من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (٢٤)
في فصل الحج منه أنّه رحل إلى المهدية سنة، واستوطن مصر مدة، ثم رحل إلى مكّة، وبها توفّي رحمه الله تعالى؛ وروى عنه أبو المظفر الشيباني وأبو محمد العثماني وأبو الحجاج يوسف بن محمد القيرواني وأبو عمرو عثمان ابن فرج العبدري وأبو محمد ابن صدقة المنكبي وأبو عبد الله ابن يعيش البلنسي وغيرهم، وكان سماع أبي الحجّاج منه موطأ مالك سنة، رحم الله تعالى الجميع.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن مرزوق، اليحصبي، الأندلسي، رحل حاجّاً فسمع منه بالإسكندرية أبو الطاهر السّلفي كتاب طبقات الأمم لأبي القاسم صاعد بن أحمد الطليطلي، وحدّث به عنه عن ابن برّال عن صاعد.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد، الصريحي، المرسي، ويعرف بابن مطحنة، روى عن أبي بكر ابن الفرضي النحوي، وتأدب به، ورحل إلى المشرق، ولقي أبا محمد العثماني وغيره، وحج، وقعد لتعليم الاداب، وممن أخذ عنه أبو عبد الله محمد بن عبد السلام وأبو عبد الله المكناسي وغيرهما، وأنشد رحمه الله تعالى قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن البيّاسي بالإسكندريّة لنفسه:
يمدّ الدهر من أجلي وعمري كما أنّي أمدّ من المداد
لنا خطّان مختلفان جدّاً كما اختلف الموالي والمعادي
فأكتب بالسواد على بياضٍ ويكتب بالبياض على السواد
وهذا نظير قول الآخر:
ولي خطٌّ وللأيام خطٌّ وبينهما مخالفة المداد
فأكتبه سواداً في بياضٍ وتكتبه بياضاً في سواد
وبعضهم ينسب الأبيات الثلاثة السابقة للسّلفي الحافظ، فالله تعالى أعلم.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن عيسى، الشّلبي، سمع من الصدفي وغيره، وكان من أهل الحفظ للحديث ورجاله والعلم بالأصول والفروع ومسائل الخلاف وعلم العربيّة والهيئة مع الخير والدين والزهد، وامتحن بالأمراء في قضاء بلده بعد أن تقلده نحو تسعة أعوام لإقامته الحق وإظهاره العدل حتى أدى ذلك إلى اعتقاله بقصر إشبيلية، ثم سرّح فرحل حاجّاً إلى المشرق، ودخل المهدية فلقي بها المازري، وأقام في صحبته نحو ثلاث سنين، ثم انتقل إلى مصر، وحج سنة، وأقام بمكّة مجاوراً، وحج ثانية سنة، ولقي بمكّة أبا بكر عتيق بن عبد الرحمن الأوريولي في هذه السنة، فحمل عنه، ودخل العراق وخراسان، وأقام بها أعواماً، وطار ذكره في هذه البلاد، وعظم شأنه في العلم والدين، وكان من بيت شرف وجاه في بلده عريض مع سعة الحال والمال، وتوفّي بهراة سنة، وقيل: إن وفاته سنة، وذكره العماد في الخريدة والسمعاني في الذيل، وأنشد له:
تلوّنت الأيّام لي بصروفها فكنت على لونٍ من الصبر واحد
فإن أقبلت أدبرت عنها وإن نأت فأهون بمفقودٍ لأكرم فاقد
وولد سنة بشلب، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن موسى، الأزدي، المرسي، ويعرف
بابن برطله، سمع من صهره القاضي الشهيد أبي علي الصدفي، ورحل حاجّاً سنة، فأدى الفريضة، وسمع من الطرطوشي والأنماطي والسّلفي وغيرهم، وانصرف إلى مرسية بلده، وكان حسن السّمت خاشعاً مخبتاً خيّراً متواضعاً نبيهاً نزهاً سالم الباطن، وحكى عن شيخه أبي عبد الله الرازي عن أبيه أنّه أخبره أن قاضي البرلس، وكان رجلاً صالحاً، خرج ذات ليلة إلى النّيل فتوضأ وأسبغ وضوءه، ثم قام فقرن قدميه وصلى ما شاء الله تعالى أن يصلي، فسمع قائلاً يقول:
لولا أناسٌ لهم سردٌ يصومونا وآخرون لهم وردٌ يقومونا
لزلزلت أرضكم من تحتكم سحراً لأنّكم قوم سوء لا تبالونا
قال: فتجوّزت في صلاتي، وأدرت طرفي فما رأيت شخصاً ولا سمعت حسّاً، فعلمت أن ذلك زاجر من الله تعالى.
