من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (١٣)
لموضع السلطان، وبتنا في ليلة ذلك اليوم بطيارة مرتفعة على جانب النيل، فقلت:
نزلنا من الفسطاط أحسن منزلٍبحيث امتداد النيل قد دار كالعقد
وقد جمعت فيه المراكب سحرةًكسرب قطاً أضحى يرفّ على ورد
وأصبح يطفو الموج فيه ويرتميويطرب أحياناً يلعب بالنرد
حلا ماؤه كالرّيق ممّن أحبّهفمدّت عليه حلّةٌ من حلى الخدّ
وقد كان مثل النّهر من قبل مدّه ... فأصبح لمّا زاده المدّ كالورد وقلت هذا لأنّي لم أذق في المياه أحلى من مائه، وإنّه يكون قبل المد الذي يزيد به ويفيض على أقطاره أبيض، فإذا كان عباب النيل صار أحمر، وأنشدني علم الدين فخر الترك أيدمر عتيق وزير الجزيرة في مدح الفسطاط:
حبّذا الفسطاط من والدةجنّبت أولادها دار الجفا
يرد النيل إليها كدراًفإذا مازج أهليها صفا
لطفوا فالمزن لا تألفهم ... خجلاً لمّا رأتهم ألطفا ولم أر في أهل البلاد ألطف من أهل الفسطاط، حتى إنهم ألطف من أهل القاهرة، وبينهما نحو ميلين، والحال أن أهل الفسطاط في نهاية من اللطافة واللين في الكلام، وتحت ذلك من الملق وقلة المبالاة برعاية قدر الصحبة وكثرة الممازجة والألفة ما يطول ذكره.
وأمّا ما يرد على الفسطاط من متاجر البحر الإسكندراني والبحر الحجازي
فإنّه فوق ما يوصف، وبها مجمع ذلك، لا بالقاهرة، ومنها يجهز إلى القاهرة وسائر البلاد.
وبالفسطاط مطابخ السكر والصابون ومعظم ما يجري هذا المجرى، لأن القاهرة بنيت للاختصاص بالجند، كما أن جميع زيّ الجند بالقاهرة أعظم منه بالفسطاط، وكذلك ما ينسج ويصاغ وسائر ما يعمل من الأشياء الرفيعة السلطاينة، والخراب في الفسطاط كثير، والقاهرة أجدّ وأعمر وأكثر زحمة، باعتبار انتقال السلطان إليها، لمجاورتها للجزيرة الصالحية، وكثير من الجند قد انتقل إليها للقرب من الخدمة، وبنى على سورها جماعة منهم مناظر تبهج الناظر، انتهى.
قال المقريزي: يعين ابن سعيد ما بني على شفة مصر من جهة النيل، انتهى.
وقال ابن سعيد المذكور في المغرب من حلى المغرب ما ملخّصه: الروضة أمام الفسطاط فيما بينها وبين مناظر الجيزة، وبها مقياس النيل، وكانت متنزهاً لأهل مصر، فاختارها الملك الصالح ابن الملك الكامل سريراً لسلطنته، وبنى فيها قلعة مسورة بسور ساطع اللون محكم البناء عالي السّمك لم تر عيني أحسن منه، وفي هذه الجزيرة كان الهودج الذي بناه الخليفة الآمر لزوجته البدوية التي هام في حبها، والمختاربستان الإخشيد وقصره، وله ذكر في شعر تميم بن المعز وغيره، ولشعراء مصر في هذه الجزيرة أشعار، منها قول أبي الفتح ابن قادوس الدمياطي:
أرى سرج الجزيرة من بعيدٍكأحداق تغازل في المغازل
كأنّ مجرّة الجوزاء خطّتوأثبتت المنازل في المنازل
قال: وكنت أبيت بعض الليالي بالفسطاط، فيزدهيني ضحك البدر في وجه النيل مع سور هذه الجزيرة الدريّ اللون، ولم أنفصل عن مصر حتى كمل سور هذه القلعة، وفي داخله من الدور السلطانية ما ارتفعت إليه همّة بانيها، وهو من أعظم السلاطين في البناء، وأبصرت بهذه الجزيرة إيواناً لجلوسه لم تر عيني مثاله، ولا يقدّر ما أنفق عليه، وفيه من صحائف الذهب والرخام الآبنوسي والكافوريّ والمجزّع ما يذهل الأفكار، ويستوقف الأبصار، ويفضل عما أحاط به السور أرض طويلة في بعضها حاضر حصر فيه أصناف الوحوش التي يتفرج عليها السلطان، وبعدها مروج تنقطع فيها مياه النيل فتنظر فيها أحسن منظر، قال: وقد تفرجت كثيراً في طرف هذه الجزيرة ممّا يلي أثر الفسطاط فقطعت به عشيات مذهبات، لم تزل لأحزان الغربة مذهبات، وإذا زاد النيل فصل برها عن بر الفسطاط من جهة خليج القاهرة، ويبقى موضع الجسر تكون فيه المراكب، انتهى.
وأورد الصفدي في تذكرته لابن سعيد المذكور في هذه الجزيرة:
انظر إلى سور الجزيرة في الدّجىوالبدر يلثم منه ثغراً أشنبا
تتضاحك الأنوار في جنباتهفتريك فوق النيل أمراً معجبا
بينا تراه مفضّضاً في جانبٍأبصرت منه في سواه مذهبا
لله مرأى ما رآه ناظريإلاّ خلعت له المقام تطربا [وصف القاهرة]
وقال في " المغرب " نقلاً عن بعضهم ما صورته: وأما مدينة القاهرة، فهي الحالية الباهرة، التي تفنن فيها الفاطميون وأبدعوا في بنائها، واتخذوها
قطباً لخلافتهم ومركزاً لأرجائها، فنسي الفسطاط، وزهد فيه بعد الاغتباط، وسميت القاهرة لأنها تقهر من شذ عنها ورام مخالفة أميرها، انتهى. قال ابن سعيد: هذه المدينة اسمه أعظم منها، وكان ينبغي أن تكون في ترتيبها ومبانيها على خلاف ما عاينته، لأنها مدينة بناها المعز أعظم خلفاء العبيديين، وكان سلطانه قد عم جميع طول المغرب من أوّل الديار المصرية إلى البحر المحيط.
سارت مسير الشمس في كلّ بلدةٍ ... وهبّت هبوب الريح في البرّ والبحر ولا سيّما قد عاين مباني أبيه المنصور في المدينة المنصورية إلى جانب القيروان وعاين المهدية مدينة جدّة عبيد الله المهدي، لكن الهمّة السلطانية ظاهرة على قصور الخلفاء بالقاهرة، وهي ناطقة إلى الآن بألسن الآثار، ولله در القائل:
همم الملوك إذا أرادوا ذكرهامن بعدها فبألسن البنيان
إنّ البناء إذا تعاظم شأنه ... أضحى يدلّ على عظيم الشان وتهمم من بعده الخلفاء المصريون في الزيادة في تلك القصور، وقد عاينت فيها إيواناً يقولون إنّه بني قدر إيوان كسرى الذي بالمدائن، وكان يجلس فيها خلفاؤهم ولهم على الخليج الذي بين الفسطاط والقاهرة مبانٍ عظيمة جليلة الآثار، وأبصرت في قصورهم حيطاناً عليها طاقات عديدة من الكلس والجبس ذكر لي أنهم كانوا يجدّدون تبييضها في كل سنة، والمكان المعروف بالقاهرة ببين القصرين هو من الترتيب السلطاني، لأن هناك ساحة متّسعة للعسكر والمتفرّجين ما بين القصرين، ولو كانت القاهرة كلّها كذلك كانت عظيمة القدر كاملة الهمّة السلطانية، ولكن ذلك أمد قليل، ثم تسير منه إلى أمد ضيق، وتمرّ في ممر كدر حرج بين الدكاكين، إذا ازدحمت فيه الخيل مع الرجالة كان ممّا تضيق به الصدور، وتسخن منه العيون، ولقد عاينت يوماً وزير الدولة وبين يديه الأمراء، وهو في موكب جليل، وقد لقي في طريقه عجلة بقر تحمل
حجارة، وقد سدت جميع الطرق بين يدي الدكاكين، ووقف الوزير وعظم الازدحام وكان في موضع طباخين، والدخان في وجه الوزير، وعلى ثيابه، وقد كاد يهلك المشاة، وكدت أهلك في جملتهم. وأكثر دروب القاهرة ضيقة مظلمة كثيرة التراب والأزبال، والمباني عليها من قصب وطين مرتفعة قد ضيّقت مسلك الهواء والضوء بينها، ولم أر في جيمع بلاد المغرب أسوأ منها حالاً في ذلك، ولقد كن إذا مشيت فيها يضيق صدري، وتدركني وحشة عظيمة، حتى أخرج إلى بين القصرين.
ومن عيوب القاهرة أنها في أرض النيل الأعظم ويموت الإنسان فيها عطشاً لبعدها عن مجرى النيل، لئلا يصادرها ويأكل ديارها، وإذا احتاج الإنسان إلى فرجة في نيلها مشى في مسافة بعيدة بظاهرها بين المباني التي خارج السور إلى موضع يعرف بالمقس، وجوّها لا يبرح كدراً بما تنثره الأرض من التراب الأسود، وقد قلت فيها حين أكثر عليّ رفاقي من الحض على العود فيها:
يقولون سافة إلى القاهرةوما لي بها راحةٌ ظاهره
زحامٌ وضيقٌ وكربٌ وما ... تثير بها أرجلٌ سائره وعندما يقبل المسافر عليها يرى سوراً أسود كدراً، وجوّاً مغبرّاً، فتنقبض نفسه، ويفرّ أنسه، وأحسن موضع في ظواهرها للفرجة أرض الطبالة، ولا سيّما ارض القرط والكتان، وقلت:
سقى الله أرضاً كلما زرت روضهاكساها وحلاّها بزينته القرط
تجلّت عروساً والمياه عقودها ... وفي كل قطر من جوانبها قرط وفيها خليج لا يزال يضعف بين حضرتها حتى يصير كما قال الرصافي:
ما زالت الأمحال تأخذهحتى غدا كذؤابة النّجم
وقلت في نور الكتان على جانبي الخليج:
انظر إلى النهر والكتان يرمقهمن جانبيه بأجفانٍ لها حدق
رأته سيفاً عليه للصّبا شطبٌفقابلته بأحداقٍ بها أرق
وأصبحت في يد الأرواح تنسجهاحتى غدت حلقاً من فوقها حلق
فقم فزرها ووجه الأرض مصطبحٌ ... أو عند صفرته إن كنت تغتبق وأعجبني في ظاهرها بركة الفيل، لأنّها دائرة كالبدر، والمناظر فوقها كالنّجوم، وعادة السلطان أن يركب فيها بالليل، وتسرج أصحابٌ المناظر على قدر همتهم وقدرتهم، فيكون لها بذلك منظر عجيب، وفي ذلك قيل:
انظر إلى بركة الفيل التي اكتنفتبها المناظر كالآهداب للبصر
كأنّما هي والأبصار ترمقهاكواكبٌ قد أداروها على القمر ونظرت إليها وقد قابلتها الشمس بالغدوّ فقلت:
انظر إلى بركة الفيل التي فجرتلها الغزالة فجراً من مطالعها
وخلّ طرفك مجنوناً ببهجتها ... يهيم وجداً وحبّاً في بدائعها والفسطاط أكثر أرزاقاً، وأرخص أسعاراً من القاهرة، لقرب النيل من الفسطاط، والمراكب التي تصل بالخيرات تحط هناك، ويباع ما يصل فيه بالقرب منها، وليس يتفق ذلك في ساحل القاهرة، لأنّه يبعد عن المدينة، والقاهرة هي أكثر عمارة واحتراماً وحشمة من الفسطاط، لأنّه أجلّ مدارس وأضخم خاناتٍ، وأعظم دياراً لسكنى الأمراء فيها، لأنّها المخصوصة بالسلطنة، لقرب قلعة الجبل منها، فأمور السلطنة كلّها فيها أيسر، وأكثر، وبها الطراز وسائر الأشياء التي يتزين بها الرجال والسناء، إلاّ أن في هذا الوقت لما اعتنى
السلطان ببناء قلعة الجزيرة التي أمام الفسطاط وصيرها سرير السلطنة عظمت عمارة الفسطاط، وانتقل إليها كثير من الأمراء، وضخمت أسواقها، وبنى فيها السلطان أمام الجسر الذي للجزيرة قيسارية عظيمة، فنقل إليها من القاهرة سوق الأجناد التي يباع فيها الفراء والجوخ وما أشبه ذلك.
إلى أن قال: وهي الآن عظيمة آهلة، يجبى إليها من الشرق والغرب والجنوب والشمال ما لا يحيط بجملته وتفسيره إلاّ خالق الكل جلّ وعلا، وهي مستحسنة للفقير الذي لا يخاف طلب زكاة ولا ترسيماً ولا عذاباً، ولا يطالب برفيق له إذا مات، فيقال له: ترك عندك مالاً، فربما سجن في شأنه أو ضرب أو عصر، والفقير المجرد فيها يستريح بجهة رخص الخبز وكثرته، ووجود السماع والفرج في ظواهرها ودواخلها، وقلّة الاعتراض عليه فيما تذهب إليه نفسه، يحكم فيها كيف شاء من رقص في وسط السوق أو تجريد أو سكر من حشيشة أو صحبة مردان وما أشبه ذلك، بخلاف غيرها من بلاد المغرب، وسائر الفقراء لا يتعرضون إليهم بالقبض للأسطول إلاّ المغاربة، فذلك وقفٌ عليهم لمعرفتهم بمعاناة البحر، وقد عمّ ذلك من يعرف معاناة البحر منهم ومن لا يعرف، وهم في القدوم عليها بين حالين: إن كان المغربي غنيّاً طولب بالزكاة وضيقت عليه السعاة، وإن كان مجرداً فقيراً حمل إلى السجن حتى يحين وقت الأسطول.
وفي القاهرة أزاهر كثيرة غير منقطعة الاتصال، وهذا الشأن في الديار المصرية يفضل كثيراً من البلاد، وفي اجتماع النرجس والورد فيها أقول:
من فضّل النرجس وهو الذييرضى بحكم الورد إذ يرأس
أما ترى الورد غدا قاعداً ... وقام في خدمته النرجس وأكثر ما فيها من الثمرات والفواكه الرمان والموز، أمّا التفاح والإجاص فقليل غال، وكذلك الخوخ، وفيها الورد والنرجس والنسرين والنيلوفر والبنفسج والياسمين والليمون الأخضر والأصفر، وأمّا العنب والتين فقليل غال، ولكثرة
ما يعصرون العنب في أرياف النيل لا يصل منه إلا القليل، ومع هذا فشرابه عندهم في غاية الغلاء، وعامتها يشربون المزر الأبيض المتّخذ من الحنطة، حتى إن الحنطة يطلع سعرها بسببه، فينادي المنادي من قبل الوالي بقطعه وكسر أوانيه، ولا ينكر فيها إظهار أواني الخمر ولا آلات الطرب ذوات الأوتار، ولا تبرّج النساء العواهر، ولا غير ذلك ممّا ينكر في غيرها من بلاد المغرب، وقد دخلت في الخليج الذي بين القاهرة ومصر وتعظم عمارته فيما يلي القاهرة، فرأيت فيه من ذلك العجائب، وربما وقع فيه قتل بسبب السكر فيمنع فيه الشرب، وذلك في بعض الأحيان، وهو ضيق، عليه من الجهتين مناظر كثيرة العمارة بعالم التهكم والطرب والمخالفة، حتى إن المحتشمين والرؤساء لا يجيزون العبور به في مركب، وللسّرج في جانبيه بالليل منظر، وكثيراً ما يتفرج فيه أهل الستر في الليل، وفي ذلك أقول:
لا تركبن في خليج مصرٍإلا إذا أسدل الظّلام
فقد علمت الذي عليهمن عالمٍ كلّهم طغام
صفّان للحرب قد أطلاّسلاح ما بينهم كلام
يا سيّدي لا تسر إليهإلا إذا هوّم النيام
والليل سترٌ على التصابيعليه من فضله لثام
والسّرج قد مدّدت عليهمنها دنانير لا ترام
وهو قد امتدّ والمبانيعليه في خدمةٍ قيام
لله كم دوحةٍ جنيناهناك أثمارها الأثام قال المقريزي: وفيه تحامل كثير، انتهى
ومن نظر بعين الإنصاف علم أن التحامل في نسبة التحامل إليه، والله تعالى الموفّق.
قال ابن سعيد: ومعاملة الفسطاط والقاهرة بالدراهم المعروفة بالسوداء
كل درهم منها ثلاثة من الدرهم الناصري، وفي المعاملة بها شدة وخسارة في البيع والشراء، ومخاصمة بين الفريقين، وكان بها قديماً الفلوس، فقطعها الملك الكامل، فبقيت الآن مقطوعة منها.
وهي في الإقليم الثالث، وهواؤها رديء، لا سيّما إذا هبّ المريسي من جهة القبلة، وأيضاً فرمد العين فيها كثير، والمعايش فيها متعذرة نزرة، لا سيّما أصناف الفضلاء، وجوامك المدارس قليلة كدرة، وأكثر ما يتعيش بها اليهود والنصارى في كتابة الطب والخراج، والنصارى بها يمتازون بالزنّار في أوساطهم، واليهود بعمائم صفر، ويركبون البغال، ويلبسون الملابس الجلية، ويأكل أهل القاهرة البطارخ، ولا تصنع حلاوة القمح إلا بها وبغيرها من الديار المصرية، وفيها جوارٍ طباخات أصل تعليمهن من قصور الخلفاء الفاطميين، ولهن في الطبخ صنائع عجيبة، ورياسة متقدمة، ومطابخ السكر والمواضع التي يصنع بها الورق المنصوري مخصوصة بالفسطاط دون القاهرة. انتهى المقصود من هذا الموضع من كلام أي الحسن النور بن سعيد رحمه الله تعالى.
وقال ﵀:
كم ذا تقيم بمصرمعذّباً بذويها
وكيف ترجو نداهموالسّحب تبخل فيها وقال رحمه الله تعالى:
لابن الزبير مكارم أضحت بهاطير المدائح في البلاد تغرّد
إن قيّدوه وبالغوا فيعصره ... فالكرم يعصر والجواد يقيّد ولنذكر بعض أخبار والده، فإنّه ممّن رحل إلى المشرق وتوفّي بالإسكندرية، وقد ذكر ابنه أبو الحسن في المغرب وغيره من أخباره
العجائب، ولا بأس بأن نلم بشيء من ذلك، سوى ما تقدّم، فنقول:
من أخباره أنّه لمّا اجتاز بمالقة ومشرفها إذ ذاك أبو علي ابن مبقّى وجه إليه من نقل أسبابه إلى داره وأقبل عليه منشداً:
أكذا يجوز القطر لا يثني علىأرضٍ توالى جدبها من بعده
الله يعلم أنّها ما أنبتتزهراً ولا ثمراً بمدة فقده
عرج عليها ساعةً يا من لهحسبٌ يفوق العالمين بمجده
وانثر عليها من أزاهرك التيتشفي المتيّم من لواعج وجده
والله ما ذاكرت فكرك ساعةًإلاّ وأقبس خاطري من زنده قال موسى: فارتجلت للحين:
أنت الذي تعرف كيف العلاوتبتدي في سبل المجد
بدأت بالفضل المنير الذيأكمل بدر الشكر والحمد
والله ما أبصرتكم ساعةًإلاّ بدا لي طالع السّعد وانصرفت معه إلى منزله:
فلم أزل في كرامه ... ليست كظلّ غمامه ولما كان أبو عمران موسى بن سعيد بالجزيرة الخضراء مقدّماً على أعمالها من قبل ابن هود وصله كتاب من الفقيه القاضي أبي عبد الله محمد بن عسكر قاضي مالقة من أحد الأدباء، منه:
أفاتح من قلبي بعلياه واثقٌوإن كانت الأبصار لم تنسخ الودّا
وثقت بما لي من ذمام تشيّعيبآل سعيدٍ فابتغيت به السّعدا
وبالحبّ يدنو كلّمن أقصت النوى ... برغم حجابٍ للنوى بيننا مدّا يا سيدي الذي حملني ما أمال أسماعي من الثناء عليه، أن اهجم على مفاتحته
شافعاً في موصّلها إليه، واثقاً بالفرع لعلم الأصل، مؤمّلاً للإفضال بتحقّق الفضل، إن لم تقض باجتماع بيننا الأيّام، فلا تجزئ من المشافهة بيننا ألسن الأقلام، ويوحي بعضنا إلى بعض يسور الوداد، والحمد لله الذي أطلعك في ذلك الأفق بدراً، وأدناك من هذه الدار فصرنا لقرب من يرد عنك لا نعدم لك ذكراً، فكلّ يثني بالذي علمت سعد، ويصف من خلالك ما يقضي ذلك المجد، ولما كان إحسانك يبشر به الصادر والوارد، ويحرض عليه الغائب والشاهد، مدّ أمله نحوك موصل هذه المفاتحة، وليس له وسيلة ولا بضاعة إلاّ الأدب وهي عند بيتك الكريم رابحة، وهو من شتّتت خطوب هذا الزمان شمله، وأبانت نوائبه صبره وفضله، وما طمح ببصره إلا إلى أفقك، ولا وجّه رجاءه إلاّ نحو طرقك، والرجاء من فضلك أن يعود وقد أثنت حقائبه، وأعنقت من الحمد ركائبه، دمت غرة في الزمن البهيم، مخصوصاً بأفضل التحيّة والتسليم، انتهى.
وابن عسكر المذكور عالم بالتاريخ متبحر في العلوم، وله كتاب في أنساب بني سعيد أصحاب هذه الترجمة، ومن شعره:
أهواك يا بدر وأهوى الذييعذلني فيك وأهوى الرقيب
والجار والدار ومن حلّهاوكلّ من مرّ بها من قريب
وكلّ مبدٍ شبهاً منكموكلّ من يلفظ باسم الحبيب [وصية ابن سعيد الأب لابنه علي]
رجع:
قال ابنه علي: لمّا أردت النهوض من ثغر الإسكندرية إلى القاهرة أول وصولي إلى الإسكندرية، رأى أن يكتب لي وصية أجعلها إماماً في الغربة
فبقي فيها أيّاماً إلى أن كتبتها عنه، وهي هذه، وكفى بها دليلاً على ما اختبر وعلم:
أودعك الرحمن في غربتكمرتقباً رحماه في أوبتك
وما اختياري كان طوع النوىلكنّني أجري على بغيتك
فلا تطل حبل النوى إنّنيوالله أشتاق إلى طلعتك
من كان مفتوناً بأبنائهفإنّني أمعنت في خبرتك
فاختصر التوديع أخذاً، فمالي ناظرٌ يقوى على فرقتك
واجعل وصاتي نصب عينٍ ولاتبرح مدى الأيام من فكرتك
خلاصة العمر التي حنّكتفي ساعة زفّت إلى فطنتك
فللتّجاريب أمورٌ إذاطالعتها تشحذ من غفلتك
فلا تنم عن وعيها ساعةًفإنّها عونّ إلى يقظتك
وكلّ ما كابدته في النّوىإيّاك أن يكسر من همّتك
فليس يدرى أصل ذي غربةٍوإنّما تعرف من شيمتك
وكلّ ما يفضي لعذرٍ فلاتجعله في الغربة من إربتك
ولا تجالس من فشا جهلهواقصد لمن يرغب في صنعتك
ولا تجادل أبداً حاسداًفإنّه أدعى إلى هيبتك
وامش الهوينا مظهراً عفّةًوابغ رضى الأعين عن هيئتك
أفش التحيّات إلى أهلهاونبّه الناس على رتبتك
وانطق بحيث العيّ مستقبحٌواصمت بحيث الخير في سكتتك
ولا تزل مجتمعاً طالباًمن دهرك الفرصة في وثبتك
وكلّما أبصرتها أمكنتثب واثقاً بالله في مكنتك
ولج على رزقك من بابهواقصد له ما عشت في بكرتك
وايأس منالودّ لدى حاسدٍضدٍّ ونافسه على خطّتك
ووفّر الجهد فمن قصدهقصدك لا تعتبه في بغضتك
ووفّ كلاًّ حقّه ولتكنتكسر عند الفخر من حدّتك
ولا تكن تحقر ذا رتبةٍفإنّه أنفع في غربتك
وحيثما خيّمت فاقصد إلىصحبة من ترجوه في نصرتك
وللرّزايا وثبةٌ ما لهاإلاّ الذي تذخر من عدّتك
ولا تقل أسلم لي وحدتيفقد تقاسي الذلّ في وحدتك
ولتزن الأحوال وزناً ولاترجع إلى ما قام في شهوتك
ولتجعل العقل محكّاً وخذكلاًّ بما يظهر في نقدتك
واعتبر الناس بألفاظهمواصحب أخاً يرغبفي صحبتك
بعد اختبارٍ منك يقضي بمايحسن في الأخدان من خلطتك
كم من صديقٍ مظهرٍ نصحهوفكره وقفٌ على عشرتك
إيّاك أن تقربه، إنّهعونٌ مع الدّهر على كربتك
واقنع إذا ما لم تجد مطمعاًواطمع إذا نفّست من عسرتك
وانم نموّ النّبت قد زارهغبّ الندى واسم إلى قدرتك
وإن نبا دهرٌ فوطّن لهجأشك وانظره إلى مدّتك
فكلّ ذي أمرٍ له دولةٌفوفّ ما وافاك في دولتك
ولا تضيّع زمناً ممكناًتذكاره يذكي لظى حسرتك
والشّرّ مهما اسطعت لا تأته ... فإنّه حوبٌ على مهجتك يا بنيّ الذي لا ناصح له مثلي، ولا منصوح لي مثله: قدمت لك في هذا النظم ما إن أخطرته بخاطرك في كل أوان رجوت لك حسن العاقبة، إن شاء الله تعالى، وإنّ أخفّ منه للحفظ وأعلق بالفرك وأحق بالتقدم
قول الأول:
يزين الغريب إذا ما اغتربثلاثٌ فمنهنّ حسن الأدب
وثانيةٌ حسن أخلاقه ... وثالثةٌ إجتناب الرّيب وإذا اعتبرت هذه الثلاثة ولزمتها في الغربة رأيتها جامعة نافعة، لا يلحقك إن شاء الله تعالى مع استعمالها ندم، ولا يفارقك بر ولا كرم، ولله درّ القائل:
يعدّ رفيع القوم من كان عاقلاًوإن لم يكن في قومه بحسيب
إذا حلّ أرضاً عاش فيها بعقلهوما عاقلٌ في بلدةٍ بغريب وما قصّر القائل حيث قال:
واصبر على خلق من تعاشرهوداره فاللبيب من دارى
واتخذ الناس كلّهم سكناً ... ومثّل الأرض كلّها دارا وأصغ يا بني إلى البيت الذي هو يتيمة الدهر، وسلّم الكرم والصبر:
ولو أنّ أوطان الديار نبت بكم ... لسكنتم الأخلاق والآدابا إذ حسن الخلق أكرم نزيل، والأدب أرحب منزل، ولتكن كما قال أحدهم في أديب متغرّب: وكان كلّما طرأ على ملك فكأنّه معه ولد، وإليه قصد، غير مستريب بدهره، ولا منكر شيئاً من أمره، وإذا دعاك قلبك إلى صحبة من أخذ بمجامع هواه فاجعل التكلف له سلّماً، وهبّ في روض أخلاقه هبوب النسيم، وحلّ بطرفه محلّ الوسن، وانزل بقلبه نزول المسرة، حتى يتمكن لك وداده، ويخلص فيك اعتقاه، وطهر من الوقوع فيه لسانك، وأغلق سمعك، ولا ترخّص في جانبه لحسود لك منه، يريد إبعادك عنه، لمنفعته،
أو حسود له يغار لتجمله بصحبتك، ومع هذا فلا تغتر بطول صحبته، ولا تتمهد بدوام رقدته، فقد ينبهه الزمان، ويغير منه القلب واللسان، ولذا قيل: إذا أحببت فأحبب هوناً مّا، ففي الممكن أن ينقلب الصديق عدوّاً والعدوّ صديقاً، وإنّما العاقل من جعل عقله معياراً، وكان كالمرآة يلقى كل وجه بمثاله، وجعل نصب ناظره قول أبي الطّيب:
ولمّا صار ودّ النّاس خبّاً ... جزيت على ابتسامٍ بابتسام وفي أمثال العامة: من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل، فاحتذى مثله من جرّب، واستمع إلى ما خلّد الماضون بعد جهدهم وتعبهم من الأقوال، فإنّها خلاصة عمرهم، وزبدة تجاربهم، ولا تتكل على عقلك، فإن النظر فيما تعب فيه الناس طول أعمارهم وابتاعوه غالياً بتجاربهم يربحك، ويقع عليك رخيصاً، وإن رأيت من له مروءةٌ وعقل وتجربة فاستفد منه، ولا تضيّع فعله ولا قوله، فإن فيما تلقاه تلقيحاً لعقلك، وحثّاً لك واهتداء، وإيّاك أن تعمل بهذا البيت في كل موضع:
فالحرّ يخدع بالكلام الطّيّب ... فقد قال أحدهم: ما قيل أضرّ من هذا البيت على أهل التجمّل، وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه، حتى تتدبره، فإن كان موافقاً لعقلك مصلحاً لحالك قوّاه ذلك عندك، وإلاّ فانبذه نبذ النواة، فليس لكل أحد يتبسّم ولا كل شخص يكلّم، ولا الجود ممّا يعم به، ولا حسن الظنّ وطيب النفس ممّا يعامل به كل أحد، ولله در القائل:
وما لي لا أوفي البريّة قسطهاعلى قدر ما يعطى وعقلي ميزان
وإياك أن تعطي من نفسك إلا بقدر، فلا تعامل الدون بمعاملة الكفء، ولا الكفء بمعاملة الأعلى، ولا تضيع عمرك فيمن يملكك بالمطامع، ويثنيك عن مصلحة حاضرة عاجلة بغائبة آجلة، واسمع قول الأول:
وبعْ آجلاً منك بالعاجل ... وأقلل من زيارة الناس ما استطعت، ولا تجفهم بالجملة، ولكن يكون ذلك بحيث لا يلحق منه ملل ولا ضجر وجفاء، ولا تقل أيضاً أقعد في كسر بيتي ولا أرى أحداً، وأستريح من الناس، فإن ذلك كسل داع إلى الذل والمهانة، وإذا علم عدوّ لك أو صديق منك ذلك عاملاك بحسبه، فازدراك الصديق وجسر عليك العدوّ، وإياك أن يغرّك صاحبٌ واحد عن أن تذخر غيره للزمان، وتطيعه في عداوة سواه، ففي الممكن أن يتغير عليك فتطلب إعانة عليه أو استغناء عنه فلا تجد ذخيرة قدمتها، وكان هو في أوسع حال وأعلى رأي بما دبره بحيلته في انقطاعك عن غيره، فلو اتفق لك أن تصحب من كل صناعة وكل رياسة من يكون لك عدّة لكان ذلك أولى وأصوب، وسلني فإنّي خبير، طال والله ما صبحت الشخص أكثر عمري لا أعتمد على سواه، ولا أعتدّ إلاّ إيّاه، منخدعاً بسرابه، موثوقاً في حبائل خطابه، إلى أن لا يحصل لي منه غير العضّ على البنان، وقول: لو كان ولو كان، ولا يحملنك أيضاً هذا القول أن تظنّه في كل أحد، وتعجل بالمكافأة، وليكن حسن الظن بمقدار مّا، واصبر بقدرٍ مّا، والفطن لا تخفى عليه مخايل الأحوال، وفي الوجوه دلالات وعلامات، وأصغ إلى القائل:
ليس ذا وجه من يضيف ولا يق ... ري ولا يدفع الأذى عن حريم فمن يكن له وجه مثل هذا الوجه فولّ وجهك عنه قبلة ترضاها، ولتحرص
جهدك على أن تصحب أو تخدم إلاّ ربّ حشمة ونعمة، ومن نشأ في رفاهية ومروءة، فإنّك تنام معه في مهاد العافية، وإن الجياد على أعراقها تجري، وأهل الأحساب والمروءات يتركون منافعهم متى كانت عليهم فيها وصمة، وقد قيل في مجلس عبد الملك بن مروان: أشرب مصعب الخمر فقال عبد الملك - وهو عدوّ محارب له على الملك -: لو علم مصعب ا، الماء يفسد مروءته ما شربه.
والفضل ما شهدت به الأعداء ... يا بني، وقد علمت أن الدنيا دار مفارقةٍ وتغير، وقد قيل: اصحب من شئت فإنّك مفارقه، فمتى فارقت أحداً فعلى حسنى في القول والفعل، فإنّك لا تدري هل أنت راجع إليه، فلذلك قال الأول:
ولمّا مضى سلمٌ بكيت على سلموإياك والبيت السائر:
وكنت إذا حللت بدار قومٍ ... رحلت بخزيةٍ وتركت عارا واحرص على ما جمع قول القائل: ثلاثة تبقي لك الودّ في صدر أخيك، أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه؛ واحذر كل ما بيّنه لك القائل: كلّ ما تغرسه تجنيه إلاّ ابن آدم فإنّك إذا غرسته يقلعك، وقول الآخر: ابن آدم يتمسكن حتى يتمكن، وقول الآخر: ابن آدم ذئب مع الضعف، أسد مع القوّة. وإياك أن تثبت على صحبة أحد قبل أن تطيل اختباره، فيحكى أن ابن المقفع خطب من الخليل صحبته، فجاوبه:
إن الصحبة رقٌّ، ولا أضع رقي في يدك حتى أعرف كيف ملكتك. واستمل من عين من تعاشره، وتفقّد في فلتات الألسن وصفحات الأوجه، ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن تبينه، فإن الكلام سلاح السلم، وبالأنين يعرف ألم الجرح، واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية تجعلها نهاية لك، وآكد ما أوصيك به أن تطرح الأفكار، وتسلّم للأقدار:
واقبل من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عيناً بعيشه نفعه إذ الأفكار تجلب الهموم، وتضاعف الغموم، وملازمة القطوب، عنوان المصائب والخطوب، ويستريب به الصاحب، ويشمت العدوّ المجنب، ولا تضرّ بالوساوس إلا نفسك، لأنّك تنصر بها الدهر عليك، ولله درّ القائل:
إذا ما كنت للأحزان عوناً ... عليك مع الزّمان فمن تلوم مع أنّه لا يدّ عليك الفائت الحزن، ولا يرعوي بطول عتبك الزمن. ولقد شاهدت بغرناطة شخصاً قد ألفته الهموم، وعشقته الغموم، ومن أعجب ما رأيته منه أنّه يتنكد في الشدة، ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج، ويتنكد في الرخاء خوفاً من أن لا يدوم، وينشد:
توقّع زوالاً إذا قيل تمّوينشد:
وعند التّناهي يقصر المتطاول ...
وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب، مثل هذا عمره مخسور يمر ضياعاً. ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العلم ما تحسنه حسداً لك، وقصداً لصغير قدرك عندك، وتزهيداً لك فيه، فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك، وتركن إلى العلم الذي مدحوه، فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلّمه فصعب عليه، ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه، فبقي مخبل المشي. ولا يفسد خاطرك من جعل يذم الزّمان وأهله، ويقول: ما بقي في الدنيا كريم ولا فاضل ولا مكان يستراح فيه، فإن الذي تراهم على هذه الصفة أكثر ما يكونون ممّن صحبه الحرمان، واستحقّت طلعته للهوان، وأبرموا على الناس بالسؤال، فمقتوهم، وعجزوا عن طلب الأمور من وجوهها فاستراحوا إلى الوقوع في الناس، وإقامة العذار لأنفسهم بقطع أسبابهم، وتعذير أمورهم. ولا تزل هذين البيتين من فكرك:
لن إذا ما نلت عزّاًفأخو العزّ يلين
فإذا نابك دهرٌفكما كنت تكون ولا قول الآخر:
ته وارتفع إن قيل أقتر وانخفض إن قيل أثرى
كالغصن يسفل ما اكتسىثمراً ويعلوا ما تعرّى ولا قول الآخر:
الخير يبقى وإن طال الزّمان بهوالشرّ أخبث ما أوعيت من زاد واعتقد في الناس ما قاله القائل:
ومن يلق خيراً يحمد الناس أمرهومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما وتحفّظ بما تضمّنه قول الآخر:
ومن دعا الناس إلى ذمّهذمّوه بالحق وبالباطل ولله درّ القائل:
ما كلّ ما فوق البسيطة كافياً ... فإذا اقتنعت فكلّ شيء كافي والأمثال يضربها لذي اللّبّ الحكيم، وذو البصر يمشي على الصراط المستقيم، والفطن يقنع بالقليل، ويستدل باليسير، والله سبحانه خليفتي عليك، لا ربّ سواه.
نجزت الوصية وتكفيك عنواناً على طبقته في النثر.
[رسالة ابن سعيد الأب لعبد الواحد الموحدي]
وله رسالة كتب بها إلى ملك المغرب أبي محمد عبد الواحد بن أبي يعقوب ابن عبد المؤمن مهنئاً له بالخلافة حين بويع بها بمراكش، وكان إذ ذاك بإشبيلية، وكان قبل ذلك كاتباً له مختصّاً به:
الحضرة العلية، السامية السنية، الطاهرة القدسية، حضرة الإمامة، وجنّة دار الإقامة، مدّ الله على الإسلام ظلالها، وأنمى في سماء السعادة تمامها وكمالها، وهنّأ المؤمنين باستقبال إمارتها، وأدام لهم بركة خلافتها، عبد أياديها، وخديم ناديها، المتوسّل بقديم الخدمة، والمتوصّل بعميم النعمة وكريم الحرمة، المنشد بلسان المسرّة، حين أطلع الزمان هذه الغرّة:
أتته الخلافة منقادةًإليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلاّ له ... ولمي ك يصلح إلاّ لها موسى بن محمد بن سعيد لا زال هذا الأمر العلي محموداً سعيداً، ولا برح يستزيد ترقياً وصعوداً:
يا نعمة الله زيدي ... إن كان فيك مزيد سلام الله الكريم، يخص حضرة الإجلال والتعظيم، والتقديس والتفخيم، ورحمته وبركاته، وبعد حمد الله الذي بلغ الإسلام بهذه الخلافة آماله، وحلّى بهذه الولاية السعيدة أحواله، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد نبيه الكريم، الذي دحض الله تعالى بنبوّته الكفر وضلاله، وعلى آله وصحبه الطاهرين الذي سمعوا أقواله، وامتثلوا أفعاله، والرضى عن الإمام المهدي المعلوم الذي أفاء الله
به على الدين الحنيفي ظلاله، وأذهب عنه طواغيته وضلاله، والدعاء للمقام العالي الكريم، بالسعد المتوالي والنصر الجسيم، وكتب العبد وقد ملأت هذه البشرى المسرة أفقه، ووسعت عليه هذه المرتبة العلية طرقه:
فهذه رتبةٌ ما زلت أرقبها ... فاليوم أبسط آمالي وأحتكم ولا أقنع مني إن اقتصرت على السماء داراً، والهلال للبشير سواراً، والنجوم عقداً، والصباح بنداً، حتى أسرّ كل أحد بشكله، وأقابل كل شخص بمثله:
ومن خدم الأقوام يرجو نوالهم ... فإنّي لم أخدمك إلا لأخدما وما بعد الخلافة رتبة، ودون ثبير تنحطّ كلّ هضبة، فالحمد لله ربّ العالمين، وهنيئاً لعباده المؤمنين، حيث نظر لهم نظر رحمة، فأسبل عليهم ستر هذه النعمة:
ولقد علمت بأنّ ذلك معصمٌ ... ما كان يتركه بغير سوار والله أعلم حيث يجعل رسالاته، وإلى من يشير بآياته، فلله صباح ذلك اليوم السعيد وليلته، لقد سفر عن وجه من البشرى أضاءت الآفاق شرقاً وغرباً غرّته، ولقد اجتمعت آراء السداد، حتى أتت الإسلام بالمراد، فأخذ القوس باريها، وحل بالدار بانيها، هنيئاً زادك الرحمن خيراً، ولا برحت المسرات تسير إليك سيراً، وهل يصلح النور إلا للمقل، وهل يليق بالحسن إلا الحلل، فالآن مهّد الله البرين، وأفاض العدل على العدوتين، وقدّم
للنظر من لا يعزب عن حفظه مكان، ولا يختصّ بحفظه إنسان دون إنسان، خلفة له النفس العمرية، والآراء العمرية، والفراسة الإياسية، ولا ينبئك مثل خبير، فلقد شاهد العبد ما لا يحصره تفسير، ولعمري لقد عاد الصباح في إشراق النهار، ولم يخف عنا ما زاد الدنيا من البهجة والمسار، وشملت الناس هذه البشائر، وعمّت كل باد وحاضر، وأصاخوا لتاليها إصاخة المجد بين لمرتادهم، وأهطعوا لها مهللين ومكبرين إهطاع الناس لأعيادهم، وأما العبد فقد أخذ بحظه، حتى خاف أن يغلب السرور على قلبه ولحظه:
ومن فرح النفس ما يقتل ... وهذه نعمة يقصر عنها النثر والنظم، ويحسد عليها الهلال والنجم، بل يسلمان لما استحقته من المراتب، ويخضعان إليها خضوع المفترض الواجب، أقرّ الله بها عيون المسلمين، وأفاض سحبها على الناس أجمعين، وحفظها بعينه التي لا تنام، ووقف على خدمتها الليالي والأيام.
[من شعر أبي عمران ابن سعيد]
ولما قدم من الأندلس على تونس مدح سلطانها أبا زكريا بقوله:
بشرى ويسرى قد أنار المظلمنجماً وقد وضح الصباح المعلم
ورنت عيون الأمن وهي قريرةٌوبدت ثغور السّعد وهي تبسّم
فارحل لتونس واعتقد أعلام منقوي الضعيف به وأثرى المعدم
حيث المعالي والمعاني والنّدىوالفضل والقوم الذي هم هم
أجروا إلى الغايات ملء عنانهمسبقاً وبذّهم الجواد المنعم
ساد الإمام الملك يحيى سادةًأعطى الورى لهم القياد وسلّموا
إنّ الإمارة مذ غدا يقتادهايقظى وأجفان الحوادث نوّم
لله منك مباركٌ ذو فطنةٍبزغت فأحجم عندها من يقدم
يقظان لا وانٍ ولا متقاعسٌكالدهر يبني ما يشاء ويهدم
إن صال فالليث الهصور المقدمأن سال فالغيث المغيث المثجم
أعلى منار الحقّ حين أمالهقومٌ تبرأت المنابر منهم
أعلى الإله مكانه وزمانه ... والنصر يقدم والسعادة تخدم وقال يخاطب ملك المغرب مأمون بني عبد المؤمن، حين أخذ البيعة لنفسه بإشبيلية، وكان المذكور بمراكش ولبني سعيد بهذا الملك اختصاص قديم:
الحزم والعزم موجودان والنّظرواليمن والسعد مضمونان والظّفر
والنور فاض على أرجاء أندلسٍوالزّور ليس له عينٌ ولا أثر
حثّ الركاب إلى هذا الجناب فقدضلّوا فما تنفع الآيات والنّذر
واعزم كما عزم المأمون إذ نشزت ... أرض العراق فزال البؤس والضرر ولما قدم العادل القائم بمرسية المتولي على مملكة البرّين إلى إشبيلية كان في جملة من خرج للقائه، ورفع له قصيدة منها:
لقاء به للبرّ والشكر مجمعإلى يومه كنّا نخبّ ونوضع
لقد يسّر الرحمن صعب مرامهفأبصرت أضعاف الذي كنت أسمع وله أيضاً:
يا منعماً قد جاءني برّهمن غير أن أجري له ذكرا
إنّ أحبّ الخير ما جاءنيعفواً، ولم أغمر به فكرا وله في غلام واعظ، وهو من حسناته:
وشادنٍ ظلّ للوعظ تالياً بين جمع
متّعت طرفي بمرآهـ في خفارة سمعي وله من أبيات:
ومن عجبٍ أنّ الليالي تغيّرت ... ولكنّها ما غيّرت منّي العهدا ومن الفضلاء الذين أدركهم وأخذ عنهم الحافظ أبو بكر ابن الجد، وأبو بكر ابن زهر، وغيرهما، وحضر حصار طليطلة مع منصور بني عبد المؤمن، وكتب لملك البرين أبي محمد بعد الواحد، وكتب أيضاً عن مأمون بني عبد المؤمن، وكتب أخيراً عن ملك بجاية والغرب الأوسط الأمير أبي يحيى ابن ملك إفريقية، رحم الله تعالى الجميع.
رجع إلى أبي الحسن ابن سعيد:
قال رحمه الله تعالى: حضرت ليلة أنسٍ مع كاتب ملك إفريقية أبي العباس أحمد الغسّاني، فاحتاجت الشمعة أن تقطّ، فتناول قطّها غلامٌ ببنانه، فقلت:
ورخص البنان تصدّى لأنيقطّ السراج بمثل العنم فقال:
ولم يهب النار في لمسهولا احتاج في قطّه للجلم فقلت:
وما ذاك إلاّ لسكناه فيفؤادي على ما حوى من ضرم فقال:
تعوّد حرّ لهيبٍ به ... فليس به من أوارٍ ألم وأنشد في المغرب للغساني المذكور في خسوف القمر ممّا قاله ارتجالاً:
كأنّ البدر لمّا أن علاهخسوفٌ لم يكن يعتاد غيره
سجنجل غادةٍ قلبته لمّا ... أراها شبهها حسداً وغيره وخاطبه المذكور برسالة يقول في آخرها: وعند حامل هذه الأحرف - سلّمه الله تعالى - كنه خبري، واستيعاب ما قصر عنه قلمي فضاقت بحمله أسطري، لتعلم ما أجده وأفقده من تشوقي وتصبري، وأنّي لا أزال أنشد حيث تذكّري وتفكّري:
يا نائياً قد نأى عنّي بمصطبريوثاوياً في سواد القلب والبصر
إذا تناسيت عهداً من أخي ثقةٍفاذكر عهودي فما أخليك من فكري
واردد عليّ تحيّاتي بأحسنها ... تردد عليّ حياتي آخر العمر ولنمسك العنان عن الجري في ميدان أخبار ابن سعيد، فإنّها لا يشق غبارها، ومنها قوله رحمه الله تعالى: سمعت كثيراً من السماع المشرقي، فلم يهزني مثل قول الشريف الشمسي المكي:
مقلٌ بالدمع غرقىوفؤادٌ طار خفقا
وتجنّ وتثنٍّشقّ جيب الصبر شقّا
يا ثقاتي خبرونيعن حديث اليوم حقّا
أكذا كلّ محبّفارق الأحباب يشقى
لا وعيشٍ قد تقضّىوغرامٍ قد تبقّى
ونعيمٍ في ذراكمقد صفا دهراً ورقّا
ونسيمٍ من حماكمحمل الوجد فرقّا
برسالات صباباتٍ على المشتاق تلقى
وغصونٍ ناعماتٍبمياه الدنّ تسقى
ووجوهٍ فضن حسناًفملأن الأرض عشقا
لو رضيتم بي عبداً ... ما رضيت الدهر عتقا وقال: ما سمعت ولا وقفت على شيء أبدع من قول الجزار، وقد تردد إلى جمال الدين بن يغمور رئيس الديار المصرية فلم يقدّر له الاجتماع به:
أسأل الله أن يديم لك العزّ ما أردت البقاء
كلّ يومّ أرجو النعيم بلقياك فألقى بالبعد عنك شقاء
علم الدهر أنّني أشتكيه ... لك إذ نلتقي فعاق اللّقاء فبعث له بما أصلح حاله من الإحسان، وكتب في حقّه إلى ولاة الصعيد كتباً أغنته مدّة عن شكوى الزمان، انتهى.
وقال أيضاً: ولم أسمع في وضع الشيء موضعه أحسن من قول المتنبي:
وأصبح شعري متهماً في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقد ولم أسمع في وضع الشيء غير موضعه أحسن من قول أبي الفرج:
مرّ مدحي ضائعاً في لؤمه ... كضياع السيف في كفّ الجبان ومن تأليف النور بن سعيد كتاب " عدة المستنجز وعقلة المستوفز " وذكر فهي أنّه ارتحل من تونس إلى المشرق رحلته الثانية سنة، وأورد في هذا الكتاب غرائب وبدائع، وذكر فيه أنّه لمّا دخل الإسكندرية لم يكن عنده
آكد من السؤال عن الملك الناصر، فأخبر بحاله، وما جرى له مع التتر حتى قتلوه بعد الأمان، ثم ساق فيه دخول هولاكو حلب فقال بعد كلام كثير: وارتكب في أهل حلب التتر والمرتدون ونصارى الأرمن ما تصمّ عن الأسماع، وكان فيمن قتل بتلك الكائنة البدر بن العديم الذي صدر عنه من الطبقة العالية في الشعر مثل قوله:
واهاً لعقرب صدغهلو لم تكن للماه تحمي
ولغفل خطّ عذاره ... لو بتّ أعجمه بلثمي وابن عمّه الافتخار بن العديم الذي وقع له مثل قوله:
والغصن فيه الماء مطّردٌ ... والماء فيه الغصن منعكس ثم قال، لما ذكر أحوال الناصر بعد استيلاء التتر على بلاد حلب والشام وما يليهما، ما نصّه: قال من دخل على الملك الناصر وقد نزل بميدان دمشق: قبّلت يده، وجعلت أدعو له، وأظهر تعزيته على ما جرى من تلك المصائب العظيمة، فأضرب عن ذلك، وقال لي: فيم تتغزل اليوم ثمّ أنشدني قوله في مملوك فقده في هذه الكائنة:
والله ما أبكي لملكٍ مضىولا لحالٍ ظاعنٍ أو مقيم
وإنّما أبكي وقد حقّ ليلفقد من كنت به في نعيم
يطلع بدراً ينثني بانةّيمرّ فيما رمته كالنّسيم
في خاطري أبصره خاطراًفألتوي مثل التواء السقيم
يا عاذلي دعني وما حلّ بيفما سوى الله بحالي عليم
إن متّ من حزنٍ له أسترحوإن أعش عشت بهمّ عظيم
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع