من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (٢٠)
وكان فيه - رحمه الله تعالى - خشوع، يبكي إذا سمع القرآن، ويجري دمعه عند سماع الأشعار الغزلية، وقال كمال الدين المذكور: قال لي: إذا قرأت أشعار العشق أميل إليها، وكذلك أشعار الشجاعة تستميلني، وغيرهما، إلا أشعار الكرم ما تؤثر فيّ، انتهى.
قلت: كان يفتخر بالبخل، كما يفتخر غيره بالكرم، وكان يقول لي: أوصيك احفظ دارهمك ويقال عنك بخيل، ولا تحتج إلى السفل.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
رجاؤك فلساً قد غدا في حبائلي قنيصاً رجاءٌ للمّتاج من العقم
أأتعب في تحصيله وأضيعه إذن كنت معتاضاً من البرء بالسّقم
قلت: والذي أراه فيه أنّه طال عمره، وتغرّب، وورد البلاد ولا شيء معه، وتعب حتى حصّل المناصب تعباً كثيراً، وكان قد جرب الناس، وحلب أشطر الدهر ومرت به حوادث، فاستعمل الحزم، وسمعته غير مرّة يقول: يكفي الفقير في مصر أربعة أفلس: يشتري له بائنة بفلسين، وبفلس زبيباً، وبفلس كوز ماء، ويشتري ثاني يوم ليموناً بفلس يأكل به الخبز، وكان يعيب على مشتري الكتب ويقول: الله يرزقك عقلاً تعيش به، أنا أيّ كتاب أردته استعرته من خزائن الأوقاف، وإذا أردت من أحد أن يعيرني رداهم ما أجد ذلك، وأنشدني له إجازة:
إنّ الدراهم والنّساء كلاهما لا تأمننّ عليها إنسانا
ينزعن ذا اللبّ المتين عن التّقى فترى إساءة فعله إحسانا
وأنشدني له من أبيات:
أتى بشفيع ليس يمكن ردّه دراهم بيضٌ للجروح مراهم
تصيّر صعب الأمر أهون ما يرى وتقضي لبانات الفتى وهو نائم
ومن حزمه قوله:
عداتي لهم فضل البيتين
وقد مدحه كثير من الشعراء، والكبار الفضلاء، فمنهم القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر بقوله:
قد قلت لمّا أن سمعت مباحثاً في الذات قرّرها أجلّ مفيد
هذا أبو حيّان قلت صدقتم وبررتم هذا هو التوحيدي
وكان قد جاء يوماً إل بيت الشيخ صدر الدين ابن الوكيل فلم يجده، فكتب بالجص على مصراع الباب، فلمّا رأى ابن الوكيل ذلك قال:
قالوا أبو حيّان غير مدافعٍ ملك النحاة فقلت بالإجماع
اسم الملوك على النقود وإنّني شاهدت كنيته على المصراع
ومدحه شرف الدين ابن الوحيد بقصيدة مطولة أولها:
إليك أبا حيّان أعملت أينقي وملت إلى حيث الركائب تلتقي
دعاني إليك الفضل فانقدت طائعاً ولبّيت أحدوها بلفظي المصدق
ومدحه نجم الدين إسحق بن ألمي التركي، وسأله تكملة شرح التسهيل بقصيدة، وأرسلها إليه من دمشق، وأولها:
تبدّى فقلنا وجهه فلق الصّبح وكمّله باليمن فيه وبالنّجح
وسهّلت تسهي الفوائد محسناً فكن شارحاً صدري بتكملة الشرح
ومدحه مجير الدين عمر بن الملطي بقصيدة أولها:
يا شيخ أهل الأدب الباهر من ناظمٍ يلفى ومن ناثر
ومدحه نجم الدين يحيى الإسكندري بقصيدة أولها:
ضيفٌ ألمّ بنا من أبرع النّاس لا ناقضٌ عهد أيّامي ولا ناسي
عارٍ من الكبر والأدناس ذو شرفٍ لكنّه من سرابيل العلا كاسي
ومدحه نجم الدين الطوفي بقصيدتين أول الأولى:
أتراه بعد هجرانٍ يصل ويرى في ثوب وصلٍ مبتذل
قمرٌ جار على أحلامنا إذ تولاّها بقدٍّ معتدل
وأول الثانية:
اعذروه فكريمٌ من عذر قمرته ذات وجهٍ كالقمر
ومدحه بهاء الدين محمد بن شهار الدين الخيمي بقصيدة أولها:
فضضت عن العذب النّمير ختامها وفتّحت عن زهر الرياض كمامها
ومدحه جماعة آخرون يطول ذكرهم، وكتبت أنا إليه من الرحبة سنة:
لو كنت أملك من دهري جناحين لطرت لكنّه فيكم جنى حيني
وإن سادةً نلت في مصرٍ بهم شرفاً أرقى به شرفاً ينأى عن العين
وإن جرى لسما كيوان ذر علاً أحلّني فضلهم فوق السّماكين
وليس غير أثير الدين أثّله فشاد ما شاد لي حقّاً بلا مين
حبرٌ ولو قلت إنّ الباء رتبتها من قبل صدّقك الأقوام في ذين
أحيا علوماً أمات الدّهر أكثرها مذ جلّدت خلّدت ما بين دفّين
يا واحد العصر ما قولي متّهمٍ ولا أحاشي امرءاً بين الفريقين
هذي العلوم بدت من سيبويه كما قالوا وفيك انتهت يا ثاني اثنين
فدم لها وبودّي لو أكون فدىً لما ينالك في الأيّام من شين
يا سيبويه الورى في الدهر لا عجبٌ إذا الخليل غدا يفديك بالعين
يقبّل الأرض وينهي ما هو عليه من الأشواق التي برّحت بألمها، وأجرت الدموع دماً، وهذا الطرس الأحمر يشهد بدمها، وأربت بسحّها على السحائب وأين دوام هذه من ديمها، وفرقت الأوصال على السقم لوجود عدمها:
فيا شوق ما أبقى، ويا لي من النوى ويا دمع ماأجرى، ويا قلب ما أصبى
وذكر ولاءه الذي تسجع به في الأرض الحمائم، ويسير تحت لوائه مسير الرياح بين الغمائم، وثناءه الذي يتضوع كالزهر بي الكمائم، ويتنسّم تنسّم هامات الرّبى إذا لبست من الربيع ملوّنات العمائم، ويشهد الله على ما قد قلته والله سبحانه نعم الشهيد.
فكتب هو الجواب عن ذلك ولكنه عدم مني.
وأنشدته يوماً لنفسي:
قلت للكاتب الذي ما أراه قطّ إلاّ ونقّط الدمع شكله
إن تخطّ الدموع في الخدّ شيئاً ما يسمى فقال خطّ ابن مقله
وأنشدني هو من لفظه لنفسه:
سبق الدّمع بالمسير المطايا إذ نوى من أحبّ عني نقله
وأجاد الخطوط في صفحة الخ د ولم لا يجيد وهو ابن مقله
وأنشدني في مليح نوتي:
كلفت بنوتيٍّ كأنّ قوامه إذا يثني خوطٌ من البان ناعم
مجاذفه في كلّ قلبٍ مجاذبٌ وهزّاته للعاشقين هزائم
وأنشدته أنا لنفسي:
إنّ نوتيّ مركبٍ نحن فيه هام فيه صبّ الفؤاد جريحه
أقلع القلب عن سلّوي لمّا أن بدا ثغره وقد طاب ريحه
وأنشدته لنفسي أيضاً:
نوتيّنا حسنه بديع وفيه بدر السّماء مغرى
ما حكّ برّاً إلاّ وقلنا يا ليت أنّا نحكّ برّا
فأعجباه رحمه الله تعالى، وزهزه لهما.
وأنشدني هو لنفسه مليح أحدب:
تعشّقته أحدباً كيّساً يحاكي نحيباً حنين النّعام
إذا كدت أسقط من فوقه تعلّقت من ظهره بالسّنام
فأنشدته لنفسي:
وأحدبٍ رحت به مغرماً إذ لم تشاهد مثله عيني
لا غرو أن هام فؤادي به وخصره ما بين دفّين
وأنشدني من لفظه لنفسه في أعمى:
ما ضرّ حسن الذي أهواه أنّ سنا كريمتيه بلا شينٍ قد احتجبا
قد كانتا زهرتي روضٍ وقد ذوتا لكنّ حسنهما الفتّان ما ذهبا
كالسيف قد زال عنه صقله فغدا أنكى وآلم في قلب الذي ضربا
وأنشدته لنفسي في ذلك:
وربٌّ أعمى وجهه روضةٌ تنزّهي فيها كثير الديون
وخدّه وردٌ غنينا به عن نرجسٍ ما فتحته العيون
وأنشدته أيضاً لنفسي في ذلك:
فيا حسن أعمى لم يخف حدّ طرفه محبٌّ غدا سكران فيه وما صحا
إذا صاد خلٌّ بات يرعى حدوده غدا آمناً من مقلتيه الجوارحا
وكتبت إليه استدعاءً، وهو: المسؤول من إحسان سيدنا الإمام العالم العلاّمة، لسان العرب، ترجمان الأدب، جامع الفضائل، عمدة وسائل السائل، حجّة المقلّدين، زين المقلّدين، قطب المؤملين، أفضل الآخرين، وارث علوم الأولين، صاحب اليد الطولى في كل مكان ضيق، والتصانيف التي تأخذ بمجامع القلب فكل ذي لبٍّ إليها شيّق، والمباحث التي أثارت الأدلة الراحجة من مكامن أماكنها، وقنصت أوابده الجامحة من مواطئ مواطنها، كشّاف معضلات الأوائل، سبّاق غايات قصّر عن شأوها سبحان وائل، فارع هضبات البلاغة في اجتلاء اجتلابها وهي في مرقدها، سالب تيجان الفصاحة في اقتضاء اقتضابها من فوق فرقدها، حتى أبرز كلامه جنانٌ فكلّ جنّانٍ من بعده عن الدخول إليها جبان، وأتى ببراهين وجوه حورها لم يطمثهن إنس قبله ولا جان، وأبدع خمائل نظم ونثر لا تصل إلى أفنان فنونها يد جانٍ، أثير الدين أبي حيان، لا زال ميت العلم يحييه، وهل عجيب ذلك من أبي حيان:
حتى ينال بنو العلوم مرامهم ويحلّهم دار المنى بأمان
إجازة كاتب هذه الأحرف ما رواه - فسح الله تعالى في مدته - من المسانيد والمصنفات والسنن والمجاميع الحديثية، والتصانيف الأدبية، نظماً ونثراً، إلى غير ذلك من أصناف العلوم على اختلاف أوضاعها، وتباين أجناسها وأنواعها، ممّا تلقاه ببلاد الأندلس وإفريقية والإسكندرية والديار المصرية والبلاد الحجازية
وغيرها من البلدان، بقراءة أو سماع أو مناولة أو إجازة خاصة أو عامة، كيفما تأدى ذلك إليه، وإجازة ما له - أدام الله إفادته - من التصانيف في تفسير القرآن العظيم والعلوم الحديثية والأدبية وغيرها، وما له من نظم ونثرإجازة خاصة، وأن يثبت بخطه تصانيفه إلى حني هذا التاريخ، وأن يجيزه إجازة عامة لما يتجدّد له من بعد ذلك على رأي من يراه ويجوزه، منعماً متفضلاً إن شاء الله تعالى.
فكتب الجواب رحمه الله تعالى: أعزك الله، ظننت بإنسان جميلاً فغاليت، وأبديت من الإحسان جزيلاً وما باليت، وصفت منهو القتام يظنه الناس سماء، والسراب يحسبه الظمآن ماء، يا ابن الكرام وأنت أبصر من يشيم، أمع الروض النضير يرعى الهشيم، أما أغنتك فضائلك، وفواضلك، ومعارفك، وعوارفك، عن نغبة من دأماء، وتربة من يهماء، لقد تبلجت المهارق من نور صفحاتك، وتأرجت الأكوان من أريج نفحاتك، ولأنت أعرف من يقصد للدراية، وأنقد من يعتمد عليه في الرواية، لكنك أردت أن تكسو من مطارفك، وتتفضل من تالدك وطارفك، وتجلو الخامل في منصة النباهة، وتنقده من لكن الفهاهة، فتشيد له ذكراً، وتعلي له قدراً، ولم يمكنه إلاّ إسعافك فيما طلبت، وإجابتك إلى ما إليه ندبت، فإن المالك لا يعصى، والمتفضل المحسن لا يقصى، وقد أجزت لك - أيدك الله تعالى - جميع ما رويته عن أشياخي بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية وديار مصر والحجاز وغير ذلك، بقراءة أو سماع أو مناولة أو إجازة بمشافهة وكتابة ووجازة، وجميع ما أجيز لي أن أرويه بالشام والعراق وغير ذلك، وجميع ما صنفته واختصرته وجمعته وأنشأته نظماً ونثراً، وجميع ما سألت في هذا الاستدعاء: فمن مروياتي الكتاب العزيز قرأته بقراءة السبعة على جماعة من أعلاهم الشيخ المسند المعمّر فخر الدين أبو الطاهر إسماعيل بن هبة الله بن علي بن هبة الله المصري ابن المليحي، آخر من روى القرآن بالتلاوة على أبي الجود، والكتب الستة والموطأ ومسند عبد بن حميد ومسند الدراميّ ومسند الشافعي ومسند الطيالسي والمعجم الكبير للطّبراني والمعجم الصغير
له وسنن الدارقطني وغير ذلك.
وأما الأجزاء فكثيرة جدّاً، ومن كتب النحو والآداب فأروي بالقراءة كتاب سيبويه، والإيضاح، والتكملة، والمفصل، وجمل الزجاجي، وغير ذلك، والأشعار الستة والحماسة وديوان حبيب والمتنبي والمعري، وأما شيوخي الذين رويت عنهم بالسماع أو بالقراءة فهم كثير، وأذكر الآن منهم جماعة: فمنهم القاضي أبو علي الحسن بن عبد العزيز بن أبي الأحوص القرشي، والمقرئ أبو جعفر أحمد بن سعيد بن أحمد بن بشير الأنصاري، وإسحاق بن عبد الرحيم ابن محمد بن عبد الملك بن درباس، وأبو بكر ابن عباس بن يحيى بن غريب القوّاس البغدادي، وصفي الدين الحسين بن أبي منصور بن ظافر الخزرجي، وأبو الحسين محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، ووجيه الدين محمد بن عبد الرحمن بن أحمد الأزدي بن الدّهّان، وقطب الدين محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن القسطلاني، ورضي الدين محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي اللغوي، ونجيب الدين محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيد الهمداني، ومكي بن محمد بن أبي القاسم ابن حامد الأصبهاني الصفّار، ومحمد ابن عمر بن محمد بن علي السعدي الضرير ابن الفارض، وزين الدين أبو بكر محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن الأنماطي، ومحمد بن إبراهيم بن ترجم بن حازم المازني، ومحمد بن الحسين بن الحسن بن إبراهيم الداريّ ابن الخليلي، ومحمد ابن محمد بن عمر العنسي عرف بابن النّنّ، وعبد الله بن محمد بن هارون بن عبد العزيز الطائي القرطبي، وعبد الله بن نصر الله بن أحمد بن رسلان بن فتيان ابن كامل الخزمي، وعبد الله بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن فارس التميمي، وعبد الرحمن بن يوسف بن يحيى بن يوسف ابن خطيب المزة، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد العلي المصري السكري، وعبد العزيز بن عبد المنعم بن علي ابن نصر بن الصيقل الحراني، وعبد العزيز بن عبد القادر بن إسماعيل الفيالي
الصالحي الكتاني، وعبد المعطي بن عبد الكريم بن أبي المكارم ابن منجى الخزرجي، وعلي بن صالح بن أبي علي ابن يحيى بن إسماعيل الحسني البهنسي المجاور، وغازي بن أبي الفضل ابن عبد الوهاب الحلاوي، والفضل بن علي بن نصر بن عبد الله بن الحسين بن رواحة الخزرجي، ويوسف بن إسحاق بن أبي بكر الطبري المكي، واليسر بن عبد الله بن محمد بن خلف بن اليسر القشيري، ومؤنسة بنت الملك العادل أبي بكر ابن أيوب بن شادي، وشامية بنت الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد التيمية، وزينب عبد اللطيف بن يوسف ابن محمد بن علي البغدادي.
وممّن كتبت عنه من مشاهير الأدباء أبو الحكم مالك بن عبد الرحمن بن علي بن الفرج المالقي ابن المرحل، وأبو الحسن حازم بن محمد بن حازم الأنصاري القرطاجني، وأبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن يحيى بن عبد الله الهذلي التطيلي، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن ذنّون المالقي، وأبو عبد الله محمد بن عمر بن جبير الجلياني العكي المالقي، وأبو الحسين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى الأنصاري الجزار، وأبو عمرو عثمان بن سعيد بن عبد الرحمن بن تولو القرشي، وأبو حفص بن عمر بن محمد بن أبي علي الحسن المصري الوراق، وأبو الربيع سليمان ابن علي بن عبد الله بن ياسين الكومي التلمساني، وأبو العباس أحمد بن أبي الفتح نصر الله بن باتكين القاهري، وأبو عبد الله محمد بن سعيد بن حمّاد بن محسن الصنهاجي البوصيري، وأبو العباس أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم العزازي.
وممّن أخذت عنه من النحاة أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الخشني الأبّدي، وأبو الحسن علي بن محمد بن علي بن يوسف الكتامي ابن الضائع، وأبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير بن محمد بن الزبير الثقفي، وأبو جعفر أحمد بن يوسف بن علي بن يوسف الفهري اللّبلي، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن نصر الحلبي ابن النحاس.
وممّن لقيته من الظاهرية أبو العباس أحمد بن علي بن خالص الأنصاري
الإشبيلي الزاهد، وأبو الفضل محمد بن محمد بن سعدون الفهري الشّنتمري.
وجملة الذي سمعت منهم نحو من أربعمائة شخص وخمسين. وأما الذين أجازوني فعالم كثير جداً من أهل غرناطة ومالقة وسبتة وديار إفريقية وديار مصر والحجاز والعراق والشام، وأما ما صنفته فمن ذلك البحر المحيط في تفسير القرآن العظيم. إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب. كتاب الأسفار المخلص من كتاب الصّفّار شرحاً لكتاب سيبويه. كتاب التجريد لأحكام سيبويه. كتاب التذييل والكميل في شرح التسهيل. كتاب التنخيل المخلص من شرح التسهيل. كتاب التذكرة. كتاب المبدع في التصريف. كتاب الموفور. كتاب التقريب. كتاب التدريب. كتاب غاية الإحسان. كتاب النكت الحسان. كتاب الشذا في مسألة كذا. كتاب الفضل في أحكام الفصل. كتاب اللمحة. كتاب الشذرة. كتاب الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء. كتاب عقد اللآلي. كتاب نكت الأمالي. كتاب النافع في قراءة نافع. الأثير في قراءة ابن كثير. المورد الغمر في قراءة أبي عمرو. الروض الباسم في قراءة عاصم. المزن الهامر في قراءة ابن عامر. الرمزة في قراءة حمزة. تقريب النائي في قراءة الكسائي. غاية المطلوب في قراءة يعقوب. قصيدة النير الجلي في قراءة زيد بن علي. الوهاج في اختصار المنهاج. الأنوار الأجلى في اختصار المحلى. الحلل الحالية في أسانيد القرآن العالية. كتاب الإعلام بأركان الإسلام. نثر الزهر ونظم الزهر. قطر الحبيّ في جواب أسئلة الذهبي. فهرست مسموعاتي. نوافث السحر في دمائث الشعر. تحفة النّدس في نحاة الأندلس. الأبيات الوافية في علم القافية. جزء في الحديث. مشيخة ابن أبي المنصور. كتاب الإدراك للسان الأتراك. زهو الملك في نحو الترك. نفحة المسك في سيرة الترك. كتاب الأفعال في لسان الترك. منطق الخرس في
لسان الفرس. وممّا لم يكمل تصنفه: كتاب مسلك الرشد في تجريد مسائل نهاية ابن رشد. كتاب منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك. نهاية الإغراب في علمي التصريف والإعراب. رجز مجاني الهصر في آداب وتواريخ لأهل العصر. خلاصة التبيان في علمي البديع والبيان. وجز نور الغبش في لسان الحبش. المخبور في لسان اليخمور قاله وكتبه أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان.
وأنشدني الشيخ أثير الدين من لفظه لنفسه في صفات الحروف:
أنا هاوٍ لمستطيلٍ أعنٍّ كلّما اشتد صارت النفس رخوه
أهمس القول وهو يجهر سبّي وإذا ما انخفضت أظهر علوه
فتح الوصل ثمّ أطبق هجراً بصفيرٍ والقلب قلقل شجوه
لان دهراً ثمّ اغتدى ذا انحرافٍ وفشا السرّ مذ تكررت نحوه
وأنشدني أيضاً لنفسه:
يقول لي العذول ولم أطعه تسلّ فقد بدا للحبّ لحيه
تخيّل أنها شانت حبيبي وعندي أنها زينٌ وحليه
وأنشدني لنفسه أيضاً:
شوقي لذاك المحيّا الزاهر الزاهي شوقٌ شديدٌ وجسمي الواهن الواهي
أسهرت طرفي وولّهت الفؤاد هوىً فالطرف والقلب مني الساهر الساهي
نبهت قلبي وتنهى أن أبوح بما يلقاه واشوقه للناهب الناهي
بهرت كلّ مليحٍ بالبهاء فما في النّيّرين شبيه الباهرالباهي
لهجت بالحبّ لمّا أن لهوت به عن كلّ شيءٍ فويح اللاّهج اللاّهي
وأنشدني من لفظه لنفسه:
راض حبيبي عارضٌ قد بدا يا حسنه من عارضٍ رائض
وظنّ قومٌ أنّ قلبي سلا والأصل لا يعتدّ بالعارض
وأنشدني من لفظه لنفسه:
تعشّقته شيخاً كأنّ مشيبه على وجنتيه ياسمينٌ على ورد
أخا العقل يدري ما يراد من الهوى أمنت عليه من رقيبٍ ومن صدّ
وقالوا الورى قسمان في شرعة الهوى لسود اللحى ناسٌ وناسٌ إلى المرد
ألا إنني لو كنت أصبو لأمردٍ صبوت إلى هيفاء مائسة القدّ
وسود اللحى أبصرت فيهم مشاركاً فأحببت أن أبقى بأبيضهم وحدي
وأنشدني من لفظه لنفسه:
ألا إنّ ألحاظاً بقلبي عوابثاً أظنّ بها هاروت أصبح نافثا
إذا رام ذو وجدٍ سلوّاً منعنه وكنّ على دين التصابي بواعثا
وقيدن من أضحى عن الحبّ مطلقاً وأسرعن للبلوى بمن كان رائثا
بروحي رشاً من آل خاقان راحلٌ وإن كان ما بين الجوانح لابثا
غدا واحداً في الحسن للفضل ثانياً وللبدر والشمس المنيرة ثالثا
وأنشدني لنفسه، ومن خطه نقلت:
أسحرٌ لتلك العين في القلب أم وخز ولينٌ لذاك الجسم في اللمس أم خزّ
وأملود ذاك القدّ أم أسمرٌ غدا له أبداً في قلب عاشقه هزّ
فتاةٌ كساها الحسن أفخر حلّةٍ فصار عليها من محاسنها طرز
وأهدى إليها الغصن لين قوامه فماس كأنّ الغصن خامره العزّ
يضوع أديم الأرض من نشر طيبها ويخضرّ من آثار تربتها الجرز
وتختال في برد الشباب إذا مضت فينهضها قدٌّ ويقعدها عجز
أصابت فؤاد الصبّ منها بنظرةٍ فلا رقيةٌ تجدي المصاب ولا حرز
وأنشدني إجازةً في مليح أبرص، ومن خطه نقلت:
وقالوا الذي قد صرت طوع جماله ونفسك لاقت في هواه نزاعها
به وضحٌ تأباه نفس أولي النّهى وأفظع داءٍ ما ينافي طباعها
فقلت له لا عيب فيه يشينه ولا علّةٌ فيه يروم دفاعها
ولكنّها شمس الضحى حين قابلت محاسنه ألقت عليه شعاعها
وأنشدني من لفظه لنفسه في فحّام:
وعلّقته مسود عينٍ ووفرةٍ وثوبٍ يعاني صنعة الفحم عن قصد
كأنّ خطوط الفحم في وجناته لطاخة مسكٍ في جنيٍّ من الورد
وأنشدني إجازة، ومن خطه نقلت:
سأل البدر هل تبدّى أخوه قلت يا بدر لن تطيق طلوعا
كيف يبدو وأنت يا بدر بادٍ أوبدران يطلعان جميعا
وأنشدني من لفظه لنفسه موشحة عارض بها شمس الدين محمد بن التلمساني:
عاذلي في الأهيف الأنس لو رآه الآن قد عذرا
قمرٌ من سحبه الشّعر ثغرٌ في فيه أم درر
حال بين الدرّ واللّعس خمرةٌ من ذاقها سكرا
رجّةٌ بالردف أم كسل ريقةٌ بالثغر أم عسل
وردةٌ بالخدّ أم خجل كحلٌ بالعين أم كحل
يا لها من أعينٍ نعس جلبت للنّاظر السّهرا
مذ نأى عن مقلتيّ سني ما أذيقا لذّة الوسن
طال ما ألقاه من شجن عجباً ضدّان في بدن
بفؤادي جذوة القبس وبعيني الماء منفجرا
قد أتاني الله بالفرج إذ دنا مني أبو الفرج
قمرٌ قد حلّ في المهج كيف لا يخشى من الوهج
غيره لو صابه نفسي ظنّه من حرّه شررا
نسب العينين لي شركا فانثنى والقلب قد ملكا
قمرٌ أضحى له فلكا قال لي يوماً وقد ضحكا
أتجي من أرض أندلس نحو مصر تعشق القمرا
وأما موشحة ابن التلمساني فهي:
قمرٌ يجلو دجى الغلس بهر الأبصار مذ ظهرا
آمنٌ من شبهة الكلف ذبت من عينيه بالكلف
لم يزل يسعى إلى تكلفي بركاب الدّلّ والصّلف
آه لولا أعين الحرس نلت منه الوصل مقتدرا
يا أميراً جار مذ وليا كيف لا ترثي لمن بليا
فبثغرٍ منك قد جليا قد حلا طعماً وقد حليا
وبما أوتيت من كيس جد فما أبقيت مصطبرا
بد تمٍّ في الجمال سني ولهذا لقّبوه سني
قد سباني لذّة الوسن بمحيّاً باهرٍ حسن
هو خشفي وهو مفترسي فارو عن أعجوتبي خبرا
لك خدٌّ يا أبا لافرج زين بالتّوريد والضّرج
وحديثٌ عاطر الأرج كم سبى قلباً بلا حرج
لو رآك الغصن لم يمس أو رآك البدر لاستترا
يا مذيباً مهجتي كمدا فقت في الحسن البدور مدى
يا كحيلاً كحله اعتمدا عجباً أن تبرئ الرمدا
وبسقم الناظرين كسي جفنك السحّار وانكسرا
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضاً:
إن كان ليلٌ داجوخاننا الإصباحفنورها الوهّاجيغني عن المصباح
سلافةٌ تبدو كالكوكب الأزهر
مزاجها شهد وعرفها عنبر
وحبّذا الورد منها وإن أسكر
قلبي بها قد هاجفما تراني صاحعن ذلك المنهاجوعن هوىً يا صاح
وبي رشاً أهيف قد لجّ في بعدي
بدر فلا يخسف منه سنا الخدّ
بلحظه المرهف يسطو على الأسد
كسطوة الحجّاجفي النّاس والسفّاحفما ترى من ناجمن لحظه السفّاح
علل بالمسك قلب رشاً أحور
منعّم المسك ذي مبسمٍ أعطر
ريّاه كالمسك وريقه كوثر
غصنٌ على رجراجطاعت له الأرواحفحبذا الآراجإن هبّت الأرواح
مهلاً أبا القاسم على أبي حيّان
ما إن له عاصم من لحظك الفتّان
وهجرك الدائم قد طال بالهيمان
فدمعه أمواجوسرّه قد باحلكنّه ما عاجولا أطاع اللاح
يا ربّ ذي بهتان يعذل في الراح
وفي هوى غزلان دافعت بالراح
وقلت لا سلوان عن ذاك يا لاح
سبع الوجوه والتاجهي منية الأفراحفاختر لي يا زجّاجقمصال وزوج أقداح
وأنشدني من لفظه لنفسه القصيدة الدالية التي نظمها في مدح النحو والخليل وسيبويه، ثم خرج منها إلى مديح صاحب غرناطة وغيره من أشياخه، وأولها:
هو العلم لا كالعلم شيء تراوده لقد فاز باغيه وأنجح قاصده
وهي قصيدة جيدة تزيد على مائة بيت.
وحكي لي أن الشيخ أثير الدين رحمه الله تعالى ضعف فتوجه إليه جماعة يعودونه، وفيهم شمس الدين ابن دانيال، فأنشدهم الشيخ رحمه الله تعالى القصيدة المذكورة، فلما فرغت قال ابن دانيال: يا جماعة أخبركم أن الشيخ قد عوفي، وما بقي عليه بأس، لأنه لم يبق عنده فضلة، قوموا باسم الله.
وأنشدني من لفظه لنفسه رحمه الله تعالى قصيدته السينية التي أولها:
أهاجك ربعٌ حائل الرسم دارسه كوحي كتابٍ أضعف الخطّ دارسه
انتهى نص الصفدي. وما ذكره رحمه الله تعالى في موضع ولادة أبي حيان غير مخالف لما ذكره في الوافي أنه ولد بغرناطة، إلاّ أن قوله بمدينة مطخشارش فيه نظر، لأنه يقتضي أنها مدينة، وليس كذلك، وإنما هي موضع بغرناطة، ولذا قال الرعيني: إن مولد أبي حيان بمطخشارش من غرناطة، ونحوه لابن جماعة، انتهى، وهو صريح في المراد، وصاحب البيت أدرى على أنه يمكن أن يرد كلام الصفدي لذاك، والله تعالى أعلم.
وذكر في الوافي أنه تولى تدريس التفسير بالقبة المنصورية، والإقراء بالجامع الأقمر، قال الصفدي: وقال لي: لم أر بعد ابن دقيق العيد أفصح من قراءتك، وكان ذلك حين قرأت عليه المقامات الحريرية بمصر جماعة، انتهى.
وما وقع في كلام كثير من أهل المغرب أن أبا حيان توفي سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة غير ظاهر، لأن أهل المشرق أعرف بذلك، إذ توفي عندهم، وقد تقدم أنه توفي سنة خمس وأربعين وسبعمائة، فعلى كلام أهل المشرق في هذا المعوّل، والله أعلم.
وكانت نضار بنت أبي حيان حجت، وسمعت بقراءة العلم البرزالي على بعض الشيوخ، وحدثت بشء من مروياتها، وحضرت على الدمياطي، وسمعت على جماعة، وهي بضم النون وتخفيف الضاد، وأجازها من المغرب أبو جعفر ابن الزبير، وحفظت مقدمة في النحو، ولمّا توفيت عمل والدها فيها كتاباً سمّاه النّضار في المسلاة عن نضار، وكان والدها يثني عليها كثيراً، وكانت تكتب وتقرأ، قال الصفدي: قال لي والدها: إنها خرّجت جزءاً لنفسها وإنها تعرب جيداً، وأظنه قال لي: إنها تنظم الشعر، وكان يقول دائماً: ليت أخاها حيان كان مثلها، وتوفيت رحمها الله تعالى في جمادى الآخرة سنة
في حياة والدها، فوجد عليها وجداً عظيماً ولم يثبت وانقطع عند قبرها بالبرقية، ولازمه سنة، ومولدها في جمادى الآخرة سنة، قال الصفدي: وكنت بالرحبة لما توفيت، فكتبت لوالدها بقصيدة أولها:
بكينا باللّجين على نضار فسيل الدمع في الخدين جاري
فيا لله جاريةٌ تولّت فنبكيها بأدمعنا الجواري
وقال الفقيه المحدث أبو عبد الله محمد بن سعيد الرعيني الأندلسي في برنامجه، عند ذكره شيخه أبا حيان زيادةً على ما قدمناه، ما ملخصه: إن أبا حيان قال: سمعت بغرناطة ومالقة وبلش والمرية وبجاية وتونس والإسكندرية ومصر والقاهرة ودمياط والمحلة وطهرمس والجيزة ومنية بني خصيب ودشنا وقنا وقوص وبلبيس وبعيذاب من بلاد السودان وبينبع ومكة شرّفها الله تعالى وجدة وأيلة، ثمّ فصّل من لقيه في كل بلد إلى أن قال: وبمكة أبا اليمن عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن عبد الله بن عساكر، إلى أن قال: فهذه نبذة من شيوخي، وجملة من سمعت منه خمسمائة، والمجيزون أكثر من ألف، وعدّ من كتب القراءات التي أخذ تسعة عشر كتاباً، وقال في حق ابن المليحي: إنه أعلى شيوخي في القراءات وإن آخر من روى عنه السبع أبو الجود غياث بن فارس المنذري اللّخمي وإجازته منه سنة، قال: وقرأت البخاري على جماعة أقدمهم إسناداً فيه أبو العز الحراني قرأته عليه بلفظي إلا بعض كتاب التفسير من قوله تعالى " ويسألونك عن المحيض " إلى قول سبحانه " ولولا فضل الله عليكم ورحمته " في سورة النور، فسمعته بقراءة غيري، قال: أنبأنا به أبو المعالي أحمد بن يحيى ابن عبيد الله الخازن البيع سماعاً عليه سنة ستمائة ببغداد، أنبأنا أبو الوقت بسنده، وكمل له رحمه الله تعالى جامع الترمذي بين قراءة وسماع على ابن الزبير بغرناطة، وسمعه على محمد بن ترجم، أنبأنا ابن البناء أنبأنا الكروخي بسنده، وقرأ السنن لأبي داود بغرناطة على أبي زيد عبد الرحمن الربعي، عرف بالتونسي، أنبأنا
به سهل بن مالك، وقرأه بالقاهرة على أبي الفضل عبد الرحيم ابن خطيب المزة عن أبي حفص ابن طبرزد عن أبي بدر الكروخي ومفلح الرومي عن أي بكر ابن ثابت الخطيب أنبأنا أبو عمر الهاشمي أنبأنا اللؤلؤي أنبأنا أبو داود، وقرأ الموطأ على أبي حفص ابن الطباع عن أبي القاسم ابن بقي ابن عبد الحق عن ابن الطلاع بسنده، وهذا أعلى سند يوجد عن يونس بن مغيث في عصره. وسمع أبو حيان الأجزاء الخلعيات والغيلانيات والقطيعيات والنهرانيات والمحامليات والثقفيات وسداسيات الرازي بعلو، قرأها على صفي الدين عبد الوهاب بن الفرات عن أبي الطاهر إسماعيل بن ياسين الجيلي، وهو آخر من حدث عنه، عن أبي عبد الله الرازي سماعاً، وقرأ جزء الأنصاري على أبي بكر ابن الأنماطي بسماعه حضوراً في الرابعة على أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي البزار سنة، أنبأنا إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي قراءة عليه في رجب سنة، أنبأنا عبد الله بن إبراهيم بن ماس، أنبأنا أبو مسلم الكشي البصري، أنبأنا محمد بن عبد الله الأنصاري؛ وقرأ جميع كتاب سيبويه على البهاء ابن النحاس المشهور بالنحو في مصر والشام، بقراءته على علم الدين أبي محمد القاسم بن أحمد ابن الموفق، بقراءته على التاج أبي اليمن الكندي، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن علي ابن أحمد البغدادي مؤلف كتاب المبهج، أنبأنا أبو الكرم المبارك بن فاخر بن محمد بن يعقوب عرف بابن الدّباس، أنبأنا أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن عمر بن برهان الأسدي، أنبأنا أبو القاسم علي بن عبيد الله الرقيقي، أنبأنا علي بن عيسى بن عبد الله الرماني، أنبأنا أبو بكر ابن السراج، أنبأنا أبو العباس المبرد، أنبأنا أبو عمر الجرمي وأبو عثمان المازني، قالا: أنبأنا أبو الحسن الأخفش، أنبأنا سيبويه، قال الشيخ أبو حيان: ولا أعلم راوياً له بمصر والشام والعراق واليمن والمشرق غيري، ورويته عن الأساتيذ أبوي علي ابن الضائع وابن أبي الأحوص وأبي جعفر اللّبلي عن أبي علي الشلوبين، وسنده مشهور بالمغرب. ووقع لأبي حيان تساعيات كثيرة، وأغرب ما وقع له ثلاثة أحاديث بينه وبين
رسول الله، ﷺ، فيها ثمانية، أخبره المحدث نجيب محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيد الهمداني بقراءته عليه والجليلة السلطانية مؤنسة بنت الملك العادل أبي بكر ابن أيوب بن شادي قراءةً عليها وهو يسمع، قالا: أنبأنا أبو الفخر أسعد بن سعيد بن روح في كتابه، أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله بن أحمد الجوزدانية، أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن ريدة الضبي الأصبهاني، أنبأنا الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطر اللخمي الطبراني، أنبأنا عبيد الله بن
رماحس القيسي برمادة الرملة سنة، أنبأنا أبو عمر زياد بن طارق وقد أتت عليه عشرون ومائة سنة، قال: سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله، ﷺ، يوم هوازن أتيته فقلت: حس القيسي برمادة الرملة سنة، أنبأنا أبو عمر زياد بن طارق وقد أتت عليه عشرون ومائة سنة، قال: سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله، ﷺ، يوم هوازن أتيته فقلت:
امنن علينا رسول الله في كرمٍ فإنك المرء نرجوه وننتظر
امنن على بيضةٍ قد عاقها قدرٌ مشتّت شملها في دهرها غير
أبقت لنا الدهر هتّاناً على حزنٍ علا قلوبهم الغمّاء والغمر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها يا أرجح الناس حلماً حين يختبر
امنن على نسوةٍ قد كنت ترضعها إذ فوك تملؤه من محضها الدرر
إذ أنت طفلٌ صغير كنت ترضعها وإذ يريبك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنّا كمن شالت نعامته واستبق منّا فإنّا معشرٌ زهر
إنّا نشكر للنعماء إذ كفرت وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه من أمّهاتك إن العفو مشتهر
يا خير من مرحت كنت الجياد به عند الهياج إذا ما استوقد الشرر
إنّا نؤمّل عفواً منك تلبسه هذي البرية إذ تعفو وتنتصر
فاعف عفا الله عما أنت راهبه يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر
فلما سمع، ﷺ، هذا الشعر قال: " ما كان لي ولبني
عبد المطلب فهو لكم "، فقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، قال أبو القاسم الطبراني: لا يروى عن زهير إلاّ بهذا الإسناد، وتفرد به عبيد الله بن رماحس، وبالإسناد إلى الطبراني: أنبأنا جعفر بن حميد بن عبد الكريم بن فروخ بن ديزج بن بلال بن سعد بن بلال بن سعد الأنصاري الدمشقي، قال: حدثني جدي لأمي عمر بن أبان بن مفضل بن أبان المدني، قال: أراني أنس بن مالك الوضوء: أخذ ركوة فوضعها عن يساره، وصبّ على يده اليمنى فغسلها ثلاثاً، ثمّ أدار الركوة عن يده اليمنى وصبّ على يساره فغسلها ثلاثاً وثلاثاً، ومسح برأسه ثلاثاً وأخذ ماء جديداً لصماخيه فمسح صماخيه، فقلت له: قد مسحت أذنيك، فقال: يا غلام، هل رأيت وفهمت أو أعيد عليك فقلت: قد كفاني، وقد فهمت، قال: فكذا رأيت رسول الله، ﷺ، يتوضأ، قال الطبراني: ولم يرو عمر بن أبان عن أنس حديثاً غير هذا، وبالإسناد إلى الطبراني: حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد القصاص البصري، أنبأنا بن عبد الله مولى أنس بن مالك، حدثني أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ، " طوبى لمن رآني وآمن بي، ومن رأى من رآني وآمن بي، ومن رأى من رأى من رآني ".
ثمّ قال الرعيني: وتصانيف أبي حيان تزيد على خمسين ما بين طويل وقصير، ثم قال الرعيني: وخرج أبو حيان من الأندلس مفتتح سنة، واستوطن القاهرة بعد حجه، وأنشد لشيخه أبي الحسن الزّجّاج:
رضيت كفافي رتبةً ومعيشةً فلست أسامي موسراً ووجيها
ومن جرّ أثوابالزمان طويلةً فلا بدّ يوماً أن سيعثر فيها
وأنشد بإسناده لموسى بن أبي تليد:
حالي مع الدهر في تقلّبه كطائرٍ ضمّ رجله شرك
فهمّه في خلاص مهجته ويروم تخليصها فتشتبك
ثم أورد الرعيني جملة من نظم الإمام أبي حيان، منها قوله:
أريد من الدّنيا ثلاثاً وإنها لغاية مطلوبٍ لمن هو طالب
تلاوة قرآنٍ، ونفسٌ عفيفةٌ، وإكثار أعمالٍ عليها أواظب
وقوله:
أرحت روحي من الإيناس بالنّاس لمّا غنيت عن الأكياس بالياس
وصرت في البيت وحدي لا أرى أحداً بنات فكري وكتبي هنّ جلاّسي
وقوله:
وزهدّدني في جمعي المال أنّه إذا ما انتهى عند الفتى فارق العمرا
فلا روحه يوماً أراح من العنا ولم يكتسب حمداً ولم يدّخر أجرا
وقوله:
يظنّ الغمر أنّ الكتب تجدي أخا ذهنٍ لإدراك العلوم
وما يدري الجهول بأنّ فيها غوامض حيرت عقل الفهيم
إذا رمت العلوم بغير شيخٍ ضللت عن الصراط المستقيم
وتلتبس الأمور عليك حتّى تصير أضلّ من توما الحكيم
وله لغز في قيراط زاعماً أنه لا يفك:
وما اسمٌ خماسيٌّ إذا ما فككته يصير لنا فعلين أمراً وماضيا
بعكسٍ وهو كلٌّ وجزءٌ وجمعه بإبدال عينٍ حار فيه التناهيا
ومع كونه فرداً وجمعاً فأولٌ وآخره أضحى لشخصٍ معاديا
وفي عكسه صوتٌ فتبنيه صيغةً وتبني بمعناه وما أنت بانيا
فكم فيه من معنىً خفيٍّ وإنّما عنيت بذكري للذي ليس خافيا
ثمّ قال الرعيني: وهو شيخ فاضل، ما رأيت مثله، كثير الضحك والانبساط، بعيد عن الانقباض، جيد الكلام، حسن اللقاء، جميل المؤانسة، فصيح الكلام، طلق اللسان، ذو لمة وافرة، وهمّة فاخرة، له وجه مستدير، وقامته معتدلة التقدير، ليس الطويل ولا بالقصير، انتهى ما لخصته من كلام الرعيني.
ولما قدم الأستاذ أبو حيان إلى مصر أوصى أهله بقوله: ينبغي للعاقل أن يعامل كل أحد في الظاهر معاملة الصديق، وفي الباطن معاملة العدو في التحفظ منه والتحرز، وليكن في التحرز من صديقه أشد من التحرز من عدوه، وأن يعتقد أن إحسان شخص إلى آخر وتودده إنما هو لغرض قام له فيه يتعلّق به يبعثه على ذلك لا لذات الشخص، وينبغي أن يترك الإنسان الكلام في ستة أشياء: في ذات الله تعالى، وما يتعلق بصفاته، وما يتعلق بأحوال أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وفي التعرض لما جرى بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وفي التعرّض لما جرى بين الصحابة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وفي التعرّض لأئمة المذاهب، رحمهم الله تعالى ورضي عنهم، وفي الطعن على صالحي الأمة نفع الله بهم وعلى أرباب المناصب والرتب من أهل زمانه، وأن لا يقصد أذى أحد من خلق الله ﷾ إلاّ على حسب الدفع عن نفسه، وأن يعذر الناس في مباحثهم وإدراكاتهم، فإن ذلك على حسب عقولهم، وأن يضبط نفسه عن المراء والاستزراء والاستخفاف بأبناء زمانه، وأن لا يبحث إلا مع من اجتمعت فيه شرائط الديانة والفهم والمزاولة لما يبحث، وأن لا يغضب على من لا يفهم مراده ومن لم يدرك ما يدركه، وأن يلتمس مخرجاً لمن ظاهر
كلامه الفساد، وأن لا يقدم على تخطئة أحد ببادي الرأي، وأن يترك الخوض في علوم الأوائل، وأن يجعل اشتغاله بعلوم الشريعة، وأن لا ينكر على الفقراء، وليسلم لهم أحوالهم، وينبغي للعاقل أن يلزم نفسه التواضع لعبيد الله ﷾، وأني جعل نصب عينيه أنه عاجز مفتقر، وأن لا يتكبر على أحد، وأن يقلّ من الضحك والمزاح والخوض فيما لا يعنيه، وأن يتظاهر لكلٍّ بما يوافقه فيما لا معصية لله تعالى فيه ولا خرم مروءة، وأن يأخذ نفسه باجتناب ما هو قبيح عند الجمهور، وأن لا يظهر الشكوى لأحد من خلق الله تعالى، وأن لا يعرض بذكر أهله، ولا يجري ذكر حرمه بحضرة جليسه، وأن لا يطلع أحداً على عمل خير يعمله لوجه الله تعالى، وأن يأخذ نفسه بحسن المعاملة من حسن اللفظ وجميل التقاضي، وأن لا يركن إلى أحد إلاّ إلى الله تعالى، وأن يكثر من مطالعة التواريخ فإنها تلقح عقلاً جديداً، والله ﷾ أعلم. انتهت وصية أبي حيان الجامعة النافعة، وقد نقلتها من خط الشيخ العلامة أبي الطيب ابن علوان التونسي المالكي الشهير بالمصري، وهو ممّن أخذ عن تلامذة الشيخ أبي حيان، رحمه الله تعالى.
قلت: وبما في هذه الوصية من نهيه عن الطعن في صالحي الأمة نفع الله تعالى بهم وأمره التسليم لأحوالهم وعدم الإنكار عليهم؛ تعلم أن ما نقله الصفدين عنه فيما تقدم من قوله إن الشيخ أبا مدين إلى آخره كلام فيه نظر، لأن أبا حيان رضي الله تعالى عنه لا ينكر كرامات الأولياء، كيف وقد ذكر رحمه الله تعالى منها كثيراً، فمن ذلك ما حكى عنه تلميذه الرعيني بسنده إلى الفقيه المقرئ الصالح أبي تمام غالب بن حسن بن أحمد بن سيد بونه الخزاعي، حدث أنه زار قبر أبي الحسن ابن جالوت، ولم يكن زاره قبل، فاشتبه عليه فتركه، فسمع النداء من قبر معين: يا غالب أتمشي وما زرتني فزار ذلك القبر، وقعد عنده، ثمّ جاء
ابن أبي الحسن المذكور، فسأله عن القبر، فقال: هو الذي قعدت عنده، وغالب هذا وابن جالوت هما من أصحاب الشيخ أبي جعفر بن سيد بونه الخزاعي، وهو من أصحاب الشيخ أبي مدين، انتهى. فكيف ينكر أبو حيان كرامات الصالحين وهو يوصي على من ينهى عن الطعن فيهم، ويحكي كراماتهم، نعم قول الصفدي قبل ذلك الكلام إنه كان ينكر على فقراء الوقت كلامٌ صحيح في الجملة، لكثرة الدعاوى الباطلة ممّن ليس من أهل الصلاح، وأما إنكار الكرامات مطلقاً فمقام أبي حيان يجل عن إنكارها، والله تعالى أعلم.
وقد أورد ابن جماعة له من قطعة قوله في أهل عصره:
ومن يك يدّعي منهم صلاحاً فزنديقٌ تغلغل في الضلال
وأول هذه القطعة:
حلبت الدهر أشطره زماناً وأغناني العيان عن السؤال
فما أبصرت من خلٍّ وفيٍّ ولا ألفيت مشكور الخلال
ذئابٌ في ثيابٍ قد تبدّت لرائيها بأشكال الرجال
ومن يك يدّعي منهم صلاحاً فزنديقٌ تغلغل في الضلال
ترى الجهّال تتبعه وترضى مشاركةً بأهلٍ أو بمال
فينهب مالهم ويصيب منهم نساءهم بمقبوح الفعال
وتأخذ حاله زوراً فيرمي عمامته ويهرب في الرمال
ويجرون التيوس وراء رجسٍ تقرمط في العقيدة والمقال
أي اعتقدوا رأي القرامطة، ومذهبهم مشهور، فلا نطيل به، فظهر بما ذكر أن أبا حيان إنما أنكر على أهل الدعاوى، لا على غيرهم، والله تعالى أعلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع