تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (٢٥)

وقال رحمه الله تعالى وقد أهدى طاقية:

خذها إليك هديةً ممّن يعزّك على أناسك

اخترتها لك عندما أضحت هدية كلّ ناسك

أرسلتها طاقيّةً لتنوب عن تقبيل راسك

وله من رسالة: وافى كتابك فوجدناه أزهى من الأزهار، وأبهى من حسن الحباب على الأنهار، يشرق إشراق نجوم السماء، ويسمو إلى الأسماع سموّ حباب الماء.

وقال رحمه الله تعالى في العروض على مذهب الخليل:

خلّ الأنام ولا تخالط منهم أحداً ولو أصفى إليك ضمائره

إنّ الموفّق من يكون كأنّه متقاربٌ فهو الوحيد بدائره

وقال على مذهب الأخفش:

إنّ الخلاص من الأنام لراحةٌ لكنّه ما نال ذلك سالك

أضحى بدائرةٍ له متقارب يرجو الخلاص فعاقه متدارك

وله:

دائرة الحبّ قد تناهت فما لها في الهوى مزيد

فبحر شوقي بها طويلٌ وبحر دمعي بها مديد

وإنّ وجدي بها بسيطٌ فليفعل الحسن ما يريد

وهذا المعنى استعمله الشعراء كثيراً، ومنهم الشيخ شهاب الدين بن صارو البعلي. قال أبو جعفر المترجم به: أنشدنا شهاب الدين المذكور لنفسه بحماة:

وبي عروضيٌّ سريع الجفا يغار غصن البان من عطفه

الورد من وجنته وافرٌ لكنّه يمنع من قطفه

قال: وأنشدني أيضاً لنفسه:

وبي عروضيٌّ سريع الجفا وجدي به مثل جفاه طويل

قلت له قطّعت قلبي أسىً فقال لي التقطيع دأب الخليل

انتهى.

وأنشد رحمه الله تعالى لرفيقه ابن جابر الضرير السابق الترجمة في ذلك:

عالمٌ بالعروض يخبن قلبي في مديد الهوى بلحظٍ سريع

عنده وافرٌ من الرّدف يبدو وخفيفٌ من خصره المقطوع

وله:

صدوده لي مديدٌ وأمر حبّي طويل

وفيه أسباب حسنٍ وتلك عندي الأصول

فخصره لي خفيفٌ وردفه لي ثقيل

وله:

سببٌ خفيفٌ خصرها، ووراءه من ردفها سببٌ ثقيلٌ ظاهر

لم يجمع النوعان في تركيبها إلاّ لأن الحسن فيها وافر

وقد ذكر أبو جعفر - رحمه الله تعالى - لرفيقه ابن جابر السابق الذكر مقطوعات كثيرة، منها قوله:

يا أيها الحادي اسقني كأس السّرى نحو الحبيب ومهجتي للساقي

حيّ العراق على النوى واحمل إلى أهل الحجاز رسائل العشّاق

يا حسن ألحان الحداة إذا جرت نغماتها بمسامع المشتاق

وأورد له أيضا ً:

يا حسن ليلتنا الي قد زارني فيها فأنجز ما مضى من وعده

قوّمت شمسجماله فوجدتها في عقرب الصّدع الذي في خدّه

رجع إلى أبي جعفر - رحمه الله تعالى - ومن فوائده أنّه لمّا ذكر فذلكة الحساب قال: هي التي يصنعها أهل الحساب آخر جملتهم المتقدمة فيقولون: فذلك وكذا وكذا، انتهى.

ولما أنشد رحمه الله تعالى قول بعضهم:

غزالٌ قد غزا قلبي بألحاظٍ وأحداق

له الثلثان من قلبي وثلثا ثلثه الباقي

وثلثا ثلث ما يبقى وباقي الثلث للساقي

وتبقى أسهمٌ ستٌّ تقسّم بين عشاق

قال ما نصّه: هذا الشاعر قسم قلبه إلى سهماً، فجعل لمحبوبه منها الثلثين، وبقي الثلث، فزاده ثلثيه، فصار له، يبقى ثلث الثلث وهو، زاده منها ثلثي الثلث، وهو اثنان، وبقي من الثلث واحد أعطاه للساقي، فبقي من التسعة ستة، قسمها بين العشاق، فاجتمع لمحبوبه، وللساقي سهم واحد، وللعشاق ستة، والجملة، انتهى.

وأنشد رحمه الله تعالى في علم الحساب لرفيقه ابن جابر السابق الذكر:

قسم القلب في الغرام بلحظٍ يضرب القلب حين يرسل سهمه

هذه في هواه يا قوم حالي ضاع قلبي ما بين ضربٍ وقسمه

وأنشد له في الهندسة:

محيطٌ بأشكال الملاحة وجهه كأنّ به إقليدساً يتحدّث

فاعرضه خطّ استواء، وخاله به نقطةٌ، والشكل شكل مثلّث

وأنشد له في خط الرمل:

فوق خدّيه للعذار طريقٌ قد بدا تحته بياضٌ وحمره

قيل ماذا فقلت أشكال حسنٍ تقتضي أن أبيع قلبي بنظره

وأنشد له في علم الخط:

قد حقّق الحسن نون حاجبه وخطّ في الصّدغ واو ريحان

ومدّ من حسن قدّه ألفاً أوقف عيني وقوف حيران

وأنشد له أيضاً:

ألف ابن مقلة في الكتاب كقدّه والنون مثل الصّدغ في التحسين

والعين مثل العين لكن هذه شكلت بحسنٍ وقاحةٍ ومجون

وعلى الجبين لشعره سينٌ بدت حار ابن مقلة عند تلك السين

قل للذي قد خطّ تحت الصّدغ من خيلانه نقطاً لجلب فنون

يا للرجال ويا لها فتنةٍ في وضع ذاك النّقط تحت النون

وأورد له في ذكر الأقلام السبعة وغيرها:

تعليق ردفك بالخصر الخفيف له ثلثالجمال وقد وفّته أجفان

خدٌّ عليه رقاع الروض قد جعلت وفي حواشيه للصدعين ريحان

خطّ الشباب بطومار العذار به سطراً ففضاحه للناس فتّان

محقق نسخصبري عن هواه ومن توقيع مدمعي المنثور برهان

يا حسن ما قلم الأشعار خطّ على ذاك الجبين فلا يسلوه إنسان

أقسمت بالمصحف الشامي وأحرفه ما مرّ بالبال يوماً عنك سلوان

ولا غبار على حبي فعندك لي حساب شوق له في القلب ديوان

وأنشد له:

يا صاحب المال ألو تستمع لقوله " ما عندكم ينفد "

فاعمل به خيراً فوالله ما يبقى ولا أنت يه مخلد

وله:

إن شئت أن تجد العدوّ وقد غدا لك صاحباً يولي الجميل ويحسن

فاعمل كما قال الخبير بخلقه في قوله " ادفع بالتي هي أحسن "

وله:

إذا شئت رزقاً بلا حسبةٍ فلذ بالتقى واتّبع سبله

وتصديق ذل في قوله " ومن يتّق الله يجعل له "

وأورد له أيضاً:

عملٌ إن لم يوافق نيّةً فهو غرسٌ لا يرى منه ثمر

" إنّما الأعمال بالنّيات " قد نصّه عن سيد الخلق عمر

وقوله:

حياء المرء يزجره فيخشى فخف من لا يكون له حياء

فقد قال الرسول بأنّ ممّا به نطق الكرام الأنبياء

" إذا ما أنت لم تستحي فاصنع كما تختار وافعل ما تشاء "

وقوله:

قال الرسول " الحياء خير " فاصحب من الناس ذا حياء

وعن قليل الحياء فابعد فخيره ليس ذا رجاء

وقوله:

" من سلم المسلمون كلهم وآمنوا من لسانه ويده

فذلك المسلم الحقيق " بذا جاء حديثٌ لا شك في سنده

ولابن جابر ممّا كتب به إلى الصلاح الصّفدي:

إن البراعة لفظ أنت معناه وكلّ شيء بديع أنت مغناه

إنشاد نظمك أشهى عند سامعه من نظم غيرك لو إسحاق غنّاه

وهي طويلة، فأجابه الصفدي بقوله:

يا فاضلاً كرمت فينا سجاياه وخصّنا باللآلي في هداياه

خصصتني بقريض شفّ جوهره لمّا تألّق منه نور معناه

من كل بيتٍ مبانيه مشيدة كم من خبايا معانٍ في زواياه

وهي طويلة.

رجع إلى نظم أبي جعفر

فمن ذلك قوله:

تريك قدّاً على ردفٍ تجاذبه كخوطةٍ في كثيب الرمل قد نبتت

ريّا القرنفل في ريح الصّبا سحراًيضوع منها إذا نحوي قد التفتت عقد بهما ألفاظ قول امرئ القيس:

إذا التفتت نحوي تضوع ريحها نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل

وأورد له قوله:

ولولا نجاء العيس حول ديارها غداة منىً لم يبق في الركب محرم

ففوق ذرا المتنين بردٌ مهلل وتحت رداء الخز وجهٌ معلّم

عقد في الأول قول قيس بن الخطيم:

ديار التي كنّا ونحن على منىً تحوط بنا لولا نجاء الركائب

وعقد في الثاني قول ابن أخي ربيعة:

أماطت رداء الخزّ عن حرّ وجهها وأرخت على المتنين برداً مهلّلاً

وأورد له قوله:

إن ادّعى لك مروان الجلال فقل لا يجهل المرء بين الناس رتبته

إن الجلالة حقّاً للمقول له " هذا الذي تعرف البطحاء وطأته "

وقوله:

من منصفي يا قوم من ظبيةٍ تسرف في هجري وتأبى الوصال

وكلّما أسأل عن عذرها تقول لي: ما كلّ عذر يقال

وقوله:

هم حسدوا الرسول فلم يجيبوا وكم حسدوا فصار لهم فرار

وهاجر عندما هجروا فأضحى لخيمة أمّ معبدٍ الفخار

وقوله:

بحسبك أن تبيت على رجاء ولو حطّتك لليأس الخطوب

ومهما أكربتك صروف دهرٍ فقل ما قاله الرجل الأريب:

" عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرجٌ قريب "

وقوله:

خليليّ هذا قبر أشرف مرسل " قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل "

رويدكما نبكي الذنوب التي خلت بسقط اللوى بين الدخول فحومل

منازل كانت للتصابي فأقفرت " لما نسجتها من جنوب وشمأل "

قال: ثم جرى على هذا النمط، واستخرج الدرر النفيسة من ذلك السّفط، وقال قبله: إنّه أخذ أعجاز هذه القصيدة من أولها إلى آخرها على التوالي، وصنع لها صدوراً، وصرفها إلى مدح النبي ﷺ، فجاء في ذلك بما لم يسبق إليه، ولم يقف أحد في تلك المعاني على ما وقف عليه، انتهى.

وقوله:

كم ليالٍ خلت بكم كاللآلي نظمتها لنا يد الزمان

أيّها النازحون عن رأي عيني وهم في جوانحي وجناني

ما ألذّ الوصال بعد التنائي وأمرّ الفراق بعد التداني

قد وكلناكم لربٍّ كريمٍ غير وانٍ عند عبده في أوان

ما رحلنا عن اختيارٍ ولكن رحّلتنا تلوّنات الزمان

وقوله:

تشتكي الصّفر من يديه وترضى ال سمر عن راحتيه عند الحروب

أحمر السيف أخضر السيب حيث أرض غبراء من سواد الخطوب

وقوله ممّا التزم في أوله الدال:

دفاعٌ لمكروهٍ، أمانٌ لخائفٍ سحابٌ لمستجدٍ، هلاكٌ لمستعدي

دروبٌ على الحسنى، عفوٌّ لمن جنى مثيبٌ لمن أثنى، مجيبٌ لذي قصد

دع الغيث إن أعطى، دع الليث إن سطا دع الروض إذ يهدي، دع البدر إذ يهدي

وقوله:

غزالٌ ما توسّد ظلّ بانٍ بهاجرةٍ ولا عرف الظلالا

تبسّم لؤلؤاً، واهتز غصناً وأعرض شادناً، وبدا هلالا

وقوله:

رفع الخصر فوق منصور ردفٍ ولجزم القلوب فرعيه جرّا

مال غصناً، رنا رشاً، فاح مسكاً تاه درّاً، أرخى دجىً، لاح بدرا

وقوله حين زار قبر قسّ بن ساعدة بجبل سمعان:

هذي منازل ذي العلا قسّ بن ساعدة الإيادي

كم عاش في الدّنيا وكم أسدى إلينا من أيادي

قد زانها بحلى البلا غة مفصحاً في كل نادي

قد قرّ في بطن الثرى متفرّداً بين العباد

قال أبو جعفر: زرنا قبره فرأينا موضعاً ترتاح إليه النفس، ويلوح عليه الأنس، وعند قبره عين ماء يقال: إنّه ليس بجبل سمعان عين تجري غيرها هنالك، وأورد قوله:

كرامٌ فخامٌ من ذؤابة هاشمٍ يقولون للأضياف أهلاً ومرحبا

فيفع في فقر المقلّين جودهم كفعل عليٍّ يوم حارب مرحبا

رجع إلى أبي جعفر، رحمه الله تعالى

فنقول: إنّه كان بمدينة النبي ﷺ سنة، ولما ذكر الروضى قال: قيل: ولا تكون الروضة إلاّ بماء يسقيها أو إلى جنبها، ولا يقال في موضع الشجر روضة، انتهى، وقال:

لقوامه الألف التي جاءت بحسنٍ ما ألف

عانقته فكأنّني لامٌ معانقة الألف

وقال رحمه الله تعالى معتذراً عمّن لم يسلّم:

لا تعتبنّ على ترك السلام فقد جاءتك أحرفه كتباً بلا قلم

قالسين من طرّتي واللام من ألفٍ من عارضيّ وهذا الميم ميم فمي

وقال رحمه الله تعالى:

لا يقنطنّك ذنبٌ قد كان منك، عظيم

فالله قد قال قولاً وهو الجواد الكريم

" نبّئ عبادي أنّي أنا الغفور الرحيم "

وقال:

إذا ظلم المرء فاصبر له فبالقرب يقطع منه الوتين

فقد قال ربّك وهو القويّ " وأملي لهم إنّ كيدي متين "

ومن نثره لما ذكر قصيدة كعب بن زهير رضي الله تعالى عنه ما نصّه: وهذه القصيدة لها الشرف الراسخ، والحكم الذي لم يوجد له ناسخ، أنشدها كعبٌ في مسجد المصطفى بحضرته وحضرة أصحابه، وتوسّل بها فوصل إلى العفو عن عقابه، فسدّ ﷺ خلّته، وخلع عليه حلّته، وكفّ عنه كفّ من أراده، وأبلغه في نفسه وأهله مراده، وذلك بعد إهدار دمه، وما سبق من هذر كلمه، فمحت حسناتها تلك الذنوب، وسترت محاسنها وجه تلك العيوب، ولولاها لمنع المدح والغزل، وقطع من أخذ الجوائز على الشعر

الأمل، فهي حجّة الشعراء فيما سلكوه، وملاك أمرهم فيما ملكوه، حدثني بعض شيوخنا بالإسكندرية بإسناديه أبن بعض العلماء كان لا يستفتح مجلسه إلا بقصيدة كعب، فقيل له في ذلك، فقال: رأيت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، قصيدة كعب أنشدها بين يديك فقال: " نعم، وأنا أحبها وأحب من يحبها "، قال: فعاهدت الله أنّي لا أخلو من قراءتها كل يوم.

قلت: ولم تزل الشعراء من ذلك الوقت إلى الآن ينسجون على منوالها، ويقتدون بأقوالها، تبرّكاً بمن أنشدت بين يديه، ونسب مدحها إليه، ولمّا صنع القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر قصيدة في مدح النبي ﷺ على وزن بانت سعاد قال:

لقد قال كعبٌ في النبيّ قصيدةً وقلنا عسى في مدحه نتشارك

فإن شملتنا بالجوائز رحمةٌ كرحمة كعبٍ فهو كعبٌ مبارك

انتهى.

وقال رحمه الله تعالى:

لقد كرّ العذار بوجنتيه كما كرّ الظلام على النهار

فغابت شمس وجنته وجاءت على مهلٍ عشيّات العذار

فقلت لناظري لمّا رآها وقد خلط السواد بالاحمرار

تمتّع من شميم عرار نجد فما بعد العشيّة من عرار

وقال:

قالوا عشقت وقد أضرّ بك الهوى فأجبتهم يا ليتني لم أعشق

قالوا سبقت إلى محبة حسنه فأجبتهم ما فاز من لم يسبق

ولما أنشد رحمه الله تعالى قول ابن الخشاب في المستضيء بالله:

ورد الورى سلسال جودك فارتووا ووقفت دون الورد وقفة حائم

ظمآن أطلب خفّةً من زحمةٍ والورد لا يزداد غير تزاحم

قال ما نصّه: فانظر حسن هذين البيتين كيف جريا كالماء في سلاسته، ووقعا من القلوب كالشهد في حلاوته، مع أن ناظمهما ما خرج عن وصف الماء كلامه، ولا تعدى ذلك المعنى نظامه، حتى قيل: إن فيهما عشرة مواضع من مراعاة النظير، فهما في الحسن ما لهما من نظير، لكنّه ما سلم مليحٌ من عيب، ولا خلا من وقوع ريب، فمع هذه المحاسن الوافية، ما سلما من عيب القافية، انتهى.

ولنختم ترجمته بقوله عند شرح بيت رفيقه:

خير الليالي ليالي الخير في إضمٍ والقوم قد بلغوا أقصى مرادهم

ما نصّه: يقول: إن خير الليالي التي تنشرح لها الصدور، ويحمد فيها الورود والصدور، ليالي الخير في إضم، حيث النزيل لم يضم، والقوم قد وردوا موارد الكرم، وبلغوا أقصى مرادهم في ذلك الحرم.

ومن الراحلين الوليّ الصالح أبو مروان عبد الملك بن إبراهيم ابن بشر، القيسي. وهو ابن أخت ابن صاحب الصلاة البجانسي، نسبة إلى بجانس قرية من قرى وادي آش، وكان - رحمه الله تعالى - في أواسط المائة السابعة، وقد ذكره الفقيه أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن يحيى الأزد يالفشتالي في تأليفه الذي سمّاه تحفة المغرب ببلاد المغرب، وقال فيه: رضوا نفوسهم لتنقاد للمولى سرّاً وعلناً، وزهدوا في الدنيا فلم يقولوا معنا ولا لنا، وانتدبوا لقول الله تعالى: " والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا ".

وقال صاحب التأليف المذكور: سألت الشيخ أبا مروان يوماً في مسيري معه من وادي آش إلى بلده بجانس سنة تسع وأربعين وستمائة، فقلت له: أنت

يا سيدي لم تكن قرأت ولا لازمت المشايخ قبل سفرك للمشرق، ولا سافرت مع عالم تقتدي ببركته في هذا الطريق، فقال لي: أقام الله تعالى لي من باطني شيخاً، قلت له: كيف قال: كنت إذا عرض لي أمر نظرت في خاطري فيخطر لي خاطران في ذلك، أحدهما محمود والآخر مذموم، فكنت أجتنب المذموم وأرتكب المحمود، فإذا وصلت إلى أقرب بلد سألت عمّن فيه من المشايخ والعلماء، فأسأله عن ذلك، فكان يذكر لي المحمود محموداً والمذموم مذموماً، فأحمد الله تعالى أن وقفني، ومع تتابع ذلك واتصاله دون مخالفة لم أعتمد على ما يقع بخاطري من الأمور الشرعية إلى الآن حتى أسأل عنه من حضر من العلماء، انتهى.

ومن كلام صاحب التأليف المذكور قوله في حق الصوفية، نفعنا الله تعالى بهم: حموا طريق الحق فحاماهم، ونوّر بصائرهم فأصمهم عن الباطل وأعماهم، وأهانوا في رضاه نفوسهم، ورفضوا نعماهم، فأعلى قدرهم عنده وعند الناس وأسماهم، انتهى.

وما أحسن قوله في التأليف المذكور: يا هذا، من حافظ حوفظ عليه، ومن طلب الخير بصدق وصل إليه، ومن أخلص العبودية لربه قام الأحرار خدمة بين يديه، انتهى.

ومنهم الطبيب الماهر الشهير ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد ابن البيطار، المالقي، نزيل القاهرة، وهو الذي عناه ابن سعيد في كتابه المغرب بقوله: وقد جمع أبو محمد المالقي الساكن الآن بقاهرة مصر كتاباً في هذا الشأن حشر فيه ما سمع به فقدر عليه من تصانيف الأدوية المفردة ككتاب الغافقي وكتاب الزهراوي وكتاب الشريف الإدريسي الصقلي وغيرها، وضبطه على جروف المعجم، وهو النهاية في مقصده.

وقد ذكرت كلام ابن سعيد هذا بجملته في غير هذا الموضع، فليراجع.

وكان ابن البيطار أوحد زمانه في معرفة النبات، سافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم والمغرب، واجتمع بجماعة كثيرة من الذي يعانون هذا الفن، وعاين منابته وتحققها، وعاد بعد أسفاره، وخدم الكامل بن العادل، وكان يعتمد عليه في الأدوية والحشائش، وجعله في الديار المصرية رئيساً على سائر العشّابي وأصحاب البسطات، ومن بعده خدم ولده الصالح، وكان حظيّاً عنده، إلى أن توفي بشعبان سنة التي توفّي بها ابن الحاجب، وله من المصنفات كتاب الجامع في الأدوية المفردة وكتاب المغني أيضاً في الأدوية، وكتاب الإبانة والإعلام بما في المنهاج من الخل والأوهام، وكتاب الأفعال العجيبة والخواص الغريبة، وشرح كتاب ديسقوريدوس، قال الذهبي: انتهت إليه معرفة تحقيق النبات وصفاته، وأماكنه ومنافعه، وتوفّي بدمشق، انتهى.

ومنهم الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن علي، القرشي، البسطي، الشهير بالقلصادي - بفتحات - كما قال السخاوي، الصالح الرحلة، المؤلف، المفرضي، آخر من له التآليف الكثيرة من أئمة الأندلس، وأكثر تصانيفه في الحساب والفرائض، كشرحيه العجيبين على تلخيص ابن البناء والحوفي، وكفاه فخراً أن الإمام السنوسي صاحب العقائد أخذ عنه جملة من الفرائض والحساب، وأجازه جميع مروياته، وأصله من بسطة، ثم انتقل إلى غرناطة، لاستوطنها، وأخذ بها عن جماعة كابن فتوح والسرقسطي وغيرهما، ثم ارتحل إلى المشرق ومر بتلمسان فأخذ بها عن الإمام عالم الدنيا ابن مرزوق والقاضي أبي الفضل قاسم العقباني وأبي العباس ابن زاغ وغيرهم،

ثم ارتحل فلقي بتونس تلامذة ابن عرفة كابن عقاب والقلشاني وحلولو وغيرهم، ثم حج ولقي أعلاماً، وعاد فاستوطن غرناطة إلى أن حل بوطنه ما حل، فتحيل في خلاصه من الشرك وارتحل، ومر بتلمسان فنزل بها على الكفيف ابن مرزوق ابن شيخه، ثم وجدت به الرحلة إلى أن وافته منيته بباجة إفريقية منتصف ذي الحجّة سنة، وكان كثير المواظبة على الدرس والكتابة والتأليف، ومن تآليفه أشرف المسالك إلى مذهب مالك وشرح مختصر خليل، وشرح الرسالة، وشرح التلقين، وهداية الأنام في شرح مختصر قواعد الإسلام وهو شرح مفيد، وشرح رجز القرطبي، وتنبيه الإنسان إلى علم الميزان، والمدخل الضروري، وشرح إيساغوجي في المنطق، وله شرح الأنوار السنية لابن جزي، وشرح رجز الشراز في الفرائض الذي أوله:

بحمد خير الوارثين أبتدي وبالسّراج النبويّ أهتدي

وشرح حكم ابن عطاء الله، ورجز أبي عمرو بن منظور في أسماء النبي ﷺ، وشرح البردة، ورجز ابن بري، ورجز شيخه أبي إسحاق بن فتوح في النجوم الذي أوله:

سبحان رافع السماء سقفا ناصبها دلالةً لا تخفى

وشرح رجز أبي مقرعة، وله النصيحة في السياسة العامة والخاصة، وهداية النظّار في تحفة الأحكام والأسرار، وكشف الجلباب عن علم الحساب، وكشف الأسرار عن علم الغبار، والتبصرة، وقانون الحساب في قدر التلخيص، وشرحه، وشرحان على التلخيص كبير وصغير، وشرح ابن الياسمين في الجبر والمقابلة، ومختصره، وكليات الفرائض، وشرحها،

وشرحان للتلمسانية كبير وصغير، وشرح فرائض صالح بن شريف وابن الشاط وفرائض مختصر خليل والتلقين وابن الحاجب، وله كتاب الغنية في الفرائض، وغنية النحاة وشرحاها الكبير والصغير، وتقريب المواريث، ومنتهى العقول البواحث، وشرح مختصر العقباني، ولم يتم، ومدح اللطالبين، ومختصر مفيد في النحو، وشرح رجز ابن مالك، والجرومية، وجمل الزجاجي، وملحة الحريري، والخزرجية، ومختصر في العروض، وغير ذلك وأخذ عن الحافظ ابن حجر والزين طاهر النويري وأبي القاسم النويري والعلامة الجلال المحلّي والتقي الشمني وأبي الفتح المراغي وغيرهم، وحسبما ذكر ذلك في رحلته الشهيرة، وهي حاوية لشيوخه بالمغرب والمشرق وجملة من أحوالهم، رحم الله تعالى الجميع.

ومنهم أبو عبد الله الراعي، وهو شمس الدين محمد بن إسماعيل الأندلسي الغرناطي، ولد بها سنة تقريباً، ونشأ بها، وأخذ الفقه والأصول والعربية عن جماعة، منهم أبو جعفر أحمد بن إدريس بن سعيد الأندلسي، وسمع على أبي بكر عبد الله بن محمد بن محمد المعافري ابن الدب، ويعرف بابن أبي عامر، والخطيب أبي عبد الله محمد بن علي بن الحفار، ومحمد بن عبد الملك بن علي القيسي المنتوري صاحب الفهرسة الكبيرة الشهيرة، وممّا أخذ عنه الجرومية بأخذه لها عن الخطيب أبي جعفر أحمد بن محمد بن سالم الجذامي عن القاضي أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الحضرمي عن مؤلفها أبي عبد الله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي عرف بابن آجروم، وجميع خلاصة الباحثين في حصر حال الوارثين للقاضي أبي بكر عبد الله بن يحيى بن زكريا الأنصاري بأخذه لها عن مؤلفها، وأجاز له أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسن الجذامي، والقاضي

أبو الفضل قاسم بن سعيد العقباني، والعلامة أبو الفضل محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن الإمام، وعالم الدنيا أبو عبد الله محمد بن مرزوق التلمساني، وغيرهم من المغاربة، ومن أشياخه من أهل المشرق الكمال لن خير السكندري، والزين أبو بكر المراغي، والزين محمد الطبري، وأبو إسحاق إبراهيم بن العفيف النابلسي، في آخرين، ودخل القاهرة سنة فحج واسوطنها، وسمع بها من الشهاب المتبولي وابن الجزري والحافظ ابن حجر وطائفة، وأمّ بالمؤيدية وقتاً، وتصدى للاشتغال، فانتفع به الناس طبقة بعد أخرى، لا سيّما في العربية، بل هي كانت فنه الذي اشتهر به وبجودة الإرشاد لها، وشرح كلاًّ من الجروميّة والألفيّة والقواعد وغيرها ممّا حمله عنه الفضلاء، وله نظم وسط، قال السخاوي: كتبت عنه منه الكثير، وممّا لم أسمعه منه ما أودعه في مقدمة كتاب صنفه في نصرة مذهبه وأثبته دفعاً لشيء نسب إليه، فقال:

عليك بتقوى الله ما شئت واتّبعأئمّة دين الحقّ تهد وتسعد
فمالكهم والشافعيّ وأحمدونعمانهم كلٌّ إلى الخير يرشد
فتابع لمن أحببت منهم ولا تمللذي الجهل والتعصيب إن شئت تحمد
فكلٌّ سواءٌ في وجيبة الاقتدامتابعهم جنّات عدن يخلد
وحبّهم دينٌ يزين وبغضهمخروجٌ عن الإسلام والحقّ يبعد

فلعنة ربّ العرش والخلق كلهم ... على من قلاهم والتعصب يقصد وكان حاد اللسان والخلق، شديد النفرة من الشيخ يحيى العجيسي، أضر بآخرة، ومات بسكنه بالصالحيّة يوم الثلاثاء ذي الحجّة سنة، بعد أن أنشد قبيل موته بشهر في حال صحته الشيخ جمال الدين ابن الأمانة من نظمه قوله:

أفكّر في موتي وبعد فضيحتيفيحزن قلبي من عظيم خطيئتي
وتبكي دماً عيني وحقّ لها البكاعلى سوء أفعالي وقلة حيلتي
وقد ذابت أكبادي عناءً وحسرةًعلى بعد أوطاني وفقد أحبتي
فما لي إلاّ الله أرجوه دائماًولا سيما عند اقتراب منيّتي
فنسأل ربي في وفاتي مؤمناًبجاه رسول الله خير البريّة قال السخاوي: وممّا كتبته عنه:
ألفيته حول المعلّم باكياًودموعه قد صاغها من كوثر
نثر الدموع على الخدود فخلتهادرّاً تناثر في عقيق أحمر وقوله:
عليك بنعم ربّ العلاوراع الملوك لرعي الذّمم
وذو العلم فارع له حقّهوإلاّ تفارق وتلق الندم
فهذا مقالي فلتسمعوانصيحة حبرٍ من أهل الحكم
إذا كنت في نعمةٍ فارعهافإنّ المعاصي تزيل النعم وقال:
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إذا كنت في نعمة فارعها»
للغرب فضلٌ شائعٌ لا يجهلولأهله شرفٌ ودينٌ يكمل
ظهرت به أعلام حقّ حقّقتما قاله خير الأنام المرسل

من أنهم حتى القيامة لن يزا ... لوا ظاهرين على الهدى لن يخذلوا وممّن حدث عن الراعي الحافظ ابن فهد والرهان البقاعي، ومن تأليفه شرح القواعد وكتاب انتصار الفقير السالك لمذهب الإمام الكبير مالك في كراريس أربعة حسن في موضوعه، وله النوازل النحوية في عشرة كراريس أو أكثر وفيها فوائد حسنة وأبحاث رائقة، تكلم معه في بعضها أبو

عبد الله ابن العباس التلمساني.

وذكر بعضهم أنّه اختصر شرح شيخه ابن مرزوق على مختصر الشيخ خليل من باب القضاء إلى آخر الكتاب، انتهى.

وجرت له في صغره حكاية دلت على نبله، وهي أنّه دخل على الطلبة رجل وهم بجامع غرناطة، فسألهم عمّن كان رواء إمام، فحدث فلإمام عذر ذهب لأجله، مثل الرعاف مثلاً، فصلوا بعض الصلاة لأنفسهم، ثم اقتدوا بإمام منهم قدموه فيما بقي، فهل تصح صلاتهم أم لا فلم يكن عند أحد من الحاضرين فيها علم، فقال هو: إن الصلاة باطلة، لأن النحاة يقولون: الإتباع بعد القطع لا يجوز.

وقد حكى ذلك في شرحه للجروميّة الذي سمّاه بعنوان الإفادة في باب النعت إذ قال ما نصّه: كنت جالساً بمسجد قيسارية غرناطة أنتظر سيدنا وشيخنا أبا الحسن علي بن سمعة رحمه الله تعالى مع جماعة من كبار طلبته، وكنت إذ ذاك أصغرهم سنّاً وأقلهم علماً، فدخل سائل سأل عن مسألة فقهية نصها: إن إماماً صلى بجماعة جزءاً من صلاة، ثم غلب عليه الحدث، فخرج ولم يستخلف عليهم، فقام كل واحد من الجماعة وصلى وحده جزءاً من الصلاة، ثم بعد ذلك استخلفوا من أتمّ بهم الصلاة، فهل تصحّ تلك الصلاة أم لا فلم يكن فيها عند الحاضرين جواب، فقلت: هذا إتباع بعد القطع، وهو ممتنع عند النحويين، فصلاة هؤلاء باطلة، فاستظرفها مني من حضر لصغر سني، ثم طلبنا النصّ فيها فلم نلقه في ذلك التاريخ، ولو لقيناه لكان الجواب حسناً، انتهى.

ومن ألغازه قوله:

حاجيتكم نحاتنا المصريّهأولي الذكا والعلم والطعميه
ما كلماتٌ أربعٌ نحويّهجمعن في حرفين للأحجيه

يعني فعل الأمر للواحد من وأى يئي إذا أضمر، فإنّك تقول فيه: إ يا زيد على حرف واحد، وهو الهمزة المقطوعة، فإذا قلت قل إ ونقلت حركته على لغة النقل إلى الساكن صار هكذا قل فذهب فعل الأمر وفاعله، فهي كلمات أربع فعلا أمر وفاعلاهما جمعن في حرفين القاف واللام، فافهم، وأحسن من هذا قوله ملغزاً في ذلك أيضاً:

في أيّ لفظٍ يا نحاة الملّهحركةٌ قامت مقام الجمله وبالجملة فمحاسنه كثيرة، رحمه الله تعالى ورضي عنه

ومن فوائده قوله: حكى لي بعض علماء المالكية قال: كنّا نقرأ المدوّنة على الشيخ سراج الدين البلقيني الشافعي، فوقعت مسألة خلافية بين مالك والشافعي، فقال الشيخ في مسألة مذهبنا كذا في مسألة لم يقل الشافعي بما قال، وإنّما نسبها البلقيني لنفسه، ثم فطن وخاف أن ينتقد عليه المالكية ويقولوا له: أنت شافعي وهذا ليس مذهب الشافعي، فقال: فإن قلتم يا مالكية لسنا بمالكية، وإنّما أنتم شافعية، قلنا: كذلك أنت قاسمية، وقد اجتمعنا الكل في مالك، قال: وهذا الكلام حلو حسن في غاية الإنصاف من الشيخ.

قال: ولما قرئ عليه كتاب الشفاء مدحه وأثنى عليه إلى الغاية، وكان يحضره جماعة من المالكية فقال القاضي جمال الدين ابنه: ما لكم يا مالكيّة لا تكونون مثل القاضي عياض فقال له أبوه الشيخ سراج الدين المذكور: وما لك لا تقول للشافعية ما لكم يا شافعية لا تكونون مثل القاضي عياض

ومن فوائد الراعي في باب العلم من شرحه على الألفية: في الكلب عشر خصال محمودة ينبغي أن تكون في كل فقير، لا يزال جائعاً، وهو من دأب الصالحين، ولا يكون له موضع يعرف به، وذلك من علامة المتوكلين، ولا ينام من الليل إلا القليل، وذلك من صفات المحبين، وإذا مات لا يكون له ميراث، وذلك من أخلاق الزاهدين، ولا يهجر صاحبه وإن جفاه وطرده

وذلك من شيم المريدين، ويرضى من الدنيا بأدنى يسير، وذلك من إشارة القانعين، وإذا غلب عن مكانه تركه وانصرف إلى غيره، وذلك من علامة المتواضعين، وإذا ضرب وطرد ثم دعي أجاب، وذلك من أخلاق الخاشعين، وإذا حضر شيء من الأكل وقف ينظر من بعيد، وذلك من أخلاق المساكين، وإذا رحل لا يرحل معه بشيء، وذلك من علامة المتجردين، انتهى بمعناه.

وقد نسبه للحسن البصري رحمه الله تعالى ورضي عنه بمنّه.

ومن تصانيفه رحمه الله تعالى كتاب الفتح المنير في بعض ما يحتاج إليه الفقير في غاية الإفادة، ملكته بالمغرب ولم أره بهذه البلاد المشرقية، وحفظت منه فوائد ممتعة.

ومن الراحلين من الأندلس إلى المشرق بعد أخذ جميع بلاد الأندلس - أعادها الله تعالى - قاضي الجماعة بغرناطة أبو عبد الله محمد بن علي ابن محمد بن الأزرق، قال السخاوي: إنّه لازم الأستاذ إبراهيم بن أحمد ابن فتوح مفتي غرناطة في النحو والأصلين والمنطق، بحيث كان جلّ انتفاعه به، وحضر مجالس أبي عبد الله محمد السّرقسطي العالم الزاهد مفتيها أيضاً في الفقه، ومجالس الخطيب أبي الفرج عبد الله بن أحمد البقني، والشهاب قاضي الجماعة بغرناطة أبي العباس أحمد بن أبي يحيى بن شرف التلمساني، انتهى.

وله رحمه الله تعالى تآليف: منها " بدائع السلك في طبائع الملك " كتاب حسن مفيد في موضوعه، لخص في كلام ابن خلدون في مقدمة تاريخه وغيره مع زوائد كثيرة، ومنها روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام

مجلد ضخم فيه فوائد وحكايات لم يؤلف في فنّه مثله، وقفت عليه بتلمسان وحفظت منه ما أنشده لبعض أهل عصره ممّا يكتب في سيف:

إن عمّت الأفق من نقع الوغى سحبٌفشم بها بارقاً من لمع إيماضي

وإن نوّت حركات النصر أرض عدىً ... فليس للفتح إلا فعلي الماضي ومن إنشائه في التأليف المذكور ما صورته: قلت: ولقد كان شيخنا العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن فتوح قدّي الله تعالى روحه يفسح لصاحب البحث مجالاً رحباً، ويوسع المراجع له قبولاً ورحباً، بل يطالب بذلك ويقتضيه، ويختار طريق لتعليم به ويرتضيه، توفيقاً على ما خلص له تحقيقه، ووضح له معيار الاختيار تدقيقه، وإلاً فقد كان ما يلقيه غاية ما يتحصل، ويتهمد به مختار ما يحفظ ويتأصّل، انتهى.

وهو يدل على ملكته في الإنشاء، ويحقّق ما يحصله، إلا أن ذلك إذا طال حتى وقع الملل والضجر أو كاد فينبغي الإمساك عن البحث، لئلاّ يفضي الحال إلى ما ينهى عنه.

قال: ومخالفة التلميذ الشيخ في بعض المسائل إذا كان لها وجه وعليها دليل قائم يقبله غير الشيخ من العلماء ليس من سوء أدب التلميذ مع الشيخ، ولكن مع ملازمة التوقير الدائم، والإجلال الملائم، فقد خالف ابن عباس عمر وعليّاً وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم، وكان قد أخذ عنهم، وخالف كثير من التابعين بعض الصحابة، وإنّما أخذوا العلم عنهم، وخالف مالك كثيراً من أشياخه، وخالف الشافعي وأشهب مالكاُ في كثير من المسائل، كل من أخذ العلم أن يخالفه بعض تلامذته في عدة مسائل، ولم يزل ذلك دأب التلاميذ مع الأساتيذ إلى زماننا هذا، وقال: وشاهدنا ذلك في أشياخنا مع أشياخهم رحمهم الله تعالى، قال: ولا ينبغي للشيخ أن يتبرّم من هذه المخالفة

إذا كانت على الوجه الذي وصفناه، والله تعالى أعلم، انتهى.

ولمّا أنشد ابن الأزرق المذكور في كتابه روضة الأعلام قول القائل في مدح ابن عصفور:

نقل النحو إلينا الدّؤليعن أمير المؤمنين البطل

بدأ النحو عليٌّ وكذا ... ختم النحو ابن عفصورٍ علي قال بعده ما نصّه: على أن صاحبنا الكاتب الأديب الأبرع أبا عبد الله محمد ابن الأزرق الوادي آشي رحمه الله تعالى قد قال فيما يدافع ابن عصفور عمّا اقتضاه هذا المدح له بتفضيل الأستاذ المحقّق أبي الحسن بن الضائع عليه، ولقد أبدع في ذلك ما شاء لما تضمه من التورية:

بضائعك ابن الضائع النّدب قد أتتبخظٍّ من التحقيق والعلم موفور
فطرت عقاباً كاسراً أوما ترىمطارك قد أعيا جناح ابن عصفور انتهى

وقد نقل عن ابن الأزرق صاحب المعيار في جامعه، وأثنى عليه غير واحد ومن أعظم تآليفه شرحه الحافل على مختصر خليل المسمى بشفاء الغليل في شرح مختصر خليل وقد توارد معه الشيخ ابن غازي على هذه التسمية، وكان مولانا العم الإمام شيخ الإسلام سيدي سعيد بن أحمد المقّري رضي الله تعالى عنه قال لي حين سألته عن هذا التوارد: لعل تسمية ابن الأزرق شفاء العليل بالعين، قلت: يبعد ذلك أن جماعة من تلامذته الأكابر كالوادي آشي وغيره كتبوه بخطوطهم بالغين المعجمة، فبان أنّه من توارد الخواطر، وأن كلاًّ منهما لم يقف على تسمية الآخر، والله تعالى أعلم، وقد رأيت جملة من هذا الشرح بتلمسان وذلك نحو ثلاثة مجلدات، ولا أدري هل أكمله أم لا، لأن تقديره بحسب ما رأيت يكون عشرين مجلداً، إذ المجلد الأول ما أتم مسائل الصلاة

ورأيت الخطبة وحدها في أكثر من كراسة أبان فيها عن علوم، ولم أر في شروح خليل مع كثرتها مثله، ودخل تلمسان لما استولى العدو على بلاد الأندلس، ثم ارتحل إلى المشرق، فدخل مصر، واستنهض عزائم السلطان قايتباي لاسترجاع الأندلس، فكان كمن يطلب بيض الأنواق، أو الأبيض العقوق. ثم حج ورجع إلى مصر فجدّد الكلام في غرضه، فدافعوه عن مصر بقضاء القضاة في بيت المقدس، فتولاه بنزاهة وصيانة وطهارة، ولم تطل مدته هنالك حتى توفّي به بعد سنة خمس وتسعين وثمانمائة، حسبما ذكره صاحب الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل فليراجع فإنّه طال عهدي به.

ومن بارع نظمه رحمه الله تعالى قوله في المجبّنات:

وربّ محبوبةٍ تبدّتكأنّها الشمس في حلاها
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
فاعجب لحال الأنام من قدأحبّها منهم قلاها ومنه قوله رحمه الله تعالى:
عذري في هذا الدخان الذيجاور داري واضحٌ في البيان
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
قد قلتم إنّ بها زخرفاًولا يلي الزخرف إلا الدخان وقوله:
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
تأمّلت من حسن الربيع نضارةًوقد غرّدت فوق الغصون البلابل
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
حكت في غصون الدّوح قسّاً فصاحةلتعلم أن النبت في الروض باقل وقوله:
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
وقائلةٍ صف الربيع محاسناًفقلت وعندي للكلام بدار
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
همى ببطاح الأرض صوبٌ من الحيافللنّبت في وجه الزمان عذار
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة

وقوله:

تعجّبت من يانع الورد فيسنا وجنةٍ نبتها بارض
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
ولم لا يرى وردها يانعاًوقد سال من فوقها العارض وقوله رحمه الله تعالى عند وفاة والدته:
تقول لي ودموع العين واكفةٌما أفظع البين والتّرحال يا ولدي
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة

فقلت أين السّرى قالت لرحمة من ... قد عزّ الملك لم يولد ولم يلد قال تلميذه الحافظ ابن داود: ممّا ألفيته بخط قاضي الجماعة أبي عبد الله ابن الأزرق عن علي رضي الله تعالى عنه: من أراد أن يطّول الله عمره، ويظفر بعدوّه، ويصان من فتن الدنيا، ويوسّع عليه باب رزقه، فليقل هذا التسبيح إذا أصبح ثلاثاً، وإذا أمسى ثلاثاً: سبحان الله ملء رزقه، ومنتهى العلم، ومبلغ الرضى، وعدد النعم، وزنة العرش، والحمد لله ملء الميزان، ومنتهى العلم، ومبلغ الرضى، وعدد النعم، وزنة العرش، ولا إله إلاّ الله ملء الميزان، ومنتهى العلم، ومبلغ الرضى، وعدد النعم، وزنة العرش، والله أكبر ملء الميزان، ومنتهى العلم، ومبلغ الرضى، وعدد النعم، وزنة العرش، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم مثل ذلك، وصلى الله على سيدنا محمد وآله مثل ذلك.

قال: وبخطّه أيضاً لنيل الرزق وما يراد: يا باسط، يا جواد، يا علي في عرشك، بحق حقّك على جميع خلقك، ابسط [لي] رزقك، وسخر لي خلقك.

وبخطّه أيضاً: بسم الله الرحمن الرحيم الدافع المانع الحافظ الحي القيوم القوي القادر الولي الناصر الغالب الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.

وبخطّه أيضاً: يا فتّاح، يا عليم، يا نور، يا هادي، يا حق، يا مبين

افتح لي فتحاً تنوّر به قلبي، وتشرح به صدري، واهدني إلى طريق ترضاه، وبيّن لي أمري، وصلى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً. انتهى.

وقال رحمه الله تعالى مورّياً:

من تكن صنعته الإنشاء لاينكر الرزق لأقصى العمر
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
ولو استعلى على السبع الدراريّ بما في فمه من درر
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
فأنا الكاتب لكن لو يباع لي العتق لكنت المشتري هكذا رأيت نسبتها إليه

ولنختم ترجمته، بل والباب جميعاً، بقوله، رحمه الله تعالى، عند نزول طاغية النصارى بمرج غرناطة أعادها الله تعالى للإسلام بجاه النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام:

مشوقٌ بخيمات الأحبّة مولعتذكّره نجدٌ وتغريه لعلع
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
مواضعكم يل لائمين على الهوىفلم يبق للسّلوان في القلب موضع
ومن لي بقلبٍ تلتظي فيه زفرةومن لي بجفنٍ تنهمي منه أدمع
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
رويدك فارقب للّطائف موضعاًوخلّ الذي من شرّه يتوقّع
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
وصبراً فإنّ الصبر خير غنيمةٍويا فوز من قد كان للصبر يرجع
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
وبت واثقاً باللطف من خير راحمٍفألطافه من لمحة العين أسرع
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
وإن جاء خطبٌ فانتظر فرجاً لهفسوف تراه في غدٍ عنك يرفع
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة
وكن راجعاً لله في كلّ حالةفليس لنا، إلا إلى الله، مرجع
للشاعر ابن الأزرق الغرناطي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.