجار: ما رأيت في فنه مثله، وكان شافعي المذهب، وله كتاب تفسير القرآن سماه ري الظمآن كبير جدّاً، وكتاب " الضوابط الكلية " في النحو، وتعليق على الموطأ، وكان مكثراً شيوخاً وسماعاً، وحدث بالكثير بمصر والشام والعراق والحجاز، وكانت له كتب في البلاد التي ينتقل إليها بحيث إنه لا يستصحب كتباً في سفره اكتفاء بما له من الكتب في البلد الذي يسافر إليه، وكان كريماً، قال أبو حيان: أخبرني الشرف الجزائري بتونس أنه كان على رحلة، وكان ضعيفاً، فقال له: خذ ما تحت هذه السجادة أو البساط، فرفعت ذلك، فوجدت تحته نحواً من أربعين ديناراً ذهباً، فأخذتها. وقال الجمال اليغموري: أنشدني لنفسه بالقاهرة:
قالوا فلان قد أزال بهاءهذاك العذار وكان بدر تمام
فأجبتهم بل زاد نور بهائهولذا تضاعف فيه فرط غرامي
استقصرت ألحاظه فتكاتهافأتى العذار يمدّها بسهام ومن شعره قوله:
من كان يرغب في النجاة فما لهغير اتّباع المصطفى فيما أتى
ذاك السّبيل المستقيم، وغيرهسبل الغواية والضلالة والرّدى
فاتبع كتاب الله والسنن التيصحت، فذاك إذا اتبعت هو الهدى
ودع السؤال بكم وكيف فإنهبابٌ يجر ذوي البصيرة للعمى
الدين ما قال النبي وصحبهوالتابعون ومن مناهجهم قفا
ومنهم أبو بكر محمد بن عبد الله البنتي، الأندلسي، الأنصاري، قدم مصر، وأقام بالقرافة مدة، وكان شيخاً صالحاً زاهداً فاضلاً، وتوجه إلى الشام فهلك، قال الرشيد العطار: كان من فضلاء الأندلسيين ونبهائهم، ساح في الأرض ودخل بلاد العجم وغيرها من البلاد البعيدة، وكان يتكلم بألسنة شتى.
ومن شعره قوله:
إذا قلّ منك السّعي فالعزم ناشدوكلّ مكانٍ في مرائك واحد
توجّه بصدقٍ واتّق المين واقتصد ... تجئك رهينات النجاح المقاصد والبنتي - بضم الباء، وسكون النون - نسبة إلى بنت حصن بالأندلس، ويقال بونت بزيادة واو.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله، الخولاني، الباجي، ثم الإشبيلي، المعروف بابن القوق سمع بقرطبة من جماعة، ورحل إلى المشرق سنة، فسمع بمكة من علي بن عبد العزيز وغيره، وبمصر من محمد بن عبد الحكم ومن أخيه سعد، وكان فقيهاً في الرأي، حافظاً له، عاقداً للشروط، قال ابن الفرضي: كان رجلاً صالحاً ورعاً ثقة، وكان خالد بن سعيد قد رحل إليه وسمع منه، وكان يقول إذا حدّث عنه: كان من معادن الصدق، توفي سنة.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللوشي، الطبيب، اشتغل بالطب، وبرع فيه، وأقام بمصر مدّة، وبها مات في عشر الستين وستمائة.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبدون، العذري، القرطبي، رحل سنة، فدخل مصر والبصرة، وعني بعلم الطب، ودبر مارستان مصر، ثم رجع إلى الأندلس سنة، واتصل بالحكم المستنصر وابنه المؤيد، وله في التكسير كتاب حسن.
قال صاعد: تمهر في الطب، ونبل فيه، وأحكم كثيراً من أصوله، وعانى صنعة المنطق معاناة صحيحة، وكان شيخه فيه أبو سليمان محمد بن محمد ابن طاهر بن بهرام السجستاني البغدادي، وكان قبل أن يتطبب مؤدباً للحساب والهندسة، وأخبرني أبو عثمان سعيد الطليطلي، أنّه لم يلق في قرطبة من يلحق محمد بن عبدون في صناعة الطب، ولا يجاريه في ضبطها وحسن دربته فيها وإحكامه لغوامضها، رحمه الله تعالى.
ومن الراحلين إلى المشرق من أهل الأندلس أبو مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن مروان بن زهر، الإيادي، الأندلسي، صاحب البيت الشهير بالأندلس، رحل المذكور إلى المشرق، وتطبب به زماناً، وتولى رئاسة الطب ببغداد، ثم بمصر، ثم القيروان، ثمّ استوطن مدينة دانية، وطار ذكره فيها إلى أقطار الأندلس والمغرب، واشتهر بالتقدم في علم الطب حتى بزّ أهل زمانه، ومات في مدينة دانية، رحمه الله تعالى.
ووالده محمد بن مروان كان عالماً بالرأي، حافظاً للأدب، فقيهاً حاذقاً بالفتوى متقدّماً فيها، متقناً للعلوم، فاضلاً، جامعاً للدراية والرواية، وتوفّي بطلبيرة سنة، وهو ابن ست وثمانين سنة، حدث عنه جماعة من علماء
الأندلس، ووصفوه بالدين والفضل والجود والبذل، رحمه الله تعالى.
وأمّ أبو العلاء زهر بن عبد الملك المذكور فقال ابن دحية فيه: إنّه كان وزير ذلك الدهر وعظيمه، وفيلسوف ذلك العصر وحكيمه، وتوفّي ممتحناً من نغلة بين كتفيه سنة بمدينة قرطبة، انتهى.
وكانت بينه وبين الفتح صاحب القلائد عداوة، ولذلك كتب في شأنه إلى أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ما صورته: أطال الله تعالى بقاء الأمير الأجلّ سامعاً للنّداء، دافعاً للتطاول والاعتداء، لم ينظم الله تعالى بلبّتك الملك عقداً، وجعل لك حلاًّ للأمور وعقداً، وأوطأ لك عقباً، وأصار من الناس لعونك منتظراً ومرتقباً، إلا أن تكون للبرية حائطاً، وللعدل فيهم باسطاً، حتى لا يكون فيهم من يضام، ولا ينال أحدهم اهتضام، ولتقصر يد كل معتدٍ في الظلام، وهذا ابن زهر الذي أجررته رسنا، وأوضحت له إلى الاستطالة سننا، لم يتعد من الإضرار إلا حيث انتهيته، ولا تمادى على غيّه إلاّ حين لم تنهه أو نهيته، ولمّا علم أنّك لا تنكر عليه نكراً، ولا تغير له متى ما مكر في عباد الله مكراً، جرى في ميدان الأذيّة ملء عنانه، وسرى إلى ما شاء بعدوانه، ولم يراقب الذي خلقه، وأمدّ في الحظوة عندك طلقه، وأنت بذلك مرتهن عند الله تعالى، لأنّه مكّنك لئلاّ يتمكّن الجور، ولتسكن بك الفلاة والغور، فكيف أرسلت زمامه حتى جرى من الباطل في كل طريق، وأخفق به كلّ فريق، وقد علمت أن خالقك الباطش الغيور، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما تخفى عليه نجواك، ولا يستتر عنه تقلّبك ومثواك، وستقف بين يدي عدل حاكم، يأخذ بيد كل مظلوم من ظالم، قد علم كل قضيّة قضاها، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، فبم تحتجّ معي لديه، إذا وقفت أنا وأنت بين يديه أترى ابن زهر ينجيك في ذلك
المقام، أوي حميك من الانتقام وقد أوضحت لك المحجّة، لتقوم عليك الحجّة، والله سبحانه النصير، وهو بكل خلق بصير لا ربّ غيره، والسلام، انتهى.
[رسالة للفتح في غريق]
وقد تذكرت هنا بذكر الفتح ما كتبه وقد مات بعض إخوانه غريقاً:
أتاني ورحلي بالعراق عشيّةًورحل المطايا قد قطعن بنا نجدا
نعيٌّ أطار القلب عن مستقرّه ... وكنت على قصدٍ فأغلطني القصدا نعوا والله باسق الأخلاق لا يخلف، ورموا قلبي بسهم أصاب صميمه فما أخلف، لقد سام الردى منه حسناً وجمالاً ووسامة، وطوى بطيّه نجده وتهامه، فعطل منه النّديّ والنّدى، وأثكل فيه الهديّ والهدى، كم فلّ السيوف طول قراعه، ودل عليه الضيوف موقد ناره بيفاعه، وكم تشوّف إليه السرير والمنبر، وتصرّف فيه الثناء المحبّر، وكم راع البدر ليلة إبداره، وروّع العدوّ في عقر داره، وأي فتى غدا له البحر ضريحاً، وأعدى عليه الحين ماء وريحاً، فبدل من ظلل علىً ومفاخر، بقعر بحر طامي اللّجج زاخر، وبدل من صهوات الخيل، بلهوات اللّجج والسّيل، غريق حكى مقلتي في دمعها، وأصاب نفسي في سمعها، ومن حزنٍ لا أستسقي له الغمام فما له قبر تجوده، ولا ثرى تروى به تهائمه ونجوده، وقد آليت الموج حنقاً، ومشت عليه خبباً وعنقاً، حتى أعادته كالكثبان، وأودعته قضيب بان، فيا أسفا لزلال غاض في أجاج، ولسلسال فاض عليه بحر عجّاج، وما كان إلاّ جوهراً ذهب إلى عنصره، وصدفاً بان عن عين مبصره، لقد آن للحسام أن يغمد فلا يشام، وللحمام أن تبكيه بكل أراكة وبشام، وللعذارى أن لا يحجبهن الخفر والاحتشام، ينحن فتى ما ذرّت الشمس
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع