تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب السابع في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان، وبذلهم (٣)

ولا قضت من سواد العين حاجتها ... حتى تكرّ على ما طلّ في الشّعر وهل منكم الذي طار في مشارق الأرض ومغاربها قوله، وهو أبو القاسم محمد بن هانئ الإلبيري:

فتقت لكم ريح الجلاد بعنبروأمدكم فلق الصّباح المسفر
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر»

وجنيتم ثمر الوقائع يانعاً ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر وقد سمعت فائتيه في النجوم، ولولا طولها لأنشدتها هنا، فأنها أحسن ما قيل في معناها.

وهل منكم من قال في الزهد مثل قول أبي الوهب العباسي القرطبي:

أنا في حالتي التي قد ترانيإن تأملت أحسن الماس حالاً
للشاعر أبو وهب القرطبي، اقرأ القصيدة
منزلي حيث شئت من مستقرّ الأرض أسقى من المياه زلالا
للشاعر أبو وهب القرطبي، اقرأ القصيدة
ليس لي كسوةٌ أخاف عليهامن مغيرٍ ولا ترى لي مالا
للشاعر أبو وهب القرطبي، اقرأ القصيدة
أجعل الساعد اليمين وساديثم أثنى إذا انقلبت الشمالا
ليس لي والدٌ ولا لي مولودٌ ولا حزت مذ عقلت عيالا
للشاعر أبو وهب القرطبي، اقرأ القصيدة
قد تلذّذت حقبةً بأمورٍفتأمّلتها فكانت خيالا ومثل قول أبي محمد عبد الله بن العسال الطليطلي:
انظر الدّنيا فإن أبصرتها شيئاً يدوم
فاغد منها في أمانٍإن يساعدك النعيم
وإذا أبصرتها منك على كرهٍ تهيم

فاسل عنها واطّرحها ... وارتحل حيث تقيم وهل نشأ عندكم من النساء مثل ولاّدة المروانية التي تقول مداعبة للوزير ابن زيدون، وكان له غلام اسمه علي:

ما لابن زيدون على فضلهيغتابني ظلماً ولا ذنب لي

ينظرني شزراً إذا جئته ... كأنّما جئت لأخصي علي ومثل زينب بنت زياد المؤدب الوادي آشية التي تقول:

ولمّا أبى الواشون إلا فراقناوما لهم عندي وعندك من ثار
للشاعر حمدة بنت زياد، اقرأ القصيدة
وشنّوا على أسماعنا كلّ غارةوقلّ حماتي عند ذاك وأنصاري
للشاعر زينب فواز، اقرأ القصيدة

غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالسيف والماء والنار وأنا أختم هذه القطع المتخيرة بقول ابي بكر ابن بقيّ ليكون الختام مسكاً:

عاطيته والليل يسحب ذيلهصهباء كالمسك الفتيق لناشق
للشاعر ابن بقي القرطبي، اقرأ القصيدة
وضممته ضمّ الكميّ لسيفهوذؤابتاه حمائلٌ في عاتقي
للشاعر ابن بقي القرطبي، اقرأ القصيدة
حتى إذا مالت به سنة الكرىزحزحته شيئاً وكان معانقي
باعدته عن أضلعٍ تشتاقهكيلا ينام على وسادٍ خافق وبثقول القاضي أبي حفص ابن عمر القرطبي:
هم نظروا لواحظها فهامواوتشرب لبّ شاربها المدام
للشاعر ابن عمرو الأغماتي، من قصيدة «هم نظروا لواحظها فهاموا»
يخاف الناس مقلتها سواهاأيذعر قلب حامله الحسام
للشاعر ابن عمرو الأغماتي، من قصيدة «هم نظروا لواحظها فهاموا»
سما طرفي إليها وهو باكٍوتحت الشمس ينسكب الغمام
للشاعر ابن عمرو الأغماتي، من قصيدة «هم نظروا لواحظها فهاموا»
وأذكر قدّها فأنوح وجداًعلى الأغصان تنتدب الحمام
للشاعر أبو حفص السلمي، اقرأ القصيدة
وأعقب بينها في الصدر غمّاًإذا غربت ذكاء أتى الظلام وبقوله أيضاً:
لها ردفٌ تعلّق في لطيفوذاك الردف لي ولها ظلوم
للشاعر ابن عمرو الأغماتي، من قصيدة «مشت كالغصن يثنيه النسيم»

يعذّبني إذا فكّرت فيه ... ويتعبها إذا رامت تقوم وقد أطلت عنان النظم، علىأني اكتفيت عن الاستدلال على النهار بالصباح، فبالله إلا ما أخبرتني: من شاعركم الذي تقابلون به شاعراً ممن ذكرت لا أعرف لكم أشهر ذكراً، وأضخم شعراً، من أبي العباس الجراوي،

وأولى لكم أن تجحدوا فخره، وتنسوا ذكره، فقد كفاكم ما جرى من الفضيحة عليكم في قوله من قصيدة يمدح بها خليفة:

إذا كان أملاك الزمان أراقماً ... فإنّك فيهم دائم الدهر ثعبان فما أقبح ما وقع ثعبان وما أضعف ما جاء دائم الدهر، ولقد أنشدت أحد ظرفاء الأندلس هذا البيت، فقال: لا ينكر هذا على مثل الجراوي، فسبحان من جعل نسبه وروحه وشعره تتناسب في الثقالة.

وإذا أردت الافتخار بالفرسان، والتفاضل باالشجعان، فمن كان قبلنا منهم في مدة المنصور بن أبي عامر ومدة ملوك الطوائف أخبارهم مشهورةٌ، وآثارهم مذكورة، وكفاك من أبطال عصرنا ما سمعت عن الأمير أبي عبد الله ابن مردنيش وأنه كان يدفع في المواكب ويشقها يميناً ويساراً منشداً:

أكرّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها حتى إنه دفع يوماً في موكب من النصارى فصرع وقتل، وظهر منه ما أعجبت به نفسه، فقال لشيخ من خواصه، عالم بأمور الحرب مشهور بها: كيف رأيت فقال له: لو رآك السلطان زاد فيما لك في بيت المال، وأعلى مرتبتك، أمن يكون رأس جيش يقدم هذا الإقدام، ويتعرض بهلاك نفسه إلى هلاك جيشه فقال له: دعني فإني لا أموت مرتين، وإذا مت أنا فلا عاش من بعدي.

والقائد أبو عبد الله ابن قادس الذي اشتهر من شجاعته وما واقعه في النصارى وحسن بلائه ماصير النصارى من رعبه والإقرار بفضله في هذا الشأن أن يقول

أحدهم لفرسه إذا سقاه فلم يقبل على الماء: ما لك أرأيت ابن قادس في الماء وهذه مرتبة عظيمة:

" والفضل ما شهدت به الأعداء " ... ولقد أخبرني من أثق به أنه خرج من عسكرٍ في كتيبة مجردة برسم الغارة على بلاد النصارى، فوقع في جمع كبير منهم، فجهد جهده في الخلاص منهم والرجوع إلى العسكر، فجعل يقاتل مه أصحابه في حالة الفرار إلى أن كبا بأحد جنده فرسه، وفرّ عنه، فناداه مستغيثاً، فقال: اصبر، ثم نظر إلى فارس من النصارى قد طرق فقال: اجر إلى هذا النصراني فخذ فرسه، وركض نحوه فأسقطه، وقال لصاحبه: اركب، فركب ونجا معه سالماً؛ وأمثال هذا كثير، وإنما جئت بحصاة من ثبير.

وأما كرم النفس وشمائل الرياسة، فأنا أحكي لك حكاية تتعجب منها، وهي مما جرى في عصرنا، وذلك أن أبا بكر ابن زهر نشأت بينه وبين الحافظ أبي بكر ابن الجد عداوة مفرطة للاشتراك في العلم والرياسة وكثرة المال والبلدية، فأجرى ابن زهر يوماً ذكره في جماعة من أصحابه، وقال: لقد آذانا هذا الرجل أشد أذية، ولم يقصر في القول عند أمير المؤمنين وعند خواص الناس وعوامهم، فقال له أحد عوامهم: إني أذكر لك عليه عقداً فيه مخاصمة في موضع مما يعز عليه من مواضعه، ومتى خاصمته في ذلك بلغت منه في النكاية أشد مبلغ، فحرج ابن زهر، وأظهر الغضب الشديد، والإنكار لذلك، وقال لوكيله: أمثلي يجازي على العداوة بما يجازي به السفل والأوباش وإني أجعل ابن الجد في حل من موضع الخصام، وأمر بأن يحمل له العقدن ثم قال: وإني

والله ما أروم بذلك أ، أصالحه، فإن عداوته من حسد، وأنا أسأل الله تعالى أن يديمها لأنها مقترنة بدوام نعم الله علي.

وإن تعرضت إلى ذكر البلاد، وتفسير محاسنها، وما خصها الله تعالى به مما حرمها غيرها، فاسمع ما يميت الحسود كمداً:

أما إشبيلية فمن محاسنها اعتدال الهواء، وحسن المباني، وتزيين الخارج والداخل، وتمكن التمصر، حتى إن العامة تقول: لو طلب لبن الطير في إشبيلية وجد، ونهرهاالأعظم الذي يصعد المد فيه اثنين وسبعين ميلاً ثم يحسر، وفيه يقول ابن سفر:

شقّ النسيم عليه جيب قميصهفانساب من شطّيه يطلب ثاره

فتضاحكت ورق الحمام بدوحها ... هزءاً فضمّ من الحياء إزاره وزيادته على الأنهار كون ضفتيه مطرزتين بالمنازه والبساتين والكروم والأنشام متصل ذلك اتصالاً لا يوجد على غيره.

وأخبرني شخص من الأكياس دخل مصر وقد سألته عن نيلها أنه لا تتصل بشطيه البساتين والمنازه اتصالها بنهر إشبيلية، وكذلك أخبرني شخص آخر دخل بغداد، وقد سعد هذا الوادي بكونه لا يخلو من مسرةٍ، وأن جميع أدوات الطرب وشرب الخمر فيه غير منكر لا ناهٍ عن ذلك ولا منتقد، ما لم يؤد السكر إلى شر وعربدة، وقد رام من وليها من الولاة المظهرين للدين قطع ذلك، فلم يستطيعوا إزالته، وأهله أخف الناس أرواحاً، وأطبعهم نوادر، وأحملهم لمزاح بأقبح ما يكون من السب، قد مرنوا على ذلك، فصار لهم ديدناً حتى صار عندهم من لا يبتذل فيه ولا يتلاعن ممقوتاً ثقيلاً. وقد سمعت عن شرف إشبيلية الذي ذكره أحد الوشاحين في موشحة مدح بها المعتضد ابن عباد:

إشبيليا عروساًوبعلها عبّاد

وتاجها الشرف ... وسلكها الواد أي شرف قد حاز ما شاء من الشرف إذ عم أقطار الأرض خيره، وسفر ما يعصر من زيتونه من الزيت حتى بلغ الإسكندرية، وتزيد قراه على غيرها من القرى بانتخاب مبانيها، وتهمم سكانها فيها داخلاً وخارجاً، إذ هي من تبييضهم لها نجوم في سماء الزيتون.

وقيل لأحد من رأى مصر والشام: أيها رأيت أحسن هذان أم إشبيلية فقال بعد تفضيل إشبيلية: وشرفها غابة بلا أسد، ونهرها نيل بلا تمساح. وقد سمعت عن جبال الرحمة بخارجها، وكثرة ما فيها من التين القوطي والشعري، وهذان الصنفان أجمع المتجولون في أقطار الأرض أن ليس في غير إشبيلية مثلٌ لهما، وقد سمعت ما في هذا البلد من أصناف أدوات الطرب كالخيال والكريج والعود والروطة والرباب والقانون والمؤنس والكثيرة والفنار والزلامي والشقرة والنورة وهما مزماران الواحد غليظ الصوت والآخر رقيقه - والبوق، وإن كان جميع هذا موجوداً في غيرها من بلاد الأندلس فإنه فيها أكثر وأوجد، وليس في بر العدوة من هذا شيء إلا ما جلب إليه من الأندلس وحسبهم الدف وأقوال واليرا وأبو قرون ودبدبة السودان وحماقي البرابر، وأما جواريها ومراكبها براً وبحراً ومطابخها وفواكهها الخضراء واليابسة فأصناف

أخذت من التفضيل بأوفر نصيب، وأما مبانيها فقد سمعت عن إتقانها واهتمام أصحابها بها وكون أكثر ديارها لا تخلو من الماء الجاري والأشجار المتكاثفة كالنارنج والليمون والزنبوع وغير ذلك، وأما علماؤهم في كل صنف رفيع أو وضيع جداً أو هزلاً فأكثر من أن يعدوا، وأشهر من أن يذكروا، وأما ما فيها من الشعراء والوشاحين والزجالين فما لو قسموا على بر العدوة ضاق بهم، والكل ينالون خير رؤسائها ورفدهم، وما من جميع ما ذكرت في هذه البلدة الشريفة إلا وقصي به العبارة عن فضائل جميع الأندلس، فما تخلو بلادها من ذلك، ولكن جعلت غشبيلية، بل الله جعلها أم قراها، ومركز فخرها وعلاها، إذ هي أكبر مدنها، وأعظم أمصارها.

وأما قرطبة فكرسي المملكة في القديم، ومركز العلم ومنار التقى ومحل التعظيم والتقديم، بها استقرت ملوك الفتح وعظماؤه، ثم الملوك المروانية، وبها كان يحيى ابن يحيى راوية مالك، وعبد الملك ابن حبيب، وقد سمعت من تعظيم أهلها للشريعة، ومنافستهم في السؤدد بعلمها، وأن ملوكها كانوا يتواضعون لعلمائها، ويرفعون أقدارهم، ويصدرون عن آرائهم، وأنهم كانوا لا يقدمون وزيراً ولا مشاوراً ما لم يكن عالماًن حتى إن الحكم المستنصر لما كره له العلماء شرب الخمر هم بقطع شجرة العنب من الأندلس، فقيل له: فإنها تعصر من سواها، فأمسك عن ذلك؛ وأنهم كانوا لا يقدمون أحداً للفتوى ولا لقبول الشهادة حتى يطول اختباره، وتعقد له مجالس المذاكرة، ويكون ذا مال في غالب الحال خوفاً من أن يميل به الفقر إلى الطمع فيما في أيدي الناس فيبيع به حقوق الدين، ولقد أخبرت أن الحكم الربضي أراد تقديم شخص من الفقهاء يختص به للشهادة، فأخذ في ذلك مع يحيى ابن يحيى وعبد الملك وغيرهما من أعلام العلماء، فقالوا له: هم أهل، ولكنه شديد الفقر، ومن

يكون في هذه الحالة لا تأمنه على حقوق المسلمين، لا سيما وأنت تريد انتفاعه وظهوره في الدخول في المواريث والوصايا وأشباه ذلك، فسكت ولم ير منازعتهم، وبقي مهموماً من كونهم لم يقبلوا قوله، فنظر إليهولده عبد الرحمن الذي ولي الملك بعده، وعلى وجهه أثر ذلك، فقال: ما بالك يامولاي فقال: ألا ترى لهؤلاء الذين نقدمهم وننوه عند الناس بمكانهم حتى إذا كلفناهم ما ليس عليهم فيه شطط، بل ما لا يعيبهم، ولا هو مما يرزؤهم شيئاً صدونا عنه، وغلقوا أبواب الشفاعة، وذكر له ما كان منهم، فقال: يا مولاي، أنت أولى الناس بالإنصاف، إن هؤلاء ما قدمتهم أنت ولا نوهت بهم، وإنما قدمهم ونوه بهم علمهم، أو كنت تأخذ قوماً جهالاً فتضعهم في مواضعهم قال: لا، قال: فأنصفهم فيما تعبوا فيه من العلم لينالوا به لذة الدنيا وراحة الآخرة، قال: صدقت، ثم قال: وأما كونهم لم يقبلوا هذا الرجل لشدة فقره فالعلة في ذلك تنحسم بما يبقي لك في الصالحات ذكراً، قال: وما هو قال: تعطيه من مالك قدر ما يلحق به من الغنى ما يؤهله لتلك المنزلة، ويزيل عنك هذا خجل ردهم لك، وتكون هذه مكرمة ما سبقك إليها أحد، فتهلل وجه الحكم وقال: إلي إلي، إنها والله شنشنة عبشمية وإن الذي قال فينا لصادق:

وأبناء أملاك خضارٍ سادة ... صغيرهم عند الأنام كبير ثم استدعى عبد الملك بن حبيب وسأله عن قدر ما يؤهله لتلك المرتبة من الغنى، فذكر له عدداً، فأمر له به في الحين، ونبه قدره بان أعطاه من إسطبله مركوباًن وكانت هذه أكرومة لا خفاء بعظمها:

" يفنى الزمان وما بنته مخلّدٌ " ... ثم إنه إذا كان له من الغنى ما يكفه عن أموال الناس ومن الدين ما يصده عن محارم الله تعالى، ومن العلم ما لا يجهل به التصرف في الشريعة، أباحوا له الفتوى والشهادة، وجعلوا علامة لذلك بين الناس القالس والرداء.

وأهل قرطبة أشد الناس محافظة على العمل بأصح الأقوال المالكية، حتى إنهم كانوا لا يولون حاكماً إلا بشرط أن لا يعدل في الحكم عن مذهب ابن القاسم.

وقال ابن سارة لما دخل قرطبة:

الحمد لله قد وافيت قرطبةً ... دار العلوم وكرسيّ السلاطين وهي كانت مجمع جيوش الإسلام، ومنها نصر الله على عبدة الصليب.

يقال: إن المنصور ابن أبي عامر - حين تم له ملك البرين، وتوفرت الجيوش والأموال - عرض بظاهر قرطبة خيله ورجله، وقد جمع من أقطار البلاد ما ينهض به إلى قتال العدو وتدويخ بلاده، فنيف الفرسان على مائتي ألف، والرجالة على ستمائة ألف. وبها حتى الآن من صناديد المسلمين وقوادهم من لا يفتر عن محاربة، ولا يمل من مضاربة، أسماؤهم بأقاصي بلاد النصارى مشهورة، وآثارهم فيها مأثورة، وقلوبهم على البعد بخوفهم معمورة.

ويحكى أن العمارة في مباني قرطبة والزاهرة والزهراء اتصلت إلى أن كان يمشى فيها لضوء السرج المتصلة عشرة أميال، وأما جامعها الأعظم فقد سمعت أن ثرياته من نواقيس النصارى، وأن الزيادة التي زاد في بنائه ابن أبي عامر من تراب نقله النصارى على رؤوسهم مما هدم من كنائس بلادهم، وقد

سمعت أيضاً عن قنطرتها العظمى وكثرة أرحي واديها، يقال: إنها تنيف على خمسة آلاف حجر، وقد سمعت عن كنبانيتها وما فضل الله تعالى به تربها من بركة وما ينبت فيها من القمح وطيبه، وفيها جبال الورد الذي بلغ الربع منه مرات إلى ربع درهم، وصار أصحابه يرون الفضل لمن قطف بيده ما يمنحونه منه، ونهرها إن صغر عندها عن عظمه عند إشبيلية فإن لتقارب بريه هنالك وتقطع خدره ومروجه معنى آخر وحلاوة أخرى، وزيادة أنس، وكثرة أمان من الغرق، وفي جوانبه من البساتين والمروج ما زاده نضارة وبهجة.

وأما جيان فإنها لبلاد الأندلس قلعة، إذ هي أكثرها زرعاً، وأصرمها أبطالاً، وأعظمها منعة، وكم رامتها من عساكر النصارى عند فترات الفتن فرأوها أبعد من العيوق، وأعز منالاً من بيض الأنوق، ولا خلت من علماء ولا من شعراء، ويقال لها " جيان الحرير " لكثرة اعتناء باديتها وحاضرتها بدود الحرير.

ومما يعد في مفاخرها ما ببياسة إحدى بلاد أعمالها من الزعفران الذي يسفر براً وبحراً، وما في أبده من الكروم التي كاد العنب فيها لا يباع ولا يشترى كثرة، وما كان بأبدة من أصناف الملاهي والرواقص المشهورات بحسن الانطباع والصنعة، فإنهن أحذق خلق الله تعالى باللعب بالسيوف والدك، وإخراج القروى والمرابط والمتوجه.

وأما غرناطة فإنها دمشق بلاد الأندلس، ومسرح الأبصار، ومطمح الأنفس، لها القصبة المنيعة ذات الأسوار الشامخة، والمباني الرفيعة، وقد اختصت بكون النهر يتوزع على ديارها وحماماتها، وأسواقها وأرحاها الداخلة والخارجة وبساتينها، وزانها الله تعالى بأن جعلها مرتبة على بسيطها الممتد الذي تفرعت

فيه سبائك الأنهار بين زبرجد الأشجار، ولنسيم نجدها وبهجة منظر حورها في القلوب والأبصار، استلطاف يروق الطباع، ويحدث فيها ما شاءه الإحسان من الإختراع والابتداع، ولم تخل من أشراف أماثل، وعلماء أكابر، وشعراء أفاضل، ولو لم يكن لها إلا ما خصها الله تعالى به من كونها قد نبغ فيها من الشواعر مثل نزهون القلاعية وزينب بنت زياد، وقد تقدم شعرهما، وحفصة بنت الحاج وناهيك في الظرف والأدب، وهل ترى أظرف منها في جوابها للوزير الحسيب الناظم الناثر أبي جعفر ابن القائد الأجل أبي مروان ابن سعيد، وذلك أنهما باتا بحور مؤمل على ما يبيت به الروض والنسيم، من طيب النفحة ونضارة النعيم، فلما حان الانفصال قال أبو جعفر:

رعى الله ليلاً لم يرع بمذمّمٍعشيّة وارانا بحور مؤمّل
للشاعر أبو جعفر ابن سعيد الأندلسي، اقرأ القصيدة
وقد خفقت من نحو نجدٍ أريجةٌإذا نفحت هبّت بريّا القرنفل
للشاعر أبو جعفر ابن سعيد الأندلسي، اقرأ القصيدة
وغرّد قمريٌّ على الدّوح وانثنىقضيبٌ من الريحان من فوق جدول
للشاعر أبو جعفر ابن سعيد الأندلسي، اقرأ القصيدة

ترى الروض مسروراً بما قد بدا له ... عناقٌ وضمٌ وارتشاف مقبّل وكتبه إليها بعد الإفتراق، لتجاوبه على عادتها في ذلك، فكتبت له ما لا يخفى فيه قيمتها:

لعمرك ما سرّ الرّياض بوصلناولكنّه أبدى لنا الغلّ والحسد
للشاعر حفصة بنت الحاج الركونية، اقرأ القصيدة
ولا صفّق النهر ارتياحاً لقربناولا صدح القمريّ إلا بما وجد
للشاعر حفصة بنت الحاج الركونية، اقرأ القصيدة
فلا تحسن الظنّ الذي أنت أهلهفما هو في كلّ المواطن بالرشد
للشاعر حفصة بنت الحاج الركونية، اقرأ القصيدة

فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه ... لأمرٍ سوى كيما تكون لنا رصد وأما مالقة فإنها قد جمعت بين منظر البحر والبر بالكروم التي

لا تكاد ترى فيها فرجة لموضع غامر، والبروج التي شابهت نجوم السماء، كثرة عدد وبهجة ضياء، وتخلل الوادي الزائر لها في فصلي الشتاء والربيع في سرر بطحائها، وتوشيحه لخصور أرجائها، ومما اختصت به من بين سائر البلاد التين الريي المنسوب إليها، لأن اسمها في القديم رية، ولقد أخبرت أنه يباع في بغداد على جهة الاستطراف، وأما ما يسفر منه المسلمون والنصارى في المراكب البحرية فأكثر من أن يعبر عنه بما يحصره، وقد اجتزت بها مرة، وأخذت على طريق الساحل من سهيل إلى أن بلغت إلى بليش قدر ثلاثة أيام متعجباً فيما حوته هذه المسافة من شجر التين، وإن بعضها ليجتني جميعها الطفل الصغير من لزوقها بالأرض، وقد حوت ما يتعب الجماعة كثرة، وتين بليش هو الذي قيل فيه للبربري: كيف رأيته قال: لا تسألني عنه، وصب في حلقي بالقفة؛ وهو لعمر الله معذور، لأنه نعمة حرمت بلاده منها، وقد خصت بطيب الشراب احلال والحرام حتى سار المثل بالشراب المالقي، وقيل لأحد الخلعاء، وقد أشرف على الموت: اسأل ربك المغفرة، فرفع يديه وقال: يارب، أسألك من جميع ما في الجنة خمر مالقة وزبيبي إشبيلية، وفيها تنسج الحلل الموشية التي تجاوز أثمانها الآلاف ذات الصور العجيبة المنتخبة برسم الخلفاء فمن دونهم، وساحلها محط تجارة لمراكب المسلمين والنصارى.

وأما المرية فإنها البلد المشهور الذكر، العظيم القدر، الذي خص أهله باعتدال المزاج، ورونق الديباج، ورقة البشرة، وحسن الوجوه والأخلاق، وكرم المعاشرة والصحبة، وساحلها أنظف السواحل وأشرحها وأملحها منظراً،

وفيها الحصى الملون العجيب الذي يجعله رؤساء مراكش في البراريد والرخام الصقيل الملوكي وواديها المعروف بوادي بجانة من أفرج الأودية، ضفتاه بالرياض كالعذارين حول الثغر، فحق أن ينشد فيها:

أرض وطئت الدر رضراضاً بها ... والترب مسكاً والرّياض جنانا وفيها كان ابن ميمون القائد الذي قهر النصارى في البحر، وقطع سفرهم فيه، وضرب على بلاد الرمانية، فقتل وسبى، وملأ صدور أهلها رعباً، حتى كان منه كما قال أشجع:

فإذا تنبّه رعته وإذا غفا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام وبها كان محط مراكب النصارى، ومجتمع ديوانهم، ومنها كانت تسفر لسائر البلاد بضائعهم، ومنها كانوا يوسقون جميع البضائع التي تصلح لهم، وقصد بضبط ذلك بها حصر ما يجتمع في أعشارهم، ولم يوجد لهذا الشأن مثلها، لكونها متوسطة ومتسعة قائمة بالوارد والصادر، وهي أيضاً مصنع للحلل الموشية النفيسة.

وأما مرسية فإنها حاضرة شرق الأندلس، ولأهلها من الصرامة والإباء ما هو معروف مشهور، وواديها قسيم وادي إشبيلية، كلاهما ينبع من شقورة وعليه من البساتين المهتدبة الأغصان، والنواعير المطربة الألحان، والأطيار المغردة، والأزهار المتنضدة، ما قد سمعت، وهي من أكثر البلاد فواكه وريحاناً، وأهلها أكثر الناس راحات وفرجاً لكون خارجها معيناً على ذلك

بحسن منظره، وهي بلدة تجهز منها العروس التي تنتخب شورتها لا تفتقر في شيء من ذلك إلى سواها، وهي للمرية ومالقة في صنعة الوشي ثالثة، وقد اختصت بالبسط التنتلية التي تسفر لبلاد المشرق، وبالحصر التي تغلف بها الحيطان المبهجة للبصر، إلى غير ذلك مما يطول ذكره، ولو تخل من علماء وشعراء وأبطال.

وأما بلنسية فإنها لكثرة بساتينها تعرف بمطيب الأندلس، ورصافتها من أحسن متفرجات الأرض، وفيها البحيرة المشهورة الكثيرة الضوء والرونق، ويقال إنه لمواجهة الشمس لتلك البحيرة يكثر ضوء بلنسية إذ هي موصوفة بذلك، ومما خصت به النسيج البلنسي الذي يسفر لأقطار المغرب، ولم تخل من علماء ولا شعراء، ولا فرسان يكابدون مصاقبة الأعداء، ويتجرعون فيها النعماء ممزوجة بالضراء، واهلها أصلح الناس مذهباً، وأمتنهم ديناً، وأحسنهم صحبة، وأرفقهم بالغريب.

وأما جزيرة ميورقة فمن أخصب بلادالله تعالى أرجاء، وأكثرها زرعاً ورزقاً وماشية، وهي على انقطاعها من البلاد مستغنية عنها، يصل فاضل خيرها إلى غيرها، إذ فيها من الحضارة والتمكن والتمصر وعظم البادية ما يغنيها، وفيها من الفوائد ما فيها، ولها فضلاء وابطال اقتصروا على حمايتها من الأعداء المحدقة بها:

من كلّ من جعل الحسام خليله ... لا يبتغي أبداً سواه معينا هذا - زان الله تعالى فضلك بالإنصاف، وشرف كرمك بالاعتراف - ما حضرني الآن في فضل جزيرة الأندلس، ولم أذكر من بلادها إلا ما كل

بلد منها مملكة مستقلة يليها ملوك بني عبد المؤمن على انفراد، وغيرها في حكم التبع.

وأما علماؤها وشعراؤها فإني لم أعرض منهم إلا لمن هو في الشهرة كالصباح، وفي مسير الذكر كمسير الرياح، وأنا أحكي لك حكاية جرت لي في مجلس الفقيه الرئيس أبي بكر ابن زهر، وذلك أني كنت يوماً بين يديه، فدخل علينا رجل عجمي من فضلاء خراسان، وكان ابن زهر يكرمه، فقلت له: ما تقول في علماء الأندلس وكتابهم وشعرائهم فقال: كبرت، فلم أفهم مقصده، واستبردت ما أتى به، وفهم مني أبو بكر ابن زهر أني نظرته نظر المستبرد المنكر، فقال لي: أقرأت شعر المتنبي فقلت: نعم، وحفظت جميعه، قال: فعلى نفسك إذن فلتنكر، وخاطرك بقلة الفهم فلتتهم، فذكرني بقول المتنبي:

كبّرت حول ديارهم لمّا بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق فاعتذرت للخراساني، وقلت له: قد والله كبرت في عيني بقدر ما صغرت نفسي عندي، حين لم أفهم نبل مقصدك، فالحمد لله الذي أطلع من المغرب هذه الشموس، وجعلها بين جميع أهله بمنزلة الرؤوس، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه المختار من صفوة العرب، وعلى آله وصحبه، صلاةً متصلة إلى غابر الحقب.

كملت رسالة الشقندي.

[ترجمة الشقندي]

وهو أبو الوليد إسماعيل بن محمد، وشقندة المنسوب إليها قرية مطلة

على نهر قرطبة مجاورة لها من جهة الجنوب. قال ابن سعيد: وهو ممن كان بينه وبين والدي صحبة أكيدة، ومجالسات أنس عديدة، ومزاورات تتصل، ومحاضرات لا تكاد تنفصل، وانتفعت بمجالسته، وله رسالة في تفضيل الأندلس، يعارض بها أبا يحيى في تفضيل بر العدوة أورد فيها من المحاسن ما يشهد له بلطافة المنزع وعذوبة المشرع، وكان جامعاً لفنون من العلوم الحديثة والقديمة، وعني بمجلس المنصورفكانت له فيه مشاهد غير ذميمة، وولي قضاء بياسة وقضاء لورقة، ولم يزل محفوظ الجانب، محمود المذاهب، سمعته ينشد والدي قصيدةً في المنصور وقد نهض للقاء العدو، منها:

إذا نهضت فإنّ السيف منتهضترمي السعود سهاماً والعدا غرض
للشاعر الشقندي، اقرأ القصيدة

لك البسيطة تطويها وتنشرها ... فليس في كلّ ماتنويه معترض قال: وسمعته يقول له: أنشدت الوزير أبا سعيد ابن جامع قصيدة أولها:

استوقف الرّكب قد لاحت لك الدارواسأل بربع تناءت عنه أقمار
للشاعر الشقندي، اقرأ القصيدة
لا خفّف الله عنّي بعد بينهمفإنّني سرت والأحباب ما ساروا ومنها:
للشاعر الشقندي، اقرأ القصيدة
ألا رعى الله ظبياً في قبابهممنه لهم في ظلام الليل أنوار وله:
للشاعر الشقندي، اقرأ القصيدة
علّلاني بذكر من همت فيهوعداني عنه بما أرتجيه
للشاعر الشقندي، اقرأ القصيدة
وإذا ما طربتما لارتياحيفاجعلا خمرتي مدامة فيه
للشاعر الشقندي، اقرأ القصيدة
ليت شعري وكم أطيل الأمانيأيّ يومٍ في خلوةٍ ألتقيه
للشاعر الشقندي، اقرأ القصيدة
وإذا ما ظفرت يوماً بشكوىقال لي: أين كلّ ما تدّعيه
للشاعر الشقندي، اقرأ القصيدة
لا دموع ولا سقام فماذاشاهدٌ عنك بالذي تدّعيه
للشاعر الشقندي، اقرأ القصيدة
قلت دعني أمت بدائي فإّنيلو براني الغرام لا أبديه وقال في عوده لما مرض:
إنّي مرضت مرضةًأسقط منها في يدي
للشاعر الشقندي، اقرأ القصيدة
فكان في الإخوان منلم أره في العوّد
للشاعر الشقندي، اقرأ القصيدة
فقلت في كلّهمقول امرئ مقتصد
للشاعر الشقندي، اقرأ القصيدة
اير الذي قد عادنيفي آست الذي لم يعد مات بإشبيلية سنة، انتهى

[استطراد في الإشادة بالأندلس]

وقال ابن سعيد: أنشدني والدي للحافظ أبي الطاهر السلفي، قال وكفى به شاهداً، وبقوله مفتخراً:

بلاد أذربيجان في الشرق عندناكأندلسٍ بالغرب في العلم والأدب

فما إن تكاد الدهر تلقى مميزاً ... من آهليهما إلا وقد جدّ في الطلب وحكى غير واحد كابن الأبار أن عباس بن ناصح الشاعر لما توجه من قرطبة

إلى بغداد، ولقي أبا نواس، قال له: أنشدني لأبي الأجرب، قال: فأنشدته، ثم قال: أنشدني لبكر الكناني، فأنشدته، وهذان شاعران من الأندلس.

[حكايات واشعار أندلسية]

واعلم أنا إن تتبعنا كلام الأندلسيين وحكاياتهم الدالة على سبقهم طال بنا الكتاب، ولم نستوف المراد، فرأينا أن نذكر بعضاً من ذلك بحسب ما اقتضاه الحال وأبداه، ليكون عنواناً دالاً على ما عداه:

يكفي من الحلي ما قد حف بالعنق ... ولنبدأ ما نسوقه من أخبار الأندلسيين وأشعارهم وحكاياتهم في الجد والهزل، والتولية والعزل، بقول الفقيه الزاهد أبي عمران موسى بن عمران المارتلي، وكان سكن إشبيلية:

لا تبك ثوبك إن أبليت جدّتهوابك الذي أبلت الأيام من بدنك
ولا تكوننّ مختالاً بجدّتهفربّما كان هذا الثوب من كفنك
ولا تعفه إذا أبصرته دنساًفإنما اكتسب الأوساخ من درنك وقال أبو عمرو اليحصبي اللوشي:
شرّد النوم عن جفونك وانظرحكمةً توقظ النفوس النياما
للشاعر أبو عمر اليحصبي اللوشي، اقرأ القصيدة
فحرامٌ على امرئ لم يشاهدحكمة الله أن يذوق المناما وقال أيضاً:
ليس للمرئ اختيارٌ في الذييتمنّى من حراكٍ وسكون
للشاعر أبو عمر اليحصبي اللوشي، اقرأ القصيدة
إنّما المرء لربٍّ واحدٍإن يشأ قال له: كن فيكون شعر أبو وهب القرطبي:
تنام وقد أعدّ لك السهادوتوقن بالرحيل وليس زاد
للشاعر أبو وهب القرطبي، اقرأ القصيدة
وتصبح مثل ما تمسي مضيعاًكأنّك لست تدري ما المراد
للشاعر أبو وهب القرطبي، اقرأ القصيدة
أتطمع أن تفوز غداً هنيئاًولم يك منك في الدنيا اجتهاد
للشاعر أبو وهب القرطبي، اقرأ القصيدة

إذا فرّطت في تقديم زرعٍ ... فكيف يكون من عدمٍ حصاد وقيل: إن الأبيات السابقة التي أولها: " أنا في حالتي التي ... الخ " وجدت في تركته بخطه في شقف، وبعضهم ينسبها لغيره، واسم أبي وهب المذكور عبد الرحمن، وذكره ابن بشكوال في الصلة، وأثنى عليه بالزهد والانقطاع، وكان في أول أمره قد حسب عامة الناس أنه مختل العقل، فجعلوا يؤذونه ويرمونه بالحجارة، ويصيحون عليه: يا مجنون يا أحمق، فيقول:

يا عاذلي أنت به جاهلٌدعني به لست بمغبون
للشاعر أبو وهب القرطبي، اقرأ القصيدة
أما تراني أبداً والهاًفيه كمسحورٍ ومفتون
للشاعر أبو وهب القرطبي، اقرأ القصيدة
أحسن ما أسمع في حبّهوصفي بمختلٍ ومجنون
للشاعر أبو وهب القرطبي، اقرأ القصيدة

وقال الخطيب أبو محمد ابن برطله:

بأربعةٍ أرجو نجاتي وإنّهالأكرم مذخورٍ لديّ وأعظم
شهادة إخلاصي وحبي محمداًوحسن ظنوني ثم أنّي مسلم وقال ابن حبيش:
قالوا تصبّر عن الدنيا الدنيّة أوكن عبدها واصطبر للذّل واحتمل
لا بدّ من أحد الصبرين، قلت: نعمالصبر عنها بعون الله أوفق لي وقال ابن الشيخ:
اطلب لنفسك فوزها واصبر لهانظر الشفيق وخف عليها واتّق
من ليس يرحم نفسه ويصدّهاعمّا سيهلكها فليس بمشفق وقال أبو محمد القرطبي:
لعمرك ما الدنيا وسرعة سيرهابسكّانها إلا طريق مجاز
حقيقتها أن المقام بغيرهاولكنّهم قد أولعوا بمجاز وقال السمسير:
لله في الدّنيا وفي أهلهامعمّياتٌ قد فككناها
للشاعر السُميْسَر الألبيري، اقرأ القصيدة
من بشرٍ نحن فمن طبعنانحبّ فيها المال والجاها
للشاعر السُميْسَر الألبيري، اقرأ القصيدة
دعني من الناس ومن قولهمفإنّما النّاسك خلاّها
للشاعر السُميْسَر الألبيري، اقرأ القصيدة
لم تقبل الدنيا على ناسكٍإلا وبالرحب تلقّاها
للشاعر السُميْسَر الألبيري، اقرأ القصيدة
وإنّما يعرض عن وصلهامن صرفت عنه محيّاها وقال أبو القاسم ابن بقي:
ألا إنّما الدنيا كراحٍ عتيقةٍأراد مديروها بها جلب الأنس

فلمّا أداروها أثارت حقودهم ... فعاد الذي راموا من الأنس بالعكس وقال أبو محمد عبد الله بن العسال الطليطلي:

انظر الدّنيا فإن أبصرتها شيئاً يدوم
فاغد منها في أمانٍإن يساعدك النعيم
وإذا أبصرتها منك على كرهٍ تهيم
فاسل عنها واطّرحهاوارتحل حيث تقيم وقال ابن هشام القرطبي:
وأبي المدامة ما أريد بشربهاصلف الرقيع ولا انهماك اللاهي
لم يبق من عهد الشباب وطيبهشيء كعهدي لم يحل إلاّ هي

إن كنت أشربها من غير وفائها ... فتركتها للناس لا لله وقال أبو محمد ابن السيد البطليوسي مما نسبه إليه في " المغرب ":

أخو العلم حيٌّ خالدٌ بعد موتهوأوصاله تحت التراب رميم
للشاعر ابن السيد البطليوسي، اقرأ القصيدة
وذو الجهل ميتٌ وهو ماشٍ على الثرىيظنّ من الأحياء وهو عديم
للشاعر ابن السيد البطليوسي، اقرأ القصيدة

وقال أبو الفضل ابن شرف:

لعمرك ما حصلت على خطيرٍمن الدنيا ولا أدركت شيّا
وها أنا خارجٌ منها سليباًأقلّب نادماً كلتا يديّا
وأبكي ثمّ أعلم أنّ مبكاي لا يجدي فأمسح مقلتيّا
ولم أجزع لهول الموت لكنبكيت لقلّة الباكي عليّا
وأنّ الدهر لم يعلم مكانيولا عرفت بنوه ما لديّا
زمانٌ سوف أنشر فيه نشراًإذا أنا بالحمام طويت طيّا

أسرّ بأنّني ساعيش ميتاً ... به ويسوءني أن متّ حيا وقال الزاهد العارف بالله سيدي أبو العباس ابن العريف نفعنا الله تعالى به:

سلو عن الشوق من أهوى فإنّهمأدنى إلى النفس من وهمي ومن نفسي
فمن رسولي إلى قلبي ليسألهمعن مشكلٍ من سؤال الصبّ ملتبس
حلّوا فؤادي فما يندى، ولو وطئواصخراً لجاد بماء منه منبجس
وفي الحشا نزلوا والوهم يجرحهمفكيف قرّوا على أذكى من القبس

لأنهضنّ إلى حشري بحبّهم ... لا بارك الله فيمن خانهم ونسي قلت: لقد زرت قبره المعظم بمراكش سنة عشر وألف، وهو ممن

يتبرك به في تلك الديار، ويستسقى به الغيث، وهو من أهل المرية، وأحضره السلطان إلى مراكش فمات بها، وله كرامات شهيرة ومقامات كبيرة، نفعنا الله تعالى به.

واعلم أن أهل الأندلس كانوا في القديم على مذهب الأوزاعي، وأهل الشام منذ أول الفتح، ففي دولة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل - وهو ثالث الولاة بالأندلس من الأمويين - انتقلت الفتوى إلى رأي مالك بن أنس واهل المدينة، فانتشر علم مالك ورأيه بقرطبة والأندلس جميعاً، بل والمغرب، وذلك برأي الحكم واختياره، واختلفوا في السبب المقتضي لذلك، فذهب الجمهور إلى أن سببه رحلة علماء الأندلس إلى المدينة، فلما رجعوا إلى الأندلس وصفوا فضل مالك وسعة علمه، وجلالة قدره، فأعظموه كما قدمنا ذلك، وقيل: عن الإمام مالكاً سأل بعض الأندلسيين عن سيرة ملك الأندلس، فوصف له سيرته، فأعجبت مالكاً لكون سيرة بني العباس في ذلك الوقت لم تكن بمرضية، وكابد لما صنع أبو جعفر المنصور بالعلوية بالمدينة من الحبس والإهانة وغيرهما على ما هو مشهور في كتب التاريخ، فقال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه لذلك المخبر: نسأل الله تعالى أن يزين حرمنا بملككم، أو كلاماً هذا معناه، فنميت المسألة إلى ملك الأندلس، مع ما علم من جلالة مالك ودينه، فحمل الناس على مذهبه، وترك مذهب الأوزاعي، والله تعالى أعلم.

وحكي أن القاضي الزاهد أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن أبي يغمور لما ندبه أهل الأمر لولاية القضاء بمدينة فاس استعفى، فلم يقبل منه، وخرج إلى تلك الناحية، وخرج الناس لوداعه، فأنشد:

عليكم سلام الله إنّي راحلٌوعيناي من خوف التفرّق تدمع

فإن نحن عشنا فهو يجمع بيننا ... وإن نحن متنا فالقيامة تجمع وأنشد أصحابه رحمه الله تعالى، ولا أدري هل هي له أو لغيره:

كنّا نعظّم بالآمال قدركمحتى انقضت فتساوى عندنا الناس
لم تفضلونا بشيء غير واحدةٍهي الرجاء فسوّى بيننا الياس وأنشد أيضاً:
بلوتهم مذ كنت طفلاً فلم أجدكما أشتهي منهم صديقاً وصاحبا
فصوّبت رأيي في فراري منهموشمّرت أذيالي وأمعنت هاربا وأنشد لغيره في الكتمان:
أخفى الغرام فلا جوارحهشعرت بذاك ولا مفاصله
كالسيف يصحبه الحمام ولميعلم بما حملت حمائله وأنشد:
قد كنت أمرض في الشبيبة دائماًوالموت ليس يمرّ لي في البال

والآن شبت وصحّتي موجودةٌ ... وأرى كأنّ الموت في أذيالي ولمّا أنشده تاج الدين بن حمويه السرخسي الوافد على المغرب من المشرق قول بعضهم:

فلا تحقرنّ عدوّاً رماكوإن كان في ساعديه قصر

فإنّ السيوف تحزّ الرقاب ... وتعجز عمّا تنال الإبر قال: حسنٌ جيد، ولكن اسمع ما قال شاعرنا القسطلي، وأنشد:

أثرني لكشف الخطب والخطب مشكلٌوكلني لليث الغاب وهو هصور
فقد تخفض الأسماء وهي سواكنٌويعمل في الفعل الصريح ضمير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»

وتنبو الردينيّات، والطول وافر ... ويبعد وقع السهم وهو قصير وكان الوزير الكريم أبو محمد عبد الرحمن بن مالك المعافري أحد وزراء الأندلس كثير الصنائع جزل المواهب عظيم المكارم، على سنن عظماء الملوك وأخلاق السادة، لم ير بعده مثله في رجال الأندلس، ذاكراً للفقه والحديث، بارعاً في الآداب، شاعراً مجيداً، وكاتباً بليغاً، كثير الخدم والأهل، ومن آثاره الحمام بجوفي الجامع الأعظم من غرناطة، وزاد من سقف الجامع من صحنه وعوض من أرجل قسيه أعمدة الرخام، وجلب الرؤوس والموائد من قرطبة، وفرش صحنه بكذان الصخر، ووجهه أميره علي بن يوسف بن تاشفين إلى طرطوشة برسم بنائها، فلما حلها سأل قاضيها فكتب له جملة من أهلها ممن ضعفت حاله وقل تصرفه من ذوي البيوتات، فاستعملهم أمناء، ووسع أرزاقهم، حتى كمل له ما أرد من عمله، ومن عجز أن يستعمله وصله من ماله، فصدر عنها وقد أنعش خلقاً، رضي الله تعالى عنه ورحمه.

ومن شعره في مجلس أطربه سماعه، وبسط احتشاد الأنس فيه واجتماعه، فقال:

لا تلمني إذا طربت لشجوٍيبعث الأنس فالكريم طروب

ليس شقّ الجيوب حقّاً علينا ... إنّما الحقّ أن تشقّ القلوب وقطف غلام من غلمانه نوارة ومد بها يده إلى أبي نصر الفتح بن عبيد الله، فقال أبو نصر:

وبدرٍ بدا والطّرف مطلع حسنهوفي كفّه من رائق النّور كوكب فقال أبو محمد ابن مالك:
يروح لتعذيب النفوس ويغتديويطلع في أفق الجمال ويغرب
ويحسد منه الغصن أيّ مهفهفٍيجيء على مثل الكثيب ويذهب وقد سبق هذا

وكتب إلى الفتح من غير ترو: يا سيدي، جرت الأيام بفراقك، وكان الله جارك في انطلاقك، فغيرك روع بالظعن، وأوقد للوداع جاحم الشجن، فإنك من أبناء هذا الزمن، خليفة الخضر لا يستقر على وطن، كأنك - والله يختار لك ما تأتيه وما تدعه - موكل بفضاء الأرض تذرعه، فحسب من نوى بعشرتك الاستمتاع، أن يعدك من العواري السريعة الارتجاع، فلا يأسف على قلة الثوى، وينشد:

" وفارقت حتى ما أبالي من النّوى " ... ومات ﵀ بغرناطة سنة، وحضر جنازته الخاصة والعامة وهو من محاسن الأندلس، رحمه الله تعالى.

ومن نوادر الاتفاق أن جارية مشت بين يدي المعتمد، وعليها قميص لا تكاد تفرق بينه وبين جسمها، وذوائبها تخفي آثار مشيها، فسكب

عليها ماء ورد كان بين يديه، وقال:

علّقت جائلة الوشاح غريرة ... تختال بين أسنّة وبواتر وقال لبعض الخدم: سر إلى أبي الوليد البطليوسي المشهور بالنحلي وخذه بإجازة هذا البيت ولا تفارقه حتى يفرغ منه، فأجاب النحلي لأول وقوع الرقعة بين يديه:

راقت محاسنها ورقّ أديمهافتكاد تبصر باطناً من ظاهر
وتمايلت كالغصن في دعص النّقاتلتفّ في ورق الشباب الناضر
يندى بماء الورد مسبل شعرهاكالطّلّ يسقط من جناح الطّائر
للشاعر أبو الوليد النحلي، اقرأ القصيدة
تزهى برونقها وعزّ جمالهازهو المؤيّد بالثناء العاطر
ملكٌ تضاءلت الملوك لقدرهوعنا له صرف الزمان الجائر

وإذا لمحت جبينه ويمينه ... أبصرت بدراً فوق بحرٍ زاخر فلما قرأها المعتمد استحضره، وقال له: أحسنت، أو معنا كنت فقال له: يا قاتل المحل، أما تلوت " وأوحى ربّك إلى النّحل ".

وأصبح المعتمد يوماً ثملاً فدخل الحمام، وأمر أن يدخل النحليّ معه، فجاء وقعد في مسيح الحمام حتى يستأذن عليه، فجعل المعتمد يحبق في الحمام وهو خالٍ وقد بقيت في رأسه بقية من السك، وجعل كل ما سمع دويّ ذلك الصوت يقول: الجوز، اللوز، القسطل، ومر على هذا ساعة، إلى أن تذكر النحلي، فصادفه، فلما دخل قال له: من أي وقت أنت هنا قال: من أول ما رتب مولانا الفواكه في النصبة، فغشي عليه من الضحك، وأمر له بإحسان. والنصبة: مائدة يصبون فيها هذه الأصناف.

ولما استحسن المعتمد قول المتنبي:

إذا ظفرت منك المطيّ بنظرة ... أثاب بها معيي المطيّ ورازمه قال ابن وهبون بديهة: " وقالوا أجاد ابن الحسين ... الخ البيتين "، وقد تقدم ذكرهما، فأمر له بمائتي دينار.

ولما قال ابن وهبون المذكور:

غاض الوفاء فما تلقاه في رجلٍولا يمرّ لمخلوقٍ على بال
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة

قد صار عندهم عنقاء مغربةً ... أو مثلما حدّثوا عن ألف مثقال قال له المعتمد: عنقاء مغربة وألف مثقال يا عبد الجليل عنك سواء فقال: نعم، قال: قد أمرنا لك بألف دينار وبألف دينار أخرى تنفقها.

وذكر القرطبي صاحب " التذكرة " في كتابه " قمع الحرص بالزهد والقناعة "، ما صورته: روينا أن الإمام أبا عمر بن عبد البر رضي الله تعالى عنه بلغه وهو بشاطبة أن أقواماً عابوه بأكل طعام السلطان وقبول جوائزه، فقال:

قل لمن ينكر أكليلطعام الأمراء

أنت من جهلك هذا ... في محلّ السفهاء لأن الاقتداء بالصالحين، من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى من المسلمين، من السلف الماضين، وهو ملاك الدين، فقد كان زيد بن ثابت - وكان من الراسخين في العلم - يقبل جوائز معاوية وابنه يزيد، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما - مع ورعه وفضله - يقبل هدايا صهره المختار ابن أبي عبيد، ويأكل

طعامه، ويقبل جوائزه، وقال عبد الله بن مسعود - وكان قد ملئ علماً - لرجل سأله، فقال: إن لي جاراً يعمل بالربا، ولا يجتنب في مكسبه الحرام، يدعوني إلى طعامه، أفأجيبه قال: نعم، لك المهنأ وعليه المأثم، ما لم تعلم الشيء بعينه حراماً، وقال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه - حين سئل عن جوائز السلاطين -: لحم ظبي ذكي، وكان الشعبي - وهو من كبار التابعين وعلمائهم - يؤدب بني عبد الملك بن مروان، ويقبل جوائزه ويأكل طعامه، وكان إبراهيم النخعي وسائر علماء الكوفة والحسن البصري - مع زهده وورعه - وسائر علماء البصرة وأبو سلمة ابن عبد الرحمن وأبان ابن عثمان والفقهاء السبعة بالمدينة - حاشا سعيد بن المسيب - يقيلون جوائز السلطان، وكان ابن شهاب يقبلها، ويتقلب في جوائزهم، وكانت أكثر كسبه، وكذلك أبو الزناد، وكان مالك وأبو يوسف والشافعي وغيرهم من فقهاء الحجاز والعراق يقبلون جوائز السلاطين والأمراء، وكان سفيان الثوري - مع ورعه وفضله - يقول: جوائز السلطان أحب إلي من صلة الإخوان، لأن الإخوان يمنون والسلطان لا يمن، ومثل هذا عن العلماء والفضلاء كثير، وقد جمع الناس فيه أبواباً، ولأحمد ابن خالد فقيه الأندلس وعالمها في ذلك كتاب حمله على وضعه وجمعه طعن أهل بلده عليه في قبوله جوائز عبد الرحمن الناصر، إذ نقله إلى المدينة بقرطبة، وأسكنه داراً من دور الجامع قربه، وأجرى عليه الرزق من الطعام والإدام والناض، وله ولمثله في بيت المال حظ، والمسؤول عن التخليط فيه هو السلطان، كما قال عبد الله بن مسعود " لك المهنأ وعليه المأثم، ما لم تعلم الشيء بعينه حراماً " ومعنى قول ابن مسعود هذا قد أجمع العلماء عليه، فمن علم الشيء بعينه حراماً مأخوذاً من غير حله كالجريمة وغيرها وشبهها من الطعام أو الدابة وما كان مثل ذلك كله من الأشياء المتعينة غصباً أو سرقة أو مأخوذة بظلم بين لا شبهة فيه فهذا الذي لم يختلف أحد في تحريمه، وسقوط عدالة آكله، وأخذه وتملكه، وما أعلم من علماء التابعين أحداً تورع عن جوائز السلطان إلا سعيد بن المسيب بالمدينة، ومحمد ابن

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.