من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السادس في ذكر بعض الوافدين (٣)
إليه، وكان الذي اشتراه عبيد الله بن عثمان، وأركب فيه بدراً، وأعطاه خمسمائة دينار برسم النفقة، وركب معه تمام بن علقمة، وبينما هو يتوضأ لصلاة المغرب على الساحل إذ نظر إلى المركب في لجة البحر مقبلاً حتى أرسى أمامه، فخرج إليه بدر سابحاً، فبشره بما تم له بالأندلس، وبما اجتمع عليه الأمويون والموالي، ثم خرج إليه تمام ومن معه في المركب فقال له: ما اسمك وما كنيتك فقال: اسمي تمام، وكنيتي أبو غالب، فقال: ثم أمرنا وغلبنا غدوّنا إن شاء الله، ثم ركبوا المركب معه فنزل بالمنكب، وذلك غرّة ربيع الأول سنة.
فلما اتصل خبر جوازه بالأموية أتاه عبيد الله بن عثمان وجماعة فتلقوه بالإعظام والإكرام، وكان وقت العصر، فصلى بهم العصر، وركبوا معه إلى قرية طرّش من كور إلبيرة فنزل بها، وأتاه بها جماعة من وجوه الموالي وبعض العرب، فبايعوه وكان من أمره ما يذكر، وقيل: إنه أقام بإلبيرة حتى كمل من معه ستمائة فارس من موالي بني أمية ووجوه العرب، فخرج من إلبيرة إلى كورة رية فدخلت في جماعته ثم بايعته أهلها وأجنادها، ثم ارتحل إلى شذونة ثم إلى مورور، ثم سار إلى إشبيلية.
وقال بعضهم: لما أراد عبد الرحمن قصد قرطبة عند دخوله الأندلس من المشرق نزل بطشانة، فأشاروا عليه أن يعقد له لواء، فجاءوا بعمامة وقناة، فكرهوا أن يميلوا القناة تطيراً، فأقاموها بين شجرتين من الزيتون متجاورتين، وصعد رجل على فرع إحداهما فعقد اللواء والقناة قائمة، وتبرك هو وولده بهذا اللواء، فكان بعد أن بلي لا تحل منه العقدة التي عقدت أولاً، بل تعقد فوقها الألوية الجدد، وهي مستكنة تحتها، ولم يزل الأمر على ذلك حتى انتهت الدولة إلى عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وقيل: إلى ابنه محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، فاجتمع الوزراء على تجديد اللواء، فلما رأوا تحت اللواء أسمالاً خلقة ملفوفة
معقدة جهلوها فاسترذلوها، وأمروا بحلها ونبذها، وجددوا غيرها، وكان جهور بن يوسف بن بخت شيخهم غائباً، فحضر في اليوم الثاني وطولع بالقصة، فأنكرها أشد إنكار وساءه ما فعلوه، وقال: إن جهلتم شأن تلك الأخلاق فكان ينبغي أن تتوقفوا عن نبذها حتى تسألوا المشايخ وتتفكروا في أمرها، وخبرهم خبرها، فتطلبوا تلك الأخلاق فلم توجد، ويقال كما قال ابن حيان: إنه لم يزل يعرف الوهن في ملك بني أمية بالأندلس من ذلك اليوم، وقد كان الذي عقده أولاً عبد الله بن خالد من موالي بني أمية، وكان والده خالد عقد لواء مروان بن الحكم جد عبد الرحمن الأعلى لما اجتمع عليه بنو أمية وبنو كلب بعد انقراض دولة بني حرب على قتال الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج راهطٍ، فانتصر على الضحاك وقتله، ولما عرف الأمير بقصة اللواء حزن أشد حزن، وانفتقت عليه إثر ذلك الفتوق العظام، وكانوا يرون أنها جرت بسبب اللواء لأنه لم ينهزم قط جيش كان تحته، على ما اقتضته حكمة الله التي لا تتوصل إليها الأفكار، وتولى حمل هذا اللواء لعبد الرحمن الداخل أبو سليمان داود الأنصاري، ولم يزل يحمله ولده من بعده إلى أيام محمد بن عبد الرحمن.
ولما تلاقى عبد الرحمن الداخل مع أمير الأندلس يوسف الفهري بالقرب من قرطبة وتراسلا، فخادعه يومين آخرهما يوم عرفة من سنة ثمان وثلاثين ومائة، أظهر عبد الرحمن قبول الصلح، فبات الناس على ذلك ليلة العيد، وكان قد أسر خلاف ما أظهر، واستعد للحرب، ولما أصبح يوم الأضحى لم ينشب أن غشيت الخيل، ووكل عبد الرحمن بخالد بن زيد الكاتب رسول يوسف جماعة، وأمرهم إن كانت الدائرة عليهم أن يضربوا عنقه، وإلا فلا، فكان خالد يقول: ما كان شيء في ذلك الوقت أحب إلي من غلبة عبد الرحمن الداخل عدو صاحبي، وركب عبد الرحمن جواداً، فقالت اليمانية الذين أعانوه: هذا فتىً حديث السن تحته جواد وما نأمن أول ردعةٍ يردعها أن يطير منهزماً
على جواده ويدعنا، فأتى عبد الرحمن أحد مواليه فأخبره بمقالتهم، فدعا أبا الصباح، وكان له بغل أشهب يسميه الكوكب، فقال له: إن فرسي هذا قلق تحتي، لا يمكنني من الرمي، فقدم إلي بغلك المحمود أركبه، فقدمه، فلما ركب اطمأن أصحابه، وقال عبد الرحمن لأصحابه: أي يوم هذا قالوا: الخميس يوم عرفة، فقال: فالأضحى غداً يوم الجمعة، والمتزاحفان أموي وفهري، والجندان قيس ويمن، قد تقابل الأشكال جداً، وأرجو أنه أخو يوم مرج راهط، فأبشروا وجدوا، فذكرهم يوم مرج راهط الذي كانت فيه الوقعة بين جده مروان بن الحكم وبين الضحاك بن قيس الفهري، وكانت يوم جمعة ويوم أضحى، فدارت الدائرة لمروان على الضحاك، فقتل الضحاك، وقتل معه سبعون ألفاً من قبائل قيس وأحلافهم، وقيل: إنه لم يحضر مرج راهط من قيس مع مروان غير ثلاثة نفر: عبد الرحمن بن مسعدة الفزاري، وابن هبيرة المحاربي، وصالح الغنوي، وكذا لم يحضر مع عبد الرحمن الداخل يوم المصارة غربي قرطبة من قيس غير ثلاثة: جابر بن العلاء بن شهاب، والحصين بن الدجن، العقيليان، وهلال بن الطفيل العبدي، وكان الظفر لعبد الرحمن، وانهزم يوسف، وصبر الصميل بن حاتم بعده معذراً وعشيرته يحفونه، فلما خاف انهزامهم عنه تحول على بغله الأشهب معارضةً لعبد الرحمن الداخل، فمر به أبو عطاء فقال له: يا أبو جوشن، احتسب نفسك، فإن للأشباه أشباهاً: أموي بأموي، وفهري بفهري، وكلبي بكلبي، ويوم أضحى بيوم أضحى، ويمني بقيسي، والله إني لأحسب هذا اليوم بمثل مرج رهط سواء، فقال له الصميل: كبرت وكبر علمك، الآن تنجلي الغماء، وسحرك منتفخ، فانثنى أبو عطاء لوجهه منقلباً، وانهزم الصميل، وملك عبد الرحمن قرطبة.
ويوسف الفهري هو ابن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة ابن عقبة بن نافع الفهري، باني القيروان، وأمير معاوية على إفريقية والمغرب، وهو مشهور.
وأما الصميل فهو ابن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن، وقيل: الصميل بن حاتم بن عمرو بن جندع بن شمر بن ذي الجوشن، كان جده شمر من أشراف الكوفة وهو أحد قتلة الحسين، رضي الله تعالى عنه، ودخل الصميل الأندلس حين دخل كلثوم بن عياض المغرب غازياً، وساد بها، وكان شاعراً كثير السكر أمياً لا يكتب، ومع ذلك فانتهت إليه في زمانه رياسة العرب بالأندلس، وكان أميرها يوسف الفهري كالمغلوب معه، وكانت ولاية الفهري الأندلس سنة تسع وعشرين ومائة، فدانت له تسع سنين وتسعة أشهر، وعنه كما مرّ انتقل سلطانها إلى بني أمية، واستفحل ملكهم بها إلى بعد الأربعمائة، ثم انتثر سلكهم، وباد ملكهم، كما وقع لغيرهم من الدول في القرون السالفة، سنة الله التي قد خلت في عباده.
وكانت مدة الأمراء قبل عبد الرحمن الداخل من يوم فتحت الأندلس إلى هزيمة يوسف الفهري والصميل ستاً وأربعين سنة وشهرين وخمسة أيام، لأن الفتح كان حسبما تقدم لخمسٍ خلون من شوال سنة اثنتين وتسعين، وهزيمة يوسف يوم الأضحى لعشرٍ خلون من ذي الحجة سنة ثمانٍ وثلاثين ومائة، والله غالب على أمره.
وحكي أن عبد الرحمن بن معاوية دخل يوماً على جده هشام، وعنده أخوه مسلمة بن عبد الملك، وكان عبد الرحمن إذ ذاك صبياً، فأمر هشام أن ينحّى عنه، فقال له مسلمة: دعه يا أمير المؤمنين، وضمه إليه ثم قال: يا أمير المؤمنين هذا صاحب بني أمية، ووزرهم عند زوال ملكهم، فاستوص به خيراً، قال: فلم أزل أعرف مزيةً من جدي من ذلك الوقت.
وكان الداخل يقاس بأبي جعفر المنصور في عزمه وشدته وضبط المملكة، ووافقه في أن أم كل منهما بربرية، وأن كلاً منهما قتل ابن أخيه، إذ قتل
المنصور ابن السفاح، وقتل عبد الرحمن ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية.
ومن شعر عبد الرحمن وقد رأى نخلة برصافته:
تبدّت لنا وسط الرصافة نخلةٌتناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت شبيهي في التغرّب والنّوىوطول اكتئابي عن بنيَّ وعن أهلي
نشأت بأرضٍ أنت فيها غريبةٌفمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
سقتك غوادي المزن في المنتأى الذي ... يسحُّ ويستمري السماكين بالوبل وكان نقش خاتمه " بالله يثق عبد الرحمن، وبه يعتصم ".
وأشاع سنة الرحيل إلى الشام لانتزاعها من بني العباس، وكاتب جماعة من أهل بيته ومواليه وشيعته، وعمل على أن يستخلف ابنه سليمان بالأندلس في طائفة، ويذهب بعامة من أطاعه، ثم أعرض عن ذلك بسبب أمر الحسين الأنصاري الذي انتزى عليه بسرقسطة، فبطل ذلك العزم.
ومن شعر عبد الرحمن أيضاً قوله يتشوّق إلى معاهد الشام:
أيّها الراكب الميمّم أرضياقر منّي بعض السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرضٍوفؤادي ومالكيه بأرض
قدّر البين بيننا فافترقناوطوى البين عن جفوني غمضي
قد قضى الله بالفراق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضي وترجمة الداخل طويلة، وقد ذكر منها ما فيه مقنع، انتهى؛ والله تعالى الموفق للصواب.
وفي بنائه جامع قرطبة يقول بعضهم:
وأبرز في ذات الإله ووجههثمانين ألفاً من لجينٍ وعسجد
وأنفقها في مسجدٍ زانه التّقىوقرّ به دين النبي محمّد
ترى الذهب الوهّاج بين سموكه ... يلوح كلمح البارق المتوقّد ومن الوافدين على الأندلس أبو الأشعث الكلبي، دخل الأندلس، وكان شيخاً مسناً يروي عن أمه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، إلا أنه كان مندراً صاحب دعابة، وكان مختصاً بعبد الرحمن بن معاوية، وله منه مكانةٌ لطيفةٌ يدل بها عليه، ولما توفي حبيب بن عبد الملك بن عمر بن الوليد ابن عبد الملك بن مروان، وكانت له من عبد الرحمن خاصةٌ لم تكن لأحد من أهل بيته، جعل عبد الرحمن يبكي ويجتهد في الدعاء والاستغفار لحبيب، وكان إلى جنبه أبو الأشعث هذا قائماً، وكانت له دالة عليه ودعابة يحتملها منه، فأقبل عند استعباره كالمخاطب للمتوفى علانيةً يقول: يا أبا سليمان، لقد نزلت بحفرة قلما يغني عنك فيها بكاء الخليفة عبد الرحمن بعرةً، فأعرض عنه عبد الرحمن، وقد كاد التبسم يغلبه؛ هكذا ذكره ابن حيان رحمه الله تعالى في " المقتبس "، ونقله عن الحافظ ابن الأبار.
ومن الداخلين إلى الأندلس جزي بن عبد العزيز، أخو عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه؛ دخل الأندلس، ومات في مدة الداخل، وكان من أولياء الله تعالى مقتفياً سبيل أخيه عمر بن عبد العزيز، رحمهما الله تعالى.
ومنهم بكر بن سوادة بن ثمامة، الجذامي ويكنى أبا ثمامة، وجده صحابي، وكان بكر هذا فقيهاً كبيراً من التابعين، روى عن جماعة من الصحابة كعبد الله بن عمرو بن العاص وقيس بن سعد بن عبادة وسهل بن سعد الساعدي وسفيان بن وهب الخولاني وحبان بن سمح الصدائي، - وقيد اسمه الدار القطني رحمه الله تعالى حبان، بكسر الحاء المهملة، وبباء معجمة بواحدة، ونقله الأمير كذلك، وهو ممن وفد على رسول الله ﷺ، وشهد فتح مصر، قال ابن يونس: ويقال فيه حبان بالكسر، وحبان بالفتح أصح، انتهى، وضبطه بعضهم بالياء المثناة تحت -.
رجع - وممن روى عنه بكر من الصحابة أبة ثور الفهمي، وأبو عميرة المزني، وروى عن جماعة من التابعين أيضاً كسعيد بن المسيب وأبي سلمة ابن عبد الرحمن وعروة بن الزبير وجماعة سواهم يكثر عددهم ويطول سردهم، منهم ربيعة بن قيس الجملي وأبو عبد الرحمن الحبلي وزياد بن نعيم الحضرمي وسفيان بن هانئ الجيشاني وسعيد بن شمر السبائي وعبد الله بن المستورد بن شداد الفهري وعبد الرحمن بن أوس المزني وزيادة بن ثعلبة البلوي وشيبان بن أمية القتابي وعامر بن ذريح الحميري وعمير بن الفيض اللخمي وأبو حمزة الخولاني وعياض بن فروخ المعافري ومسلم بن مخشي المدبجي وهانئ بن معاوية الصدفي وغيرهم ممن اشتمل على ذكرهم التاريخان لابن عبد الحكم وابن يونس.
وممن روى عن بكر المذكور عبد الله بن لهيعة وعمرو بن الحارث وجعفر ابن ربيعة وأبو زرعة ابن عبد الحكم الإفريقي وغيرهم.
قال ابن يونس: توفي بإفريقية في خلافة هشام بن عبد الملك، وقيل: بل
غرق في مجاز الأندلس، سنة ثمان وعشرين ومائة، قال: وجده ثمامة من أصحاب رسول الله ﷺ، وله بمصر حديث رواه عمرو بن الحارث.
وقال أبو بكر عبد الله بن محمد القيرواني المالكي في تاريخه المسمى ب " رياض النفوس " وقد ذكر بكراً هذا: إنه كان أحد العشرة التابعين، يعني الموجهين إلى إفريقية من قبل عمر بن عبد العزيز في خلافته ليفقهوا أهل إفريقية ويعلموهم أمر دينهم، قال: وأغرب بحديث عن عقبة بن عامر، لم يروه غيره فيما علمت، حدث عبد الله بن لهيعة عنه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا كان رأس مائتين فلا تأمر بمعروف، ولا تنه عن منكر، وعليك بخاصة نفسك "، وحكى المالكي أيضاً عن أبي سعيد بن يونس قال: كان فقيهاً مفتياً، سكن القيروان، وكانت وفاته كما تقدم، وذكره الحميدي في الداخلين إلى الأندلس، ولم يذكره ابن الفرضي.
ومنهم رزيق بن حكيم، أحد المعدودين في الداخلين إلى الأندلس، ذكره أبو الحسن ابن النعمة عن أبي المطرف عبد الرحمن بن يوسف الرفاء القرطبي، وحكى أنه كتب ذلك من خطه، وسماه مع جماعة منهم حبان بن أبي جبلة وعلي ين أبي رباح وأبو عبد الرحمن الحبلي وحنش بن عبد الله الصنعاني ومعاوية ابن صالح وزيد ابن الحباب العكلي، وانتهى عددهم برزيق هذا سبعة، ولم يذكره ابن الفرضي ولا غيره، قاله الحافظ أبو عبد الله القضاعي.
ومنهم زيد بن قاصد السكسكي. قال ابن الأبار: وهو تابعي، دخل الأندلس وحضر فتحها، وأصله من مصر، يروي عن عبد الله بن عمرو
ابن العاص رضي الله تعالى عنه، وروى عنه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، ذكره يعقوب بن سفيان، وأورد له حديثاً؛ من كتاب الحميدي، انتهى.
ومنهم زرعة بن روح الشامي؛ دخل الأندلس، وحدث عنه ابنه مسلمة بن زرعة بحكاية عن القاضي مهاجر بن نوفل.
ومنهم محمد بن أوس بن ثابت الأنصاري، قال ابن الأبار: تابعي، دخل الأندلس، يروي عن أبي هريرة، قرأته بخط ابن حبيش، وقال أبو سعيد ابن يونس مؤرخ مصر: إنه يروي عنه الحارث بن يزيد ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وكان غزا المغرب والأندلس مع موسى بن نصير، ويروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقال الحميدي: إنه كان من أهل الدين والفضل معروفاً بالفقه، ولي بحر إفريقية سنة ثلاث وتسعين، وغزا المغرب والأندلس مع موسى بن نصير، فيما حكاه ابن يونس صاحب تاريخ مصر، وكان على بحر تونس سنة ثنتين ومائة على ما حكاه عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم. ولما قتل يزيد بن أبي مسلم والي إفريقية اجتمع رأي أهلها عليه، فولوه أمرهم، وذلك في خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان، إلى أن ولي بشر بن صفوان الكلبي إفريقية، وكان على مصر فخرج إليها واستخلف أخاه حنظلة، انتهى.
ومنهم عبد الملك بن عمرو بن مروان بن الحكم، الأموي، فر من الشام خوفاً من المسودة، فمر بمصر ومضى إلى الأندلس، وقد غلب عليها الأمير عبد الرحمن بن معاوية الداخل، فأكرمه ونوه به، وولاه إشبيلية لأنه
كان قعدد بني أمية، ثم إنه لما وجد الداخل يدعو لأبي جعفر المنصور أشار عليه بقطع اسمه من الخطبة، وذكره بسوء صنيع بني العباس ببني أمية، فتوقف عبد الرحمن في ذلك، فما زال به عبد الملك حتى قطع الدعاء له، وذلك أنه قال له حين امتنع من ذلك: إن لم تقطع الخطبة لهم قتلت نفسي، فقطع حينئذ عبد الرحمن الخطبة بالمنصور بعد أن خطب باسمه عشرة أشهر، ولما زحف أهل غرب الأندلس نحو قرطبة لحرب الأمير عبد الرحمن أنهض إليهم عبد الملك هذا، فنهض في معظم الجيش، وقدم ابنه أمية أمامه في أكثر العساكر، فخالطهم أمية، فوجد فيهم قوة، فخاف الفضيحة معهم، فانحاز منهزماً إلى أبيه، فلما جاءه سقط في يده، وقال له: ما حملك على أن استخففت بي وجرأت الناس علي والعدو إن كنت قد فررت من الموت فقد جئت إليه، فأمر بضرب عنقه، وجمع أهل بيته وخاصته وقال لهم: طردنا من الشرق إلى أقصى هذا الصقع، ونحسد على لقمة تبقي الرمق، اكسروا جفون السيوف، فالموت أولى أو الظفر، ففعلوا وحملوا، وتقدمهم، فهزم اليمانية وأهل اشبيلية، ولم تقم بعدها لليمانية قائمة، وقتل بين الفريقين ثلاثون ألفاً، وجرح عبد الملك، فأتاه عبد الرحمن وجرحه يجري دماً وسيفه يقطر دماً، وقد لصقت يده بقائم سيفه، فقبل بين عينيه، وجزاه خيراً، وقال له: يا ابن عمّ، قد أنكحت ابني وولي عهدي هشاماً ابنتك فلانة، وأعطيتها كذا وكذا، وأعطيتك كذا ولأولادك كذا، وأقطعتك وإياهم كذا، ووليتكم الوزارة.
ومن شعره لما نظر نخلة منفردة بإشبيلية فتذكر وطنه بالشام، وقال:
يا نخل أنت فريدةٌ مثليفي الأرض نائيةٌ عن الأهل
تبكي وهل تبكي مكممةٌعجماء لم تجبل على جبلي
ولو أنها عقلت إذا لبكتماء الفرات ومنبت النخل
لكنّها حرمت وأخرجني ... بغضي بني العباس عن أهلي ومن الداخلين من المشرق إلى الأندلس هاشم بن الحسين بن إبراهيم ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ونزل حين دخوله بلبلة، وتعرف منازلهم فيها بمنازل الهاشمي، وذكره أمير المؤمنين الحكم المستنصر في كتابه " أنساب الطالبيين والعلويين القادمين إلى المغرب ".
ومن الداخلين إلى الأندلس عبد الله بن المغيرة، الكناني، حليف بني عبد الدار، سماه أبو محمد الأصيلي الفقيه في الداخلين الأندلس من التابعين، حكى ذلك عنه أبو القاسم ابن بشكوال في مجموعه المسمى ب " التنبيه والتعيين "، قال ابن الأبار: وما أراه يتابع عليه؛ وذكره أبو سعيد ابن يونس من أهل إفريقية، انتهى، وذكر أنه يروي عن سفيان بن وهب الخولاني.
ومنهم عبد الله المعمر الذي طرأ على الأندلس في آخر الزمان، وكان يزعم أنه لقي بعض التابعين. قال ابن الأبار روى عنه أبو محمد أسد الجهني، ذكر ذلك القبشي، وفيه عندي نظر، انتهى.
ومنهم أبو عمرو عبد الرحمن بن شماسة بن ذئب، المهري، روى عن أبي ذر، وقيل عن أبي نضرة عن أبي ذر، وعائشة وعمرو بن العاص
وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وأبي نضرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني وعوف ابن مالك الأشجعي، ومعاوية ابن حديج ومسلمة بن مخلد وأبي رهم، ذكره ابن يونس في تاريخ مصر، وسماه ابن بشكوال في الداخلين الأندلس من التابعين، وروى ذلك عن الحميدي، قاله ابن الأبار؛ وقال ابن يونس: وآخر من حدث عنه بمصر حرملة بن عمران.
ومن الداخلين إلى الأندلس من المشرق عبد الله بن سعد ابن عمار ابن ياسر، رضي الله تعالى عنه، وقد ذكره ابن حيان في مقتبسه، وأخبر أن يوسف بن عبد الرحمن الفهري كتب له أن يدافع عبد الرحمن المرواني الداخل للأندلس، وكان المذكور إذ ذاك أميراً على اليمانية من جند دمشق، وإنما ركن إليه في محاربة عبد الرحمن لما بين بني عمار وبين بني أمية من الثأر بسبب قتل عمار بصفين، وكان عمار رضي الله تعالى عنه من شيعة علي، كرم الله وجهه.
وهذا عبد الله بن سعد هو جد بني سعيد أصحاب القلعة الذين منهم عدة رؤساء وأمراء وكتاب وشعراء، ومنهم صاحب " المغرب " وغير واحد ممن عرفنا به في هذا الكتاب، ومن مشاهيرهم أبو بكر محمد بن سعيد ابن خلف ابن سعيد صاحب أعمال غرناطة في مدة الملثمين، قال: وهو القائل يفتخر:
إن لم أكن للعلاء أهلاًبما تراه فمن يكون
فكلُّ ما أبتغيه دونيولي على همّتي ديون
ومن يرم ما يقلّ عنهفذاك من فعله جنون
فرعٌ بأفق السماء سامٍوأصله راسخٌ مكين وقوله:
الله يعلم أنّيأحبّ كسب المعالي
وإنّما أتوانىعنها لسوء المآل
تحتاج للكدّ والبذل واصطناع الرجال
دع كل من شاء يسمولها بكلّ احتيال
فحالهم في انعكاسٍ ... بها وحالي حالي وتراجمهم واسعة، وقد بسطت في " المسهب " و " المغرب " وغيرهما، وقد قدمنا في الباب قبل هذا من أخبار بني سعيد هؤلاء ما يثلج الصدر فليراجع.
ومن الوافدين على الأندلس من المشرق أبو زكريا عبد الرحيم بن أحمد بن نصر بن إسحاق بن عمرو بن مزاحم بن غياث، التميمي، البخاري، الحافظ، نزيل مصر.
سمع ببخارى بلده من إبراهيم بن محمد بن يزداد وأخيه أحمد، وكانا يرويان معاً عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي وعن أبي الفضل السليماني ببيكند، وأبي عبد الله محمد بن أحمد المعروف بغنجار، وأبي يعلي حمزة بن عبد العزيز المهلبي وأقرانه باليمن، وأبي القاسم تمام بن محمد الرازي بدمشق، وابن أبي كامل بأطرابلس الشام، وأبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ بمصر، وله رواية عن أبي نصر الكلاباذي وأبي عبد الله الحاكم وأبي بكر بن فورك المتكلم وأبي العباس ابن الحاج الإشبيلي وأبي القاسم علي بن أحمد الخزاعي صاحب الهيثم ابن كليب وأبي الفضل العباس بن محمد الحداد التنيسي وأبي الفتح محمد بن إبراهيم الجحدري وأبي بكر محمد بن داود العسقلاني وهلال الحفار وصدقة بن محمد
ابن مروان الدمشقي، ولقي بإفريقية العابد ولي الله سيدي محرز بن خلف التميمي مولاهم وصحبه، وقال: لقد هبته يوم لقيته هيبة لم أجدها لأحد في نفسي من الناس، ودخل الأندلس وبلاد المغرب، وكتب بها عن شيوخها، ولم يزل يكتب إلى أن مات حتى كتب عمن دونه، وله " رسالة الرحلة وأسبابها وقول لا إله إلا الله وثوابها "، فسمع منه أبو عبد الله الرازي وذكره في مشيخته، قال الحافظ ابن الأبار: ومنها نقلت اسمه وتعرفت دخوله الأندلس، وحدث عنه هو وجماعة منهم أبو مروان الطبني - وقال: هو من الرحالين في الآفاق، أخبرني أنه يحدث عن مئين من أهل الحديث - وأبو عبد الله الحميدي وأبو بكر [جماهر بن عبد الرحمن] الطليطلي وأبو عبد الله ابن منصور الحضرمي وأبو سعيد الرهاوي وأبو محمد جعفر بن محمد السراج وأبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الباقي وأبو الحسن ابن مشرف الأنماطي وأبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي وأبو محمد شعيب بن سبعون الطرطوشي وأبو بكر ابن نعمة العابد وأبو الحسن علي بن الحسين الموصلي الغراف وأبو عثمان سعد بن عبد الله الحيدري من شيوخ السلفي، وأبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخضر السلمي، وأبو إسحاق الكلاعي من شيوخ أبي بحر الأسدي، وأبو محمد ابن عتاب كتب إليه بجميع ما رواه ولم يعرف ذلك في حياته. وسماه أبو الوليد ابن الدباغ في الطبقة العاشرة من طبقات أئمة المحدثين من تأليفه، مع أبي عمر ابن عبد البر وأبي محمد ابن حزم وأبي بكر ابن ثابت الخطيب، وذكره أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه، وقال: سمع بما وراء النهر والعراق ومصر واليمن والقيروان، ثم سكن مصر وقدم دمشق قديماً وحدث بها، وسمى جماعة كثيرة من الرواة عنه، وحكى أنه قال: لي ببخارى أربعة عشر ألف جزء حديث أريد أن أمضي وأجيء بها،
قال: وسئل عن مولده، فقال: في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، قال: وتوفي بالحوراء سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى ورضي عنه، انتهى.
قلت: والذي أعتقده أنه لم يدخل الأندلس من أهل المشرق أحفظ منه للحديث، وهو ثقة عدل ليس له مجازفة، والحق أبلج.
وممن دخل الأندلس من المشرق عبد الجبار بن أبي سلمة الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، القرشي، الزهري، دخل الأندلس مع موسى بن نصير، وكان على ميسرة معسكره، ونزل باجة ثم بطليوس، ومن نسله الزهريون الأشراف الذين كانوا بإشبيلية انتقلوا إلى سكناها قديماً، هكذا في خبر القاضي أبي الحسين الزهري منهم عن أبي بكر ابن خير وغيره، قال ابن بشكوال في مجموعه المسمى ب " التنبيه والتعيين لمن دخل الأندلس من التابعين ": عبد الجبار بن أبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف من التابعين، وقع ذكره في كتاب شيخنا أبي الحسن ابن مغيث، انتهى. قال ابن الأبار: ولم يزد على هذا، انتهى
ومن الداخلين إلى الأندلس من المشرق أبو محمد عبد الوهاب بن عبد الله بن عبد الوهاب، من أهل مصر، وسكن بغداد، ويعرف بالطندتائي، قرية بمصر نسب إليها، روى عن أبي محمد الشارمساحي، وتفقه به، وقدم الأندلس رسولاً بزعمه من عند الخليفة العباسي، فسكن مرسية ودرس بها، وخرج منها سنة اثنتين وأربعين وستمائة بعد أن تملكها النصارى صلحاً، وأسر بناحية صقلية، قال ابن الأبار: ثم بلغني أنه تخلص ولحق ببلده، رحمه الله تعالى.
ومنهم عبد الخالق بن إبراهيم الخطيب، يكنى أبا القاسم. قال
ابن الأبار: لا أعرف موضعه من بلاد المشرق، وكان أديباً قوي العارضة، مطبوع الشعر، مديد النفس. ومن شعره من قصيدة صنعها في وقت رحلته إلى الأندلس قوله:
على الذلّ أو فاحلل عقال الركائبوللضيم أو فاحلل صدور الكتائب
فإمّا حياةٌ بعد إدراك منيةٍوإمّا مماتٌ تحت عزّ القواضب
فما العيش في ظل الهوان بطيّبٍ ... وما الموت في سبل العلاء بعائب ومنهم عبد اللطيف بن أبي الطاهر أحمد بن محمد بن هبة الله، أبو محمد الهاشمي، الصدفي، من أهل بغداد، يعرف بالنرسي، دخل الأندلس، وكان يزعم أنه روى عن أبي الوقت السجزي وأبي الفرج الجوزي وغيرهما، وله تأليف سماه " الدليل في الطريق من أقاويل أهل التحقيق " ذكره أبو عبد الله محمد بن سعيد الطراز وضعفه بعدما سمع منه، أخذ عنه وسمع منه هو وأبو القاسم عبد الرحمن بن القاسم المغيلي وغيرهما، وقال: ورد علينا غرناطة قريباً من سنة ثلاث عشرة وستمائة، وتوفي، عفا الله تعالى عنه، بإشبيلية قريباً من هذا التاريخ، وقال فيه أبو القاسم ابن فرقد: عبد اللطيف بن عبد الله الهاشمي البغدادي النرسي، منسوب إلى قرية من قرى بغداد، سمع صحيح البخاري من أبي الوقت السجري، وروى عن غيره، وله تآليف، قال ابن الأبار: في التصوف، منها تأليف في إباحة السماع، قرأت عليه أكثره، وقرأت عليه عوالي النقيب بمدينة إشبيلية بحومة القصر المبارك عام خمسة عشر وستمائة.
ومنهم أبو بكر عمر بن عثمان بن محمد بن أحمد، الخراساني،
الباخرزي، الماليني، يكنى أبا بكر، سمع من أبي الخير أحمد بن إسماعيل الطالقاني القزويني وأبي يعقوب يوسف بن عمر بن أحمد الخالدي الزنجاني، وقدم الأندلس، وحدث بصحيفتي الأشج وجعفر بن نسطور الرومي، وسمع منه بغرناطة ومرسية وغيرهما من بلاد الأندلس، وحدث عنه أبو القاسم الملاحي، وسمع منه بمالقة أبو جعفر بن عبد الجبار وأبو علي بن هاشم في صفرسنة، ومولده في ربيع الأول سنة، انتهى من تكملة ابن الأبار.
قلت: ولا يخفى على من له بصر بعلم الحديث أن الأشج وابن نسطور لا يلتفت إليهما، ويرحم الله تعالى السلفي الحافظ إذ قال:
حديث ابن نسطورٍ وقيسٍ ويعنمٍوبعد أشجّ الغرب ثم خراش
ونسخة دينارٍ ونسخة تربه ... أبي هدبة القيسيّ شبه فراش قال ابن عات: كان الحافظ السلفي إذا فرغ من إنشاد هذين البيتين ينفخ في يديه إشارةً إلى أن هذه الأشياء كالريح، انتهى.
ومن الوافدين على الأندلس من أهل المشرق علي بن بندار بن اسماعيل بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، البرمكي، من أهل بغداد، قدم الأندلس تاجراً سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وكان قد أخذ عن أبي الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس الفقيه الداودي، وتلمذ له، وسمع منه " الموضح " و " المنجح " من تآليفه في الفقه، وما تم له من أحكام القرآن، هكذا نقله الحافظ بن حزم عن أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله المعتني بهذا الشأن، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو العلاء عبيد بن محمد بن عبيد، أبو العلاء، النيسابوري.
لقيه الحافظ أبو علي الصدفي ببغداد وأخذ عنه إذ قدمها حاجاً، وهو يحدث عن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد البصروي، قال أبو علي: وأراه دخل الأندلس، ويغلب على ظني أني لقيته بسرقسطة، ذكر ذلك القاضي عياض في " المعجم " من تأليفه، والله تعالى أعلم.
ومنهم سهل بن علي بن عثمان، التاجر، النيسابوري، يكنى أبا نصر، سمع جماعة من الخراسانيين وغيرهم؛ منهم أبو بكر أحمد بن خلف الشيرازي وأبو الفتح السمرقندي، وأدرك الإمام أبا المعالي الجويني، وحضر مجلسه ودرسه، ولقيه بعده أصحابه القشيري والطوسي وغيرهما، وكان شافعي المذهب، ذكره عياض وقال: حدثني بحكايات وفوائد، وأنشدني لأبي طاهر السلفي، وأجازني جميع رواياته وحدثني أن وفاة أبي المعالي كانت بنيسابور سنة خمس أو أربع وسبعين وأربعمائة، وقال أبو محمد العثماني: أنشدني أبو نصر سهل بن علي النيسابوري الحقواني قال: أنشدنا أبو الفتح نصر بن الحسن، أنشدنا أبو العباس العذري، قال: أنشدنا أبو محمد ابن حزم الحافظ لنفسه:
ولمّا رأيت الشّيب حلّ مفارقينذيراً بترحال الشباب المفارق
رجعت إلى نفسي فقلت لها انظريإلى ما أتى، هذا ابتداء الحقائق
دعي دعوات اللهو قد فات وقتهاكما قد أفات الليل نور المشارق
دعي منزل اللّذّات ينزل أهله ... وجدّي لما ندعى إليه وسابقي قال عياض: توفي سهل هذا غريقاً في البحر منصرفاً إلى بلده من المرية، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو المكارم هبة الله بن الحسين، المصري، كان من أهل العلم، عارفاً بالأصول، حافظاً للحديث، متيقظاً، حسن الصورة والشارة، دخل الأندلس، وولي قضاء إشبيلية منها آخر شعبان سنة تسع وسبعين وخمسمائة. قال ابن الأبار: وبه صرف أبو القاسم الخولاني، وأقام بها سنة، وحضر غزوة شنترين، وكان قدوم أبي المكارم هذا الأندلس خوفاً من صلاح الدين يوسف بن أيوب في قوم من شيعة العبيدي ملك مصر، ووفد أيضاً معه أبو الوفاء المصري، ثم استصحبه أمير المؤمنين يعقوب المنصور معه في غزوة قفصة الثانية، وولاه حينئذ قضاء تونس، وكان قد ولي قضاء فاس، وولي أيضاً أبو الوفاء صاحبه القضاء، وتوفي وهو يتولى قضاء تونس سنة ست وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
ومنهم يحيى بن عبد الرحمن ابن عبد المنعم بن عبد الله، القيسي، الدمشقي، أصله من دمشق، وبها ولد، ويعرف بالأصبهاني قي مجلس أبي طاهر السلفي لدخوله إياها وإقامته بها أزيد من خمسة أعوام لقراءة الخلافيات، ويكنى أبا زكريا، وسمع بالمشرق أبا بكر ابن ماشاذه السكري وأبا الرشيد ابن خالد البيع وأبا الطاهر السلفي وغيرهم، وقصد المغرب بعد أداء الفريضة فلقي ببجاية أبا محمد عبد الحق الإشبيلي، وأجازه وحضه على الوعظ والتذكير، فامتثل ذلك، ودخل الأندلس، وتجول ببلادها، واستوطن غرناطة منها، وكان فقيهاً على مذهب الشافعي، عارفاً بالأصول والتصوف، زاهداً، ورعاً، كثير المعروف والصدقة، يعظ الناس، ويسمع الحديث، ولم يكن بالضابط فيما قاله الحافظ ابن الأبار، قال: وله كتاب " الروضة الأنيقة " من تأليفه، حدث عنه جماعة من الجلة، منهم أبو جعفر ابن عميرة الضبي، وابنا حوط الله أبو محمد وأبو
سليمان، وأبو القاسم الملاحي، وأبو العباس ابن الجيار، وأبو الربيع ابن سالم، وقال: أنشدني عند توديعي إياه بغرناطة قال: سمعت بعض المذكورين ينشد:
يازائراً زار وما زاركأنّه مقتبسٌ نارا
مرّ بباب الدار مستعجلاًما ضرّه لو دخل الدارا
نفسي فداء لك من زائرٍ ... مازار حتى قيل قد سار وسمع منه أبو جعفر ابن الدلال كتاب " المعالم " للخطابي في شرح " سنن أبي داود " بقراءة جمعيه عليه.
ومولده في شوال سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وتوفي بغرناطة بعد أن سكنها يوم الاثنين سادس شوال سنة ثمان وستمائة، قال ابن الأبار: وفي هذا اليوم بعينه كانت وفاة شيخنا أبي عبد الله ابن نوح ببلنسية، رحمهما الله تعالى.
ومن الوافدين من المشرق إلى الأندلس إسماعيل بن عبد الرحمن بن علي، القرشي، من ذرية عبد بن زمعة أخي سودة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها، رحل من مصر إلى الأندلس في زمن السلطان الحاكم المستنصر بالله أعوام الستين وثلاثمائة حين ملك بنو عبيد مصر وأظهروا فيها معتقدهم الخبيث، فحل يومئذ من الحكم المستنصر محل الرحب والسعة، ولما ثارت الدولة العامرية أوى إلى إشبيلية، وأوطنها داراً، واتخذها قراراً، وبها لقيه أبو عمر ابن عبد البر علامة الأندلس فدرس عليه، واقتبس مما لديه، وقد ذكره في تاريخ شيوخه، ولم يزل عقبه بها إلى أن نجم منهم أبو الحسين سالم ابن محمد بن سالم، وهو من رجال " الذخيرة " وله نثر، كما تفتح الزهر، وتدفق البحر، ونظم كما اتسق الدر، وسفرت عن محاسنها الأوجه الغر،
فمن نظمه قوله:
خليليّ، هل ليلى ونجدٌ كعهدنافيا حبّذا ليلى ويا حبّذا نجد
عسى الدّهر أن يقضي لنا بالتفاتةٍفيا ربّ قربٍ قد يجدّده بعد وله أثناء رسالة:
قوس العلا وضعت في كف باريهاوأسهم الخطب عادت نحو راميها ومنها:
وإنّما الشمس لاحت في مطالعها ... بلى وأجرى جياد الخيل مجريها ونشأ هذا النجم الثاقب، والصيب الساكب، وقد أخذ من العلوم في غبر ما فن، وحقق فيه كل ما ظن، وذكره في " المسهب " و " سمط الجمان " وفضله شهير، رحمه الله تعالى.
ومنهم أبو علي القالي، صاحب الأمالي والنوادر، وفد على الأندلس أيام الناصر أمير المؤمنين عبد الرحمن، فأمر ابنه الحكم - وكان يتصرف عن أمر أبيه كالوزير - عاملهم ابن رماحس أن يجيء مع أبي علي إلى قرطبة، ويتلقاه قي وفد من وجوه رعيته ينتخبهم من بياض أهل الكورة تكرمةً لأبي علي، ففعل، وسار معه نحو قرطبة في موكب نبيل، فكانوا يتذاكرون الأدب في طريقهم، ويتناشدون الأشعار، إلى أن تحاوروا يوماً وهم سائرون أدب عبد الملك بن مروان ومساءلته جلساءه عن أفضل المناديل وإنشاده بيت عبدة ابن الطبيب:
ثمّت قمنا إلى جردٍ مسوّمة ... أعرافهن لأيدينا مناديل وكان الذاكر للحكاية الشيخ أبا علي، فأنشد الكلمة في البيت " أعرافها لأيدينا مناديل " فأنكرها ابن رفاعة الإلبيري، وكان من أهل الأدب والمعرفة، وفي خلقه حرج وزعارة، فاستعاد أبا علي البيت متثبتاً مرتين، في كلتيهما أنشده " أعرافها "، فلوى ابن رفاعة عنانه منصرفاً وقال: مع هذا يوفد على أمير المؤمنين وتتجشم الرحلة لتعظيمه، وهو لا يقيم وزن بيت مشهور بين الناس لا تغلط الصبيان فيه والله لا تبعته خطوة، وانصرف عن الجماعة، وندبه أميره ابن رماحس أن لا يفعل، فلم يجد فيه حيلة، وكتب إلى الحكم يعرفه ويصف له ما جرى لابن رفاعة ويشكوه، فأجابه على ظهر كتابه: الحمد لله الذي جعل في بادية من بوادينا من يخطىء وافد أهل العراق إلينا، وابن رفاعة أولى بالرضى عنه من السخط، فدعه لشأنه، واقدم بالرجل غير منتقص من تكرمته، فسوف يعليه الاختبار إن شاء الله تعالى أو يحطه.
وبعض المؤرخين يزعم أن وفادة أبي علي القالي إنما كانت في خلافة الحكم المستنصر بالأندلس، لا في خلافة أبيه الناصر، والصواب أن وفادته في أيام الناصر، لما ذكره غير واحد من حصره وعيه عن الخطبة يوم احتفال الناصر لرسول الإفرنج كما ألمعنا به في غير هذا الموضع.
وفي القالي يقول شاعر الأندلس الرمادي:
من حاكم بيني وبين عذوليالشجو شجوي والعويل عويلي
في أي جارحة أصون معذّبيسلمت من التعذيب والتنكيل
إن قلت في بصري فثمّ مدامعيأو قلت في قلبي فثمّ غليلي
لكن جعلت له المسامع موضعاً ... وحجبتها عن عذل كلّ عذول ولما سمع المتنبي البيت الثاني قال: يصونه في استه.
وكان الرمادي لما سمع قول المتنبي:
كفى بجسمي نحولاً أنّني رجلٌلولا مخاطبتي إيّاك لم ترني قال: أظنه ضرطة، والجزاء من جنس العمل
وباسم أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله طرز الشيخ أبو علي القالي كتاب " الأمالي ".
وكان الحكم كريماً، معنياً بالعلم، وهو الذي وجه إلى الحافظ أبي الفرج الأصبهاني ألف دينار على أن يوجه له نسخة من كتاب الأغاني، وألف أبو محمد الفهري كتاباً في نسب أبي علي البغدادي ورواياته ودخوله الأندلس. وحكى ابن الطيلسان عن ابن جابر أنه قرأ هذين البيتين في لوح رخام كان سقط من القبة المبنية على قبر أبي علي البغدادي عند تهدمها، وهما:
صلوا لحد قبري بالطريق وودّعوافليس لمن وارى التراب حبيب
ولا تدفنوني بالعراء فربّما ... بكى أن رأى قبر الغريب غريب واسم أبي علي إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد ابن سليمان، وجده سليمان مولى عبد الملك بن مروان، وكان أبو علي أحفظ أهل زمانه باللغة والشعر ونحو البصريين، وأخذ الأدب عن أبي بكر ابن دريد الأزدي وأبي بكر ابن الأنباري وابن درستويه وغيرهم، وأخذ عنه أبو بكر الزبيدي الأندلسي صاحب " مختصر العين "، ولأبي علي التصانيف الحسان ك " الأمالي " و " البارع "، وطاف البلاد، وسافر إلى بغداد سنة، وأقام بالموصل لسماع الحديث من أبي يعلى الموصلي، ودخل بغداد سنة، وأقام بها إلى سنة، وكتب بها الحديث، ثم خرج من بغداد قاصداً الأندلس، وسمع
من البغوي وغيره.
قال ابن خلكان: ودخل قرطبة لثلاث بقين من شعبان سنة ثلاثين وثلاثمائة، انتهى.
وهو مما يعين أنه قدم في زمن الناصر، لا في زمن ابنه الحكم كما تقدم، وقد صرح بذلك الصفدي في الوافي فقال: ولما دخل المغرب قصد صاحب الأندلس الناصر لدين الله عبد الرحمن، فأكرمه، وصنف له ولولده الحكم تصانيف وبث علومه هناك، انتهى.
وقال ابن خلكان إنه استوطن قرطبة إلى أن توفي بها في شهر ربيع الآخر، وقيل: جمادى الأولى سنة، ليلة السبت لست خلون من الشهر المذكور، ودفن ظاهر قرطبة، ومولده بمنازجرد من ديار بكرسنة، وقيل: سنة، وإنما قيل له " القالي " لأنه سافر إلى بغداد مع أهل قاليقلا، وهي من أعمال ديار بكر. وهو من محاسن الدنيا، رحمه الله تعالى.
وعيذون: بفتح العين، وسكون الياء المثناة التحتية، وضم الذال المعجمة.
وقال ابن خلكان في ترجمة ابن القوطية: إن أبا علي القالي لما دخل الأندلس اجتمع به، وكان يبالغ في تعظيمه، قال له الحكم بن عبد الرحمن الناصر: من أنبل من رأيته ببلدنا هذا في اللغة فقال: محمد بن القوطية، وكان ابن القوطية مع هذه الفضائل من العباد النساك، وكان جيد الشعر صحيح الألفاظ حسن المطالع والمقاطع إلا أنه تركه ورفضه، وقال الأديب أبو بكر ابن هذيل: إنه توجه يوماً إلى ضيعة له بسفح جبل قرطبة، وهي من بقاع الأرض الطيبة
المونقة، فصادف أبا بكر ابن القوطية المذكور صادراً عنها، وكانت له أيضاً هناك ضيعة، قال: فلما رآني عرج علي، واستبشر بلقائي، فقلت مداعباً له:
من أين أقبلت يا من لا شبيه لهومن هو الشمس والدنيا له فلك قال: فتبسم وأجاب بسرعة:
من منزل تعجب النساك خلوته ... وفيه ستر على الفتّاك إن فتكوا فما تمالكت أن قبّلت يده، إذ كان شيخي ودعوت له، انتهى.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع