من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (٢٢)
ومنهم الحافظ أبو المكارم جمال الدين بن مسدّي، وهو أبو بكر محمد، ويقال: أبو المكارم، ابن أبي أحمد يوسف بن موسى بن يوسف بن موسى ابن مسدّي، المهلبي، الأزدي، الأندلسي.
شيخ السنّة، وحامل راياتها، وفريد الفنون، ومحكم آياتها، عرف الأحاديث وميز بين شهرتها وغرابتها، وكان المتلقي لراية السنّة بيمين عرابتها، طلع بمغربه شمساً قبل بزوغه بأفق المشرق، وملأ جزيرته الخضراء من بحر علومه المتدفق، وأفعمها بنوره المشرق، وطاف البلاد الإسلامية الغربية والمشرقية، فعقدت على كماله الخناصر، وجعله أرباب الدراية لمقلة الدين الباصر، ولقي أعيان الشيوخ في القطرين، وأخذ عنهم ما تقرّ به العين، ويدفع به عن القلب الرّين، مع فصاحة لسان، وطلاقة بيان وبنان، وخلال حسان، وبلاغة سحبته على سحبان، وظهر أزهار بان، وفوّضت إليه خطابة الحرم الشريف بمكة فكان كما يقال:
هذا السّوار لمثل هذا المعصم
فكم وشى بها من مطارف للبلاغة وكم عنّم، حتى يظن الرائي عود منبره من وعظه مائساً، ولئن مال من سجع الحمام رطباً فقد مال من سجع هذا الإمام يابساً، وترجم على من لقي من الأعيان بسحر البيان، وفصّل أحوالهم بأحسن تبيان، وعدّتهم أربعة آلاف شيخ وناهيك بهذه مزية تقاد لها الفضائل في أرسان، وأرى تحقيق قول القائل: جمع الله تعالى العالم في إنسان، وله موضوعات مفيدة من حديث وفقه ونظم ونثر، وله مسند غريب جمع فيه مذاهب العلماء المتقدمين والمتأخرين، وهو أشهر من نار على علم، وكان يكتب بالقلمين المغربي والمشرقي، وكلاهما في غاية الجودة، ومثل هذا يعدّ نادراً، توفي شهيداً مطعوماً من أناس كانوا يحسدونه، فختم الله تعالى له بالشهادة، وبوّئ بها دار السعادة، وتوفي سنة بمكة، ومولده سنة، رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بأمثاله.
ومنهم الكاتب أبو القاسم خلف بن عبد العزيز بن محمد بن خلف الغافقي القبتوري - بفتح القاف، وسكون الباء الوحدة، وفتح التاء ثالثة الحروف، وسكون الواو، وبعدها راء - الإشبيلي المولد والمنشأ، ولد في شوال سنة، وقرأ على الأستاذ الدباج كتاب سيبويه والسبع، وله باع مديد في الترسّل مع التقوى والخير، وله إجازة من الرضي بن برهان والنجيب بن الصيقل، وكتب لأمير سبتة، وحدث بتونس عن الغرافي، وجاور زماناً، وتوفي بالمدينة سنة، وحج مرتين.
قال أبو حيان: قدم القاهرة مرتين، وحج في الأولى، وأنشدني من لفظه لنفسه:
أسيلي الدمع يا عيني ولكن دماً، ويقلّ ذلك لي، أسيلي
فكم في التّرب من طرف كحيل لتربٍ لي ومن خدٍّ أسيل
وقال:
ماذا جنيت على نفسي بما كتبت كفّي، فيا ويح نفسي من أذى كفّي
ولو يشاء الذي أجرى عليّ بذا قضاءه الكفّ عنه كنت ذا كفّ
وقال:
واحسرتا لأمورٍ ليس يبلغها مالي وهنّ منى نفسي وآمالي
أصبحت كالآل لا جدوى لديّ وما ألوت جهداً ولكن جد ّي الآلي
وقال العلاّمة فتح الدين ابن سيد الناس إنه أنشده لنفسه بالحرم الشريف النبوي سنة ثلاث وسبعمائة:
رجوتك يا رحمن إنك خير من رجاه لغفران الجرائم مرتجي
فرحمتك العظمة التي ليس بابها وحاشاك في وجه المسيء بمرتجي
وقد أنشد له أبو حيان كثيراً من نظمه، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج بن أبي الخليل، الأموي الإشبيلي، النباتي، المعروف بابن الرومية، كان عارفاً بالعشب والنبات، صنف كتاباً حسناً كثير الفائدة في الحشائش، ورتب فيه أسماءها على حروف المعجم، ورحل إلى البلاد، ودخل حلب، وسمع الحديث بالأندلس وغيرها.
وقال البرزالي في حقّه: إنه كان يعرف الحشائش معرفة جيدة، وسمع
الحديث بدمشق من ابن الحرستاني، وابن ملاعب، وابن العطار، وغيرهم، وقال بعضهم: اجتمعت به، وتفاوضت معه في ذكر الحشائش، فقلت له: قصب الذريرة قد ذكر في كتب الطب، وذكروا أنه يستعمل منه شيء كثير، وهذا يدل على أنه كان موجوداً كثيراً، وأما الآن فلا يوجد، ولا يخبر عنه مخبر، فقال: هو موجود، وإنما لا يعلمون أين يطلبونه، فقلت له: وأين هو فقال: بالأهواز منه شيء كثير، انتهى.
وأجاز البحر بعد سنة للقاء ابن عبيد الله بسبتة فلم يتهيأ له ذلك، وحج - رحمه الله تعالى - في رحلته الأولى، ولقي كثيراً، وروى عن عدد من رجال ونساء ضمنهم التذكرة له، وله مختصر كتاب الكامل لأحمد لن عدي في رجال الحديث، وله كتاب المعلم بما زاده البخاري على كتاب مسلم، ويعرف بالنباتي لمعرفته بالنبات، ومولده في نحو سنة، وتوفي رحمه الله تعالى بإشبيلية منسلخ ربيع النبوي سنة، وقد رثاه أناس من تلامذته، وألف بعضهم في التعريف به، سمع من ابن زرقون وابن الجد وابن عفير وغير واحد كأبي ذر الحبشي، وسمع ببغداد من جماعة، وحدث بمصر الأحاديث من حفظه، ويقال له الحزمي - بفتح الحاء - نسبة إلى مذهب ابن حزم لأنه كان ظاهري المذهب، وكان زاهداً صالحاً، وحكى بعضهم عنه أنه كان جالساً في دكانه بإشبيلية يبيع الحشائش وينسخ، فاجتاز به الأمير أبو عبد الله ابن هودٍ سلطان الأندلس، فسلم عليه، فرد ﵇، واشتغل بنسخه، ولم يرفع إليه رأسه، فبقي واقفاً منتظراً أني رفع إليه رأسه، ساعة طويلة، فلما لم يحفل به ساق فرسه ومضى، وله كتابان حسنان في علم الحديث: أحدهما يقال له الحافل في تكملة الكامل لابن عدي، وهو كتاب كبير؛ قال ابن الأبار: سمعت شيخنا أبا الخطاب ابن واجب يثني عليه ويستحسنه؛ والثاني اختصر فيه
الكامل لأي أحمد ابن عدي كما سبق في مجلدين، وسمع بدمشق والموصل وغيرهما جماعة من أصحاب الحافظ أبي الوقت السجزي وأبي الفتح ابن البطي وأبي عبد الله الغراوي وغيرهم من الأئمة، وله فهرسة حافلة أفرد فيها روايته بالأندلس من روايته بالمشرق، وكان متعصباً لابن حزم بعد أن تفقه في المذهب المالكي على ابن زرقون أبي الحسين، وطالت صحبته له، وكان بصيراً بالحديث ورجاله، كثير العناية به، واختصر كتاب الدارقطني في غريب حديث مالك، وغيره أضبط منه، وفاق أهل زمانه في معرفة النبات، وقعد في دكان ليبيعه، قال ابن الأبار: وهنالك رأيته ولقيته غير مرة، ولم آخذ عنه، ولم أستجزه، وسمع منه جلّ أصحابنا، ومولده في شهر المحرم سنة، وتوفي بإشبيلية ليلة الاثنين مستهلّ ربيع الآخر سنة، وقال ابن زرقون: منسلخ شهر ربيع الأول، وحكى ذلك عن ولده أبي النور محمد بن أحمد، انتهى.
ومنهم أبو العباس أحمد بن عبد السلام، الغافقي، الإشبيلي، الشهير المسيلي، رحل حاجّاً، وقفل إلى بلده، وحدث عنه أبو بكر ابن خير بوفاة القاضي ابن أبي حبيب، وروى عن أبي محمد ابن أبي السعادات المروروذي الخراساني، وأنه أنشده بثغر الإسكندرية عند وداعه إياه، قال: أنشدني أبو تراب جندل عند الوداع لبعضهم:
السمّ من ألسن الأفاعي أعذب من قبلة الوداع
ودّعتهم والدموع تجري لمّا دعا للوداع داعي
ومنهم العباس - ويقال: أبو جعفر - أحمد بن معدّ بن عيسى
ابن وكيل، التّجيبي، الزاهد ويعرف بابن الإقليشي، صاحب كتاب النجم من كلام سيد العرب والعجم، ﷺ، عارض به شهاب القضاعي، وأصل أبيه من اقليش، وضبطها بعضهم بضم الهمزة، وسكن دانية وبها ولد ونشأ، سمع أباه أبا بكر وأبا العباس ابن عيسى، وتلمذ له، ورحل إلى بلنسية فأخذ العربية والآداب، عن أبي محمد البطليوسي، وسمع الحديث من صهره أبي الحسن طارق بن يعيش والحافظ أبي بكر ابن العربي وأبوي الوليد: ابن خيرة وابن الدباغ، ولقي بالمريّة أبا القاسم ابن ورد وأبا محمد عبد الحق بن عطية ووليّ الله سيدي أبا العباس ابن العريف، ورحل إلى المشرق سنة اثنتين وأربعين خمسمائة، وجاور بمكة سنين، وسمع بها من أبي الفتح الكروخي جامع الترمذي برباط أم خليفة العباسي سنة سبع وأربعين وخمسمائة، ثم كر راجعاً إلى المغرب فقبض في طريقه، وحدّث بالأندلس والمشرق، وكان عالماً، عاملاً، متصوفاً، شاعراً مجوّداً، مع التقدم في الصلاح والزهد والعزوف عن الدنيا وأهلها، والإقبال على العلم والعبادة، وله تصانيف: منها كتاب الغرر من كلام سيد البشر وكتاب ضياء الأولياء وهو أسفار عدة، وحمل الناس عنه معشّراته في الزهد، وكتبها الناس، وكان يضع يده على وجهه إذا قرأ القارئ فيبكي حتى يعجب الناس من بكائه، وكان الناس يدخلون عليه بيته والكتب عن يمينه وشماله، وقد وصف غير واحد إمامته وعلمه وورعه وزهده، وروى عنه أبو الحسين ابن كوثر وابن بيبش وغيرهما.
ومن شعره قوله:
أسير الخطايا عند بابك واقف له عن طريق الحقّ قلب مخالف
قديماً عصى عمداً وجهلاً غرّةً ولم ينهه قلبٌ من الله خائف
تزيد سنوه وهو يزداد ضلّةً فها هو في ليل الضّلالة عاكف
تطلّع صبح الشّيب والقلب مظلم فما طاف منه من سنى الحق طائف
ثلاثون عاماً قد تولّت كأنها حلومٌ تقضّت أو بروق خواطف
وجاء المشيب المنذر المرء أنه إذا رحلت عنه الشبيبة تالف
فيا أحمد الخوّان قد أدبر الصّبا وناداك من سن الكهولة هاتف
فهل أرّق الطرف الزمان الذي مضى وأبكاه ذنبٌ قد تقدّم سالف
فجد بالدموع الحمر حزناً وحسرةً فدمعك ينبي أنّ قلبك آسف
وقد وافق في أول هذه القطعة قول أبي الوليد ابن الفرضي، أو أخذه منه نقلاً، وتوفي في صدره عن المشرق بمدينة قوص من صعيد مصر في عشر الخمسين وخمسمائة، ودفن عند الجميزة التي في المقبرة التالية لسوق العرب، وقال ابن عياد: إنه توفي سنة خمسين أو إحدى وخمسين بعدها - رحمه الله تعالى - وقد نيّف على الستين.
ومنهم أبو العباس أحمد بن عمر، المعافري، المرسي، وأصله من طلبيرة، ويعرف بابن إفرند، روى عن أبي الحسين الصفدي وغيره كالقاضي الحافظ أبي بكر ابن العربي وأبي محمد الرشاطي وأي إسحاق ابن حبيش وغيرهم، وله رحلة حج فيها، ولقي أبا الفتح ابن الرندانقاني - بلدٍ بين سرخس ومرو - من أصحاب أبي حامد الغزالي، وأنشد عنه ممّا قاله في وداع إخوانه بالبيت المقدس:
لئن كان لي من بعد عودٌ إليكم قضيت لبانات الفؤاد لديكم
وإن تكن الأخرى ولم تك أوبةٌ وحان حمامي فالسلام عليكم
وقد روى هذين البيتين أبو عمر ابن عياد وابنه محمد عن ابن إفرند هذا، وكان صالحاً زاهداً متصوفاً، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن عميرة بن يحيى، الضبي، من أهل لورقة، رحل حاجّاً، وكان منقبضاً زاهداً صواماً قواماً، وأقرأ القرآن، وسمع الحديث، وممّن حدث عنه الحافظان أبو سليمان وأبو محمد ابن حوط الله، ولقيه أبو سليمان بلورقة سنة، وتوفي رحمه الله تعالى سنة، وقد قارب المائة.
ومنهم أبو عمر ابن عات، وهو أحمد بن هارون بن أحمد بن جعفر بن عات النفزي، من أهل شاطبة، سمع أباه وأبا الحسن ابن هذيل وأبا عبد الله ابن سعادة وابن حبيش وغير واحد وطائفة كثيرة، ورحل إلى المشرق فأدى الفريضة، وسمع أبا الطاهر السّلفي وأبا الطاهر ابن عوف وغيرهما ممّن يطول ذكره، وأجاز له أبو الفرج ابن الجوزي وغيره ممّن أخذ عنه وسمع منه، وقد ضمن ذكر أشياخه وجملة صالحة من مروياته عنهم برنامجيه اللذين سمى أحدهما بالنزهة في التعريف بشيوخ الوجهة وهو كتاب حافل جامع، والآخر بريحانة التنفس وراحة الأنفس في ذكر شيوخ الأندلس. قال ابن عبد الملك المراكشي في الصلة: حدثنا عنه شيخنا أبو محمد بن علي بن
القطان، وكان من أكابر المحدثين، وجلة الحفاظ المسندين للحديث والآداب بلا مدافعة، يسرد الأسانيد والمتون ظاهراً فلا يخل بحفظ شيء منها، متوسط الطبقة في حفظ فروع الفقه ومعرفة المسائل، إذ لم يعن بذلك عنايته بغيره، فكان أهل شاطبة يفاخرون بأبوي عمر ابن عبد البر وابن عات، وكان على سنن السلف الصالح في الانقباض، ونزارة الكلام، ومتانة الدين، وأكل الحشف، ولزوم التقشف، والتقلل من الدنيا، والزهد فيها، والمثابرة على كثير من أفعال البر كالأذان والإمامة وبذل المعروف والتوسع بالصدقات على الضعفاء والمساكين.
وحكي أنه حضر في جماعة من طلبة العلم لسماع السّير على بعض شيوخهم، فغاب الكتاب أو القارئ بكتابه، فقال أبو عمر: أنا أقرأ لكم، فقرأ لهم من حفظه، وقال أبو عمر عامر بن نذير: لازمته مدة ستة أشهر، فلم أر أحفظ منه، وحضرت إسماع الموطإ وصحيح البخاري منه، فكان يقرأ من كل واحد من الكتابين نحو عشر أوراق عرضاً بلفظه كل يوم عقب صلاة الصبح، لا يتوقف في شيء من ذلك، انتهى.
وقال بعض المؤرخين: إنه كان آخر الحفاظ للحديث، يسرد المتون والأسانيد ظاهراً لا يخل بحفظ شيء منها، موصوفاً بالدراية والرواية، غالباً عليه الورع والزهد، على منهاج السلف، يلبس الخشن، ويأكل الحشف، وربما أذن في المساجد، وله تآليف دالة على سعة حفظه، مع حظ من النظم والنثر، وشهد وقيعة العقاب التي أفضت إلى خراب الأندلس بالدائرة على المسلمين فيها، وكانت السبب الأقوى في تحيّف الروم بلادها حتى استولت عليها، ففقد حينئذٍ ولم يوجد حيّاً ولا ميتاً، وذلك يوم الاثنين منتصف صفر سنة تسع وستمائة،
ومولده سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، قاله ابن الأبار، وهو ممّن أجاز له المذكور فيما رواه أو ألفه، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو العباس أحمد بن تميم بن هشام بن أحمد بن حنون، البهراني، من ساكني إشبيلية، وأصله من لبلة، روى عن أبيه وابن الجد وابن زرقون وابن جهور وغيرهم من أعلام الأندلس، ثمّ رحل إلى المشرق، فسمع ببغداد من أبي حفص عمر بن طبرزد، ويخراسان من المؤيد الطوسي، وبهراة من أبي روح عبد المعز، وبمرو من عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني، ومن جماعة غير هؤلاء، وسمع أيضاً بدمشق من أبي الفضل الحرستاني وسواه، وبها توفي قبل العشرين وستمائة، فيما نقل ابن الأبار عن ابن نقطة، وقال غيره: إنه مات سنة خمس وعشرين وستمائة.
ومنهم أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد، المخزومي، من أهل قرطبة، ويعرف أبوه بكوزان، روى عن أبيه وغيره من مشيخة بلده، ورحل حاجّاً فلقي بالإسكندرية أبا الحسن ابن المقدسي وسمع منه، وأنشد نم لفظه بعض أصحاب ابن الأبار، قال: أنشدني شرف الدين أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي، قال: أنشدتني تقية بنت غيث بن علي الأرمنازي لنفسها:
لا خير في الخمر، على أنها مذكورة في صفة الجنّه
لأنها إن خامرت عاقلاً خامره في عقله جنّه
يخاف أن تقذفه من علٍفلا تقي مهجته جنّه
ومنهم أبو جعفر أحمد بن محمد بن أحمد بن عياش، الكناني، المرسي، سمع من ابن بشوال موطأ مالك رواية يحيى بن يحيى والقعنبي وابن بكير بقراءة أبي محمد ابن حوط الله، ورحل إلى المشرق سنة تسع وسبعين وخمسمائة، فحج سنة ثمانين وبعدها، وأقام بالحجاز والشام مدة، ولقي أبا الطاهر الخشوعي بدمشق فسمع منه مقامات الحريري وأخذها الناس عنه، وممّا أفاد وزاد في قول الحريري:
إذا ما حويت جنى نخلة
الأبيات - قوله:
ولا تأسفنّ على خارج إذا ما لمحت سنا الداخل
ولا تكثر الصمت في معشر وإن زدت عيّاً على باقل
وسمع من أبي القاسم ابن عساكر السنن للبيهقي، ومن أبي حفص الميانشي جامع الترمذي، وقفل إلى الأندلس في سنة سبع وتسعين، وحدث بيسير، وكان يحسن عبارة الرؤيا، وكفّ بصره سنة ثمان وعشرين وستمائة أو نحوها، وتوفي على إثر ذلك، ومولده سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن حصن بن أحمد بن حزم الغافقي، ويقال فيه: إبراهيم بن حصن بن عبد الله بن حصن، أندلسي، سكن دمشق، وولي الحسبة بها ويكنى أبا إسحاق، سمع ببغداد من أبي بكر ابن مالك القطيعي وطبقته، وبدمشق من عبد الوهاب الكلابي ويوسف بن القاسم الميانجي، وبمصر من أبي طاهر الذّهلي وأبي أحمد الغطريفي، وله أيضاً سماع
بالرملة وأطرابلس والدينور وغيرها من البلدان، وحدث بيسير؛ روى عنه أبو نصر عبد الوهاب بن عبد الله الجبّان من شيوخ عبد العزيز بن أحمد الكناني، وكان مالكياً، وقيل: إنه يذهب إلى الاعتزال، وكان صارماً في الحسبة، ووليها سنة خمس وتسعين وثلاثمائة في أيام الحاكم العبيدي، وتوفي بدمشق في ذي الحجة سنة أربع وأربعمائة، قيل: ثاني عيد الأضحى، وقيل غير ذلك، ذكره ابن عساكر، رحمه الله تعالى.
قلت: ما سمعت بمالكي معتزلي غير هذا، ولعله كان مالكيّاً بالمغرب، فلمّا دخل في خدمة الشيعة حصل منه ما حصل من نسبته لمذهب الاعتزال، فالله تعالى أعلم.
ومنهم أبو أمية إبراهيم بن منبه بن عمر بن أحمد، الغافقي، من أهل المرية، ونزل مرسية، سمع ببلده من ابن شفيع، وأخذ عنه القراءات، ومن الحافظ ابن سكرة وابن زغيبة وعبد القادر بن الحناط، وبقرطبة من ابن عتاب وابن طريف وأبي بحر الأسدي وابن مغيث وغيرهم، ورحل حاجّاً، فسمع بمكة من أبي عليّ ابن العرجاء أحاديث جعفر بن نسطور وغيرها في شعبان سنة ست وعشرين، وسمع أيضاً من أبي الفتح سلطان بن إبراهيم المقدسي، وقفل إلى بلده، وانتقل بعد الحادثة عليه إلى مرسية، وولي القضاء والخطبة هنالك، وحدّث، وأخذ عنه، وكان فقيهاً مشاوراً، وقيل: إن ابن حبيش سمع منه الأحاديث النسطورية، وأسمع صحيح البخاري آخر ذي الحجة سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وكان يحدّث به عن سلطان بن إبراهيم عن كريمة المروزية، وحكى رحمه الله تعالى عن أبي ذرٍّ الهروي أنه قال عند موته: عليكم بكريمة فإنها تحمل
كتاب البخاري من طريق أبي الهيثم، رحم الله تعالى الجميع.
ومنهم أبو القاسم ابن فورتش، وهو إسماعيل بن يحيى ابن عبد الرحمن، السّرقسطي، وأخوه القاضي محمد بن يحيى، وكانا جميعاً زاهدين، لهما رحلة سمعا فيها من أبي ذر الهروي بمكة، وعادا إلى بلدهما، وولي محمد منهما القضاء، وقد لقيهما القاضي الحافظ أبو علي ابن سكرة ولم يسمع منهما، ويرويان عن أبي عمر الطلمنكي وأبي الحزم ابن أبي درهم، وتوفي أبو القاسم في نحو الخمسمائة.
ومنهم أبو الطاهر إسماعيل بن أحمد بن عمر، القرشي، العلوي، الإشبيلي، رحل حاجّاً، ودخل العراق والموصل، وقيد الكثير ورواه، وسمع من أي حفص اليانشي بمكة سنة، وحدث بالموطإ عن أبي الحسن علي بن هابيل الأنصاري عن أبي الوليد الباجي، وحدث أيضاً عن غيره بما دل على أنه كان يخلط ولا يضبط، وكذلك قال أبو الصبر: كان له في الموطإ إسناد عالٍ جدّاً فتصفحته فوجدته ينقص منه رجل واحد، فاستربت في الرواية عنه بعد تحسين الظن به، ولم يتنبه أبو الصبر لأن ابن هابيل وغيره من شيوخه مجهولون، وأبو الصبر ممّن روى عن المذكور، وهو أبو الصبر السبتي، والله تعالى أعلم بحقيقة حال الرجل.
ومنهم أبو الروح عيسى بن عبد الله بن محمد بن موسى بن محمد ابن عبد الله بن إبراهيم بن خليل، النفزي، الحميري، التاكرنّيّ.
قال في تاريخ إربل: كان شابّاً متأدباً فاضلاً، قدم مصر، وله شعر حسن، وقال الحافظ عبد العظيم المنذري: أنشدنا المذكور لنفسه:
يا قلب ما لك لا تفيق من الهوى أوما يقرّ بك الزمان قرار
ألكلّ ذي وجه جميل حنّة ولكلّ عهد سالف تذكار
وله:
يا رب أضحية وسوداء حالكة لم ترع في البيد إلاّ الشمس والقمرا
تخال باطنها في اللون ظاهرها فهي الغداة كزنجيٍّ إذا كفرا
ولد سنة بتاكرنّا من بلاد الأندلس، وهي من نظر قرطبة، وتوفي بأرزن من ديار بكر سنة، عائداً من آمد، رحمه الله تعالى.
ومن بديع شعره:
إن أودع الطرس ما وشّاه خاطره أبدى لعينيك أزهاراً وأشجارا
وإن تهدّد فيه أو يعد كرماً بثّ البريّة آجالاً وأعمارا
وتاكرنا - بضم الكاف والراء وتخفيفها، وشد النون - وورد المذكور إربل سنة سبع وعشرين وستمائة، وله أبيات أجاز فيها قول شرف الدين عمر بن الفارض في غلام اسمه بركات، قال الأسدي الدمشقي، ومن خطه نقلت: كنت حاضر هذه الوقعة بالقاهرة بالجامع الأزهر، إذ قال ابن الفارض:
بركات يحي البدر عند تمامه حاشاه بل شمس الضحى تحكيه
فقال أبو الروح، وأنشدني ذلك:
هذا الكمال فقل لمن قد عابه حسداً وآية كل شيء فيه
لم تذو إحدى زهرتيه، وإنما كملت بذاك ملاحة التشبيه
وكأنّه قد رام يغلق جفنه ليصيب بالسهم الذي يرميه
وقال ابن المستوفي في تاريخ إربل: أنشدني أبو الروح لنفسه:
أوصيت قلبي أن يفرّ عن الصّبا ظنّاً بأني قد دعوت سميعا
فأجابني لا تخش مني بعدها أفلتّ من شرك الغرام وقوعا
حتى إذا نادى الحبيب رأيته آوى إليه ملبياً ومطيعا
كذبالةٍ أخمدتها فإذا دنا منها الضرام تعلّقته سريعا
قال: وأنشدني:
وزائرٍ زارني والليل معتكرٌ والطّيب يفضحه والحي يشهره
أمسكت قلبي عنه وهو مضطربٌ والشوق يبعثه والصّون يزجره
فبتّ أصدى إلى من لا يحّلئني والورد صافٍ ولا شيء يكدره
تراه عيني وكفّي لا تلامسه حتى كأنّي في المرآة أنظره
قال: وأنشدني الإمام أبو عمرو ابن غياث الشريشي لنفسه رحمه الله تعالى:
صبوت وهل عارٌ على الحرّ إن صبا وقيد ثغر الأربعين إلى الصّبا
وقالوا مشيبٌ قلت واعجبا لكم أينكر صبحٌ قد تخلل غيهبا
وليس مشيباً ما ترون، وإنما كميت الصّبا لمّا جرى عاد أشهبا
وتوفي أبو عمرو سنة، عن تسعين سنة.
قال ابن المستوفي: وأنشدني المذكور قال: أنشدني أبو عمرو أيضاً لنفسه:
أودع فؤادي حسرة أو دع ... نفسك تؤذى أنت في أضلعي أمسك سهام اللحظ أو فارمها أنت بما ترمي تصابٌ معي
موقعها القلب وأنت الذي مسكنه في ذلك الموضع
قال: وأنشدني قال: أنشدني مطرف الغرناطي:
أنا صبٌّ كما تشاء وتهوى شاعر ماجد كريم جواد
سنّة سنّها قديماً جميل وأتى المحدثون مثلي فزادوا
قال: وأنشدني أيضاً المطرف:
وفي فروع الأيك ورقٌ إذا بلّ الندى أعطافها تسجع
أو هزّها نفح نسيم الصّبا شاقك منها غرّدٌ شرّع
كأنما ريطتها منيرٌ وهي خطيبٌ فوقه مصقع
إن شبّها في طرفٍ لوعة جرى لها في طرفٍ مدمع
أخذه من قول عبد الوهاب بن علي المالقي الخطيب:
كأن فؤادي وطرفي معاً هما طرفا غصنٍ أخضر
إذا اشتعل النار في جانبٍ جرى الماء في الجانب الآخر
علي بن أحمد الحميري
من المرتحلين من الأندلس إلى المشرق الإمام النحوي اللغوي نور الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن حمدون، الحميري، الأندلسي، المالقي.
قال شرف الدين الصابوني: أنشدنا المذكور لنفسه سنة:
فؤادلإ بأيدي النائبات مصاب وجفن لفيض الدمع فيه مصاب
تناءت ديارٌ قد ألفت وجيرةٌ فهل لي عهد الوصال إياب
وفارقت أوطاني ولم أبلغ المنى ودون مرادي أبحرٌ وهضاب
مضى زمني والشيب حلّ بمفرقي وأبعد شيء أن يردّ شباب
إذا مرّ عمر المرء ليس براجع وإن حلّ شيبٌ لم يفده خضاب
فحلّ حمام الشيب في فرق لمتي وقد طار عنها للشباب غراب
وكم عظةٍ لي في الزمان وأهله وبين فؤادي والقبول حجاب
فدع شهوات النفس عنك بمعزل فعذب الليالي مقتضاه عذاب
وسلّ فؤاداً عن ربابٍ وزينبٍ فما القصد منها زينبٌ ورباب
وأنوي متاباً ثمّ أنقض نيّتي فربع صلاحي الفساد خراب
أقر بتقصيري وأطمع في الرضى وما القصد إلاّ مرجعٌ ومتاب
ويعتبني في العجر خلٌّ وصاحبٌ وهل نافعٌ في الجامدات عتاب
أطهّر أثوابي وقلبي مدنّسٌ وأزعم صدقاً والمقال كذاب
وفارقت من غرب البلاد مواطناً فسقى ربى غرب البلاد سحاب
فبالقلب من نار التشوق حرقةٌ وبالعين من فيض الدموع عباب
وما بلغ المملوك قصداً ولا منىً ولا حطً عن وجه المراد نقاب
وأخشى سهام الموت تفجأ غفلةً وما سار بي نحو الرسول ركاب
وقلبي معمورٌ بحبّ محمّدٍ فما لي في غير الحجاز طلاب
يحنّ إلى أوطانه كلّ مسلمٍ فقدّس منها منزلٌ وجناب
فأسعد أيامي إذا قبل هذه منازل من وادي الحمى وقباب
فجسمي في مصر وروحي بطيبةٍ فللروح عن جسمي هناك مناب
على مثل هذا العجز والعمر منقضٍ تشقّ قلوبٌ لا تشقّ ثياب
وأرجو ثواباً بامتداحي محمّداً وما كلّ مثنٍ في الزمان يثاب
به أخمدت من قبل نيران فارسٍ وحقق من ظبي الفلاة خطاب
وكم قد سقى من كفّه الجيش فارتووا وكم قد شفى منه العيون رضاب
أجيب لما يختار في حضرة العلا وما كلّ خلقٍ حيث قال يجاب
فلم تلهه دنياه عن خوف ربه ولا شغلته عن رضاه كعاب
محمدٌ المختار أعلى الورى ندىً وأكرم مبعوثٍ أتاه كتاب
أتحسب أن تحصى بعدٍّ صفاته وهيهات ما يحصي علاه حساب
ثناء رسول الله خير ذخيرة وقد ذلّ جبّارٌ وخيف عقاب
وقد نصب الميزان والله حاكمٌ وذلّت لأحكام الإله رقاب
فكلّ ثناءٍ واجبٌ لصفاته فما مدح مخلوقٍ سواه صواب
إليك رسول الله أنهي مدائحي وإنّ رجائي راحةٌ وثواب
إذا قيل من تعني بمدحك كلّه فأنت إذا خبرت عنه جواب
فليتك تحلو والحياة مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضاب
فأنت أجلّ العالمين مكانةً وأكرم مدفونٍ حواه تراب
وله يرثي العز بن عبد السلام:
أمد الحياة كما علمت قصير وعليك نقّادٌ بها وبصير
عجباً لمغترٍّ بدار فنائه وله إلى دار البقاء مصير
فسليمها للنائبات معرّضٌ وعزيزها بيد الردى مقهور
أيظنّ أن العمر ممدودٌ له والعمر فيه على الردى مقصور
وهي طويلة، ولم يحضرني سوى ما ذكرته.
عبد البر بن فرسان الغسّاني
عبد البر بن فرسان بن إبراهيم بن عبد الرحمن، الغسّاني، الوادي آشي، أبو محمد
وله أخبار كثيرة في الحماسة وعلوّ الهمة. ومن نظمه لما تعمم مخدومه ابن غانية بعمامة بيضاء ولبس غفارة حمراء على جبة خضراء:
فديتك بالنّفس التي قد ملكتها بما أنت موليها من الكرم الغضّ
تردّيت للحسن الحقيقي بهجةً فصار لها الكليّ في ذاك كالبعض
ولمّا تلالا نور غرّتك التي تقسّم في طول البلاد وفي عرض
تلفّعتها خضراء أحسن ناظرٍ ... نبت عنك إجلالاً وذاك من الفرض وأسدلت حمراء الملابس فوقها بمفرق تاج المجد والشرف المحض
فأصبحت بدراً طالعاً في غمامةٍ على شفقٍ دانٍ إلى خضرة الأرض
وقال رحمه الله تعالى:
أجبناً ورمحي ناصري وحسامي وعجزاً وعزمي قائدي وإمامي
ولي منك بطّاش اليدين غضنفرٌ يحارب عن أشباله ويحامي
وقال رحمه الله تعالى لما أسنّ يستأذن مخدومه في الحج والزيارة:
امنن بتسريحٍ عليّ فعلّه سبب الزيارة للحطيم ويثرب
ولئن تقوّل كاشحٌ أنّ الهوى درست معالمه وأنكر مذهبي
فمقالتي ما إن مللت وإنما ... عمري أبى حمل النّجاد ومنكبي وعجزت عن أن أستثير كمينها وأشقّ بالصمصام صدر الموكب
وقال رحمه الله تعالى، ولا خفاء ببراعته:
ندىً مخضلاً ذاك الجناح المنمنما وسقياً وإن لم تشك يا ساجعاً ظما
أعدهنّ ألحاناً على سمع معربٍ يطارح مرتاحاً على القضب معجما
وطر غير مقصوص الجناح مرفّهاً مسوّغ أشتات الحبوب منعّما
مخلّىً وأفراخاً بوكرك نوّماً ألا ليت أفراخي معي كنّ نوّما
وقال رحمه الله تعالى:
كفى حزناً أنّ الرماح صقيلةٌ ... وأنّ الشّبا رهن الصدى بدمائه أنّ بياذيق الجوانب فرزنت ولم يعد رخّ الدّست بيت بنائه
وكان - رحمه الله تعالى - من جلّة الأدباء، وفحول الشعراء، وبرعة الكتّاب، كتب عن ابن غانية الأمير أبي زكريا يحيى بن إسحاق بن محمد بن علي السوفي الميرقي الثائر على منصور بني عبد المؤمن، ثم على من بعده من ذريته إلى أيام الرشيد منهم، وكان منقطعاً إليه، وممّن صحبه في حركاته، وكان آيةً في بعد الهمة، والذهاب بنفسه، والغناء في مواقف الحرب، والجنسية علة الضم، إذ ابن غانية كان غاية في ذلك أيضاً، ووجّه الميرقي المذكور عشية يوم من أيام حروبه إلى المأزق، وقد طال العراك، وكاد الناس ينفصلون عن الحرب [إلى أن يباكروها من الغد، فلمّا بلغ الصدر اشتدّ على الناس] وذمر أرباب الحفيظة، وأنهى إليهم العزم من أميره في الحملة، فانهزم عدوّهم شرّ هزيمة، ولم يعد أبو محمد إلاّ في آخر الليل بالأسلاب والغنيمة، فقال له الأمير: وما حملك على ما صنعت فقال: الذي عملت هو شأني، وإذا أردت من يصرف الناس عن الحرب ويذهب ريحه فانظر غيري.
وتشاجر له ولد صغير مع تربٍ له من أولاد أميره أبي زكريا فنال منه ولد الأمير، وقال: وما قدر أبيك فلمّا بلغ ذلك أباه خرج مغضباً لحينه، ولقي ولد الأمير الخاطب لولده فقال: حفظك الله تعالى، لست أشكّ في أني خديم أبيك، ولكني أحب أن أعرفك بنفسي ومقداري ومقدار أبيك، اعلم أن أباك وجّهني رسولاً إلى دار الخلافة ببغداد بكتاب عن نفسه، فلمّا بلغت بغداد أنزلت في دار اكتريت لي بسبعة دراهم في الشهر، وأجري عليّ سبعة دراهم في
اليوم، وطولع بكتابي، وقيل: من الميرقي الذي وجّهه فقال بعض الحاضرين: هو رضا مغربي ثائر على أستاذه، فأقمت شهراً، ثم استدعيت، فلمّا دخلت دار الخلافة وتكلمت مع من بها من الفضلاء وأرباب المعارف والآداب اعتذروا إلي، وقالوا للخليفة: هذا رجل جهل مقداره، فأعدت إلى محل اكتري لي بسبعين درهماً، وأجري عليّ مثلها في اليوم، ثم استدعيت فودعت الخليفة، واقتضيت ما تيسر من حوائجه وصدر لي شيء له حظ من صلته، وانصرفت إلى أبيك، فالمعاملة الأولى كانت على قدر أبيك عند من يعرف الأقدار، والثانية كانت على قدري؛ وترجمته ﵀ متسعة.
ومنهم عبد المنعم بن عمر الغساني، الوادي آشي، المؤلف، الرحالة، المتجول ببلاد المشرق سائحاً، صاحب المؤلفات الكثيرة التي منها جامع أنماط السائل في العروض والخطب والرسائل.
ومن نظمه قوله ﵀:
ألا إنما الدنيا بحارٌ تلاطمت فما أكثر الغرقى على الجنبات
وأكثر من لاقيت يغرق إلفه وقلّ فتىً ينجي من الغمرات
توفي سنة، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو العباس أحمد بن مسعود بن محمد، القرطبي، الخزرجي، كان إماماً في التفسير والفقه والحساب والفرائض والنحو واللغة والعروض والطب، وله تآليف حسان، وشعر رائق، فمنه قوله رحمه الله تعالى:
وفي الوجنات ما في الروض لكن لرونق زهرها معنىً عجيب
وأعجب ما التّعجّب عنه أني أرى البستان يحمله قضيب
وتوفي رحمه الله تعالى سنة.
ومنهم أبو العباس القرطبي، صاحب المفهم في شرح مسلم، وهو أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري، المالكي، الفقيه، المحدث، المدرس، الشاهد بالإسكندرية.
ولد بقرطبة سنة، وسمع الكثير هنالك، ثمّ انتقل إلى المشرق، واشتهر وطار صيته، وأخذ الناس عنه، وانتفعوا بكتبه، وقدم مصر، وحدث بها، واختصر الصحيحين، وكان بارعاً في الفقه والعربية، وعارفاً بالحديث، وممّن أخذ عنه القرطبي صاحب التذكرة، ومن تصانيفه رحمه الله تعالى المفهم في شرح مسلم وهو من أجلّ الكتب، ويكفيه شرفاً اعتماد الإمام النووي، رحمه الله تعالى، عليه في كثير من المواضع، وفيه أشياء حسنة مفيدة، ومنها اختصاره للصحيحين كما مر، وله غير ذلك وتوفي رحمه الله تعالى بالإسكندرية رابع ذي القعدة سنة، وكان يعرف في بلاده باب المزين، وله كتاب كشف القناع عن الوجد والسماع أجاد فيه وأحسن، وكان يشتغل أولاً بالمعقول، وله اقتدار على توجيه المعاني بالاحتمال.
قال الشيخ شرف الدين الدمياطي: أخذت عنه، وأجاز لي مصنفاته، رحمه الله تعالى، وحدث بالإسكندرية وغيرها، وصنف غير ما ذكرناه، وكان إماماً عالماً جامعاً لمعرفة الحديث والفقه والعربية وغيرها.
ومنهم العارف الكبير، الولي الصالح الشهير، أبو أحمد جعفر ابن عبد الله بن محمد بن سيد بونه، الخزاعي، الأندلسي، أحد الأعلام المنقطعين القربين أولي الهداية، كان - رضي الله تعالى عنه ونفعنا به - كثير الأتباع، بعيد الصيت، فذّاً شهيراً.
قال الحافظ ابن الزبير: هو أحد الأعلام المشاهير فضلاً وصلاحاً، قرأ ببلنسية وتفقه، وحفظ نصف المدوّنة، وأقرأها، وكان يؤثر التفسير والحديث في رحلته من الأندلس جلّةً أكبرهم الولي الكبير سيدي أبو مدين شعيب، أفاض الله تعالى علينا من أنواره، وانتفع به، ورجع عنه بعجائب، فشهر بالعبادة، وتبرك الناس به، فظهرت عليه بركته، توفي رحمه الله تعالى في شوال سنة، وعاش نيّفاً وثمانين سنة.
وله ترجمة في الإحاطة ملخصها ما ذكرناه.
ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن يعقوب، الخزرجي، الأنصاري، الشاطبي، الفقيه، القاضي، الصّدر، التفنن، المحصل، المجيد، له علم محكم، وعقد صحيح مبرم، رحل إلى المشرق وحج، وكانت رحلته بعد تحصيله فزاد فضلاً إلى فضل، ونبلاً إلى نبل، وكان متثباً في فقهه، لا يستحضر من النقل الكثير، ولكنه يستحضر ما يحتاج إليه، وكان له علم بالعربية وأصول الفقه، ومشاركة في أصول الدين، له شرح على الجزولية، وكان أبوه قاضياً، وبيتهم بيت قضاء وعلم وسؤدد متوارث ومجد مكسوب ومنسوب؛ ثم ولي قضاء بجاية، فكان في قضائه على سنن الفضلاء وطريق الأولياء العقلاء بالحق مع
الصدق، معارضاً للولاة، وكان يرى أن لا يقدم الشهود إلاّ عند الحاجة، وأما إن حصل من تحصل به الكفاية فلا يقدم غيره، ويرى أن الكثرة مفسدة، وقد طلب منه الملك أن يقدم رجلاً من أهل بجاية، فقال له مشافهة: إن شئتم قدمتموه وأخرتموني؛ وكان إذا جرى الأمر في مجرى الشهادة وما قاله القاضي ابن العربي أبو بكر وغيره من أنها قبول قول الغير على الغير بغير دليل يرى أن هذا من الأمر العظيم الذي لا يليق أن يمكن منه إلاّ الآحاد الذين تبين فضلهم في الوجود؛ وكان يرى أن جنايات الشاهد إنما هي صحيفة من يقدمه من باب قوله ﵊ " من سن سنة حسنة، ومن سن سنة سيئة " وقد سئل: من أولياء الله فقال: " شهود القاضي، لأنهم لا يأتون كبيرة، ولا يواظبون على صغيرة "، وإن كانت الشهادة على هذه الصفة فلا شيء أجلّ منها، وإن كانت خطة لا صفة فلا شيء أخس منها، ولما كانت واقعة بني مرين بطنجة عرض عليه أهلها أن يتقدم وأن يبايعوه، فقال: والله لا أفسد ديني. ولما توفي عجز القاضي الذي تولى بعده عن سلوك منحاه، واقتفاء سننه الذي اقتفاه، قال هذا كله بمعناه وبعضه بحروفه الغبرينيّ في عنوان الدراية في علماء بجاية.
ومنهم محمد بن يحيى الأندلسي، اللّبسي - بلام فموحدة فسين - قاضي القضاة، أخذ عن الحافظ ابن حجر، ونوّه به عند الأشرف، حتى ولاه قضاء المالكية بحماة، وسار سيرة السلف الصالح، ثم حنق على نائبها في بعض الأمور، وسافر إلى حلب مظهراً إرادة السماع على حافظها البرهان.
ووصفه ابن حجر في بعض مجاميعه بقوله: الشيخ الإمام العالم العلاّمة في الفنون، قاضي الجماعة. وقال إنه إنسان حسن إمام في علوم منها الفقه
والنحو وأصول الدين، يستحضر علوماً كأنها بين عينيه، ووصفه أيضاً بعلامة دهره، وخلاصة عصره، وعين زمانه، وإنسان أوانه، جامع العلوم، وفريد كل منثور ومنظوم، قاضي القضاة، لا زالت رايات الإسلام به منصورة، وأعلام الإيمان به منشورة، ووجوه الحكام الشرعية بحسن نظره محبورة، ولد سنة، وتوفي ببرسّا من بلاد الروم أواخر شعبان سنة، قاله السخاوي في الضوء اللامع.
ومنهم الوزير الشهير أبو عبد الله ابن الحكيم، الرندي، ذو الوزارتين، رحل إلى مصر والحجاز والشام، وأخذ الحديث عن جماعة، وقد ترجمناه في باب مشيخة لسان الدين عند تعرضنا لذكر ابنه الشيخ أبي بكر ابن الحكيم، ولا بأس أن نزيد هنا ما ليس هنالك، فنقول: إن من مشايخه برندة الشيخ الأستاذ النحوي أبا الحسن علي بن يوسف العبدري السفاح، أخذ عنه العربية، وقرأ عليه القرآن بالروايات السبع، وأخذ عن الخطيب بها أبي القاسم ابن الأيسر، وأخذ - رحمه الله تعالى - عن جملة من أعلام الأندلس، وأخذ في رحلته عن الجلّ الذين يضيق عن أمثالهم الحصر، فمن شيوخه الحافظ أبو اليمن ابن عساكر، لقيه بالحرم الشريف، وانتفع به، وأكثر من الرواية عنه، والشيخ أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم الحراني المعروف بابن هبة الله، والشيخ الشرف أبو العباس أحمد بن عبد الله بن عمر بن معطي ابن الإمام الجزائري - جزائر المغرب نزيل بغداد والشيخ الصفاء خليل بن أبي بكر الحنبلي، لقيه بالقاهرة، والشيخ رضي الدين أبو بكر القسمطيني، والشيخ شرف الدين الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي إمام الديار المصرية في الحديث وحافظها ومؤرخها،
والشهاب ابن الخيمي، قرأ عليه قصيدته البائية الفريدة التي أولها:
يا مطلباً ليس لي في غيره أرب إليك آل التقصّي وانتهى الطلب
وفيها البيت المشهور الذي وقع النزاع فيه:
يا بارقاً بأعالي الرّقمتين بدا لقد حكيت ولكن فتك الشّنب
والشيخ جمال الدين أبو صادق محمد بن يحيى القرشي، ومن تخريجه الأربعون المروية بالأسانيد المصرية وسمع الحلبيات من ابن العماد الحراني والشيخ أبي الفضل عبد الرحيم خطيب الجزيرة، ومولده سنة، وزينب بنت الإمام أبي محمد عبد اللطيف بن يوسف البغدادي، وتكنى أم الفضل، وسمعت من أبيها. ومن أشياخ ذي الوزارتين بن الحكيم المذكور الملك الأوحد يعقوب ابن الملك الناصر صلاح الدين داود ابن الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب، والشيخ عبد الرحمن بن سليمان بن طرخان وأخوه محمد بن سليمان، في طائفة كبيرة من مشايخ مصر والشام والعراق وغيرها من البلاد يطول تعدادهم، وأخذ ببجاية عن خطيبها أبي عبد الله ابن رحيمة الكناني، وبتونس عن قاضيها أبي العباس ابن الغماز البلنسي وأخذ العربية عن قدوة النحاة أبي الحسين عبد الله بن أحمد ابن عبيد الله بن أبي الربيع القرشي.
ومن شعر ذي الوزارتين ابن الحكيم المذكور قوله:
هل إلى ردّ عشيّات الوصال سببٌ أم ذلك من ضرب المحال
حالة يسري بها الوهم إلى أنها تثبت برءاً باعتلال
وليالٍ ما تبقّى بعدها غير أشواقي إلى تلك الليالي
إذ مجال الوصل فيها مسرحيونعيمي آمرٌ فيها ووال ولحالات التراضي جولةٌ مرحت بين قبولٍ واقتبال
فبوادي الخيف خزفي مسعدٌ وبأكناف منىً أسنى موال
ولست أنسى الأنس فيها أبداً لا ولا بالعذل في ذاك أبالي
وغزالٍ قد بدا لي وجهه فرأيت البدر في حال الكمال
ما أمال التيه من أعطافه ... لم يكن إلاّ على خصل اعتدال خصّ بالحسن فما أنتترى بعده للناس حظّاً في الجمال
من تسلّى عن هواه فأنا بسواه عن هواه غير سال
فلئن أتعبني حبّي له فلكم نلت به أنعم حال
إذ لآلي جيده من قبلي ووشاحاه يميني وشمالي
خلّف النوم لي السّهد به وترامى الشخص لا طيف الخيال
فتداوى بلمساه ظمإي مزجك الصهباء بالماء الزلال
أو إرشادات بناء الملك الأو حد الأسمى الهمام المتعالي
ملكٌ إن قلت فيه ملكاً لم تكن إلاّ محقاً في المقال
أيّد الإسلام بالعدل فما إن ترى رسماً لأصحاب الضلال
ذو أيادٍ شملت كلّ الورى ومعالٍ يا لها خير معال
همّةٌ هامت بأحوال التّقى وصفاتٌ بالجلالات حوال
وقف النّفس على إجهادها بين صومٍ وصلاةٍ ونوال
وهي طويلة ومنها:
أيها المولى الذي نعماؤهأعجزت عن شكرها كنه المقال
ها أنا أنشدكم مهنئاً من بديع النظم بالسحر الحلال
فأنا العبد الذي حبّكم لم يزل والله في قلبي وبالي
أورقت روضة آمالي بكممذ تولاّها الرّباب المتوالي
[واقتنيت الجاه من خدمتكمفهي ما أذخره من كنز مال] ومنها:
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع