تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (١٦)

هيهات لا تحصى مآثر فضله ... بالمدح إن أطنب وإن لم أطنب خدمة الداعي محمد بن يوسف الكريمي، انتهى.

فأجزته بما نصّه:

أحمد من أطلع شمس الدينفي أفق الرواية المبين
وخصّ فضلاً منه بالإسنادأمّة طه مذهب العناد
فلم يكن عصرٌ من الأعصارإلاّ وفيه أهل الاسبتصار
ينفون عن حوزة دين الله مايروم من عليه رشدٌ أبهما
وأنتحي سبل صلاةٍ كاملهعلى الذي له العطايا الشامله
محمدٍ المرسل بالشرع الحسنذي المعجز المفحم أرباب اللّسن
مع حزبه من صحبه وعترتهومن تلا مؤمّلاً لأثرته
وبعد فالعلم أجلّ ما اعتمدموفّقٌ من فيض مولاه استمد
خصوصاً الحديث عن خير الورىصلّى عليه الله ما زندٌ ورى
ولم يزل ذوو النهى يسعون فيتحصيله إذ فضله غير خفي
وإنّ مولانا الشهير الساميالماجد المولى نبيه الشام
سالك نهج السّنّة القويممحمد بن يوسف الكريمي
لا زال في عزٍّ وفي أمانمبلّغاً من قصده الأماني
وجّه لي لمّا حللت الشاماوبرق حسن الظنّ مني شاما
قصيدةً بليغةً مستعذبهغريبةً في فنّها مهذّبه
يسأل من مثلي بها الإجازهبشرطها عند الذي أجازه
مستمسكاً بعروة الصّوابولم أجد بدّاً من الجواب
فليرو عنّي ما سمعت كلّهوما جمعت في الفنون جمله
على شروطٍ قرّرت في الفنّمرتجياً حصول كلّ منّ
وصنوه الأكمل قد أبحتهذاك على الوجه الذي شرحته
وإن أكن فيما ابتغى مقصّرافذو الرضى ليس لعيبٍ مبصرا
ولي أسانيد أبى وقتي عن تفصيلهالمّا من الرحلة عن
والعذر بادٍ والكريم يقبلوالصفح نهجٌ يقتفيه الأنبل
وخطّ هذا المقّريّ الجانيأمّنه الله من الأشجان
في عام ألفٍ وثلاثين قفاسبعاً لهجرة النبي المصطفى

عليه أزكى صلواتٍ تغتنم ... يزكو بها متبدأٌ ومختتم وكتب إلي الفاضل الخطيب، الفهامة الأديب، وارث الفضل عن الأعلام ذوي اللّسن، سيدي الشمس محمد المحاسني سبط شيخ الإسلام مولانا البوريني حسن، حفظه الله تعالى، بقوله:

يا سيّدي وملاذيوعالم الثّقلين
ومن غدا بمكانٍعلا على النّيّرين
أجزت بالدرس قوماًفاقوا به الفرقدين
فزيّن العبد أيضاًمن مثل ذاك بزين
إن لم يكن في ختامٍفذاك قرّة عيني

فأجزته بما نصّه:

أحمد من أطلع من محاسندمشق ما أربى على المحاسن
وزانها بالجلّة الأعيانالرافلين في حلى التبيان
الراغبين في الحديث النبويالسالكين في الهدى النهج السوي
وبعد فالعلم أجلّ زينهوسبله في الرشد مستبينه
وإنّ علم السنّة الشريفهظلاله ضافيةٌ وريفه
لذاك كان باعتناءٍ أجدرامن كلّ ما يمليه من تصدّرا
وإنّ ذا الفضل الأديب البارعسابق ميدان الذكا المسارع
الماجد المسدّد السامي الحسبمحمد من للمحاسن انتسب
ابن الشهير الصدر تاج الدينلا زال في عزٍّ وفي تمكين
وجدّه لأمّه الشيخ الحسنوذاك بورينيهم معطى اللّسن
يسألني إجازةً بكلّ ماأرويه عنواناً بحالي معلما
وها أنا أجبته غير بطلمستغفراً من خطإ ومن خطل
فليرو عني كلّ ما يصحّعلى شروط غيثها يسحّ
وهي عن الشروط لن تريماوليس يخفي علمه الكريما
وكلّ ما ألّفت أو جمعتنظماً ونثراً مثل ما أسمعت
ولي أسانيد يضيق الوقتعن سردها وبعضها قد سقت
في غير هذا فليحقّق ذلكمقتفياً لأوضح المسالك
وقد أخذت جامع البخاريومسلمٍ عن جائز الفخار
عمّي سعيدٍ وهو عمّن يدعىبالتّنسيّ قد أفاد الجمعا
عن حافظ الغرب الرّضى أبيهعن ابن مرزوقٍ عن النبيه
وما له من الروايات علممن كتبه التي حوت خير الكلم
وخطّ هذا المقّريّ عن عجلمؤمّلاً من ربه ﷿
غفران ما جنى من الذنوبوالصفح عن معرّة العيوب
بجاه خير العالمين أحمداصلّى عليه الله دأباً سرمدا

وآله وصحبه الأخيار ... ومن تلا لآخر الأعصار ولما سألني في الإجازة الفاضل الأديب سيدي محمد بن علي ابن مولانا عالم الشام الشهير الذكر شيخ الإسلام سيدي ومولاي الشيخ عمر القاري - حفظه الله تعالى - وأنا مستوفز للسفر، كتبت له عن عجل ما صورته:

أحمد من زيّن بالآثارجيداً من الراوي النبيه القاري
وشاد للعلياء في أوج السّندمنازلاً لم يبلها طول الأمد
وميّز الواعين للحديثبالفضل في القديم والحديث
وزان منهم سماء الدينفأشرقت بالحفظ والتبيين
فهم بها للمهتدي نجوموإنّها للمعتدي رجوم
فكم أزاحوا عن حديث المجتبىصلّى عليه الله ما هبّت صبا
تحريف ذي غلٍّ مصلٍّ غاليشانٍ لمنهاج الرشاد قالي
وبعد فالإسناد للروايهوسيلةٌ تزحزح الغوايه
والله قد خصّص هذي الأمّهبه امتناناً وأزاح الغمّه
هذا ولولا ذاك قال من شاما شاءه فهو بحقٍّ منشا
فلم يزل أهل النّهى كلّ زمنيسعون في تحصيله عن مؤتمن
وإنّ من جملة من تحرّىومن بسبقٍ للعلوم غرّا
الفاضل المسدّد النّجيبالواصل الممجّد الأريب
محمدٌ سليل ذي المجد عليابن الإمام العالم الحبر الولي
عمر الشيخ الشهير القاريطود السكون هضبة الوقار
شيخ الشيوخ في دمشق الشاملا زال محفوفاً بعزٍّ سامي
فكان من جملة من عنّي روىبعض الصحيح ظافراً بما نوى
وبعد ذاك اقترح الإجازهمني ووعدها اقتضى إنجازه
فانعجمت نفسي عن الإجابهإذ لست في ذا الأمر ذا نجابه
مع أنّني مقصّرٌ ذو عيّفي مثل هذا المطلب المرعيّ
وخفت أن آتيها شنعاءبحملي الوشي إلى صنعاء
وبعد ذا أجزت قصد الأجرمرتجياً بذاك ربح التّجر
وقد أجبته وإنّي أعلمأنّي من خوف الخطا لا أسلم
فليروها ببالغ التمنّيجميع ما يصحّ لي وعني
من ذلك الجامع للبخاريعن عمّي الشهير ذي الفخار
سعيدٍ الآخذ عن سفينعن قلقشنديٍّ مزيح المين
عن حافظ الإسلام أعني ابن حجربما له من الرّوايات اشتهر
وبعضها في صدر فتح الباريمبيّنٌ لطالب الأخبار
ولي أسانيد يطول شرحهاوالروضة الغنّاء يكفي نفحها
ومن رواياتي عن القصّارمفتي البرايا بهجة الأعصار
حدثنا خروفٌ الذاكي الأرجعن الشريف الطحطحائي فرج
سمعت في المنام طه يمليحديث من أصبح وفق النقل
أي آمناً في سربه معافىفي جسمه مع قوت يومٍ وافى
وكلّ ما ألّفت في الفنونأرجو به التحقيق للظّنون
فليروه عنّي بشرطٍ معتبروربّما يصدّق الخبر الخبر
ولي تآليف على العشرينازادت ثمانياً حوت تعنينا
فليروها إن شاء بلا استثناءوالله أرجو نيل قصدٍ نائي
بجاه من شرّف بالإدناءصلّى عليه الله في الآناء
أحمد خير المرسلين الهاديغوث البرايا ملجإ الأشهاد
عليه أسنى صلواتٍ زاكيهمع صحبه ذوي المزايا الزاكيه
ومن تلا ممّن أطاب عملهفنال من رجاءه ما أمّله

وشمّ من عرف قبولٍ أرجا ... فنال من حسن الختام ما رجا وخاطبني من أهلها أيضاً خادم الشيخ الأكبر ابن عربي محيي الدين، وهو الشيخ الأكرمي سيدي إبراهيم، سلك الله بي وبه سبل المهتدين، بقوله:

فكرت في فضل الإمام المقّريّ الحبر حينا
للشاعر إبراهيم الأكرمي، اقرأ القصيدة
فوجدته بكر الزمان وواحد الدنيا يقينا
للشاعر إبراهيم الأكرمي، اقرأ القصيدة
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله في العالمينا
للشاعر إبراهيم الأكرمي، اقرأ القصيدة
وافى دمشقاً زائراًلو أنّه أضحى قطينا
للشاعر إبراهيم الأكرمي، اقرأ القصيدة
وأتى عجيب الاتفاق بفطر شهر الصائمينا
للشاعر إبراهيم الأكرمي، اقرأ القصيدة
فكأنّه غرّته الهلال ونحن كنا ناذرينا
للشاعر إبراهيم الأكرمي، اقرأ القصيدة

والعلم قال مؤرخاً ... أدّى بها فضلاً مبينا وخاطبني أيضاً منهم الفقيه النبيه سيدي مصطفى بن محب الدين حفظه الله

تعالى بقوله:

فضائل قطب الغرب في العلم والفضلهو المقّريّ الأصل حائزة الخصل
حوى كلّ علمٍ كلّ عن بعضه السّوىفلا غرو أن أضحى فريداً بلا مثل
وحاز فنوناً من ضروب معارفٍومن فضل تحقيقٍ ومن منطقٍ فصل
توخّى دمشق الشام فافترّ ثغرهاسروراً به وازّيّنت من حلى الفضل
وشرّف مصراً قبلها فاكتست بهملابس فخرٍ زانها كرم الأصل
لقد أشرقت من أفق غربٍ شموسهوناهيك أفقاً نوره قدره معلي
نافسته فيها تنافست الورىبما قد غدا من درّ ألفاظه يملي
مليٌّ من التحقيق إن عنّ مشكلٌتكفّل بالتبيان والشرح والحلّ
إذا ما أدار الدرّ من كأس لفظهسقانا عقار الفضل علاًّ على نهل
نظامٌ له يحكي قلائد عسجدٍوثغرٌ مليحٌ فائق الحسن والدلّ حكت حبراً حيكت نمارق من غزل
له القلم الأعلى بشرقٍ ومغربٍله الموضع الأسمى على الكلّ في الكلّ
فيا سيّداً حاز المفاخر والعلاوفاقت حلى الآداب منه على الحليّ
إليك من العبد الحقير تحيّةًلقد نشات عن خالص الودّ من خل
موالٍ يوالي الحبّ والقرب منكمبظاهر غيبٍ لا يحيد عن الوصل
فلا زلت محبوّاً بسابغ نعمةٍوفضل نعيمٍ وافرٍ وارف الظلّ

ودمت لدى الأسفار في نجح أوبةٍ ... وجمعٍ لشملٍ بالمواطن والأهل وخاطبني أيضاً الشيخ سيدي محمد بن سعد الكلشني بقوله:

شهر شعبان جاءنا ليهنّابقدوم الأستاذ كنز الفضائل
بهجة الكون روض علمٍ وحلمٍوهو مغني اللبيب إن جاء سائل
بمصابيح فضله قد أضاءتساحة الجامع الكبير لآمل
وبمختار لفظه صار يحويلحديثٍ مسلسلٍ عن أفاضل
ومن الغرب حين وافى لشرقٍفاق بدر التّمام وسط المنازل
حلّ مني في القلب لمّالاح سعد السعود لي غير آفل
وغدا بالأمان والسّعد أرّخأحمد المقّريّ بالشام قائل وقال أيضاً شكراً لله تعالى نيته، وبلغه أمنيته:
أتاك دمشق الشام أكرم واردفقريّ به عيناً وللحسن شاهدي
وهزّي دلالاً في أزاهر روضهمعاطف لينٍ كالغصون الأمالد
لك البشر يا عيني ظفرت بأمجدٍرفيع الذرى من فوق فرق الفراقد
لقد شاع بين الناس واسع فضلهفكم قاصدٍ يسعى لنيل الفوائد
من العالم الفرد المفيد الذي لهأيادٍ سمت بالجود تولى لقاصد
وذاك أبو العبّاس أحمد من صفتمناهله دوماً إلى كلّ وارد
تراه إذا وافيته متهلّلاًويبسم حبّاً في وجوه الأماجد
إمامٌ سما قدراً على النجم رفعةًأرى وصفه في بيت نظم مشاهد
لديه ارتفاع المشتري وسعودهوسطوة بهرامٍ وظرف عطارد
شهدت بأن الله أولاه منحةًبنقل حديثٍ في جميع المساجد
ومذ حلّ في وادي دمشق ركابهوسؤدده وافى بأعدل شاهد
حوى كلّ إفضالٍ وكلّ فضيلةٍبها يهتدى حقّاً لنيل المقاصد
وماذا عسى في مدحه أنا قائلٌولو جئت فيه مطنباً بالقصائد
إذا رمت أن تلقى نظيراً لمثلهوفكرته قد قيّدت للشوارد
ومنطقه حاوي الشّفا بجواهرصحاحٍ بها يزدان عقد القلائد
من الغرب وافى نحو شرقٍ فأشرقتشموس علومٍ أسفرت عن محامد
فناديته يا سيّدي من بفضلهتواترت الأخبار عن غي واحد
عسى عطفةٌ منكم عليّ بنظرةٍفأنت لموصول الجدا خير عائد
وأنت على ريب الزمان مساعديوأن يميني للحسود وساعدي
فلا زلت تولي كلّ من هو آملٌلبغيته من صادرٍ ثمّ وارد
وتبقى مدى الأيام في المجد رافلاًبثوب الهنا تكفى شرور الحواسد
وهاك عروساً تجتلي في حليّهاإليك أتت في زيّ عذراء ناهد
تهنّي بعيد الفطر من بعد صومكمبخيرٍ جزيلٍ من لذيذ الموائد
وترجو جميل الستر إن هي مثّلتبحضرتك العلياء يا خير ماجد
وعش في أمان الله بالعزّ دائماًمدى الدهر ما سحّ الحيا في الفدافد
وما دارت الأفلاك من نحو قطبهاوما بزغت شمس الضحى للمشاهد وقال أيضاً زاده الله تعالى من فضله:
ظبيٌ بوسط الفؤاد قائلأعجز بالوصف كلّ قائل
ظبيٌ بأجفانه سبانيوسحرها ينتمي لبابل
يرمي بسهم اللحاظ لمّايرنو فيصمي الفؤاد عاجل
قد فتن العقل مذ تجنّىعليّ حتى غدوت ذاهل
له قوامٌ كخوط بانٍأو كالقنا السّمهريّ عادل
بدرٌ بدا كامل المعانيفي القلب والطف عاد نازل
قد أسر القلب في هواهبقيد حسنٍ وفرع سابل
وما بقي منه لي خلاصٌسوى مديحي رضى الأفاضل
أعني به المقّريّ من قدسما على البدر في المنازل
أحمد مولى له أيادٍكالغيث يغني لكلّ سائل
علاّمةٌ حاز كلّ فضلٍسبقاً ومن بالعلوم عامل
من قد نشا في العلوم طرّاًوحاز علم البيان كامل
طويل باعٍ بسيط فضلٍمديد جودٍ لكلّ آمل
ووافر العقل راح يهديسريع فضلٍ لكلّ فاضل
وجامع العلم في ابتهاجٍبمنطقٍ في الأصول حافل
وهكذا في الكلام مهماأفاده في الدروس شامل
يروي صحيح الحديث دأباًبالسّند الواصل الدلائل
وكم علومٍ أفاد من قدأتاه في مشكل المسائل
وحلّ إبهام كلّ شكلٍمن فنّ وفقٍ إلى الوسائل
وغاص في لجّة المعانيواستخرج الدّرّ في المحافل
وفي فنون البديع أضحىجناسه قد حوى رسائل
وكم دليلٍ أقام لمّابرهانه أبهت المعازل
إن كان وافى لنا أخيراًفهو الذي فاخر الأوائل
بحرٌ محيطٌ يفيض منهعلى رياضٍ بكلّ ساحل
وافى من الغرب نحو شرقٍيجوب من فوق متن بازل
في مهمهٍ صحصحٍ مهولٍوحزنه كم به غوائل
وحثّ فيه المسير حتىخلّفه من وراء كاهل
وجاء باليمن في أمانٍوصحّة الجسم والشمائل
وحلّ فيا لشام عند قومٍمن أكرم الناس في القبائل
ذاك ابن شاهين ذو المعاليربّ الندى للألوف باذل
كأنّه الشمس جاء يهديللبدر ونوراً وليس آفل
بل كان غيثاً لهم وكانواروضاً أريضاً لشكر وابل
فبجّلوه وعظّموهوادخروا عاجلاً لآجل
جزاهم الله كلّ خيرٍوصانهم من جدال جاهل
وأحمدٌ دام في أمانٍالمقّريّ الرضى المعامل
لربّه في دجى اللّياليويرشد الناس في الأصائل

لا زال في نعمةٍ وخيرٍ ... وفي أمانٍ يعود عاجل وخاطبني الأديب الفاضل، الشيخ أبو بكر العمري شيخ الأدباء بدمشق، حفظه الله تعالى، بقوله:

تاهت تلمسان على مدن الدنىبعالمٍ في العالمين يحمد
المقّريّ أحمدٌ ربّ الحجىالكامل البحر الخضمّ المزبد
مالك هذا العصر شافعيّهأحمده نعمانه المسدّد
مذ حلّ مصر أذعنت أعلامهالفضله وبجّلوا ومجّدوا
وفي دمشق الشام دام سعدهاكان له بها المقام الأسعد
العلماء أجمعوا جميعهمعلى معاليه التي لا تجحد
أقام شهراً أو يزيد وانثنىوفي الحشا منه المقيم المقعد
سالت على فراقه دموعناوفي القلوب زفرةٌ لا تخمد
لو قيل من يحمد في تاريخهما قلت إلا المقّريّ أحمد

لا برحت أوقته مفيدةً ... ما صاح فوق عوده مغرّد قلت: وذكري لكلام أعيان دمشق - حفظهم الله تعالى - ومديحهم لي، ليس - علم الله - لاعتقادي في نفسي فضلاً، بل أتيت به دلالة فضلهم الباهر، حيث عاملوا مثلي من القاصرين بهذه المعاملة، وكسوه حلل تلك المجاملة،

مع كوني لست في الحقيقة له بأهل، لما أنا عله من الخطإ والخطل والجهل.

ولقد خاطبت من مصر مفتي الشام صدر الأكابر، وارث المجد كابراً عن كابر، ساحب أذيال الكمال، صاحب الخلال المبلغة الآمال، مولانا شيخ الإسلام الشيخ عبد الرحمن العمادي الحنفي، بكتاب لم يحضرني منه الآن غير بيتين في أوله، وهما:

يا حادي الأظعان نحو الشّامبلّغ تحياتي لتلك الخيام
وابدأ بمفتيها العماديّ الرضىدام به شمل الهنا في التئام فأجابني بما نصّه:
إلى أهالي مصر أهدي السّلاممبتدئاً بالمقّريّ الهمام

من ضاع نشر العلم من عرفه ... ولم يضع منه الوفا للذّمام أهدي تحف التحية، إلى حضرته العلية، وذاته ذات الفضائل السنية الأحمدية، التي من صحبها لم يزل موصولاً بطرائف الصّلات والعوائد، الأوحديّة الجامعة التي لها منها عليها شواهد:

وليس لله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد فيا من جذب قلوب أهل عصره إلى مصره، وأعجز عن وصف فضله كلّ بليغ ولو وصل إلى النثرة بنثره، أو إلى الشّعرى بشعره، ومن زرع حبّ حبّه في القلوب فاستوى على سوقه، وكاد كل قلب يذوب بعد بعده من

حر شوقه، وظهرت شمس فضله منالجانب الغربي فبهرت بالشروق، وأصبح كل صب وهو إلى بهجتها مشوق، زار الشام ثم ما سلّم حتى ودّع، بعد أن فرع بروضها أفنان الفنون فأبدع، وأسهم لكلٍّ من أهلها نصيباً من وداده، فكان أوفرهم سهماً هذا المحب الذي رفع بصحبته سمك عماده، وعلق بمحبته شغاف فؤاده، فإنّه دنا من قلبه فتدلّى، وفاز من حبّه بالسهم المعلّى، أدام الله تعالى لك البقا، وأحسن لنا بك الملتقى، ومنّ علينا منك بنعمة قرب اللقا، آمين بمنّه ويمنه، هذا، وقد وصل من ذلك الخلّ الوفيّ، كتابٌ كريم هو اللطف الخفيّ، بل هو من عزيز مصر القميص اليوسفي، جاء به البشير ذو الفضل السني، الخل العز الأجل التاج المحاسني، مشتملاً على عقود الجواهر، بل النجوم الزواهر، بل الآيات البواهر، تكاد تقطر البلاغة من حواشيه، ويشهد بالوصول إلى طرفها الأعلى لموشّيه، فليت شعري بأي لسان، أثني على فصوله الحسان، العالية الشان، الغالية الأثمان، التي هي أنفس من قلائد العقيان، وأبدع من مقامات بديع الزمان، فطفقت أرتع من معانيها وفي أمتع رياض، وأقطع بأنّ في منشئها اعتياضاً لهذا العصر عن عياض:

ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدحٍ فلا أرضى لها كلمي ولا سيما فصل التعزية والتسلية، المشتمل على عقد التخلية بل عقود التحلية، لتلميذكم الولد إبراهيم، فإنّه له كرقية السليم، بعد أن كاد يهيم، فجاء ولله درّه في أحسن المحالّ، ووقع الموقع حتى كأن الولد نشط ببركه من عقال:

وإذا الشيء أتى في وقتهزاد في العين جمالاً لجمال

فجزاكم الله تعالى عنّا أحسن الجزاء، ثمّ أحسن لكم جميل العزاء، فيمن ذكرتم من كريمتي الأصل والفرع، وأبقى منكم ماكثاً في الأرض من به للناس أعمّ النفع. وأمّا من كان وليي وسميي ومنجدي، الشهيد السعيد المرحوم الشيخ عبد الرحمن المرشدي، فإنّها أصابت منّا منكم والأخوين، فقد عمّت الحرمين، بل طمت الثّقلين، ولقد عدّ مصابه في الإسلام ثلمة، وفقد به في حرم الله تعالى من كان يدعى للملمّة، ولم يبق بعده إلاّ من يدعى إذا يحاس الحيس، واستحق أن ينشد في حقّه وإن لم يقس به قيس:

وما كان قيسٌ هلكه هلك واحدٍ ... ولكنّه بنيان قومٍ تهدّما فالله تعالى يرفع درجاته في علّيّين، ويبقى وجودكم للإسلام والسلمين، وتلامذتكم الأولاد، يرجون من بركات أدعيتكم أعظم الأمداد، ويهدون أكمل التحيّة، إلى حضرتكم العليّة، ونبلغكم دعاء صاحب السعادة، أدام الله تعالى إسعادكم وإسعاده، ونحن من صحبته الشهية، في رياض فنون أدبية، أبهاها لمعات محاضرة في ذكر شمائلكم الجميلة، تنور المجالس، وأشهاها نسمات محاورة بنشر فضائلكم الجليلة، تعطر المجالس، وسلام جملة الأصحاب من أهل الشام، وعامة الخواص والعام، والدعاء على الدوام - المخلص الداعي عبد الرحمن العمادي، مفتي الحنفية، بدمشق المحمية.

ووردت عليّ مع المكتوب مكاتبات لجماعة من أعيان الشام حفظهم الله تعالى؛ فمنها من الصديق الحميم، الرافل في حلل المجد الصميم، الخطيب، الأديب، سيدي الشيخ المحاسني يحيى، أسمى الله تعالى قدره في الدين والدنيا، كتابان نصّ أولهما: باسمه سبحانه:

لئن حكّمت أيدي النّوى وتعرّضتعوارض بينٍ بيننا وتفرّق

فطرفي إلى رؤياكم متشوّف ... وقلبي إلى لقياكم متشوّق يقبل الأرض الشريفة لا زالت مركزاً لدائرة التهاني، وقطباً لفلك تجري المجرّة في حجرته على الدقائق والثواني، ولا برحت ألسن البلاغة عن تمييز براعة يراعة حامي حماها معربة، وبلابل الآداب على الأغصان في رياض فضله بمثاني الثناء صادحة، وبألحان سجعها مطربة:

أرضٌ بها فلك المعالي دائرٌوالشمس تشرق والبدور تحوم

ولها من الزهر المنضّد أنجمٌ ... ولها على أفق السماء نجوم عمّر الله تعالى بالمسرّات محلّها، وعمّ بالخيرات من حلّها، ويبتدئ بسلام يخبر عن صحيح ودّه السالم، ومزيد غرام يؤكد حبّه الذي هو للولاء حازم، وينعت شوقاً يحرك ما سكن صميم الضمير، من صدق حبّ سلم جمعه من التكسير، ويؤكد السلام بتوابع المدح والثناء، ويعرب عن محبة مشيدة البناء، وينهي أن السبب في تسطيرها، والباعث على تحريرها، أشواق أضرم نارها في الفؤاد، ومحبّة لو تجسّمت لملأت البلاد، وأقول:

شوقي لذاتك شوقٌ لا أزال أرىأجدّه يا إمام العصر أقدمه

ولي فزٌ كاد ذكر الشوق يحرقه ... لو كان من قال: نارٌ، أحرقت فمه هذا وإن تفضّل المولى بالسؤال عن حال هذا العبد فهو باقٍ على ما تشهد الذات العلية، من صدق المحبّة ورقّ العبودية، ولم يزل يزين أفق المجالس بذكركم، ولا يقتطف عند المحاضرة إلاّ من زهركم، ولم ينس حلاوة العيش في تلك الأوقات التي مضت في خدمتكم المحروسة بعناية الملك المتعال، وليالي الأنس التي قيل فيها، " وكانت بالعراق لنا ليال ":

واهاً لها من ليالٍ هل تعود كماكانت، وأيّ ليالٍ عاد ماضيها
للشاعر ابن زاكور، من قصيدة «واها لها من ليال هل تعود كما»

لم أنسها مذ نأت عنّي ببهجتها ... وأيّ أنسٍ من الأيام ينسيها فنسأل الله تعالى أن يمن بالتلاق، ويفصل مانعة الجمع بطيّ شقة الفراق، إن ذلك على الله يسير، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير.

وبعد، فالمعروض على مسامع سيدي الكريمة، لا زالت من كل سوء سليمة، أنّه وصلنا مكتوبكم الكريم، صحبة العم المحب القديم، فحصل لهذا العبد به جبر عظيم، وأنس جسيم، كما شهد بذلك السميع العليم، فعزمت على ترك الإجابة، لعدم الإجادة، ومتى تبلغ الألفاظ المذمومة ما بلغته الألفاظ المقّريّة وأين يصل صاحب الزّمر كما قيل إلى الدقات الخليلية ولكنّني خشيت من ترك الإجابة توهّم نقض ما أبنيه من رق العبوديّة وصحة الوداد، ومن انقطاع برق شيخي الذي هو لبيت شرفي العمدة والعماد، فلزم من ذلك أن كتبت لجنابه الشريف الجواب، وإن كان خطؤه أكثر من الصواب، وأرسلته قبل ذل بعشرة أيام، ومكتوب هذا العبد صحبته مكتوبان: أحدهما من محبكم شيخ الإسلام المفتي العمادي، والآخر من محبكم أحمد أفندي الشاهيني، وهما وبقية أكابر البلدة وأعيانها يبلغونكم السلام التام، ولا تؤاخذونا في هذا المكتوب فإنّي كتبته عجلاً، ومن جنابكم خجلاً، دام خيركم على الدوام، إلى قيام الساعة وساعة القيام، وحرره يوم الاثنين من جمادى الثانية سنة، الفقير الداعي يحيى المحاسني، انتهى.

ونصّ الكتاب الثاني من المذكور أسماه الله باسمه سبحانه: مخلصك الذي محض لك وداده، ومحبك الذي أسلم لمحبتك قياده، بل عبد كالذي لا يروم الخروج عن رقّك، وتلميذك الذي لم يزل مغترفاً من فيض علومك، معترفاً بحقّك، من أسكنك لبّه، وأخلص لك بحبّه، واتخذك من بين الأنام ذخراً نافعاً، وكهفاً مانعاً، ومولى رفيعاً، وشهاباً ساطعاً، وتشبّث بأسباب علومك

وتمسّك، يهدي إليك سلاماً كأنّما تعطّر مسك ثنائك وتمسّك، واكتسب من لطف طبعك الرقة، واستعار من سنا وجهك حلّة مستحقّة، وتحية لم يكن مناه إلا أن تكون بالمواجهة، والمحاضرة والمشافهة، على أن فؤاده لم يبرح لك سكناً، وأحشاءه لك موطناً، ويبدي دعواتٍ يحقّق الفضل أنّها من القضايا المنتجة، وأن أبواب القبول لها غير مرتجة، مقبّلاً أياديك التي وكفت بوابل جودها، فهذا يرفل في حللها، وهذا يتحلّى بعقودها:

فهي التي تعنو الرّياض لرقمهاويغار منها الدّرّ في تنضيدها

ويحار أرباب البيان لنظمها ... فهم بحضرتها كبعض عبيدها متمسكاً من ولائك بوثيق العرى، متمسكاً من ثنائك الذي لا يزال الكون منه معنبرا، متشوقاً للقائك الذي بالمهج يستام وبالنفوس يشترى، متشوفاً إلى ما يرد من أنبائك التي تسرّ خبرا، وتحمد أثرا، أعني بذلك المولى الذي أقام بفناء الفسطاط مخيماً، وانتجع حماه رائد الفضل ميمماً، وشدّت لفضائله الرّحال، ووقفت عندها بل دونها فحول الرجال، وطلعت شموس علومه في سماء القاهرة، فاختفت نجوم فضلائها والأشعة باهرة:

هو الشّمس علماً والجميع كواكبٌ ... إذا ظهرت لم يبد منهم كوكب فهو العالم الذي سرى ذكره في الآفاق، مسير الصّبا جاذب ذيلها النسيم الخفّاق، الذي أطلع شمس التحقيق من أفق بيانه، وأظهر بدر التدقيق من تبيانه، فلهذا عقدت عليه الخناصر بين علماء عصره، وانعطفت إليه الأواصر من فضلاء مصره، فلا يضاهيه في ذلك أحد في زمانه، وينسق ما نسقه من درّه ومرجانه، فهو المعوّل عليه في مشكلات العلوم، معقولها ومنقولها والمنطوق والمفهوم، الذي لم تسمح بمثله الأزمان والعصور، ولم يأت بنظيره تتابع الأعصار

والدهور، من عجز لسان القلم، عن التصريح باسمه الشريف في هذا الرقم، لا زالت المدارس مشرقة بإلقائه فيها الدروس، ولا برحت البقع عامرة بوجوده بعد الدّروس، ما سطّرت آيات الأشواق في الصحائف والطروس، وأرسلت من تلميذ إلى أستاذ بسبب نسبته إليه فحصل على المطلوب من شرف النفوس، هذا، والذي يبدي لحضرتكم، وينهي لطلعتكم، أن الراقم لهذه الصحيفة، المشرّفة ببعض أوصافكم اللّطيفة، المرسلة لساحة فضائلكم المنيفة، هو تلميذكم من تشرف بدرسكم، وافتخر بإجازتكم، يبدي لكم تلهّفه لنيران أشواقه التي التهبت، وتأسفه على الأيّام السالفة مذهبة في خدمتكم لا ذهبت، وتوجّعه لهذه الأزمان التي استرجعت بالبعد عنه من ذمّته ما وهبت، وتطلعه إلى ما يشنّف به الأسماع من فضائله التي سلبت العقول وانتهبت، فلم يزل يسأل الرواة عنها، ليلتقط منها، وقد تحقّق أن فرائدها لا يلفي لها نظيراً ولا يدرك لها كنها، وكيف لا ومنها يتعلّم الفاضل اللبيب، وإليها يفتقر السعيد ويتودّد حبيب، وعليها يعتمد ابن العميد، ولم تنفكّ راقيةً في درج المزيد، وعبد الحميد عبد الحميد، وعلم شيخي محيط بصدق محبتي وإخلاصها، وشدّة حرصي على تحصيل فوائد مولانا واقتناصها، وأنّني لا أزال ذاكراً لمحاسنه التي ليست في غيره مجموعة، ومتطفّلاً على ثمار أفكاره التي هي لا مقطوعة ولا ممنوعة، وخاطره الشريف على الحقيقة يشهد بذلك، فلا يحتاج هذا العبد إلى بيّنة لدى مولانا الأستاذ المالك، وحقيق على من فارق تلك الأخلاق الغرّ، والشمائل الزّهر، والعشرة المعشوقة، والسجايا الموموقة، والفضائل الموفورة، والمآثر المشهورة، أن يشق جيب الصبر، ويجعل النار حشو الصدر:

وإنّي لتعروني لذكراك هزّةٌ ... كما انتفض العصفور بلّله القطر ولو ملكت مرادي، لما اخضرّ إلاّ في ذراه مرادي، بل لو دار الفلك على اختياري، لما نضوت إلا عنده ليلي ونهاري:

ولو نعطى الخيار لما افترقناولكن لا خيار مع الزمان
وتحت ضلوعي لوعة لو كتمتهالخفت على الأحشاء أن تتضرّما

ولو بحت في كتبي بما في جوانحي ... لأنطقتها ناراً وأبكيتها دما وأنا لا أقترح على الدهر إلاّ لقياه، ولا أقطع حاضر الوقت إلا بذكراه، وما أعد أيامي التي سعدت فيها بلقائه إلا مفتاح السرور، ومطالع السعود والحبور، ولست أعيبها إلا بقلة البقاء، وسرعة الانقضاء، وكذلك عمر السرور قصير، والدهر بتفريق الأحبّة بصير، وربما اهتزّ العود بعد الذبول، وطلع النجم بعد الأفول، وأديل الوصال من الفراق، وعاد العيش المرّ حلو المذاق:

وما أنا من أن يجمع الله شملنا ... كأحسن ما كنّا عليه بآيس فأمّا الآن فلا أزجي الوقت إلا بقلب شديد الاضطراب، وجوانح لا تفيق من التوقد والالتهاب، وكيف لا وحالي حال من ودّع صفو الحية يوم وداعه، وانقطع عنه الأنس ساعة انقطاعه، وطوى الشوق جوانحه على غليل، وحلّ أضلاعه على كمد دخيل، وأغرى بي فلزمني ولزمته، وألف بيني وبين الوجد فألفني وألفته، فلا أسلك للعزاء طريقاً إلاّ وجدته مسدوداً، ولا أقصد للصبر باباً إلا ألفيته مردوداً، ولا أعدّ اليوم بعد فراق سيّدي إلا شهراً، والشهر دون لقائه إلاّ دهراً، ولست بناسٍ أيامنا التي هي تاريخ زماني، وعنوان الأماني، إذ ماء الاجتماع عذب، وغصن الازديار رطب، وأعين الحواسد راقدة،

وأسواق صروف الدهر كاسدة، وفما كانت إلاّ لمحة الطرف، ووثبة الطّرف، ولمعة البرق الخاطف، وزورة الخيال الطائف، وما تذكر تلك الأيّام في أكناف فضائله ونضرتها، ورياض علومه في ظلّه وخضرتها، إلاّ أوجب على عينه أن تدمع، وانثنى على كبده خشية أن تصدّع، ثم لمّا ورد على عبدكم مكتوبكم الكريم، صحبة حضرة العم المحبّ القديم، فكان كالعافية للصبّ السقيم، كما يشهد بذلك السميع العليم، فوقف له منتصبا، وخفّف عنه برؤيته وصبا، وذكر أيام الجمع فهام وجداً وبها صبا، فاستخفّه الإعجاب طربا، وشاهد صدوره فقال: هكذا تكون الرياض، وعاين لطفه فقال: هكذا تكون الصّبا، وقبّل كل حرف منه ووضعه على الراس، وحصل له بعد ترقّبه غاية المجاورة والاستئناس، فعند ذلك أنشد قول بعض الناس:

ورد الكتاب فكان عند ورودهعيداً، ولكن هيّج الأشواقا
ألفاته قد عانقت صاداتهكعناق مشتاق يخاف فراقا
فكأنّما النّونات فيه أهلّةوكأنّما صاداته أحداقا

فعسى الإله كما قضى بفراقنا ... يقضي لنا يوماً بأن نتلاقى فجعلته نصب عيني أتسلى به عند استيلاء الشوق على قلبي، وأطفئ بتأمّله نيران وجدي إذا التهبت في صدري، وسررت به سرور من وجد ضالة عمره، وأدرك جميع أمانيه من دهره، وأنست بتصفّحه أنس الرياض بانهلال القطر، والساري بطلوع البدر، والمسافر بتعريس الفجر، وكيف لا وقد أصبح في وجه الأماني خدّا، بل في خدّها وردا، وصار حسنة من حسنات دهري،

لا يمحو مرور الأيام موضعها من صدري، وطلعت طوالع السرور وكانت آفلة، واهتزت غصون الفرح وكانت ذابلة، ولا سيّما لما تضمّن من البشارة السّارة بصحّة المولى وسلامته، وحلوله في منازل عزّه وكرامته، وموعده الكريم بعوده إلى دمشق الشام، سقاها صوب الغمام، مرّة ثانية، ويتم افتخارها على غيرها فلا تزال مفاخرة مباهية، نسأل الله تعالى أن يحقّق ذلك، وأن يسلك بسيدي أحسن المسالك، إنّه ﷾ سامع الأصوات، ومجيب الدعوات، فإن عودكم يا سيّدي والله مرّة أخرى هو الحياة الشهية، والأمنية التي ترتجي النفس بلوغها قبل المنيّة، وما أنا من الله بآيس من أن يتيح سببا، يعيد المزار مقتربا، والشمل مجتمعا، وحبل البين منقطعا.

ثم ليعرض على مسامع سيدي الكريمة، لا زالت من كل سوء سليمة، أنّا أوصلنا مكاتيبكم كما أمرتم لأربابها، لا سيّما مكتوب شيخ الإسلام سيدي عبد الرحمن أفندي المفتي بالشام، ومكتوب المولى الأعظم، والهمام الأفخم، أحمد أفندي الشاهيني، أعزّه الله تعالى فإنّه وقع عنده الموقع العظيم، وحصل له به السرور المقيم، كما يدل على ذلك جوابه الكريم، المحفوف بالتعظيم والتكريم، غير أنّه قد ساءنا ما اتصل بمولانا من نفوذ قضاء الله تعالى الذي يعم، في البنت والأم، فجعل الله تعالى في عمر سيدي البركة، وكان له في السكون والحركة، وماذا عسى أن يذكر لجنابكم في أمر التعزية ويقرّر، ومنكم يستفاد مثله وعنكم يحرّر، والأستاذ أدرى بصروف الدهر وتفنّنها، وأحوال الزمان وتلوّنها، وأعرف بأنالدنيا دار لها بسكانها مدار، وأن الحياة ثوب مستعار، ونعيم الدنيا وبؤسها ما لواحد منهما فيها قرار، وأن لكل طالع أفولاً، ولكل ناضر ذبولاً، ووراء كل ضياء ظلاماً، ولكل عروة من عرى الدنيا انفصاماً، فهو

محلّ لأني يقوى في العزاء عزائمه، ويصغر في عينه نوائب الدهر وعظائمه، ويغنيه عن عظة تجد له مقالاً، وتحلّ عن عقله عقالاً، وهو يتلقّى المصائب، بفكر ثاقب، وفهم صائب، وصبر يقصر عنه الطّود الأشم، وعزم ينفلق دونه الصخر الأصم، وحلم يرجح إذا طاشت الأحلام، وقدمٍ تثبت إذا زلّت الأقدام، ومدّ المقال في ضرب الأمثال، إلى جنابكم الشريف نوعٌ من تجاوز حدّ الإجلال، وأنا أسأل الله تعالى أن يجعل هذه المصيبة خاتمة، ولا يريه بعدها إلاّ دولة قائمة ونعمة دائمة، وأن يحرسه من غير الليل والنّهار، ويجعله وارث الأعمار بجاه نبينا محمد المختار، ﷺ وعلى آله وصحبه الأطهار، بمنّه وكرمه.

ثمّ أبلغ سيدي - أطال الله عمره، وشرح صدره، ونشر بالخير ذكره - السلام التام، المقرون بألف تحيّة وإكرام، من أهل البلدة جميعاً، لا سيّما من مفتيها العمادي، حرس الله ذاته التي هي منهل للصادي والغادي، وأولاده الكرام، المستحقين للإعزاز والإكرام، ومن كبيرها، ومدبّرها ومشيرها، أحمد أفندي الشاهيني، أعزّه الله تعالى بعزّه، وجعله تحت كنفه وحرزه، ومن خطيبها مولانا الشيخ أحمد البهنسي، ونقيب أشرافها مولانا السيد كما الدين، وجميع المحبّين الداعين لذلكم الجناب، والمتمسّكين بتراب تلكم الأعتاب، ومن والوالد والعم، والله يا سيّدي إنّه ناشرٌ لواء الثّناء والمحامد، وداعٍ لذلك الجناب الكاسب للمفاخر والمحامد، وحضرة شيخنا شيخ الإسلام وبركة الشام، مولانا وسيّدنا الشيخ عمر القاري، أبقى الله تعالى وجوده، وضاعف علينا إحسانه وجوده، وأولاده يسلّمون عليكم السلام الوافر، وينهون لكم الشوق المتكاثر، وحرّر في جمادى الثانية سنة، المحبّ الداعي يحيى المحاسني، انتهى.

وكتب إليّ عمّه الفاضل الأسمى ما صورته: باسمه ﷾:

وإنّي لمشتاقٌ إلى وجهك الذيتهلّله أهدى السناء إلى البدر

وأخلاقك الغر اللواتي كأنّها ... تساقط أنداء الغمام على الزّهر سيدي الذي عبوديتي إليه مصروفة، ودواعي محبّتي لديه موفورة وعليه موقوفة، علم الله سبحانه أنّني لا أزجيّي أوقاتي إلا بذكراه، ولا أرجّي اليمن من ساعاتي إلا باستنشاق نسيم ريّاه، وأنّني إلى طلعته أشوق من الصادي إلى ماء صدّاء، ومن كثير عزّة إلى نوء تيماء:

يرنّحني إليك الشوق حتّىأميل من اليمين إلى الشّمال
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «لمن دمن بذي سلم وضال»

ويأخذني لذكراك اهتزازٌ ... كما نشط الأسير من العقال ولي على صدق هذه الدعوى من نباهة لبّه شاهد معدّل، ومن نزاهة قلبه مزكٍّ غير ملوم ولا معذّل، كيف لا ومطالع البيان مشرقها من أفلاك فهومه، وجواهر التبيان مقذفها من بحار علومه، وهو بحر العلم الذي لا يقتحم بسفن الأفكار، وجبل الحلم الذي رسخ بالهيبة والوقار:

لو اقتسمت أخلاقه الغر لم تجد ... معيباً ولا خلقاً من الناس عائبا وماذا عسى أصف به مولانا وقد عجز عن وصفه لسان كلّ واصف، وحر في بث فضائله أرباب المعارف والعوارف:

فلو نظمت الثّريّاوالشّعريين قريضا
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «فلو نظمت الثريا»
وكاهل الأرض ضرباًوشعب رضوى عروضا

وصفت للدّرّ ضدّاً ... وللهواء نقيضا ولكنّني أقول: الثناء منجح أنّى سلك، والسخيّ جوده بما ملك، وإن لم يكن خمر فخلّ، وإن لم يصبها وابل فطلّ. هذا، وقد أوصلنا مكاتيبكم

الشريفة لأربابها، فكانت لديهم أكرم قادم، وأشرف منادم، وقد تداولها الأفاضل وشهدوا أنّها من بنات الأفكار، التي لم يكشف عنها لغير سيدي حجب الاستتار، وقد وجدنا كلاًّ منهم ملتهباً بجمرات الشوق، متجاوزاً حدّ الصبابة والتّوق ليس لهم شغل إلاّ ذكر أوصافكم الحميدة، وبثّ ما أبديتموه بدروسكم المفيدة، وما منهم إلا ويرجو بلّ الصدى ونقع الظما برؤية ذلك المحيّا، والتملّي بتلك الطلعة العليا. وإن سأل سيدي عن أخبار دمشق المحروسة، دامت ربوعها المأنوسة، فهي ولله الحمد منتظمة الأحوال، أمنها الله من الشرور والأهوال، ولم يتجدد من الأخبار ما نعلم به ذلكم الجناب، لا زال ملحوظاً بعين عناية ربّ الأرباب، وأنا أسأل الله تعالى أن يصون جوهر تلك الذات من عوارض الحدثان، وأن يحمي تلك الحضرة العلية من طوارق حكم الدوران:

آمين آمين لا أرضى بواحدةٍ ... حتى أضيف إليها ألف آمينا وهذا دعاء للبرية شامل - العبد الداعي، بجميع البواعث والدواعي، تاج الدين المحاسني، عفا الله تعالى عنه، انتهى.

وبالهامش ما صورته: وكاتب الأحرف العبد الداعي محمد المحاسني يقبّل يدكم الشريفة، ويخصكم بالسلام الوافر، ويبثّ لديكم الشوق المتكاثر، غير أنّه قد نازعته نفسه في ترك المعاتبة، لسيده الذي لم يسعد عبد منه بالكتابة، على أنها مكاتبة تحكم عقد العبوديّة، ولا تخرج رقبته من طوق الرّقّيّة، والمطلوب أن يخصّه سيده وشيخه بدعواته المستطابة، التي لا شكّ أنّها مستجابة، كما هو في سائر أوقاته، وحسبان ساعاته، ودمتم، وحرر في رابع جمادى الثانية سنة، انتهى.

وكتب سيدي التاج المذكور لي ضمن رسالة من بعض الأصحاب ما وصورته:

يا فاضل العصر يا منللشّرق والغرب شرّف
يا أحمد الناس طرّاًفي كلّ ما يتصرّف
يهدي إليك محبٌّدموعه تتذرّف

شوقاً وودّاً قديماً ... منكّراً يتعرّف ولنختم مخاطبات أهل دمشق لي بما كتبه لي أوحد الموالي الكبراء، السري، عين الأعيان، صدر أرباب البلاغة والبيان، مولانا أحمد الشاهيني السابق الذكر في هذا التأليف مرات، ضاعف الله تعالى لديه أنواع المبرات والمسرات، آمين، ليكون مسكاً للختام، إذ محاسنه ليس بها خفاء ولا لها انكتام، ونصّ محل الحاجة منه هو الفياض:

" يا سيداً أحرز خصل العلابالبأس والرأي السّديد الشّديد
ومن على أهل النّهى قد علابطبعه السامي المجيد المجيد
ومن يزين الدهر منه حلىقولٍ نظيمٍ كالفريد النّضيد
ومن صدا فكري منه جلانظمٌ له القلب عميد حميد
ومن له من يوم قالوا " بلى "في مهجتي حبٌّ جديدٌ مزيد
ومن غدا بين جميع الملابالعلم والحلم الوحيد الفريد

أفديك بالنفس مع الأهل لا ... بالمال، والمال عتيدٌ عديد أقسم بالله الذي علت كلمته، وعمّت رحمته، وسحرت القلوب والعقول رأفته ومحبته، وجعل الأرواح جنوداً مجنّدة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، أنّني أشوق إلى تقبيل أقدام شيخي من الظمآن للماء، ومن الساري لطلعة ذكاء، وليس تقبيل الأقدام، ممّا يدفع عن المشوق الأوام، وقد كانت الحال هذه وليس بيني وبينه حاجز إلا الجدار، إذ كان حفظه الله تعالى جار الدار، فكيف الآن بالغرام وهو حفظه الله تعالى بمصر وأنا بالشام،

وليس غيبة مولانا الأستاذ عنّا، إلا غيبة العافية عن الجسم المضنى، بل غيبة الروح، عن الجسد البالي المطروح، ولا العيشة بعد فراقه، وهجر أحبابه ورفاقه، إلاّ - كما قال بديع الزمان - عيشة الحوت في البر، والثلج في الحر، وليس الشوق إليه بشوق، وإنّما هو العظم الكسير، والنزع العسير، والسم يسري ويسير، وليس الصبر عنه بصبر، وإنّما هو الصاب والمصاب، والكبد في يد القصاب، والنفس رهينة الأوصاب، والحين الحائن وأين يصاب، ولا أعرف كيف أصف شرف الوقت الذي ورد فيه كتاب شيخي بخطّه، مزيناً بضبطه، بلى، قد كان شرف عطارد، حتى اجتمع من أنواع البلاغة عندي كل شارد، وأمّا خطه فكما قال الصاحب بن عبّاد: أهذا خط قابوس، أم جناح الطاووس أو كما قال أبو الطّيب:

من خطّه في كل قلبٍ شهوةٌ ... حتى كأنّ مداده الأهواء وأنا أقول ما هو أبدع وأبرع، وفي هذا الباب أنفع وأجمع: بل هو خط الأمان من الزمان، والبراءة من طوارق الحدثان، والحرز الحريز، والكلام الحر الإبريز، والجوهر النفيس العزيز، وأما الكتاب نفسه فقد حسدني عليه إخواني، واستبشر به أهلي وخلاّني، وكان تقبيلي لأماليه، أكثر من نظري فيه، شوقاً إلى تقبيل يد وشّته وحشّته، واعتياداً للثم أنامل جسّته ومسّته، وأمّا اليراعة، فلا شكّ أنها ينبوع البراعة، حتى جرى من سحر البلاغة منها ما جرى:

فجاء الكتاب كسحر العيون ... بما راح يسبي عقول الورى وينادي بإحراز خصل سحر البيان من الثريا إلى الثرى، ولم أر كتاباً قبل تكون محاسنه متداخلة مترادفة، ولطائفه وبدائعه متضاعفة متراصفة وذلك لأنّه سرد من غرر درره الأحاسن، وورد على يد رأس أحبابنا تاج بني محاسن:

أولئك قومٌ أحرزوا الحسن كلّهفما منهم إلاّ فتى فاق في الحسن

وكما قلت فيهم أيضاً:

فبنو المحاسن بينناكبني المنجّم في النجابه
فهم القرابة إن عدمت من الأنام هوى القرابه

فيهم محاسن جمّةٌ ... منها الخطابة والكتابه ثمّ لم يكتف سيدي وشيخي بما أنعم به، وأحسن بكتبه، من كتابه المزين بخطه، المبين بضبطه، المسمى بين أهل الوفاء، بكتاب الأصفياء، حتى أضاف إليه كتاب الشفاء، في بديع الاكتفاء، كأنّه لم يرض طبعه الشريف المفرد المستثنى، إلا أن تكون حسناته لدى أحبابه مثنى مثنى، حتى كأن مراده بتضيف هذا الإكرام والإحسان، تعجيز العبد عن أداء خدمة الحمد بحصر البيان وعقد اللسان، إذ لست ذا لسانين، حتى أؤدّي شكر إحسانين، وغاية البليغ في هذا المضمار الخطير، أن يعترف بالقصور ويلتزم بالتقصير.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.