وقال ابن برطله رحمه الله تعالى: أنشدني أبو عامر قال: دخلت بعض مراسي الثغر، فوجدت في حجر منقوش هذه الأبيات:
نزلت ولي أملٌ عودةٌ ولكنّني لست أدري متى
ودافعني قدرٌ لم أطق دفاعاً لمكروهه إذ أتى
ومن أمره في يدي غيره سيغلب إن لان وإن عتا
فيا نازلاً بعدنا ههنا نحيّيك إن كنت نعم الفتى
فسألت عن منشدها، فقيل لي: هو أبو بكر ابن أبي درهم الوشقي، وكان قد حج وأراد العودة، فقال هذه الأبيات، ورواها بعضهم رحلت مكان نزلت، وهو أصوب، وأبدل قوله يا نازلاً بيا ساكناً، والخطب سهل
فيه، وبعض يقول: إن الأبيات وجدت بجامع مصر، والله تعالى أعلم.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن خلف بن سعادة، الداني، الأصبحي، لازم ابن سعد الخير، واحتذى أول أمره مثال خطّه فقاربه، وسمع منه، ثم رحل إلى المشرق فسمع بالإسكندرية من أبي الطاهر ابن عوف والسّلفي وغير واحد، قال التجيبي: كان معنا بالإسكندرية بالعادلية منها، وبقراءته سمعنا صحيح البخاري على السلفي سنة، قال: وأنشدني لشيخه الأستاذ أبي الحسن علي ابن إبراهيم بن سعد الخير البلنسي:
يا لاحظاً تمثال نعل نبيه قبّل مثال النعل لا متكبرا
والثم له فلطالما عكفت به ... قدم النبي مروّحاً ومبكرا أولا ترى أن المحبّ مقبّلٌ طللاً وإن لم يلف فيه مخبرا
وقد سبق ابن سعادة أبو عبد الله وهو غير هذا، والله تعالى أعلم.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن يوسف، القضاعي، المري، سمع من أبي جعفر ابن غزلون صاحب الباجي وغير واحد، ورحل إلى المشرق فسمع بالإسكندرية من السّلفي والرازي، وتجول هنالك، وأخذ عنه أبو الحسن ابن المفضل المقدسي وغير واحد، وقال ابن المفضل: أنشدني المذكور، قال: أنشدني أبو محمد بن صارة:
وكوكبٍ أبصر العفريت مسترقاً للسمع فانقضّ يدني خلفه لهبه
كفارسٍ حلّ إعصارٌ عمامته ... فجرّها كلّها من خلفه عذبه ومنهم شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن مهاجر، الوادي آشي، الحنفي، سكن طرابلس الشام، ثم انتقل إلى حلب، وأقام بها، وصار من العدول المبرزين في العدالة بحلب، ويعرف النحو والعروض، ويشتغل فيهما، وله انتماء إلى قاضي القضاة الناصر ابن العديم، قال الصفدي: رأيته بحلب أيام مقامي بها سنة فرأيته حسن التودّد، وأنشدني لنفسه من لفظه:
ما لاح في درعٍ يصول بسيفه والوجه منه يضيء تحت المغفر
إلا حسبت البحر مدّ بجدول والشمس تحت سحائبٍ من عنبر
قال الصفدي: جمع هذا المقطوع بين قول ابن عباد:
ولمّا اقتحمت الوغى دارعاً وقنّعت وجهك بالمغفر
حسبنا محيّاك شمس الضحى عليها سحابٌ من العنبر
وبين قول أبي بكر الرصافي:
لو كنت شاهده وقد غشي الوغى يختال في درع الحديد المسبل
لرأيت منه والقضيب بكفّه بحراً يريق دم الكماة بجدول
وقال يمدح الشيخ كمال الدين محمد بن الزملكاني وقد توجّه إلى حلب قاضي القضاة:
يمنٌ ترنّم فوق الأيك طائره وطائرٌ عمّت الدنيا بشائره
وسؤددٌ أصبح الإقبال ممتثلاُ في أمره ما أخوه العزّ آمره
ومنها:
من مخبرٌ عني الشهباء أنّ كما ل الدين قد شيّدت فيه مقاصره
وأنّ تقليده الزاهي وخلعته ال تي تطرّز عطفيها مآثره
بالنفس أفديك من تقليد مجتهدٍ سواه يوجد في الدّنيا مناظره
أنشدت حين أدار البشر كأس طلىً حكت أوائله صفواً أواخره
وقد بدت في بياض الطّرس أسطره سوداً لتبدي ما أهدت محابره
ساقٍ تكوّن من صبحٍ ومن غسقٍ فابيضّ خدّاه واسودّت غدائره
وخلعة قلت إذ لاحت لتزرينا بالروض تطفو على نهر أزاهره
وقد رآها عدوٌّ كان يضمر لي من قبل سوءاً فخانته ضمائره
ورام صبراً فأعيته مطالبه وغيّض الدمع فانهلّت بوادره
بعودة الدولة الغرّاء ثالثةً أمنت منك ونام الليل ساهره
وقال أيضاً:
تسعّر في الوغى نيران حربٍ بأيديهم مهنّدة ذكور
ومن عجبٍ لظى قد سعّرتها جداول قد أقلّتها بدور
وقال ملغزاً في قالب لبن:
ما آكلٌ في فمين يغوط من مخرجين
مغرىً بقبضٍ وبسطٍ وما له من يدين
ويقطع الأرض سعياً من غير ما قدمين
وخمّس لامية العجم مدحاً في رسول الله ﷺ، قال الصفدي: ولمّا كنت في حلب كتب إليّ أبياتاً، انتهى.
ومنهم أبو جعفر أحمد بن صابر، القيسي، قال أبو حيان: كان المذكور رفيقاً للأستاذ أبي جعفر ابن الزبير شيخنا، وكان كاتباً مترسلاً شاعراً، حسن الخط، على مذهب أهل الظاهر، وكان كاتب أبي سعيد فرج ابن السلطان الغالب بالله بن الأحمر ملك الأندلس، وسبب خروجه من الأندلس أنّه كان يرفع يديه في الصلاة على ما صح في الحديث، فبلغ ذلك السلطان أبا عبد الله، فتوعده بقطع يديه، فضج من ذلك وقال: إن إقليماً تمات فيه سنّة رسول الله ﷺ حتى يتوعّد بقطع اليد من يقيمها لجدير أن يرحل منه، فخرج وقدم ديار مصر، وسمع بها الحديث، وكان فاضلاً نبيلاً، ومن شعره:
أتنكر أن يبيضّ رأسي لحادثٍ من الدهر لا يقوى له الجبل الراسي
وكان شعاراً في الهوى قد لبسته فرأسي أمّيٌّ وقلبي عباسي
قلت: لو قال شيبي لكان الغاية.
وأنشد له بعضهم:
فلا تعجبا ممّن عوى خلف ذي علاً لكلّ عليٍّ في الأنام معاويه
قلت: لا يخفى ما فيه من عدم سلوك الأدب مع الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ويرحم الله بعض الأندلسيين حيث قال في رجز كبير:
ومن يكن يقدح في معاويه فذاك كلبٌ من كلابٍ عاوية
وأنشد أبو حيان للمذكور:
أرى الدهر ساد به الأرذلو ن كالسّيل يطفو عليه الغثا
ومات الكرام وفات المديح فلم يبق للقول إلا الرثا
وأنشد له أيضاً:
لولا ثلاثٌ هنّ والله من أكبر آمالي في الدنيا
حجٌّ لبيت الله أرجو به أن يقبل النيّة والسعيا
والعلم تحصيلاً ونشراً إذا رويت أوسعت الورى ريّا
وأهل ودٍّ أسأل الله أن يمتع بالبقيا إلى اللقيا
ما كنت أخشى الموت أنّى أتى بل لم أكن ألتذّ بالمحيا
وقال أبو حيان في هذه المادة:
أما إنّه لولا ثلاثٌ أحبّها تمنيت أنّي لا أعدّ من الأحيا
فمنها رجائي أن أفوز بتوبةٍ تكفّر لي ذنباً وتنجح لي سعيا
ومنهم صوني النفس عن كلّ جاهل لئيمٍ فلا أمشي إلى بابه مشيا
ومنهن أخذي بالحديث إذا الورى نسوا سنّة المختار واتبعوا الرأيا
أتترك نصّاً للرسول وتقتدي ... بشخص لقد بدّلت بالرشد الغيّا ومنهم الأستاذ أبو القاسم ابن الإمام القاضي أبي الوليد الباجي، سكن سرقسطة وغيرها، وروى عن أبيه معظم علمه، وخلفه بعد وفاته في حلقته وغلب عليه علم الأصول والنظر، وله تآليف تدل على حذقه: منها العقيدة في المذاهب السديدة ورسالة الاستعداد للخلاص من المعاد،
وكان غاية في الورع، توفّي بجدة بعد منصرفه من الحج سنة، رحمه الله تعالى.
ومنهم الإمام الفاضل الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الساحلي الغرناطي. قال العز بن جماعة: قدم علينا من المغرب سنة، ثمّ رجع إلى المغرب في هذه السنة، وبلغنا أنّه توفّي بمراكش سنة نيّف وأربعين وسبعمائة، وأنشد والدي قصيدةً من نظمه امتدحه بها، وأنا أسمع، ومن خطه نقلت، وهي:
قفا مورداً عيناً جرت بعدكم دما أناضي أسفارٍ طوين على ظما
غدون أهلاّتٍ تناقل أنجماً ورحن حنيّات تفوّق أسهما
يجشّمها الحادي الأمرّين حسّراً ويوطئها الحادي الأحرّين هيّما
على منسميها للشقائق منبتٌ وفي فمويها للشقاشق مرتمى
إلى أن قال:
وتعساً لآمالٍ جهامٍ سحابها تزجّى ركاماً ما استهلّ ولا همى
تجاذبها نفسٌ تجيش نفيسةً ومن لم يجد إلا صعيداً تيمّما
فهل ذممٌ يرعاه ليلٌ طويته طواني سرّاً بين جنبيه منهما
أقبّل منه للبروق مباسما وأرشف من بهماء ظلمائه لمى
إلى أن تجلّى من كنانة بدرها فعرّس ركبي في حماه وخيّما
ثمال اليتامى حيث ليس مظللٌ وكهف الأيامى أيّما عزٌّ مرتمى
ومنها:
فيا كفّه هل أنت أم غيث ديمةٍ أسالت عباباً في ثرى الجود عيلما
ويا سعيه يهنيك أجرٌ ثنى به على معطفي علياه برداً مسهّما
قضى بمنىً أوطار نفسٍ كريمةٍ وروّى صداها حين حلّ بزمزما
وناداه داعي الحق حيّ على الهدى فأسرج طوعاً في رضاه وألجما
فلله ما أهدى وأرشد واهتدى ولله ما أعطى وأوفى وأنعما
ومنها:
أمتّ بآدابٍ وعلمٍ كليهما أقاما لديك الدّعي فرضاً وألزما
وهي طويلة.
ومن الراحلين من الأندلس الوليد بن هشام، من ولد المغيرة بن عبد الرحمن الداخل فيما حكى بعض المؤرخين، خرج من الأندلس على طريقة الفقر والتجرّد، ووصل برقة بركوة لا يملك سواها فعرف بأبي ركوة، وأظهر الزهد والعبادة، واشتغل بتعليم الصبيان وتلقينهم القرآن، وتغيير المنكر، حتى خدع البربر بقوله وفعله، وزعم أن مسلمة بن عبد الملك بشّر بخلافته بما كان عنده من علم الحدثان، وكان يقال عن مسلمة: إنّه أخذ علم الحدثان عن خالد بن يزيد بن معاوية، وأخرج لهم أرجوزة أسنده إلى مسلمة، ومنها في وصفه:
وابن هشامٍ قائمٌ في برقه به ينال عبد شمسٍ حقّه
يكون في بربرها قيامه وقرّة العرب لها إكرامه
واتفق أن قرة انحرفوا عن الحاكم فمالوا إليه، وحصروا معه مدينة برقة حتى فتحوها، وخطبوا له فيها بالخلافة، وكان قيامه في رجب سنة، فهزم عسكر باديس الصّنهاجي صاحب إفريقية وعسكر الحاكم بمصر، وأحيا أمره، وخاطبه بطانة الحاكم لكثرة خوفهم من سفك الحاكم الدماء، ورغبوه في الوصول إلى أوسيم، وهو مكان بالجيزة قبالة القاهرة، فلمّا وصل إليها قام بمحاربته الفضل بن صالح القيام المشهور إلى أن هزم أبا ركوة، ثم جاء به إلى القاهرة، فأمر الحاكم أن يطاف به على جمل، ثم قتل صبراً في رجب سنة، ولما حصل في يد الحاكم كتب إليه:
فررت ولم يغن الفرار، ومن يكن مع الله لم يعجزه في الأرض هارب
ووالله ما كان الفرار لحاجةٍ سوى فزعي الموت الذي أنا شارب
وقد قادني جرمي إليك برمّتي كما اجترّ ميتاً في رحى الحرب سالب
وأجمع كلّ الناس أنّك قاتلي فيا ربّ ظنٍّ ربّه فيه كاذب
وما هو إلاّ الانتقام وينتهي وأخذك منه واجباً وهو واجب
ولأبي ركوة المذكور أشعار كثيرة، منها قوله:
بالسّيف يقرب كلّ أمرٍ ينزح فاطلب به إن كنت ممّن يفلح
وله:
على المرء أن يسعى لما فيه نفعه وليس عليه أن يساعده الدهر
وقوله:
إن لم أجلها في ديا ر العدا تملأ وعر الأرض والسّهلا
فلا سمعت الحمد من قاصدٍ يوماً ولا قلت له أهلا
وله غير ذلك ممّا يطول، وخبره مشهور.
ومنهم أبو زكريا الطليطلي، يحيى بن سليمان، قدم إلى الإسكندرية، ثم رحل إلى الشام واستوطن حلب، وله ديوان شعر أكثر فيه من المديح والهجاء، قال بعض من طالعه: ما رأيته مدح أحداً إلا وهجاه، وله مصنفات في الأدب، ومن نظمه قوله:
أرضٌ سقت غيطانها أعطانها وزهت على كثبانها قضبانها
ومنها:
فتكت بألباب الكماة فسيفها من طرفها وسنانها وسنانها
لم يبق شخصٌ بالبسيطة سالماً إلاّ سبى إنسانه إنسانها
ومنها:
وتصاحبت وتجاوبت أطيارها وتداولت وتناولت ألحانها
وتنسّمت وتبسّمت أيامها وتهلّلت وتكلّلت أزمانها
بمديرها ومنيرها ونميرها ومعيرها حسناً جلاه عيانها
ومنهم أبو بكر يحيى بن عبد الله بن محمد، القرطبي، المعروف بالمغيلي، سمع من محمد بن عبد الملك بن أيمن وقاسم بن أصبغ وغيرهما، ورحل فسمع من أبي سعيد ابن الأعرابي، وكان بصيراً بالعربية والشعر، ومؤلفاً جيد النظر حسن الاستنباط، حدّث، وتوفّي فجأة في شهر ربيع الأول سنة، قاله ابن الفرضي.
ومنهم الإمام المحدث أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن يحيى ابن سلمة، الأنصاري، الغرناطي، قدم المشرق وتوفّي بمصر سنة عن نحو خمسين سنة، بالبيمارستان المنصوري، قال قاضي القضاة عبد العزيز ابن جماعة الكناني في كتابه نزهة الألباب ": أنشدنا المذكور لنفسه بالقاهرة، بعد قدومه من مكّة والمدينة، وقد رام أن يعود إليهما فلم يتيسّر له:
لئن بعدت عنّي ديار الذي أهوى فقلبي على طول التباعد لا يقوى
فحدّث رعاك الله عن عرب رامةٍ فإنّي لهم عبدٌ على السرّ والنجوى
فإن متّ شوقاً في الهوى وصبابةً فيا شرفي إن متّ في حبّ من أهوى
فيا أيّها العذّال كفّوا ملامكم فما عندكم بعض الذي بي من الشكوى
ويا جيرة الحيّ الذي ولهي بهم أما ترحموا صبّاً يحنّ إلى حزوى
ويا أهل ذيّاك الحمى وحياتكم يمين وفيّ صادق القول والدّعوى
ملكتم قيادي فارحموا وترفّقوا فأنتم مرادي لا سعاد ولا علوى
فمالي سواكم سادتي لاعدمتكم فجودوا بوصلٍ أنتم الغاية القصوى
انتهى.
ومنهم الفاضل الأديب أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى بن علي، الغرناطي، قال ابن جماعة في الكتاب المسمى قريباً أنشدني المذكور لنفسه، على قبر سيّدنا حمزة رضي الله تعالى عنه:
يا سيّد الشّهداء بعد محمدٍ ورضيع ذي المجد المرفّع أحمد
يا ابن الأعزّة من خلاصة هاشمٍ سرج المعالي والكرام المجدّ
يا أيّها البطل الشّجاع المحتمي دين الإله ببأسه المستأسد
يا نبعة الشرف الأصيل المعتلي يا ذروة الحسب الأثيل الأتلد
يا نجدة الملهوف في قحم الوغى عند التهاب جحيمها المتوقّد
يا غيث ذي الأمل البعيد مرامه يا غوث موتور الزمان الأنكد
يا من لعظم مصابه خصّ الأسى قلب الرسول وعمّ كلّ موحد
يا حمزة الخير المؤمّل نفعه يوم الهياج وعند فقد المنجد
وافاك يا أسد الإله وسيفه وفدٌ ألمّوا من حماك بمعهد
جئناك يا عمّ الرّسول وصنوه قصد الزيارة فاحتفل بالقصّد
واسأل إلهك في اغتفار ذنوبنا شيم المزور قيامه بالعوّد
لذنا بجانبك الكريم توسّلاً وكذا العبيد ملاذهم بالسّيّد
فاشفع لضيفك فالكريم مشفّعٌ عند الكريم ومن يشفّع يقصد
يا ابن الكرام المكرمين نزيلهم أهل المكارم والعلا والسؤدد
نزل الضيوف جناب ساحتك التي منها يؤمّل كلّ عطفٍ مسعد
فاجعل أبا يعلى قرانا عطفةٌ وارغب لربّك في هدانا واقصد
فعسى يمنّ على الجميع بتوبةٍ يهدى بها نهج الطريق الأرشد
فقد اعتمدنا منك خير وسيلةٍ نرجو بها حسن التجاوز في غد
لم لا تؤمّ وأنت عمّ محمدٍ ولدينه قد صلت صولة أيّد
وصحبته ونصرته وعضدته وذببت عنه باللسان وباليد
وبذلت نفسك في رضاه بجنّة فقبلت في ذات الإله الأوحد
فجزاك عنّا الله خير جزائه وسقى ثراك حيا الغمام المرعد
وعلى رسول الله منه سلامه وعليك متّصل الرضى المتجدّد
ولد ببعض أعمال غرناطة قبل التسعين وستمائة، وتوفّي بالمدينة الشريفة طابة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام سنة، ودفن بالبقيع، رحمه الله تعالى، انتهى.
ومنهم الشيخ نور الدين أبو الحسن المايرقي، من أقارب بعض
ملوك المغرب، وكان من الفضلاء العلماء الأدباء، وله مشاركة جيدة في العلوم ونظم حسن، ومنه قوله:
القضب راقصةٌ، والطير صادحةٌ والنشر مرتفعٌ، والماء منحدر
وقد تجلّت من اللذات أوجهها لكنّها بظلال الدوح تستتر
فكلّ وادٍ به موسى يفجّره وكلّ روضٍ على حافاته الخضر
وقوله:
وذي هيفٍ راق العيون انثناؤه بقدٍّ كريّانٍ من البان مورق
كتبت إليه: هل تجود بزورةٍ فوقّع لا خوف الرقيب المصدق
فأيقنت من لا بالعناق تفاؤلاً كما اعتنقت لا ثم لم تتفرق
وهذا أحسن من قول ذي القرنين ابن حمدان:
إنّي لأحسد لا في أحرف المصحف إذا رأيت اعتناق اللام وللألف
وما أظنّهما طالاجتماعهما إلاّ لما لقيا من لوعة الأسف
وأحسن من هذا قول القيسراني:
أستشعر اليأس في لا ثم تطعمني إشارة في اعتناق اللام للألف
وكانت وفاة أبي الحسن المذكور في ربيع الأول سنة، ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى، والأبيات التي أولها القضب راقصة ... الخ نسبها له اليونيني وغير واحد، والصواب أنها ليست له، وإنّما هي لنور الدين ابن سعيد صاحب المغرب، وقد تقدم ذكره، ولعل السهو سرى من تشارك الاسم واللقب والقطر، ومثل هذا كثيراً ما يقع، والله تعالى أعلم.
ومن الراحلين من أهل الأندلس إلى المشرق ابن عتبة الإشبيلي،
وكان فارق إشبيلية حين تولاها ابن هود، واضطرمت بفتنته الأندلس ناراً، ولما قدم مصر هارباً من تلك الأهوال تغيرت عليه البلاد، وتعدّلت به الأحوال، فلمّا سئل عن حاله، بعد بعده عن أرضه وترحاله، بادر وأنشد:
أصبحت في مصر مستضاماً أرقص في دولة القرود
واضيعة العمر في أخيرٍ مع النصارى أو اليهود
بالجدّ رزق الأنام فيهم لا بذواتٍ ولا جدود
لا تبصر الدهر من يراعي معنى قصيدٍ ولا قصود
أودّ من لؤمهم رجوعاً للغرب في دولة ابن هود
وتذكرت بقوله أرقص في دولة القرود ما وقع لأبي القاسم ابن القطان، وهو ممّا يستطرف ويستظرف، وذلك انّه لما ولي الوزارة الزينبيّ دخل عليه أبو القاسم المذكور والمجلس حافل بالرؤساء والأعيان، فوقف بين يديه ودعا له، وأظهر الفرح والسرور، ورقص، فقال الوزير لبعض من يفضي إليه بسره: قبح الله هذا الشيخ، فإنّه يشير برقصه إلى قول الشاعر:
وأرقص للقرد في دولته
ومن المرتحلين أبو عبد الله ابن جابر محمد بن جابر الضرير، من أهل المرية، ويعرف بشمس الدين بن جابر الضرير، وله ترجمة في الإحاطة ذكرناها مع زيادة عليها عند تعرضنا لأولاد لسان الدين ابن الخطيب، رحمه الله تعالى، ورحل إلى المشرق ودخل مصر والشام واستوطن حلب، وهو صاحب البديعية المعروفة ببديعية العميان، وله أمداح نبوية كثيرة وتواليف: منها شرح ألفية ابن مالك وغير ذلك، وله ديوان شعر وأمداح نبوية في غاية الإجادة، ومن نظمه رحمه الله تعالى مورّياً بأسماء الكتب:
عرائس مدحي كم أتين لغيره فلمّا رأته قلن هذا من الأكفا
نوادر آدابي ذخيرة ماجدٍ شمائل كم فيهن من نكت تلفى
مطالعها هنّ المشارق للعلا قلائد قد راقت جواهرها رصفا
رسالة مدحي فيك واضحةٌ، ولي مسالك تهذيبٍ لتنبيه من أغفى
فيا منتهى سؤلي ومحصول غايتي لأنت امرؤٌ من حاصل المجد مستصفى
وقد اشتملت هذه الأبيات الخمسة على التورية بعشرين كتاباً، وهي: العرائس للثعالبي، والنوادر للقالي وغيره والمطالع لابن قرقول وغيره والمشارق للقاضي عياض وغيره، والذخيرة لابن بسام وغيره، والشمائل للترمذي، والنكت لعبد الحق الصقلي وغيره، والقلائد لابن خاقان وغيره، ورصف المباني في حروف المعاني للأستاذ ابن عبد النور، وهو كتاب لم يصنف في فنّه مثله، والرسالة لابن أبي زيد وغيره، والواضحة لابن حبيب، والمسالك للبكري وغيره، والجواهر لابن شاس وغيره، والتهذيب في اختصار المدونة وغيره، والتنبيه لأبي إسحاق وغيره، ومنتهى السؤل لابن الحاجب، والمحصول للإمام الرازي، والغاية للنووي وغيره، والحاصل مختصر المحصول، والمستصفى للغزالي، وما أحسن قول الحكيم موفّق الدين:
لله أيامنا والشّمل منتظمٌ نظماً به خاطر التفريق ما شعرا
والهف نفسي على عيشٍ ظفرت به قطعت مجموعه المختار مختصرا
وهذه ثلاثة كتب مشهورة: المختارو المجموع والمختصر وأحسن منه قول الآخر:
عن حالتي يا نور عين لا تسل ترك الجواب جواب تلك المسأله
حالي إذا حدّثت لا لمعاً ولا جملاً لإيضاحي بها من تكمله
عندي جوىً يذر الفصيح مبلداً فاترك مفصّله ودونك مجمله
القلب ليس من الصحاح فيرتجى إصلاحه، والعين سحبٌ مثقله
وقد أوردنا في ترجمة أبي عبد الله ابن جزي الكاتب الأندلسي جملة مستكثرة في التورية بأسماء الكتب فلتراجع ثمة.
رجع إلى الشمس بن جابر
فنقول: ومن نظمه رحمه الله تعالى تثمينه للأبيات المشهورة:
لم يبق فيّ اصطبار
مذ خلّفوني وساروا
وللحبيب أشاروا
جار الكرام فجاروا
لله ذاك الأوار
بانوا فما الدار دار
يا بدر أهلك جاروا وعلّموك التّجرّي
كانوا من الودّ أهلي
ما عاملوني بعدل
أصموا فؤادي بنبل
يا بين بيّنت ثكلي
يا روح قلبي قل لي
أهم دعوك لقتلي
وحرّموا لك وصلبي وحلّلوا لك هجري
حسبي وماذا عناد
هم المنى والمراد
وإن عن الحقّ حادوا
أو جاملوني وجادوا
يا من به الكلّ سادوا
والكلّ عندي سداد
فليفعلوا ما أرادوا فإنّهم أهل بدر
وتذكرت بهذا قول أبي البركات أيمن بن محمد السعدي رحمه الله تعالى:
للعاشقين انكسار وذلّةٌ وافتقار
وللملاح افتخار وعزّةٌ واقتدار
وأهل بدري أشاروا وودعوني وساروا
يا بدر إلخ.
كتبت والوصل يملي جدّ الهوى بعد هزل
وحار ذهني وعقلي ما بين بدري وأهلي
يا بدر فاحكم بعد إذا أتوك بعذل
وحرّموا إلخ.
لولا هواك المراد ما كنت ممن يصاد
ولا شجاني البعاد يا بدر أهلك جادوا
غلطت جاروا وزادوا لكنّهم بك سادوا
فليفعلوا إلخ.
رجع إلى ابن جابر، فنقول:
توفّي رحمه الله تعالى في إلبيرة في جمادى الآخرة سنة، ومن نظمه قوله:
يا أهل طيبة في مغناكم قمر يهدي إلى كل محمود من الطّرق
كالغيث في كرم، والليث في حرم والبدر في أفق، والزهر في خلق
وله:
ولمّا وقفنا كي نودّع من نأى ولم يبق إلا أن تحثّ الركائب
بكينا وحقٌّ للمحبّ إذا بكى عشيّة سارت عن حماه الحبائب
وقال:
أمّا معاني المعاني فهي قد جمعت في ذاته فبدت ناراً على علم
كالبدر في شيمٍ، والبحر في ديمٍ والزهر في نعمٍ، والدهر في نقم
وقال:
ضحكت فقلت كأنّ جيدك قد غدا يهدي لثغرك من جواهر عقده
وكأنّ ورد الخدّ منك بمائه قد شاب عذب لماك حالة ورده
وقال:
منعتنا قرى الجمال وقالت: ليس في غر زادنا من مجال
فأقمنا على الرحال وقلنا ما لنا حاجةٌ بحطّ الرّحال
وقال:
عذّب قلبي رشأٌ ناعمٌ أسهر جفني طرفه الناعس
يحرس باللحظ جنى خدّه يا ليته لو غفل الحارس
وله:
وافيت ربعهم وقد بعد المدى ونأى الفريق من الديار وسارا
ما كدت أعرف بعد طول تأمّلٍ داراً بها طاف السرور ودارا
وله:
ولست أرى الرجال سوى أناسٍ همومهم موافاة الرجال
أطالوا في النّدى إهلاك مال فعاشوا في الأنام ذوي كمال
وقال:
أيّها المتهمون نفسي فداكم أنجدوني على الوصول لنجد
وقفوا بي على منازل ليلى فوجودي هناك يذهب وجدي
وما كتبه على كتاب نسيم الصّبا لابن حبيب، وصورته: لما وقفت على الفصول الموسومة بنسيم الصّبا، المرسومة في صفحات الحسن فإذا أبصرها اللبيب صبا، انتعش بها الخاطر انتعاش النبت بالغمام، وهمت سحائب بيانها فأثمرت حدائق الكلام، وأخرجت أرض القرائح ما فيها من النبات، وسمعت الآذان صخبة الأذهان بهذه الأبيات:
هذي فصول الربيع في الزمن كم حسنٍ أسندت إلى حسن
رقّت وراقت فمن شمائلها بمثل صرف الشّمول تتحفني
كم ملحٍ قد حوت وكم لمحٍ يعجبني لفظها ويعجزني
كم فيه من نفثٍ ومن نكتٍ أشهدني حسنها فأدهشني
جمعٌ عدمنا له النظير فلا يصرف عن خاطرٍ ولا أذن
يا خير أهل العلا وبحرهم أيّ بديع الكلام لم ترني
بدرك في مطلع الفضائل لا يكون مثلٌ له ولم يكن
هذي الفصول التي أتيت بها قد أفحمت كلّ ناطقٍ لسن
كم فنّ معنىً بها يذكّرني شجوي لشدو الحمام في فنن
فمن نسيبٍ مع النسيم جرى لطفاً فأزرى بالجوهر الثمن
وحسن سجعٍ كالزّهر في أفقٍ والزّهر في ناعمٍ من الغصن
له معانٍ أعيت مداركها كلّ معانٍ بنيلهن عني
لا زال راقٍ للمجد راقمها ذا سننٍ حاز أحسن السنن
فصول، هي للحسن أصول، وشمول، لها على كل القلوب شمول، ليس لقدامة على التقدم إليها حصول، ولا لسحبان لأن يسحب ذيلها وصول، ولا انتهى قسّ الإياديّ لهذه الأيادي، ولا ظفر بديع الزمان بهذه البدائع الحسان، لقد قصّر فيها حبيب عن ابنه، وحار بين لطافة فضله وفضل ذهنه، نزهت في طرف خمائلها، ونبهت بلطف شمائلها، تالله إنّها لسحر حلال، وخلال ما مثلها خلال، كلام كلّه كمال، ومجال لا يرى فيه إلا جمال، راقم بردها، وناظم عقدها، في كل فصل، جاء بكمال فضل، وفي كل معنى، عمر بالبراعة مغنى، أعرب فأغرب، وأوجز فأعجز، وأطل فأطاب، وأجاد حين أجاب، فما أنفس فرائده، وأنفع فوائده، وأفصح مقاله، وأفسح مجاله، وأطوع للنظم طباعه، وأطول في النثر باعه، وأزاهر نبتت في كتاب، وجواهر تكوّنت من ألفاظ عذاب، ومواهب لا تدرك
بيد اكتساب، فسبحان من يرزق منيشاء بغير حساب، فصول أحلى في الأفواه من الشّهد، وأشهى إلى النواظر من النوم بعد السّهد، سكب أدبها في قالب النكت الحسان، وذهب بمحامد عبد الحميد ومحاسن حسّان، فما أحقّها أن تسمى فصول الربيع، وأصول البديع، لا زال حسنها يملأ الأوراق بما راق، ويزين الآفاق بما فاق، ولا برحت حدائق براعته نزهة للأحداق، وحقائق بلاغته في جيد الإجازة بمنزلة الأطواق، بمنّ الله تعالى وكرمه، انتهى.
وحيث جرى ذكر كتاب نسيم الصّبا فلا بأس بأن نذكر تقاريظ العلماء له، فمن ذلك قول القاضي شرف الدين بن ريان: وقفت على هذا الكتاب الذي أبد ع فيه مؤلفه، ونظم فيه الجواهر النفيسة مصنفه، وأينعت حدائق أدبه فدنا ثمرها لمن يقطفه، وعرفت مقدار ما فيه من الإنشاء وأين من يعرفه، فوجدته ألطف من اسمه، وأحسن من الدرر في نظمه، وأطيب من الورد عند شمّه، هبّت على رياض فصوله نسيم صباها، ففاقت الأزهار في رباها، وتشوقت قلوب الأدباء إلى انتشاق شذاها وطيب ريّاها، وفاضت عليه أنوار البدر فأغنى سناها، عن الشمس وضحاها، وتحلّت نحور البلغاء من كلامه بالدر اليتيم، ومن معانيه بالعقد النظيم، وترنّحت أفنان فنون الفصاحة لما هبّ عليها ذلك النسيم، كل فصل له في الفضل أسلوب على بابه، وطريق انفرد به منشئه محاسن لا توجد إلاّ في كتابه، صدر هذا الكتاب عن علم سابق وفكر ثاقب وذهن رائق ونفس صادق، وروية ملأت تصانيفها المغارب والمشارق، وقريحة إذا ذقت جناها، وشمت سناها، تذكرت ما بين العذيب وبارق، فالله تعالى يبقي مصنفه قبلة لأهل الأدب ويديمه، ويبلغه من سعادة الدنيا والآخرة ما يرومه، بمنّه وكرمه، انتهى.
وقرظ عليه بعضهم بقوله: وقف المملوك سليمان بن داود المصري على فصول الحكم من هذه الفصول، ووجد من نسيم الصّبا أمارات القبول، ونزّه طرفه في رياض هذا الكتاب، وخاطب فكره العقيم في وصفه فعجز عن
رد الجواب:
ماذا أقول وكلّ وصفٍ دونه أين الحضيض من السّماك الأعزل
يا لها كلمات نقصت قدر الأفاضل، وفضحت فصحاء الأوائل، وسحبت ذيل الفصاحة على سحبان وائل، وزادت في البلاغة على فريد، وغيرت حال القدماء فما عبد الرحيم الفاضل وما عبد الحميد، وذلت لها تشبيهات ابن المعتز طوعاً، وملكت زمام البيان فما تركت للبديع منه نوعاً:
قطف الرجال القول حين نباته وقطفت أنت القول لما نوّرا
وخطاب أعجز الخطباء وصفه، وجواب ألغى البلغاء رصفه، وغرائب تعرّفت بمبديها، وشوارد تألفت بمهديها، وجنان بلاغة لم يطمث أبكارها إنسّ قبلك ولا جانٌ، ولم يقطف أزهارها عين ناظر ولا يد جانٍ، معانٍ تطرب السمع لها حكم وأحكام، وألفاظ هي الأرواح للأرواح أجسام، فلمّا ألقى فهمه عروة المتماسك، وضاقت عليه في وصفه المسالك، وعجز عن وصف بلوغ بلاغته عطف على حسن كتابته فرأى قطاً يسبي الطرف ويستغرق الظرف، نسج قلمه الكريم من وشي البلاغة ديباجاً، واتخذ من محاسن الحسان طريقاً ومنهاجاً، فألفى ألفاتٍ كاعتدال القدود، ونوناتٍ كأهلّة السعود، وسينات كالطرر، ونقطاً كالدرر، جعل للأقلام حجّة قاطعة على السيوف، وحلّى الأسماع بحلية زائدة على الشنوف، فعطف ساعة يطنب في دعائه وشكره، وآونة يميل من طربه بألفاظه وسكره، فلله درّ ألفاظك ودرر فضلك، وأحسن بوابلك الهاطل بالبيان وطلّك:
لسانك غوّاصٌ، ولفظك جوهرٌ وصدرك بحرٌ بالفضائل زاخر
والله المسؤول أن يرفع قدر مقالك ومقام قدرك، ويوضح منهاج الأدب بنور بدرك بمنّه وكرمه، إنّه على كل شيء قدير.
وكتب قاضي القضاة تاج الدين السبكي، رحمه الله تعالى، في تقريظ الكتاب المذكور ما نصّه: الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وحدّقت نحو الحدائق، وفوّقت سهمي تلقاء الغرض الشائق، وطرقت إلى ما يضيء أخا الحجى أسهل الطرائق، فما علّل صداي كنسيم الصّبا، ولا كمثله سهماً صائباً صابه من لا صبا، ولا نظرت نظيره حديقة تنبت فضة وذهباً:
وتجيء من ملح الكلا م بطارفٍ أو تالده
كلمٌ نوابغ نحو آفاق المطالع صاعده
لو رامها قسٌّ لما ألفى أباه ساعده
أبدى نتائج عيّه في ذي المعاني الشارده
فعين الله تعالى عليها كلمات عليها منه رقيب، ومحاسن تسلى عندها بالحسن حبيب، وفوائد حسان يذكرنا بها حسان البعيد حسن القريب، كتبه عبد الوهاب السبكي، انتهى.
وكتب ناصر الدين صاحب دواوين الإنشاء ما صورته: وقفت على هذا الكتاب الذي أشبه الدرّ في انتظامه، والثغر في ابتسامه، وقطر الندى في انسجامه، وزهر الروض في البكر إذا غنّت على غصونه مطربات حمامه، فوجدت بين اسمه ومسماه مناسبة اقتضاها طبع مؤلفه السليم، واتصالاً قريباً كاتصال الصديق الحميم، فتحققت أن مؤلفه - أبقاه الله تعالى وحرسه - أبدع في
تأليفه، وأصاب في تمييزه بهذا الاسم وتعريفه، فهو في اللطافة كالماء في إروائه، وكالهواء المعتدل في ملاءمة الأرواح بجوهر صفائه، وكالسلك إذا انتقي جوهره وأجيد في انتقائه، قد أينعت ثمرات فضائله فأصبحت دانية القطوف، وتجلت عرائس بلاغته فظهر بدرها بلا كسوف وانجابت ظلمات الهموم بسماع موصول مقاطعه التي هي في الحقيقة لأذن الجوزاء شنوف، فأكرم به من كتاب ما الروض بأبهى من وسيمه، ولا الرّيحان بأعطر من شميمه، ولا المدامة بأرق من هبوب نسيمه، ولا الدرّ بأسنى زهراً بل زهواً من رسومه، إذا تدبره الأديب أغنته تلك الأفانين، عن نغمات القوانين، وإذا تأمّله الأريب نزه طرفه في رياض البساتين، قد سوّر على كل نوع من البديع باب، لا يدخله إلا من خص من البلاغة باللّباب، والله تعالى يؤتيه الحكمة وفصل الخطاب، ويمتع بفضائله التي شهدها أهل العلم وذوو الألباب، بمنّه وكرمه، وكتبه محمد بان يعقوب الشافعي.
وكتب الصفدي شارح لامية العجم بما نصّه: وقفت على هذا المصنّف الموسوم بنسيم الصّبا، والتأليف الذي لو مرّ بالمجنون لم ألف ليلاه ولا مال إليها ولا صبا، والإنشاء الذي إن شاء قائله جعل الكلام غيره في هبّات الهواء هبا، والنثر الذي أغار قائله على سبائك الذهب الإبريز وسبى، والكلام الذي نبا عنه الجاحظ جاحداً وما له ذكر ولا نبا، فسبّحت جواهره حروفه لمن أوجده في هذا العصر، وعلمت أن ألفاظه ترمي قلوب حساده بشررٍ كالقصر، وتحققت أن قعقعة طروسه أصوات أعلامه التي تخفق له بالنصر، وتيقنت أن سطوره غصون لا تصل إليها كف جناية بجنىً ولا هصر:
وقلت لأهل النظم والنثر قابلوا ترائبها مصقولة كالسجنجل
وميلوا بأعطاف التعجب إنّها نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل
ولما ملت بعدما ثملت، وغزلت بعدما هزلت، جردت من نفسي شخصاً
أخاطبه وأجاريه، في أوصاف محاسنها التي أناهبه منها وأناهيه، فقال لي: هذا الفن الفذ، والنثر الذي قهر أقران هذه الصناعة وبذ، والأدب الذي سد الطرق على أوابده فما فته شيء ولا شذ، هذا الإنشاء الذي ما له عديل في هذا العديد ولا ضريب، وهذا الكلام الذي فاق في الآفاق فما لحبيب بن أوس حسن حسن بن حبيب، فعين الله تعالى على هذه الكلم الساحرة، والفوائد التي أيقظت جفن الأدب بعدما كان بالساهرة، ومتع الله تعالى الزمان وأهله بهذا النوع الغض، والنقد النض، والبز البض، والبديع الذي رمّ ما تشعّث من ربع هذا الفن ورضّ، واقتضّ المعاني أبكاره وأفتضّ، وأرسل جارح بلاغته على الجوارح فصادها وانقص وانقض، وأنبط ماء الفصاحة لما تحدر وارفضّ، واستمال القلب الفظ لما فك ختم ذهوله وفض، وإنّه على كل شيء قدير، بالإجابة جدير، بمنّه وكرمه، وكتبه خليل الصفدي، انتهى.
ومنهم الأديب أبو جعفرالألبيري، رفيق ابن جابر السابق الذكر، وهو البصير وابن جابر الأعمى، وله نظم بديع منه قوله:
أبدت لي الصّدغ على خدّها فأطلع الليل لنا صبحه
فخدّها مع قدّها قائلٌ هذا شقيقٌ عارضٌ رمحه
وقوله وقد دخل حمص:
حمصٌ لمن أضحى بها جنّةٌ يدنو لديها الأمل القاصي
حلّ بها العاصي ألا فاعجبوا من جنّةٍ حلّ بها العاصي
وقوله:
إنّ بين الحبيب عندي موتٌ وبه قد حييت منذ زمان
ليت شعري متى تشاهده العي ن وتقضي من اللقاء الأماني
قال: وفيه استخدام، لأن البين يطلق على البعد والقرب، انتهى.
ومن نظمه أيضاً رحمه الله تعالى:
ومورّد الوجنات دبّ عذاره فكأنّه خطٌّ على قرطاس
لمّا رأيت عذراه مستعجلاً قد رام يخفي الورد منه بآس
ناديته قف كي أودّع ورده ما في وقوفك ساعةً من باس
وهذا المعنى قد تبارى فيه الشعراء وتسابقوا في مضماره، فمنهم من جلّى وبرز، وحز خصل السبق وأحرز، ومنهم من كان مصلّياً، ومنهم من غدا لجيد الإحسان محلّياً، ومنهم من عاد قبل الغاية مولّياً.
رجع - ومن تأليفه رحمه الله تعالى شرحه لبديعية رفيقه ابن جابر المذكور.
وقال في خطبته: ولما كانت القصيدة المنظومة في علم البديع المسمّاة بالحلة السيرا في مدح خير الورى التي أنشأها صاحبنا الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله ابن جابر الأندلسي، نادرةً في فنها، فريدة في حسنها، ويجنى ثمر البلاغة من غصنها، وتنهل سواكب الإجادة من مزنها، لم ينسج على منوالها، ولا سمحت قريحة بمثالها، رأيت أن أضع لها شرحاً يجلو عرائس معانيها لمعانيها، ويبدي غرائب ما فيها لموافيها، لا أملّ الناظر فيه بالتطويل، ولا أعوقه بكثرة الاختصار عن مدارك التحصيل، فخير الأمور أوسطها، والغرض ما يقرّب المقاصد ويضبطها، فأعرب من ألفاظها كل خفي، وأسكت من لغاتها عن كل جلي، والله أسأل أن يبلغنا ما قصدناه، ويوردنا أحسن الموارد فيما أردناه، انتهى. وسمى الشرح الذكور طراز الحلة وشفاء الغلة، وممّا أورده رحمه الله تعالى في ذلك الشرح من نظم نفسه قوله:
طيبة ما أطيبها منزلاً سقى ثراها المطر الصيّب
طابت بمن حلّ بأرجائها فالتربمنها عنبرٌ طيّب
يا طيب عيشي عند ذكري لها والعيش في ذاك الحمى أطيب
وقال رحمه الله تعالى في هذا الشرح بعد كلام ما نصّه: وإذا أردت أن تنظر إلى تفاوت درجات الكلام في هذا المقام فانظر إلى إسحاق الموصلي كيف جاء إلى قصر مشيد، ومحلّ سرور جديد، فخاطبه بما يخاطب به الطلول البالية، والمنازل الدارسة الخالية، فقال:
يا دار غيّرك البلى ومحاك
فأحزن في موضع السرور، وأجرى كلامه على عكس الأمور، وانظر إلى قول القطامي:
إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطلل وإن بليت وإن طالت بك الطّيل
فانظر كيف جاء إلى طلل بالٍ، ورسم خالٍ، فأحسن حين حيّاه، ودعا له بالسلامة كالمبتهج برؤية محيّاه، فلم يذكر دروس الطلل وبلاه، حتى آنس المسامع بأوفى التحية وأزكى السلامة، والذي فتح هذا الباب، وأطنب فيه غاية الإطناب، صاحب اللواء، ومقدم الشعراء، حيث قال:
ألا عم صباحاً أيّها الطّلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وهل يعمن إلا سعيدٌ مخلّدٌ قليل الهموم ما يبيت بأوجال
قيل وهذا البيت الأخير يحسن أن يكون من أوصاف الجنة لأن السعادة والخلود وقلة الهموم والأوجال لاتوجد إلا في الجنة وقال رحمه الله تعالى عند رحيله من غرناطة وأعلام نجد تلوح، وحمائمه تشدو على الأيك وتنوح:
ولمّا وقفنا للوداع وقد بدت قبابٌ بنجدٍ قد علت ذلك الوادي
نظرت فألفيت السبيكة فضةً لحسن بياض الزهر في ذلك النادي
فلمّا كستها الشمس عاد لجينها لها ذهباً فاعجب لإكسيرها البادي
والسبيكة: موضع خارج غرناطة.
وقال رحمه الله تعالى:
هذه عشرةٌ تقضّت وعندي من أليم البعاد شوقٌ شديد
وإذا ما رأيت إطفاء شوقي بالتلاقي فذاك رأيٌ سديد
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع