تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (١٩)

وكذا ذكر آخر بقوله في سنة سبع وثمانين وستمائة: وفيها توفّي الإمام زكي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد العزيز بن يحيى بن علي الإشبيلي المالكي، محدث، عالم، زاهد فيما ليس بدائم، كثير الخير،

جزيل المير، كان حسن المناهج، قاضياً للحوائج، محسناً إلى الصامت والمعرب، مقصداً لمن يرد من الحجاز والمغرب، سمع بمصر ودمشق وحلب، وأفتى ودرّس، مفيداً لذوي الطلب، ولم يبرح يعين بأياديه ويغيث، وهو أول من باشر بظاهرية دمشق مشيخى الحديث، وكانت وفاته بدمشق عن نيّف وسبعين سنة، انتهى.

ومنهم الأحق بالسبق والتقدم، بقيّ بن مخلد بن يزيد، أبو عبد الرحمن، القرطبي، الأندلسي، الحافظ، أحد الأعلام، وصاحب التفسير والمسند. أخذ عن يحيى بن يحيى الليثي ومحمد بن عيسى الأعشى، وارتحل إلى المشرق، ولقي الكبار، وسمع بالحجاز مصعباً الزهري وإبراهيم ابن المنذر وطبقتهما، وبمصر يحيى بن بكير وزهير بن عبّاد وطائفة، وبدمشق إبراهيم الغساني وصفوان بن صالح وهشام بن عمار وجماعة، وببغداد أحمد بن حنبل وطبقته، بالكوفة يحيى بن عبد الحميد الحماني ومحمد ابن عبد الله بن نمير وأبا بكر ابن أبي شيبة وطائفة، وبالبصرة أصحاب حماد بن زيد، وعني بالأثر عناية عظيمة لا مزيد عليها، وعدد شيوخه مائتان وأربعة وثلاثون رجلاً، وكان إماماً، زاهداً، صوّاماً، صادقاً، كثير التهجد، مجاب الدعوة، قليل المثل، مجتهداً، لا يقلد، بل يفتي بالأثر.

ولد في رمضان سنة إحدى ومائتين، وتوفّي في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين ومائتين.

قال ابن حزم: أقطع أنّه لم يؤلّف في الإسلام مثل تفسيره، لا تفسير محمد ابن جرير ولا غيره، وكان محمد بن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس محبّاً للعلوم عارفاً بها. فلمّا دخل بقيّ بن مخلد الأندلس بمصنف ابن أبي شيبة وقرئ عليه أنكر جماعة من أهل الرأي ما فيه من الخلاف واستبشعوه، وقام جماعة من العامة عليه، ومنعوه من قراءته، فاستحضره الأمير محمد وإياهم، وتصفح الكتاب جزءاً جزءاً حتى أتى على آخره، ثم قال لخازن كتبه: هذا الكتاب لا تستغني خزانتنا عنه، فانظر في نسخه لنا، وقال لبقيّ: انشر علمك، وارو ما عندك، نهاهم أن يتعرضوا له.

قال ابن حزم: مسند بقيّ روى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيّف، ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه فهو مسند ومصنّف، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته وضبته وإتقانه واحتفاله في الحديث، وله مصنف في فتاوى الصحابة والتابعين ممّن ذكرهم أربى فيه على مصنّف أبي بكر ابن أبي شيبة وعلى مصنّف عبد الرزّاق وعلى مصنف سعيد بن منصور.

ثم ذكر تفسيره فقال: فصارت تصانيف هذا الإمام الفاضل قواعد الإسلام، لا نظير لها، وكان متخيراً لا يقلّد أحداً، وكان جارياً في مضمار البخاري ومسلم والنسائي.

وذكر القشيري أن امرأة جاءته فقالت له: إن ابني قد أسرته الفرنج، وإنّي لا أنام الليل من شوقي إليه، ولي دويرة أريد أن أبيعها لأفتكّه بها، فإن رأيت أن تشير إلى من يأخذها ويسعى في فكاكه، فليس لي ليل ولا نهار، ولا صبر ولا قرار، فقال: نعم، انصرفي حتى ننظر في ذلك إن شاء الله تعالى،

وأطرق الشيخ وحرك شفتيه يدعو الله، ﷿، لولدها بالخلاص، فذهبت، فما كان غير قليل حتى جاءت وابنها معها فقالت: اسمع خبره يرحمك الله تعالى فقال: كيف كان أمرك فقال: إنّي كنت فيمن يخدم الملك، ونحن في القيود، فبينا أنا ذات يوم أمشي إذ سقط القيد من رجلي، فأقبل عليّ الموكل بي فشتمني، وقال: فككت القيد من رجليك، فقلت: لا والله ولكن سقط ولم أشعر، فجاءوا بالحدّاد فأعاده، وسمّر مسماره وأيّده، ثم قمت، فسقط أيضاً، فسألوا رهبانهم، فقالوا: ألك والدة فقلت: نعم، فقالوا: إنّه قد استجيب دعاؤها له، فأطلقوه، فأطلقوني، وخفروني إلى أن وصلت إلى بلاد الإسلام، فسأله بقيٌّ عن الساعة التي سقط القيد من رجليه فيها، فإذا هي الساعة التي دعا له فيها، رحمه الله تعالى.

من الراحلين من الأندلس إلى المشرق يوسف بن يحيى بن يوسف الأزدي، المعروف بالمغامي. من أهل قرطبة، وأصله من طليطلة، وهو من ذرية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

سمع من يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان، وروى عن عبد الملك بن حبيب مصنفاته، وارتحل إلى مصر، وسمع من يوسف بن يزيد القراطيسي، وعاد إلى الأندلس، وكان فقيهاً، نبيلاً، فصيحاً [بصيراً] بالعربية، ثم بعد عوده من مصر أقام بقرطبة أعواماً، ثم عاد إلى مصر، وأقام بها، وسمع الناس منه، وعظم أمره بالبلاد الشرقية، ثم إنّه عاد إلى الغرب فتوفّي بالقيروان سنة ثمان وثمانين ومائتين، وبين بمصر الواضحة لابن حبيب، وصنف شيئاً في الرد على الشافعية في عشرة أجزاء، وألف كتاب فضائل مالك رضي الله تعالى عنه.

والذي يرتضى أن من قلد إماماً من المجتهدين لا ينبغي له أن يغضّ من

قد رغيره، وإن كان ولا بد من الانتصار مذهبه وتقوية حجّته فليكن ذلك بحسن أدب مع الأئمة، رضي الله تعالى عنهم، فإنّهم على هدى من ربهم، وقد ضلّ بعض الناس فحمله التعصب لمذهبه على التصريح بما لا يجوز في حق العلماء الذين هم نجوم الملّة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد حكى أبو عبد الله الوادي آشي - حسبما رأيته بخطه - أن القاضي عبد الوهاب ابن نصر البغدادي المالكي ألّف كتاباً لنصرة مذهب مالك على غيره من المذاهب في مائة جزء، وسمّاه النصرة لمذهب إمام دار الهجرة، فوقع الكتاب بخطّه بيد بعض قضاة الشافعية بمصر، فغرّقه في النيل، فقضى الله تعالى أن السلطان فرج بن برقوق سافر إلى الشام ومعه القضاة الأربعة وغيرهم من الأعيان لدفع تيمورلنك عن البلاد، فلم يستطع شيئاً، وهزم إلى مصر، وتفرّقت العساكر، وأخذ القضاة والعلماء أسارى ومن جملتهم ذلك القاضي، فبقي في أسرتيمورلنك إلى أن ارتحل عن الشام، فأخذه معه أسيراً إلى أن وصل إلى الفرات، فغرق فيه، أعني القاضي، فرأى بعض الناس أن ذلك بسبب تغريقه الكتاب المذكور، والجزاء من جنس العمل، والله تعالى أعلم.

بين أبن خلدون وتيمورلنك

وقد نجّى الله تعالى من هذه الورطة قاضي القضاة أبا زيد عبد الرحمن ين خلدون الحضرمي المالكي صاحب كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في تاريخ العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر فإنّه كان من جملة القضاة الحاضرين في الهزيمة، فلمّا أدخلوا على تيمورلنك قال لهم ابن خلدون: قدّموني للكلام تنجوا إن شاء الله تعالى، وإلا فأنتم في أخبر،

فقدّموه وعليه زي المغاربة، فلمّا رآه تيمورلنك قال: ما أنت من هذه البلاد وتكلّم معه فخلبه ابن خلدون بلسانه، وكان آية الله الباهرة، ثم قال لتيمورلنك: إنّي ألّفت كتاباً في تاريخ العالم، أو كما قال، ويقال: إن تيمورلنك هو الذي قال له: بلغني أنّك ألفت كتاباً في تاريخ العالم، ثم قال له تيمورلنك: كيف ساغ لك أن تذكرني فيه وتذكر بختنصر مع أنّنا خربنا العالم فقال له ابن خلدون: أفعالكما العظيمة ألحقتكما بالذكر مع ذوي المراتب الجسيمة، أو نحو هذا من العبارات، فأعجبه ذلك، وقيل: إنّه لما أنس بابن خلدون قال له: يا خوند، ما أسفي إلا على كتاب ألفته في التاريخ، وأنفقت فيه أيام عمري، وقد تركته بمصر، وإن عمري الماضي ذهب ضياعاً حيث لم يكن في خدمتك وتحت ظل دولتك، والآن أذهب فآتي بهذا الكتاب وأرجع سريعاً حتى أموت في خدمتك، ونحو هذا من الكلام، فأذن له، فذهب ولم يعد إليه، وقال بعض العلماء: إنّه لم ينج من يد ذلك الجبار أحد من العلماء غير ابن خلدون ورجل آخل، وقد ذكر ذلك ابن عرب شاه في عجائب المقدور وقد طال عهدي به فليراجع، وحكى غير واحد أن تيمورلنك لما أخذ حلب على الوجه المشهور في كتب التاريخ جمع العلماء فقال لهم على عادته في التعنت: قبل منّا ومنكم جماعة، فمن الذي في الجنّة قتلانا أو قتلاكم وكان مراده إبراز سبب لقتلهم، لأنّهم إن قالوا أحد الأمرين هلكوا، فقال بعض العلماء، وأظنّه ابن الشّحنة: دعوني أجبه وإلا هلكتم، فتركوه، فقال له: يا خوند، هذا السؤال أجاب عنه رسول الله ﷺ حين سئل عنه، فغضب تيمورلنك وقال: كيف يمكن أن يجيب عن هذا السؤال رسول الله ﷺ ونحن لم نكن في زمانه أو كلاماً هذا معناه

فقال العالم المذكور: روينا في الصحيح أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حميّة ويقاتل ليذكر ويرى مكانه، فمن الذي في الجنّة فقال النبيّ ﷺ: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الذي في الجنّة " أو كما قال ﷺ، فتعجّب تيمورلنك من هذا الجواب المفحم المسكت، وحقّ له أن يتعجّب منه، فإن هذا من الأجوبة التي يقل نظيرها، وفيها المخلص على كل حال بالإنصاف، وقد وفّق الله تعالى هذا العالم لهذا الجواب حتى يتخلّص على يده أولئك الأقوام من الطاغية الجبار العنيد الذي جعل تعالى فتنته في الإسلام وفتنة جنكزخان وأولاده من أعظم الفتن التي وهى بها المسلمون.

وذكر بعض العلماء أن ابن خلدون لما أقبل على تيمولنك قال له: دعني أقبّل يدك، فقال: ولم فقال له: لأنّها مفتاح الأقاليم، يشير إلى أنّه فتح خمسة أقاليم، وأصابع يده خمس: فلكل إصبع إقليم، وهذا أيضاً من دهاء ابن خلدون.

وقد كدنا نخرج عن المقصود في هذه الترجمة فلنصرف العنان، والله سبحانه المستعان.

ومن الراحلين من الأندلس الإمام الحافظ أبو بكر ابن عطية، رحمه الله تعالى، قال الفتح: شيخ العلم، وحامل لوائه، وحافظ حديث النبي ﷺ وكوكب سمائه، شرح الله تعالى لحفظه صدره، وطاول به عمره، مع كونه في كل علم وافر النصيب، مياسراً بالمعلّى والرقيب، رحل إلى المشرق لأداء الفرض، لابس بردٍ من العمر الغض، فروى وقيّد،

ولقي العلماء وأسند، وأبقى تلك المآثر وخلّد، نشأ في بيئةٍ كريمة، وأرومة من الشف غير مرومة، لم يزل فيها على وجه الزمان أعلام علم، وأرباب مجد ضخم، قد قيدت مآثرهم الكتب، وأطلعتهم التواريخ كالشّهب، وما برح الفقيه أبو بكر يتسنم كواهل المعارف وغواربها، ويقيد شوارد المعاني وغرائبها، لاستضلاعه بالأدب الذي أحكم أصوله وفروعه، وعمر برهةً من شبيبته ربوعه، وبرز فيه تبريز لجواد المستولي على الأمد، وجلّى عن نفسه به كما جلّى الصقال عن النصل الفرد، وشاهد ذلك ما أثبته من نظمه الذي يروق جملة وتفصيلاً، ويقوم على قوّة العارضة دليلاً، فمن ذلك قوله يحذر من خلطاء الزّمان، وينبه على التحفظ من الإنسان:

كن بذئبٍ صائدٍ مستأنساً وإذا أبصرت إنساناً ففرّ

إنّما الإنسان بحرٌ ما له ساحلّ فاحذره إياك الغرر

واجعل الناس كشخصٍ واحدٍ ثم كن من ذلك الشخص حذر

وله في الزهد:

أيّها المطرود من باب الرضى كم يراك الله تلهو معرضا

كم إلى كم أنت في جهل الصّبا قد مضى عمر الصّبا وانقرضا

قم إذا الليل دجت ظلمته واستلذّ الجفن أن يغتمضا

فضع الخدّ على الأرض ونح واقرع السّنّ على ما قد مضى

وله في هذا المعنى:

قلبي يا قلبي المعنّى كم أنا أدعى فلا أجيب

كم أتمادى على ضلالٍ لا أرعوي لا ولا أنيب

ويلاه من سوء ما دهاني ينوب غيري ولا أتوب

وا أسفي كيف برء دائي دائي كما شاءه الطّبيب

لو كنت أدنو لكنت أشكو ما أنا من بابه قريب

أبعدني منه سوء فعلي وهكذا يبعد المريب

ما لي قدرٌ وأيّ قدرٍ لمن أخلّت به الذنوب

وله في هذا المعنى أيضاً:

لا تجعلن رمضان شهر فكاهةٍ تلهيك فيه من القبيح فنونه

واعلم بأنّك لا تنال قبوله حتى تكون تصومه وتصونه

وله في مثل ذلك:

إذا لم يكن في السمع منّي تصاونٌ وفي بصري غضٌّ وفي مقولي صمت

فحظي إذاً من صومي الجوع والظّما وإن قلت إنّي صمت يوماً فما صمت

وله في المعنى الأول:

جفوت أناساً كنت آلف وصلهم وما في الجفا عند الضرورة من باس

بلوت فلم أحمد، وأصبحت آيساً ولا شيء أشفى للنفوس من الياس

فلا تعذلوني في انقباضي فإنّني رأيت جميع الشّرّ في خلطة الناس

وله يعاتب بعض إخوانه:

وكنت أظنّ أنّ جبال رضوى تزول وأنّ ودّك لا يزول

ولكنّ الأمور لها اضطرابٌ وأحوال ابن آدم تستحيل

فإن يك بيننا وصل جميلٌ وإلاّ فليكن هجرٌ طويل

وأمّا شعره الذي اقتدحه من مرخ الشباب وعفاره، وكلامه الذي وشحه بمآرب الغزل وأوطاره، فإنّه نسي إلى ما تناساه، وتركه حين كساه العلم والورع من ملابسه ما كساه، فممّا وقع من ذلك قوله:

كيف السّلوّ ولي حبيبٌ هاجرٌ قاسي الفؤاد يسومني تعذيبا

لمّا درى أنّ الخيال مواصلي جعل السّهاد على الجفون رقيباً

وله أيضاً:

يا من عهودي لديك ترعى أنا على عهدك الوثيق

إن شئت أن تسمعي غرامي من مخبرٍ عالمٍ صدوق

فاستخبري قلبك المعنّى يخبرك عن قلبي المشوق

انتهى كلام الفتح.

وأبو بكر ابن عطية المذكور هو والد الحافظ القاضي أبي محمد عبد الحق ابن عطية صاحب التفسير الشهير، رحم الله تعالى الجميع.

ترجمة عبد الحق بن عطية

قال في الإحاطة في حقّه ما ملخّصه: [هو] الشيخ الإمام المفسر عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي، فقيه عالم بالتفسير والأحكام والحديث والفقه والنحو واللغة والأدب، حسن التقييد، له نظم ونثر ولي قضاء المرية سنة تسع وعشرين وخمسمائة في المحرم، وكان غاية في الذكاء والدهاء والتهمّم بالعلم، سريّ الهمّة في اقتناء الكتب، توخّى الحق، وعدل في الحكم، وأعز الخطّة، روى عن أبيه وأبوي علي الغساني والصدفي وطبقتهما، وألف كتابه

الوجيز في التفسير فأحسن فيه وأبدع، وطار بحسن نيّته كلّ مطار، وبرنامجاً ضمّنه مروياته وأسماء شيوخه فحرّر وأجاد.

ومن نظمه يندب عهد شبابه:

سقياً لعهد شبابٍ ظلت أمرح في ريعانه ولياي العيش أسحار

أيام روض الصّبا لم تذو أغصنه ورونق العمر غضٌّ والهوى جار

والنفس تركض في تضمير شرّتها طرفاً له في زمان اللهو إحضار

عهداً كريماً لبسنا فيه أرديةً كانت عياناً ومحّت فهي آثار

مضى وأبقى بقلبي منه نار أسىً كوني سلاماً وبرداً فيه يا نار

أبعد أن نعمت نفسي وأصبح في ليل الشباب لصبح الشّيب إسفار

وقارعتني اللّيالي فانثنت كسراً عن ضيغمٍ ما له نابٌ وأظفار

إلا سلاح خلالٍ أخلصت فلها وفي منهل المجد إيرادٌ وإصدار

أصبو إلى روض عيشٍ ورضه خضلٌ أو ينثني بي عن العلياء إقصار

إذاً فعطّلت كفّي من شبا قلم آثاره في رياض العلم أزهار

مولده سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وتوفّي في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ست وأربعين وخمسمائة بلورقة، قصد ميورقة يتولى قضاءها فصدّ عن دخولها وصرف منها إلى لورقة اعتداء عليه، رحمه الله تعالى، انتهى.

وقال الفتح في حقّه ما نصّه: فتى العمر كهل العلاء، حديث السن قديم السناء، لبس الجلالة برداً ضافياً، وورد ماء الأصالة صافياً، وأوضح للفضل رسماً عافياً، وثنى من ذهنه للأعراض فنناً قصدا، وجعل فهمه شهاباً

رصدا، سما إلى رتب الكهول صغيراً، وشنّ كتيبة ذهنه على العلوم مغيراً، فسباها عنى وفصلاً، وحواها فرعاً وأصلاً، وله أدبٌ يسيل رضراضاً، ويستحيل ألفاظاً مبتدعة وأغراضاً.

وقال أيضاً فيه: نبعة دوح العلاء، ومحرز ملابس الثناء، فذّ الجلالة، وواحد العصر والأصالة، وقار كما رسا الهضب، وأدب كما اطّرد السّلسل العذب، وشيم تتضاءل لها قطع الرياض، وتبادر الظن به إلى شريف الأغراض، سابق الأمجاد فاستولى على الأمد بعبابه، ولم ينض ثوب شبابه، أدمن التعب في السؤدد جاهداً، فتى تناول الكواكب قاعداً، وما اتكل على أوائله، ولا سكن إلى راحات بكره وأصائله، أثره في كل معرفةٍ علمٌ في رأسه نار، وطوالعه في آفاقها صبح أو منار، وقد أثبتّ من نظمه المستبدع ما ينفح عبيراً، ويتضح منيراً، فمن ذلك قوله من قصيدة:

وليلةٍ جبت فيها الجزع مرتدياً بالسيف أسحب أذيالاً من الظّلم

والنجم حيران في بحر الدجى غرقٌ والبرق في طيلسان الليل كالعلم

كأنّما اللّيل زنجيٌّ بكاهله جرحٌ فيثعب أحياناً له بدم

انتهى المقصود منه.

وهو - أعني أبا بكر - أحد مشايخ عياض، حسبما ألمعت به في أزهار الرياض.

ومنهم شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فرح - بالحاء المهملة -

ابن أحمد بن محمد، الإمام، الحافظ، الزاهد، بقية السلف، اللّخمي، الإشبيليّ، الشافعي، أسره الإفرنج سنة ست وأربعين وستمائة، وخلص، وقدم مصر سنة بضع وخمسين، وقيل: إنّه تمذهب للشافعي، وتفقّه على الشيخ عز الدين بن عبد السلام قليلاً، وسمع من شيخ الشيوخ شرف الدين الأنصاري الحموي، والمعين أحمد بن زين الدين وإسماعيل بن عزوز والنجيب بن الصيقل وابن علاّق، وبدمشق من ابن عبد الدائم وخلق، وعني بالحديث، وأتقن ألفاظه، وعرف رواته وحفّاظه، وفهم معانيه، وانتقى لبابه ومبانيه.

قال الصفدي: وكان من كبار أئمّة هذا الشان، وممّن يجري فيه وهو طلق اللسان، هذا إلى ما فيه من ديانة، وورع وصيانة، وكانت له حلقة اشتغال بكرة بالجامع الأموي يلازمها، ويحوم عليه من الطلب حوائمها، سمع عليه الشيخ شمس الدين الذهبي، واستفاد منه، روى في تصانيفه عنه، وعرضت عليه مشيخة دارالحديث النورية فأباها، ولم يقبل حباها، وكان بزيّ الصوفية، ومعه فقاهة بالشافعية، ولم يزل على حاله حتى أحزن الناس ابن فرح، وتقدّم إلى الله وسرح، وشيع الخلق جنازته، وتولّوا وضعه في القبر وحيازته، وتوفّي رحمه الله تعالى تاسع جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وستمائة، ومولده سنة خمس وعشرين وستمائة.

وله قصيدة غزلية في ألقاب الحديث سمعها منه الدّمياطي واليونيني، وسمع منه البرزالي والمقاتلي والنابلسي وأبو محمد ابن الوليد، ومات بتربة أم

الصالح بالإسهال.

والقصيدة المذكورة هي هذه:

غرامي صحيح والرّجا فيك معضل وحزني ودمعي مطلقٌ ومسلسل

وصبري عنكم يشهد العقل أنّه ضعيفٌ ومتروك، وذلّي أجمل

ولا حسنٌ إلا سماع حديثكم مشافهة يملى عليّ فأنقل

وأمري موقوفٌ عليك، وليس لي على أحدٍ إلاّ عليك المعوّل

ولو كان مرفوعاً إليك لكنت لي على رغم عذّالي ترقّ وتعدل

وعذل عذولي منكرٌ لا أسيغه وزورٌ وتدليسٌ يردّ ويهمل

أقضّي زماني فيك متصل الأسى ومنقطعاً عمّا به أتوصّل

وها أنا في أكفان هجرك مدرج تكلّفني ما لا أطيق فأحمل

وأجريت دمعي بالدماء مدبّجاً وما هو إلا مهجتي تتحلّل

فمتّفقٌ سهدي وجفني وعبرتيومفترقٌ صبري وقلبي المبلبل

ومؤتلف شجوي ووجدي ولوعتي ... ومختلف حظّي وما منك آمل خذ الوجد عني مسنداً ومعنعناً فغيري موضوع الهوى يتحيّل

وذي نبذٌ من بمبهم الحب فاعتبر وغامضه إن رمت شرحاً أحوّل

عزيزٌ بكم ضبٌّ ذليل لغيركم ومشهور أوصاف المحبّ التذلل

غريبٌ يقاسي البعد عنك، وما له وحقّ الهوى عن داره متحوّل

فرفقاً بمقطوع الوسائل، ما له إليك سبيلٌ لا ولا عنك معدل

فلا زلت في عزٍّ منيعٍ ورفعة وما زلت تعلو بالتجنّي فأنزل

أورّي بسعدى والرّباب وزينب وأنت الذي تعنى وأنت المؤمّل

فخذ أولاً من آخر ثم أولاً من النصف منه فهو فيه مكمّل

أبرّ إذا أقسمت أنّي بحبّه أهيم وقلبي بالصبابة يشعل

وقد ذكرت شرحها في الجزء الثلاثين من تذكرتي، انتهى كلام الصفدي.

وظاهر كلامه أنّه ابن فرح - بفتح الراء - والذي تلقيناه عن شيوخنا أنّه بسكون الراء، وقد شرح هذه القصيدة جماعة من أهل المشرق والمغرب يطول تعدادهم، وهي وحدها دالّة على تمكن الرجل، رحمه الله تعالى.

ومنهم عبد العزيز بن عبد الملك بن نصر، أبو الأصبغ، الأموي، الأندلسي، سمع بمكّة وبدمشق ومصر وغيرها، وحدّث عن سليمان بن أحمد بن يحيى بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ " إن لكل بني أب عصبةً ينتمون إليها، إلا ولد فاطمة فأنا وليّهما وأنا عصبتهم، وهم عترتي، خلقوا من طينتي، ول للمكذّبين بفضلهم، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله ". وحدث عن أبي العباس أحمد بن محمد البرذعي بسنده إلى عبد الله بن المبارك قال: كنت عند مالك بن أنس وهو يحدثنا، فجاءت عقرب فلدغته ست عشرة مرّة، ومالك يتغير لونه ونتصبر، ولا يقطع حديث رسول الله ﷺ، فلمّا فرغ من المجلس وتفرّق الناس عنه قلت له: يا أبا عبد الله، قد رأيت منك عجباً، قال: نعم، أنا صبرت إجلالاً لحديث رسول الله ﷺ.

ولد أبو الأصبغ المذكور بقرطبة وتوفّي ببخارى سنة.

قال الحاكم أبو عبد الله: رأيت أبا الأصبغ في المنام في بستان فيه خضرة ومياه جارية وفرش كثيرة، وكأنّي أقول: إنّها له، فقلت: يا أبا الأصبغ، بماذا وصلت إليه أبالحديث فقال: أي والله، وهو نجوت إلاّ بالحديث قال: ورأيته أيضاً وهو يمشي بزي أحسن ما يكون، فقلت: أنت أبو الأصبغ فقال:

نعم، قلت: ادع الله تعالى أن يجمعني وإيّاك في الجنّة، فقل: إن أمام الجنّة أهوالاً، ثم رفع يديه وقال: اللهم اجعله معي في الجنّة بعد عمر طويل، انتهى.

ومنهم القاضي أبو البقاء خالد، البلوي، الأندلسي، رحمه الله تعالى، وهو خالد بن عيسى بن أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد، البلوي، ووصفه الشاطبي بأنّه الشيخ الفقيه القاضي الأعدل، انتهى.

وهو صاحب الرحلة المسماة: " تاج المفرق في تحلية أهل المشرق "، وممّا أنشده رحمه الله تعالى فيها لنفسه:

ولقد جرى يوم النّوى دمعي دماً حتى أشاع النّاس أنّك فاني

والله إن عاد الزّمان بقربنا لكففت عن ذكر النّوى وكفاني

وهذه الرحلة المسماة بتاج المفرق مشحونة بالفوائد والفرائد، وفيه من العلوم والآداب ما لا يتجاوزه الرائد، وقد قال رحمه الله تعالى فيها في ترجمة الولي نجم الدين الحجازي، رضي الله تعالى عنه، ما نصّه: وذكر لي رضي الله تعالى عنه قال: ممّا وصّى به الجد الأكبر أبو الحجاج يوسف المذكور - يعني سيدي أبا الحجّاج يوسف بن عبد الرحيم الأقصري القطب الغوث رضي الله تعالى عنه، وأعاد علينا من بركاته - خواصّه وأصدقاءه، قال: إذا أدركتكم الضرورة والفاقة فقولوا: حسبي الله، ربي الله يعلم أنّني في ضيق، قال: وذكر لي أيضاً رضي الله تعالى عنه قال: رأى هذا الجد يوسف المذكور النبيّ صلى الله

عليه وسلّم في النوم، بعد أن سأل الله تعالى ذلك، وقد كان أصابته فاقة، فشكا إلى النبيّ ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: " قل يا برّ يا رحيم، يا برّ يا رحيم، الطف بي في قضائك، ولا تولّ أمري أحداً سواك، حتى ألقاك "، فلمّا قالها أذهب الله تعالى عنه فاقته. قال: وكان رحمه الله تعالى يوصي بها أصحابه وأحبابه، انتهى.

ونسب بعضهم القاضي خالداً المذكور إلى انتحال كمال العماد في البرق الشامي، لأن خالداً أكثر في رحلته من الأسجاع التي للعماد، فلذا قال لسان الدين ابن الخطيب فيه:

خليليّ إن يقض اجتماعٌ بخالد قولا له قولاً ولن تعدوا الحقّا

سرقت العماد الأصبهانيّ برقه وكيف ترى في شاعر سرق الرقا

وأظن أن لسان الدين كان منحرفاً عنه، ولذلك قال في كتابه " خطرة الطيف ورحلة الشتاء والصيف " عندما جرى ذكر قنتورية وقاضيها خالد المذكور ما صورته: لم يتخلف ولد عن والد، وركب قاضيها ابن أبي خالد، وقد شهرته النزعة الحجازية، ولبس من خشن الحجا زيّه، وأرخى من البياض طيلساناً، وتشبّه بالمشارقة شكلاً ولساناً، والبداوة تسمه على الخرطوم، وطبع الماء والهواء يقوده قود الجمل المخطوم، انتهى.

ومن نظم أبي البقاء خالد البلوي المذكور قوله:

أتى العيد واعتاد الأحبّة بعضهم ببعض وأحباب المتيّم قد بانوا

وأضحى وقد ضحّوا بقربانهم وما لديه سوى حمر المدامع قربان

وقال في رحلته: إنّه قال هذين البيتين بديهةً بمصلّى تونس في عيد النحر من سنة سبع وثلاثين وسبعمائة.

ومن نظمه أيضاً قوله رحمه الله تعالى:

ومستنكر شيبي وما ذهب الصّبا ولا جفّ إيناع الشّبيبة من غصني

فقلت فراقي للأحبّة مؤذن بشيبي وإن كنت ابن عشرين من سني

ومحاسنه - رحمه الله تعالى - كثيرة، وفي الرحلة منها جملة.

ومنهم برهان الدين أبو إسحاق ابن الحاج إبراهيم، النميري، الغرناطي، وهو أيضاً مذكور في ترجمة ابن الخطيب بما يغني عن تكرير ذكره هنا، وقال رحمه الله تعالى في رحلته: أخبرني شيخنا - يعني الشيخ الإمام الصالح أبا عبد الله محمد المعروف بخليل التوزري إمام المالكية بالحرم الشريف رضيا له تعالى عنه - قال: اعتكفت بجامع عمرو بن العاص كفّاً لشرّتي عن الناس، خصوصاً أذى الغيبة، نحو خمسين ليلة، أردت أن أدعو لطائفة من أصحابي بمطالب مختلفة، كلٌّ بحسب ظنّي فيه يومئذ، فأدركتني حيرة في التمييز والتخصيص، فألهمت أن قلت بديهة:

شهدنا بتقصير ألبابنا فحسن اختيارك أولى بنا

وأنت البصير بأعدائنا وأنت البصير بأحبابنا

قال: ثم أردفتها بدعاء، وهو: اللهم يا من لا يعلم خيره إلاّ هو، أنت أعلم بأعدائنا وأودّائنا، فافعل بكل منهم ما يناسب حسن اختيارك لنا، حسبما علمته منّا، وكفى بك قديراً، وكفى بك بصيراً،

وكفى بك لطيفاً، وكفى بك خبيراً، وكفى بك نصيراً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً كثيراً.

وقال ابن الحاج المذكور في الرحلة المذكورة: إذا التقى الرجل بعدوّه وهو على خوف منه فليقرأ هذه الحروف كهيعص، حمعسق وليعقد بكل حرف منها إصبعاً، يبدأ بإبهام يده اليمنى ويختم بإبهام يده اليسرى، فإذا قرب من عدوّه فليقرأ في نفسه سورة الفيل، فإذا وصل إلى قوله ترميهم فليكررها، وكلّما كررها فتح إصبعاً من أصابعه المعقودة تجاه العوّ، فيكررها عشر مرّات، ويفتح جميع أصابعه، فإذا فعل ذلك أمن من شرّه إن شاء الله تعالى، وهو مجرب، انتهى.

ومن بديع نظم أبي إسحاق ابن الحاج النميري المذكور قوله:

يا ربّ كاس لم يشجّ شمولها فاعجب لها جسماً بغير مزاج

لمّا رأينا السحر من أشكالها جملاً نسبناه إلى الزجاج

وله فيما أظنّ:

له شفة أضاعوا النّشر فيها بلثم حين سدّت ثغر بدر

فما أشهى لقلبي ما أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر

وهو تضمين حسن.

ومن الراحلين من الأندلس إلى المشرق إمام النحاة أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان، النّفزي، الأثري، الغرناطي. قال ابن مرزوق الخطيب في حقّه: هو شيخ النحاة بالديار

المصرية، وشيخ المحدثين بالمدرسة المنصورية، انتهت إليه رئاسه التبريز في علم العربية واللّغة والحديث، سمعت عليه وقرأت، وأنشدني الكثير، وإذا أنشدني شيئاً ولم أقيّده استعاده منّي فلم أحفظه، فأنشدني وكنت أظنّه لنفسه ارتجالاً إلى أنأخبرني أحد أصحابنا عنه أنّه أخبره أنهما لأبي الحسن التّجاني أنشدهما له ببيته بالمدرسة الصالحيّة رحمه الله تعالى:

إنّ الذي يروي ولكنّه يحفظ ما يروي ولا يكتب

كصخرةٍ تنبع أمواجها تسقي الأراضي وهي لا تشرب

قال: ورويت عنه تواليف ابن أبي الأحوص: منها التبيان في أحكام القرآن والمعرب المفهم في شرح مسلم ولم أقف عليه، والوسامة في أحكام القسّامة، والمشرع السلسل في الحديث المسلسل وغير ذلك. وحدثني بسنن أبي داود عن ابن خطيب المزّة عن أبي حفص ابن طبرزدٍ عن أبي البدر الكروخي ومفلح الرومي عن أبي بكر ابن ثابت الخطيب عن أبي عمر الهاشمي عن اللؤلؤي عن أبي داود، وبسنن النسائي عن جماعة عن ابن باقا عن أبي زرعة عن ابن حميد الدّوسي عن أبي نصر الكسار عن ابن السني عن النسائي، وبالموطإ عن أبي جعفر ابن الطباع بسنده.

وشكوت إليه يوماً ما يلقاه الغريب من أذاة العداة، فأنشدني لنفسه:

عداتي لهم فضلٌ عليّ ومنّةٌ فلا أذهب الرحمن عن الأعاديا

هم بحثوا عن زلّتي فاجتنبتها وهو نافسوني فاكتسبت المعاليا

وأنشدني أيضاً من مداعباته، وله في ذلك النظم الكثير مع طهارته وفضله:

علّقته سبجيّ اللّون قادحه ما ابيضّ منه سوى ثغرٍ حكى الدّررا

قد صاغه من سواد العين خالقه فكلّ عينٍ إليه تدمن النّظرا

وأنشدني في جاهل لبس صوفاً وزها فيه:

أيا كاسياً من جيّد الصوف نفسه ويا عارياً من كل فضل ومن كيس

أتزهى بصوفٍ وهو بالأمس مصبحٌ على نعجةٍ واليوم أمسى على تيس

انتهى ما اختصرته من كلام الخطيب ابن مرزوق.

وأنشد الرحالة ابن جابر الوادي آشي لأبي حيّان قوله:

وقصّر آمالي مآلي إلى الردى وأنّي وإن طال المدى سوف أهلك

فصنت بماء الوجه نفساً أليّةً وجادت يميني بالذي كنت أملك

ووقفت على أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي، فوجدت فيه ترجمة أبي حيان واسعة فرأيت أن أذكرها بطولها لما فيها من الفوائد، وهي:

الشيخ، الإمام، العالم، العلامة، الفريد، الكامل، حجّة العرب، مالك أزمّة الأدب، أثير الدين، أبو حيّان الأندلسي الجيّاني - بالجيم، والياء آخر الحروف مشدّدة، وبعد الألف نون - وكان أمير المؤمنين في النحو، والشمس السافرة شتاء في يوم الصّحو، والمتصرف في هذا العلم فإليه الإثبات والمحو، لو عاصر أئمة البصرة لبصّرهم، أو أهل الكوفة لكف عنهم اتباعهم السواد وحذرهم، نزل منه كتاب سيبويه في وطنه بعد أن كان طريداً، وأصبح به التسهيل بعد تعقيده مفيداً، وجعل سرحة شرحه وجنةً راقت النواظر توريداً، ملأ الزمان تصانيف، وأمال عنق الأيّام بالتواليف، تخرّج به أئمّة في هذا الفنّ، وروّق لهم في عصره منه سلافة الدّن، فلو رآه يونس بن حبيب لكان بغيضاً غير مجيب، أو عيسى بن عمر لأصبح من تقصيره وهو محذّر، أو الخليل لكان بعينه قذاه، أو سيبويه لما تردى من مسألته الزنبورية برداه، أو الكسائي لأعراه حلّة جاهه عند الرشيد وأناسه، أو الفرّاء لفرّ منه ولم يقتسم ولدا المأمون تقديم مداسه، أو اليزيدي لما ظهر نقصه من مكامنه، أو الأخفش

لأخفى جملةً من محاسنه، أو أبو عبيدة لما تركه ينصب لشعب الشعوبية، أو أبو عمروٍ لشغله بتحقق اسمه دون التعلّق بعربية، أو السكّري لما راق كلامه في المعاني ولا حلا، أو المازني لما زانه قوله إنّ مصابكم رجلا، او قطرب لما دبّ في العربية ولا درج، أو ثعلب لاستكن بمكره في وكره ولما خرج، أو المبرّد لأصبحت قواه مقترة، أو الزجّاج لأمست قواريره مكسرة، أو ابن الوزان لعدم نقده، أو الثمانيني لما تجاوز حدّه، أو ابن باب العلم أن قياسه ما اطّرد، أو ابن دريدلما بلع ريقه ولا ازدرد، أو ابن قتيبة لأضاع رحله، أو ابن السراج لمشاه إذا رأى وحله، أو ابن الخشاب لأضرم فيه ناراً، ولم يجد معه نوراً، أو ابن الخباز لما سجر له تنوراً، أو ابن القوّاس لما غرق في نزعه، أو ابن يعيش لأوقعه في نزعه، أو ابن خروف لما وجد له مرعىً، أو ابن إياز لما وجد لأوزاره وقعاً، أو ابن الطراوة لم يكن نحوه طريّاً، أو ابن الدباج لكان من حلّته الرائقة عريّاً، وعلى الجملة فكان إمام النحاة في عصره شرقاً وغرباً، وفريد هذا الفن الفذ بعداً وقرباً، وفيه قلت:

سلطان علم النحو أستاذنا ال شيخ أثير الدين حبر الأنام

فلا تقل زيدٌ وعمروٌ، فما في النحو معه لسواه كلام

خدم هذا العلم مدّة تقارب الثمانين، وسلك من غرائبه وغوامضه طرقاً متشعّبة الأفانين، ولم يزل على حاله إلى أن دخل في خبر كان، وتبدّلت حركاته بالإسكان، وتوفّي رحمه الله تعالى بمنزله خارج باب البحر بالقاهرة في يوم السبت بعد العصر الثامن والعشرين من صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة ودفن من الغد بمقبرة الصوفية خارج باب النصر، وصلّي عليه في الجامع الأموي بدمشق صلاة الغائب في شهر ربيع الآخر، ومولده بمدينة مطخشارش في أخريات شوال سنة أربع وخمسين وستمائة.

وقلت أنا أرثيه رحمه الله تعالى:

مات أثير الدين شيخ الورى فاستعر البارق واستعبرا

ورقّ من جزنٍ نسيم الصّبا واعتلّ في الأسحار لمّا سرى

وصادحات الأيك في نوحها رئته في السجع على حرف را

يا عين جودي بالدّموع التي يروى بها ما ضمّه من ثرى

واجري دماً فالخطب في شأنه قد اقتضى أكثر ممّا جرى

مات إمامٌ كان في فنّه يرى إماماً والورى من ورا

أمسى منادىً للبلى مفرداً فضمّه القبر على ما ترى

يا أسفا كان هدىً ظاهراً فعاد في تربته مضمرا

وكان جمع الفضل به برهةً صحّ فمّا أن قضى كسّرا

وعرّف الفضل به برهةً والآن لمّا أن مضى نكّرا

وكان ممنوعاً من الصرف لا يطرق من وافه خطبٌ عرا

لا أفعل التفضيل ما بينه وبين من أعرفه في الورى

لا بدلٌ عن نعته بالتّقى ففعله كان له مصدرا

لم يدّغم في اللّحد إلا وقدفكّ من الصبر وثيق العرى

بكى له زيدٌ وعمروٌ فمن أمثلة النحو وممّن قرا

ما أعقد التسهيل من بعده فكم له من عسرةٍ يسّرا

وجسّر الناس على خوضه إذ كان في النحو قد استبحرا

من بعده قد حال تمييزه وحظّه قد رجع القهقرى

شارك من قد ساد في فنّه وكم له فنٌّ به استأثرا

دأب بني الآداب أن يغسلوا بدمعهم فيه بقايا الكرى

والنحو قد سار الردى نحوه والصرف للتصريف قد غيّرا

واللّغة الفصحى غدت بعده يلغى الذي في ضبطها قررا

تفسيره البحر المحيط الذي يهدي إلى ورّاده الجوهرا

فوائدٌ من فضله جمّةٌ عليه فيها نعقد الخنصرا

وكان ثبتاً نقله حجّةً مثل ضياء الصبح إن أسفرا

ورحله في سنّة المصطفى أصدق من يسمع إن أخبرا

له الأسانيد التي قد علت فاستفلت عنها سومي الذّرى

ساوى بها الأحفاد أجدادهم فاعجب لماضٍ فاته من طرا

وشاعراً في نظمه مفلقاً كم حرّر اللفظ وكم حبّرا

لها معانٍ كلّما خطّها تستر ما يرقم في تسترا

أفديه من ماضٍ لأمر الردى مستقبلاً من ربّه بالقرى

ما بات في أبيض أكفانه إلاّ وأضحى سندساً أخضرا

تصافح الحور له راحةً كم تعبت في كلّ ما سطّرا

إن مات فالذكر له خالدٌ يحيا به من قبل أن ينشرا

جاد ثرىً وافاه غيثٌ إذا مسّاه بالسّقي له بكرا

وخصّه من ربّه رحمةٌ تورده في حشره الكوثرا

وكان قد قرأ القراءات على الخطيب أبي محمد عبد الحق بن علي بن عبد الله نحواً من عشرين ختمة إفراداً وجمعاً، ثم على الخطيب الحافظ أبي جعفر أحمد الغرناطي المعروف بالطباع بغرناطة، ثم قرأ السبعة إلى آخر سورة الحجر على الخطيب الحافظ أبي علي الحسين بن عبد العيز بن محمد أبي الأحوص بمالقة، ثم إنّه قدم الإسكندريّة، وقرأ القراءات على عبد النصير بن علي بن يحيى المريوطي، ثم قدم مصر فقرأ بها القراءات على أبي الطاهر إسماعيل بن هبة الله المليحي، وسمع الكثير على الجم الغفير بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية والإسكندرية وديار مصر والحجاز، وحصّل الإجازات من الشام والعراق وغير ذلك، واجتهد فيطلب التحصيل والتقييد والكتابة، ولم أر في أشياخي أكثر اشتغالاً منه، لأنّي لم أره قط إلاّ يسمع أو يشتغل أو يكتب، ولم أره على غير ذلك، وله إقبال على الطلبة الأذكياء، وعنده تعظيم لهم، ونظم ونثر، وله الموشحات

البديعة، وهو ثبت فيما ينقله، محرّر لما يقوله، عارف باللّغة، ضابط لألفاظها، وأما النحو والتصريف فهو إمام الناس كلّهم فيهما، لم يذكر معه في أقطار الأرض غيره في حياته، وله اليد الطّولى في التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وحوادثهم، خصوصاً المغاربة، وتقييد أسمائهم على ما يتلفظون به من إمالة وترقيق وتفخيم، لأنّهم يجاورون بلاد الإفرنج وأسماؤهم قريبة من لغاتهم، وألقابهم كذلك، وقيّده وحرّره، وسأله شيخنا الذهبي أسئلة فيما يتعلّق بذلك، وأجابه عنها.

له التصانيف التي سارت وطارت، وانتشرت وما انتثرت، وقرئت ودريت ونسخت وما فسخت، وأخملت كتب الأقدمين، وألهت المقيمين بمصر والقادمين، وقرأ الناس عليه، وصاروا أئمة وأشياخاً في حياته، وهو الذي جسّر الناس على مصنّفات ابن مالك رحمه الله تعالى، ورغّبهم فيها وفي قراءتها، وشرح لهم غامضها، وخاض بهم لججها، وفتح لهم مقفلها، وكان يقول عن مقدمة ابن الحاجب: هذه نحو الفقهاء، وكان التزم ان لا يقرئ أحداً إلاّ إن كان في كتاب سيبويه أو في التسهيل لابن مالك أو في تصانيفه، ولمّا قدم من بلاده لازم الشيخ بهاء الدين رحمه الله تعالى كثيراًن وأخذ عنه كتب الأدب. وكان شيخاً حسن العمة، مليح الوجه، ظاهر اللون، مشرباً حمرة، منور الشيبة، كبير اللّحية، مسترسل الشعر فيها لم تكن كثة، عبارته فصيحة بلغة الأندلس يعقد حرف القاف قريباً من الكاف، على أنّه لا ينطق بها في القرآن إلا فصيحة، وسمعته يقول: ما في هذه البلاد من يعقد حرف القاف.

وكانت له خصوصية بالأمير سيف الدين أرغون كافل الممالك، ينبسط معه، ويبيت عنده في قلعة الجبل، ولما توفيت ابنته نضار طلع إلى السلطان الملك الناصر محمد، وسأل منه ا، يدفنها في بيته داخل القاهرة في البرقية، فأذن له في ذلك، وكان أولاً يرى رأي الظاهرية، ثمّ إنّه تمذهب للشافعي رضي الله تعالى عنه؛ بحث على الشيخ علم الدين العراقي المحرّر للرافعي، ومختصر المنهاج

للنووي، وحفظ المنهاج إلاّ يسيراً، وقرأأصول الفقه على أستاذه أبي جعفر ابن الزبير، بحث عليه من الإشارة للباجي، ومن المستصفى للغزالي، وعلى الخطيب أبي الحسن ابن فضيلة، وعلى الشيخ علم الدين العراقي، وعلى الشيخ شمس الدين الأصبهاني، وعلى الشيخ علاء الدين الباجي، وقرأ أشياء من أصول الدين على شيخه ابن الزبير، وقرأ عليه شيئاً من المنطق، وقرأ أشياء من المنطق على بدر الدين محمد بن سلطان البغدادي، وقرأ عليه شيئاً من الإرشاد للعميدي في الخلاف، ولكنّه برع في النحو، وانتهت إليه الرئاسة والمشيخة فيه، وكان خالياً من الفلسفة والاعتزال والتّجسيم، وكان أولاً يعتقد في الشيخ تقي الدين ابن تيمية وامتدحه بقصيدة، ثم إنّه انحرف عنه لما وقف على كتاب العرش له، قال الفاضل كما الدين الأدفوي: وجرى على مذهب كثير من النحويين في تعصبه للإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه التعصب المتين، قال: حكي لي أنّه قال لقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة: إن عليّاً رضي الله تعالى عنه عهد إليه النبيّ ﷺ أن لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق، أتراه ما صدق في هذا فقال: صدق، قال فقلت له: فالذين سلّوا السيوف في وجهه يبغضوه أو يحبّونه أو غير ذلك قال: وكان سيّء الظن بالناس كافة، فإذا نقل له عن أحد خبر لا يتكيف به وينثني عنه حتى عمّن هو عنده مجروح، فيقع في ذم من هو بألسنة العالم ممدوح، وبسبب ذلك وقع في نفس جمع كبير منه ألم كثير؛ انتهى.

قلت: انا لم أسمع منه في حق أحد من الأحياء والأموات إلا خيراً، وما كنت أنقم عليه شيئاً إلا ما كان يبلغني عنه من الحط على الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، على أنّني أنا ما سمعت في حقه شيئاً، نعم كان لا يثق بهؤلاء الذي يدّعون الصلاح حتى قلت له يوماً: يا سيدي، فكيف تعمل في الشيخ أبي مدين فقال: هو رجل مسلم ديّن، وإلاّ ما كان يطير في الهواء، ولا يصلي الصلوات الخمس في مكة كما يدعي فيه هؤلاء الأغماء.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.