من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
تتمة (٩)
رفهتني فحملت الحمل والجملا
وذكر أن ذلك الجمل بيع بخمسمائة مثقال، فسارت بهذا الخبر الركائب، وتهادته المشارق والمغارب.
وتباحث المعتمد مرة مع الجلساء في بيت المتنبي الذي زعم أنه أمير شعره:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي وأنثني وبياض الصبح يغري بي
فقال: ما قصر في مقابلة كل لفظة بضدها إلا أن فيه نقداً خفياً، ففكروا فيه، فلما فكروا وقالوا له: ما وقفنا على شيء، فقال: الليل لا يطابق إلا بالنهار لأن الليل كلي والصبح جزئي، فتعجب الحاضرون، وأثنوا على تدقيق انتقاده.
قال الصفدي: قلت: ليس هذا بنقد صحيح، والصواب مع أبي الطيب، لأنه قال " أزورهم وسواد الليل يشفع لي " فهذا محب يزور أحبابه في سواد الليل خوفاً ممن يشي به، فإذا لاح الصبح أغرى به الوشاة، ودل عليه أهل النميمة، والصبح أول ما يغري به قبل النهار، وعادة الزائر المريب أن يزور ليلاً، وينصرف عند انفجار الصبح خوفاً من الرقباء، ولم تجر العادة أن الخائف يتلبث إلى أن يتوضح النهار، ويمتلئ الأفق نوراً، فذكر الصبح هنا أول من ذكر النهار، والله أعلم، انتهى.
قلت: كان يختلج في صدري ضعف ما قال الصفدي، حتى وقفت على ما كتبه البدر البشتكي، ومن خطه نقلت ما صورته: هو ما انتقد عليه المعنى، إنما انتقد عليه مطابقة الليل بالصبح، فإن ذلك فاسد، انتهى، فحمدت الله على الموافقة، انتهلى.
وقال في بدائع البدائه: جلس المعتمد للشرب وذلك في وقت مطر أجرى كل وهدة نهراً، وحلى جيد كل غصن من الزهر جوهراً، وبين يديه جارية تسقيه وهي تقابل وجهها بنجم الكأس في راحة كالثريا، وتخجل الزهر بطيب العرف والريا، فاتفق أن لعب البرق بحسامه، وأجال سوطه المذهب يسوق به ركامه، فارتاعت لخطفته، وذعرت من خيفته، فقال المعتمد بديهاً:
روعها البرق وفي كفها برق من القهوة لماع
عجبت منها وهي شمس الضحى كيف من الأنوار ترتاع
فاستدعى عبد الجليل بن وهبون المرسي، وأنشده البيت الأول مستجزياً، فقال عبد الجليل:
ولن ترى أعجب من آنس من مثل ما يمسك يرتاع
فاستحسنه، وأمر له بجائزة.
قال ابن ظافر: وبيته عندي أحسن من بيت المعتمد، انتهى.
وقال ابن بسام: كان في قصر المعتمد فيل من الفضة على شاطئ بركة يقذف الماء، وهو الذي يقول فيه عبد الجليل بن وهبون من بعض قصيدة:
ويفرغ فيه مثل النصل بدع من الأفيال لا يشكو ملالا
رعى رطب اللجين فجاء صلباً تراه قلما يخشى هزالا
فجلس المعتمد يوماً على تلك البركة والماء يجري من ذلك الفيل، وقد أوقدت شمعتان من جانبيه، والوزير أبو بكر ابن الملح عنده، فصنع الوزير فيهما عدة مقاطيع بديهاً منها:
ومشعلين من الأضواء قد قرنا بالماء والماء بالدولاب منزوف
لاحا لعيني كالنجمين، بينهما خط المجرة ممدود ومعطوف
وقال أيضاً:
كأنما النار فوق الشمعتين سناً والماء من نفذ الأنبوب منسكب
غمامة تحت جنح الليل هامعة في جنبيها حفاف البرق يضطرب
وقال أيضاً:
وأنبوب ماء بين نارين ضمنا هوىً لكؤوس الراح تحت الغياهب
كأن اندفاع الماء بالماء حية يحركها في الماء لمع الحباحب
وقال أيضاً:
كأن سراجي شربهم في التظائها وأنبوب ماء الفيل في سيلانه
كريم تولى كبره من كليهما لئيمان في إنفاقه يعذلانه
ابن زيدون عند بني عباد
ولما مات والد المعتمد واستقل بالملك قال ذو الوزارتين ابن زيدون يرثي المعتضد ويمدح المعتمد بقصيدة طويلة أولها:
هو الدهر فاصبر للذي أحدث الدهرفمن شيم الأحرار في مثلها الصبر
ستصبر صبر اليأس أو صبر حسبة ... فلا تؤثرالوجه الذي معه الوزر حذارك من أن يعقب الرزء فتنة يضيق بها عن مثل إيمانك العذر
إذا آسف الذكل اللبيب فشفه ... رأى أفدح الثكلين أن يذهب الأجر مصاب الذي يأسى بموت ثوابه هو البرح لا الميت الذي أحرز القبر
حياة الورى نهج إلى الموت مهيع لهم فيه إيضاع كما يوضع السفر
ومنها:
إذا الموت أضحى قصد كل معمر فإن سواء طال أو قصر العمر
ألم تر أن الدين ضيم ذماره فلم يغن أنصاره عديدهم دثر
بحيث استقل الملك ثاني عطفه وجرر من أذياله العسكر المجر
هو الضيم لو غير القضاء يرومه ثناه المرام الصعب والمسلك الوعر
إذا عثرت جرد العناجيج في القنا بليل عجاج ليس يصدعه فجر
ومنها:
أعباد يا أوفى الملوك لقد عدا عليك زمان من سجيته الغدر
إلى أن قال بعد أبيات كثيرة:
ألا أيها المولى الوصول عبيده لقد رابنا أن يتلو الصلة الهجر
يغاديك داعينا السلام كعهده فما يسمع الداعي ولا يرفع الستر
أعتب علينا ذاد عن ذلك الرضىفتسمع أم بالسمع المعتلي وقر ومنها:
وكيف بنسيان وقد ملأت يدي جسام أياد منك أيسرها الوفر
وإن كنت لم أشكر لك المنن التي ... تمليتها تترى فأوبقني الكفر فهل علم الشلو المقدس أنني مسوغ حال حار في كنهها الفكر
وأن متاتي لم يضعه محمد خليفتك العدل الرضى وابنك البر
هو الظافر الأعلى المؤيد بالذي له في الذي وافاه من صنعه سر
له في اختصاصي ما رأيت وزادني ... مزية زلفى من نتائجها الفخر وأرغم في بري أنوف عصابة لقاؤهم جهم ولحظهم شزر
إذا ما استوى في الدست عاقد حبوة وقام سماطا حفله فلي الصدر
وفي نفسه العلياء لي متبوأيساجلني فيه السماكان والنسر ومنها:
لك الخير إن الرزء كان غيابة ... طلعت لنا فيها كما طلع البدر فقرت عيون كان أسخنها البكا وقرت قلوب كان زلزلها الذعر
ومنها:
ولما قدمت الجيش بالأمر أشرقت إليك من الآمال آفاقها الغبر
فقضيت من فرض الصلاة لبانةفشيعها نسك وقارنها طهر
ومن قبل ما قدمت مثنى نوافليلاقي بها من صام من عوز فطر
ورحت إلى القصر الذي غض طرفه ... بعيد التسامي أن غدا غيره قصر وأجمل عن الثاوي العزاء فإن ثوى فإنك لا الواني ولا الضرع الغمر
وما أعطت السبعون قبل أولي الحجى من اللب ما أعطاك عشروك والعمر
ألست الذي إن ضاق ذرع بحادث تبلج منه الوجه واتسع الصدر
فلا تهض الدنيا جناحك بعده فمنك لمن هاضت نوائبها جبر
ولا زلت موفور العديد بقرة لعينك مشدوداً بها ذلك الأزر
فإنك شمس في سماء رياسة تطلع منهم حولنا أنجم زهر
شككنا فلم نثبت: أأيام دهرنا بها وسن أم هز أعطافها سكر
وما إن تغشتها مغازلة الكرى ... وما إن تمشت في معاطفها الخمر سوى نشوات من سجايا مملك يصدق في عليائها الخبر الخبر
أرى الدهر إن يبطش فأنت ينينه وإن تضحك الدنيا فأنت لها ثغر
وكم سائل بالغيب عنك أجبته هناك الأيادي الشفع والسودد الوتر
هناك التقى والعلم والحلم والنهى وبذل اللها والبأس والنظم والنثر
همام إذا لاقى المناجز رده وإقباله خطر وإدباره حصر
محاسن ما للروض سامره الندى رواء إذا نصت حلاها ولا نشر
متى انتشقت لم تدر دارين مسكها ... حياء ولم تفخر بعنبرها الشحر عطاء ولا من، وحكم ولا هوى وحلم ولا عجز، وعز ولا كبر
قد استوفت النعماء فيك تمامها علينا فمنا الحمد لله والشكر
وكتب ابن زيدون المذكور إلى المعتمد رحمهما الله تعالى يشوقه إلى تعاطي الحميا، في قصوره البديعة التي منها المبارك والثريا:
فز بالنجاح وأحرز الإقبالا وخذ المنى وتنجز الآمالا
وليهنك التأييد والظفر اللذا صدقاك في السمة العلية فالا
يا أيها الملك الذي لولاه لم تجد العقول الناشدات كمالا
أما الثريا فالثريا نسبة وإفادة وإنافة وجمالا
قد شاقها الإغباب حتى إنها لو تستطيع سرت إليك خيالا
رفه ورودكها لتغنم راحة وأطل مزاركها لتنعم بالا
وتأمل القصر المبارك وجنةقد وسطت فيها الثريا خالا
وأدر هناك من المدام كؤوسها ... وأتمها وأشفها جريالا قصر يقر العين منه مصنع بهج الجوانب لو مشى لاختالا
لا زلت تفترش السرور حدائقاً فيه وتلتحف النعيم ظلالا
وأهدى إليه تفاحاً، واعتقد أن يكتب معه قطعة، فبدأ بها، ثم عرض له غيرها فتركها ثم ابتدأ:
دونك الراح جامده وفدت خير وافده
وجدت سوق ذوبها عندك اليوم كاسده
فاستحالت إلى الجمو د وجاءت مكايده
وكتب إلى المعتمد:
يا أيها الظافر نلت المنى ولا أتانا فيك محذور
إن الخلال الزهر قد ضمها ثوب عليك الدهر مزرور
لا زال للمجد الذي شدته ربع بتعميرك معمور
وافاك نظم لي في طيه معنى معمى اللفظ مستور
مرامه يصعب ما لم يبح بالسر قمري وشحرور
وذكر أبياتاً فيها أسماء طيور عمى بها عن بيت طيره فيها، والبيت المطير فيه:
أنت إن تغز ظافر فليطع من ينافر
ففكه المعتمد وجاوبه:
يا خير من يلحظه ناظري ... شهادة ما شأنها زور ومن إذا خطب دجا ليله لاح به من رأيه نور
جاءتني الطير التي سرها نظم به قلبي مسرور
شعر هو السحر فلا تنكروا أنني به ما عشت مسحور
اللفظ والقرطاس إن شبها قيل هما مسك وكافور
هوى لحسن الطير من فكرتي صقر فولى وهو مقهور
ولاح لي بيت فؤادي له دأباً على ودك مقصور
حظك من شكري يا سيدي ... حظ تمالا منك موفور فصرت في نظمي فاعذر فمن ضاهاك في التقصير معذور
فأنت إن تنظم وتنثر فقد أعوز منظوم ومنثور
لا يعدكم روض من الحظ في ال إكرام والترفيع ممطور
فكتب إليه ابن زيدون:
حظي من نعماك موفور وذنب دهري بك مغفور
وجانبي إن رامه أزمة ... حجر لدى ظلك محجور يا ابن الذي سرب الهدى آمن منذ انبرى يحميه مخفور
وآمر الدهر الذي لم يزليصغي إليه منه مأمور
ألبس منك الدهر أسنى الحلىبظافر منحاه منصور
يا مروري المأثور يا من له ... مجد مع الأيام مأثور عبدك إن أكثر من شكره فهو بما توليه مكثور
إن تعف عن تقصيره منعماً فاليسر أن يقبل معسور
إن حلال السحر إن صغته في صحف الأنفس مسطور
نظم زهاني منه إذ جاءني علق عظيم القدر مذخور
لا غرو أن أفتن إذ لاحظت فكري منه أعين حور
تنم عن معناه ألفاظه كما وشى بالراح بلور
جهلت إذ عارضته غير أن لا بد أن ينفث مصدور
يا آل عباد موالاتكم زاك من الأعمال مبرور
إن الذي يرجو موازاتكم من المناوين لمغرور
مكانه منكم كما انحط عن منزلة المرفوع مجرور
لا زلتم في غبطة ما انجلى عن فلق الإصباح ديجور
ولا يزال يجري بما شئتم أعماركم لله مقدور
وكتب المعتمد إلى ابن زيدون بعد أن فك معمى كتب به إليه ابن زيدون ما صورته:
العين بعدك تقذى بكل شيء تراه
فليجل شخصك عنها ما بالمغيب جناه
وقد قدمنا من كلام أبي الوليد ابن زيدون رحمه الله تعالى ما فيه كفاية.
رجع إلى بني عباد
قال ابن حمديس: لما قدمت وافداً على المعتمد بن عباد استدعاني وقال: افتح الطاق، فإذا بكير زجاج والنار تلوح من بابيه، وواقده يفتحهما تارة ويسدهما أخرى، ثم أدام سد أجدهما، وفتح آخر، فحين تأملتهما قال لي: أجز:
انظرهما في الظلام قد نجما فقلت:
كما رنا في الدجنة الأسد
فقال:
يفتح عينيه ثم يطبقها
فقلت:
فعل امرىء في جفونه رمد
فقال:
فابتزه الدهر نور واحدة
فقلت:
وهل نجا من صروفه أحد
فاستحسن ذلك وأطربه، وأمر لي بجائزة، وألزمني الخدمة.
مقطعات لابن حمديس
وعلى ذكر ابن حمديس فما أحسن قوله:
أراك ركبت في الأهوال بحراً عظيماً ليس يؤمن من خطوبه
تسير فلكه شرقاً وغرباً وتدفع من صباه إلى جنوبه
وأصعب من ركوب البحر عندي أمور ألجأتك إلى ركوبه
ولغيره:
إن ابن آدم طين والبحر ماء يذيبه
لولا الذي فيه يتلى ما جاز عندي ركوبه
وقال ابن حمديس في هذا المعنى:
لا أركب البحر، أخشى علي منه المعاطب
طين أنا وهو ماء والطين في الماء ذائب
رجع إلى بني عباد رحمهم الله تعالى
قال ابن بسام: أخبرني الحكيم النديم المطرب أبو بكر ابن الإشبيلي، قال: حضرت مجلس الرشيد بن المعتمد بن عباد وعنده الوزير أبو بكر ابن عمار،
فلما دارت الكأس، وتمكن الأنس، وغنيت أصواتاً ذهب الطرب بابن عمار كل مذهب، فارتجل يخاطب الرشيد:
ما ضر أن قيل إسحاق وموصله ها أنت أنت وذي حمص وإسحاق
أنت الرشيد فدع من قد سمعت به وإن تشابه أخلاق وأعراق
لله درك داركها مشعشعة واحضر بساقيك ما قامت بنا ساق
وكان الرشيد هذا أحد أولاد المعتمد النجبا، وله أخبار في الكرم يقضي الناظر فيها من أمرها عجبا، وكذلك إخوته، وقد ألمعنا في هذا الكتاب بجملة من محاسنهم، وأمهم اعتماد الملقبة بالرميكية هي التي ترجمناها في هذا الموضع، واقتضت المناسبة ذكر أمر بني عباد، فلنعد إلى ما كنا بصدده من أخبارها رحمها الله تعالى، فنقول:
رجع إلى ذكر الرميكية
قال ابن سعيد في بعض مصنفاته: كان المعتمد كثيراً ما يأنس بها، ويستظرف نوادرها، ولم تكن لها معرفة بالغناء، وإنما كانت مليحة الوجه، حسنة الحديث، حلوة النادر، كثيرة الفكاهة، لها في كل ذلك نوادر محكية، وكانت في عصرها ولادة بنت محمد بن عبد الرحمن، وهي أبدع منها ملحاً، وأحسن افتناناً، وأجل منصباً، وكان أبوها أمير قرطبة، ويلقب بالمستكفي بالله، وأخبار أبي الوليد ابن زيدون معها وأشعاره فيها مشهورة، انتهى ملخصاً.
ومن أخبار الرميكية القصة المشهورة في قولها " ولا يوم الطين " وذلك أنها رأت الناس يمشون في الطين، فاشتهت المشي في الطين، فأمر المعتمد، فسحقت أشياء من الطيب، وذرت في ساحة القصر حتى عمته، ثم نصبت الغرابيل، وصب فيها ماء الورد على أخلاط الطيب، وعجنت بالأيدي حتى عادت كالطين
وخاضتها مع جواريها. وغاضبها في بعض الأيام، فأقسمت أنها لم تر منه خيراً قط، فقال: ولا يوم الطين فاستحيت واعتذرت، وهذا مصداق نبينا ﷺ في حق النساء " لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط ".
قلت: ولعل المعتمد أشار في أبياته الرائية إلى هذه القضية حيث قال في بناته:
يطأن في الطين والأقدام حافية كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
وحتمل أن يكون أشار بذلك إلى ما جرت به عادة الملوك من ذر الطيب في قصورهم حتى يطؤوه بأقدامهم، زيادة في التنعم.
وسبب قول المعتمد ذلك ما حكاه الفتح فقال: وأول عيد أخذه - يعني المعتمد - بأغمات وهو سارح، وما غير الشجون له مبارح، ولا زي إلا حالة الخمول، واستحالة المأمول، فدخل عليه من بنيه، من يسلم عليه ويهنيه، وفيهم بناته وعليهن أطمار، كأنها كسوف وهن أقمار، يبكين عند التساؤل، ويبدين الخشوع بعد التخايل، والضياع قد غير صورهن، وحير نظرهن، وأقدامهن حافية، وآثار نعيمهن عافية، فقال:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
لا خد إلا تشكى الجدب ظاهره وليس مع الأنفاس ممطورا
أفطرت في العيد لا عادت مساءته فكان فطرك للأكباد تفطيرا
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً فردك الدهر منهياً ومأمورا
من بات بعدك في ملك يسر به فإنما بات بالأحلام مغرورا
عود إلى أخبار المعتمد
وقال الفتح أيضاً: ولما نقل المعتمد من بلاده، وأعري من طارفه وتلاده، وحمل في السفين، وأحل في العدوة محل الدفين، تندبه منابره وأعواده، ولا يدنو منه زواره ولا عواده، بقي أسفاً تتصعد زفراته، وتطرد اطراد المذانب عبراته، لا يخلو بمؤانس، ولا يرى إلا عريناً بدلاً من تلك المكانس، ولما لم يجد سلواً، ولم يؤمل دنواً، ولم ير وجه مسرة مجلواً، تذكر منازله فشاقته، وتصور بهجتها فراقته، وتخيل استيحاش أوطانه، وإجهاش قصره إلى قطانه، وإظلام جوه من أقماره، وخلوه من حراسه وسماره، فقال:
بكى المبارك في إثر ابن عباد بكى على إثر غزلان وآساد
بكت ثرياه لا غمت كواكبها بمثل نوء الثريا الرائح الغادي
بكى الوحيد، بكى الزاهي وقبته والنهر والتاج، كل ذله بادي
ماء السماء على أفيائه درر يا لجة البحر دومي ذات إزباد
وفي ذلك يقول ابن اللبانة:
أستودع الله أرضاً عندما وضحت بشائر الصبح فيها بدلت حلكا
كان المؤيد بستاناً بساحتها يجني النعيم وفي عليائها فلكا
في أمره لملوك الدهر معتبر فليس يغتر ذو ملك بما ملكا
نبكيه من جبل خرت قواعده فكل من كان في بطحائه هلكا
وكان القصر الزاهي من أجمل المواضع لديه وأبهاها، وأحبها إليه وأشهاها، لإطلاله على النهر، وإشرافه على القصر، وجماله في العيون، واشتماله بالزهر والزيتون، وكان له به من الطرب، والعيش المزري بحلاوة الضرب، ما لم يكن بحلب لبني حمدان، ولا لسيف بن ذي يزن في رأس غمدان، وكان كثيراً ما يدير به راحه، ويجعل فيه انشراحه، فلما امتد الزمان إليه بعدوانه، وسد عليه أبواب سلوانه، لم يحن إلا إليه، ولم يتمن غير الحلول لديه، فقال:
غريب بأرض المغربين أسير سيبكي عليه منبر وسرير
وتندبه البيض الصوارم والقنا وينهل دمع بينهن غزير
مضى زمن والملك مستأنس به وأصبح منه اليوم وهو نفور
برأي من الدهر المضلل فاسد متى صلحت للصالحين دهور
أذل بني ماء السماء زمانهم وذل بني ماء السماء كبير
فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة أمامي وخلفي روضة وغدير
بمنبتة الزيتون مورثة العلا تغني حمام أو ترن طيور
بزاهرها السامي الذي جاده الحيا تشير الثريا نحونا ونشير
ويلحظنا الزاهي وسعد سعوده غيورين والصب المحب غيور
تراه عسيراً لا يسيراً مناله ألا كل ما شاء الإله يسير
وقال الحجاري في " المسهب ": إن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين أهدى
إلى المعتمد جارية مغنية قد نشأت بالعدوة، وأهل العدوة بالطبع يكرهون أهل الأندلس، وجاء بها إلى إشبيلية وقد كثر الإرجاف بأن سلطان الملثمين ينتزع بلاد ملوك الطوائف منهم، واشتغل خاطر ابن عباد بالفكر في ذلك، فخرج بها إلى قصر الزاهر على نهر إشبيلية، وقعد على الراح، فخطر بفكرها أن غنت عندما انتشى هذه الأبيات:
حملوا قلوب الأسد بين ضلوعهم ولووا عمائمهم على الأقمار
وتقلدوا يوم الوغى هندية أمضى إذا انتضيت من الأقدار
إن خوفوك لقيت كل كريهة أو أمنوك حللت دار قرار
فوقعفي قلبه أنها عرضت بساداتها، فلم يملك غضبه، ورمى بها في النهر، فهلكت، انتهى، فقدر الله تعالى أن كان تمزيق ملكه على يدهم تصديقاً للجارية في قولها:
إن خوفوك لقيت كل كريهة
وحصره جيوش لمتونة الملثمين حتى أخذوه قهراً، وسيق إلى أمير المسلمين، والقصة مشهورة.
وقال الفتح في شأن حصار المعتمد ما صورته: ولما تم في الملك أمده، وأراد الله أن تخر عمده، وتنقرض أيامه، وتتقوض عن عراص الملك خيامه، نازلته جيوش أمير المسلمين ومحلاته، وظاهرته فساطيطه ومظلاته، بعدما نثرت حصونه وقلاعه، وسعرت بالنكاية جوانحه وأضلاعه، وأخذت عليه الفروج والمضايق، وثنت إليه الموانع والعوايق، وطرقته بطوارقها بالإضرار، وأمطرته من النكاية كل ديمة مدرار، وهو ساه بروض ونسيم، لاه براح
ومحيا وسيم، زاه بفتاة تنادمه، ناه عن هدم أنس هو هادمه، لا يصيخ إلى نبأة سمعه، ولا ينيخ إلا على لهو يفرق جموعه جمعه، وقد ولى المدامة ملامه، وثنى إلى ركنها طوافه واستلامه، وتلك الجيوش تجوس خلاله، وتقلص ظلاله، وحين اشتد حصاره، وعجز عن المدافعة أنصاره، ودلس عليه ولاته، وكثرت أدواؤه وعلاته، فتح باب الفرج، وقد لفح شواظ الهرج، فدخلت عليه من المرابطين زمرة، واشتعلت من التغلب جمرة، تأجج اضطرامها، وسهل بها إيقاد الفتنة وإضرامها، وعندما سقط الخبر عليه خرج حاسراًمن مفاضته، جامحاً كالمهر قبل رياضته، فلحق أوائلهم عند الباب المذكور وقد انتشروا في جنباته، وظهروا على البلد من أكثر جهاته، وسيفه في يده يتملظ للطلى والهام، ويعد بانفراج ذلك الاستبهام، فرماه أحد الداخلين برمح تخطاه، وجاوز مطاه، فبادره بضربة أذهبت نفسه، وأغربت شمسه، ولقي ثانياً فضربه وقسمه، وخاض حشا ذلك الداء وحسمه، فأجلوا عنه، وولوا فراراً منه، فأمر بالبا فسد، وبني منه ما هد، ثم انصرف وقد أراح نفسه وشفاها، وأبعد الله تعالى عنه الملامة ونفاها، وفي ذلك يقول عندما خلع، وأودع من المكروه ما أودع:
إن يسلب القوم العدى ملكي وتسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعه لم تسلم القلب الضلوع
قد رمت يوم نزالهم أن لا تحصنني الدروع
وبرزت ليس سوى القمي ص على الحشا شيء دفوع
أجلي تأخر لم يكن بهوادي ذلي والخضوع
ما سرت قط إلى القتا ل وكان من أملي الرجوع
شيم الألى أنا منهم والأصل تتبعه الفروع
وما زالت عقارب تلك الداخلة تدب، ثو ذكر الفتح تمام هذا الكلام فراجعه فيما مر بنحو ثلاث ورقات.
ومن حكايات مجالس أنسه أيام ملكه، قبل أن ينظمه صرف الدهر في سلكه، ما حكاه الفتح عن ذخر الدولة أنه دخل عليه في دار المزينية والزهر يحسد إشراق مجلسه، والدر يحكي اتساق تأنسه، وقد رددت الطير شدوها، وجودت طربها ولهوها، وجددت كلفها وشجوها، والغصون قد التحفت بسندسها، والأزهار تحيي بطيب تنفسها، والنسيم يلم بها فتضعه بين أجفانها، وتودعه أحاديث آذارها ونيسانها، وبين يديه فتى من فتيانه يتثنى تثني القضيب، ويحمل الكأس في راحة أبهى من الكف الخضيب، وقد توشح وكأن الثريا وشاحه، وأنار فكأن الصبح من محياه كان اتضاحه، فكلما ناوله الكأس خامرته سوره، وتخيل أن الشمس تهديه نوره، فقال المعتمد:
لله ساف مهفهف غنج قد قام يسقي فجاء بالعجب
أهدى لنا من لطيف حكمته في جامد الماء ذائب الذهب
ولما وصل لورقة استدعى ذا الوزارتين القائد أبا الحسن ابن اليسع ليلته تلك في وقت لم يخف فيه زائر من مراقب، ولم يبد فيه غير نجم ثاقب، فوصل وما للأمن إلى فؤاده وصول، وهو يتخيل أن الجو صوارم ونصول، بعد أن وصى بما خلف، وودع من تخلف، فلما مثل بين يديه آنسه، وأزال توجسه، وقال له: خرجت من إشبيلية وفي النفس غرام طويته بين ضلوعي، وكففت فيه غرب دموعي، بفتاة هي الشمس أو كالشمس إخالها، لا يجول قلبها ولا خلخالها، وقد قلت في يوم وداعها، عند تفطر كبدي وانصداعها:
ولما التقينا للوداع غدية وقد خفقت في ساحة القصر رايات
بكينا دماً حتى كأن عيوننا لجري الدموع الحمر منها جراحات
وقد زارتني هذه الليلة في مضجعي، وأبرأتني من توجعي، ومكنتني من رضابها، وفتنتني بلالها وخضابها، فقلت:
أباح لطيفي طيفها الخد والنهدا فعض بها تفاحة واجتنى وردا
ولو قدرت زارت على حال يقظة ولكن حجاب البين ما بيننا مدا
أما وجدت عنا الشجون معرجاً ولا وجدت منا خطوب النوى بدا
سقى الله صوب القطر أم عبيدة كما قد سقت قلبي على حره بردا
هي الظبي جيداً، والغزالة مقلة، وروض الربى عرفاً، وغصن النقا قدا
فكرر استجادته، وأكثر استعادته، فأمر له بخمسمائة دينار وولاه لورقة من حينه.
قال الفتح: وأخبرني ابن اللبانة أنه استدعاه ليلة إلى مجلس قد كساه الروض وشيه، وامتثل الدهر فيه أمره ونهيه، فسقاه الساقي وحياه، وسف له الأنس عن مونق محياه، فقام للمعتمد مادحاً، وعلى دوحة تلك النعماء صادحاً، فاستجاد قوله، ةأفاض عليه طوله، فصدر وقد امتلأت يداه، وغمره جوده ونداه، فلما حل بمنزلة وافاه رسوله بقطيع وكأس من بلار، قد أترعا بصرف العقار، ومعهما:
جاءتك ليلاً في ثياب نهار من نورها وغلالة البلار
كالمشتري قد لف من مريخه إذ لفه في الماء جذوة نار
لطف الجمود لذا وذا فتألفا لم يلق ضد ضده بنفار
يتحير الراءون في نعتيهما أصفاه ماء أم صفاء دراري
وقال الفتح أيضاً: وأخبرني ذخر الدولة أنه استدعاه في ليلة قد ألبسها البدر رواءه، وأوقد فيها أضواءه، وهو على البحيرة الكبرى، والنجوم قد انعكست فيها تخالها زهرا، وقابلتها المجرة فسالت فيها نهرا، وقد أرجت نوافج الند، وماست معاطف الرند، وحسد النسيم الروض فوشى بأسراره، وأفشى حديث آسه وعراره، ومشى مختالاً بين لبات النور وأزراره، وهو وجم، ودمعه منسجم، وزفراته تترجم عن غرامه، وتجمجم عن تعذر مرامه، فلما نظر إليه استدناه وقربه، وشكا إليه من الهجران ما استغربه، وأنشده:
أيا نفس لا تجزعي واصبري وإلا فإن الهوى متلف
حبيب جفاك، وقلب عصاك ولاح لحاك، ولا منصف
شجون منعن الجفون الكرى وعوضنها أدمعاً تنزف
فانصرف ولم يعلمه بقصته، ولا كشف له عن غصته، انتهى.
وقال الفتح أيضاً: أخبرني ذخر الدولة بن المعتضد أنه دخل عليه في ليلة فد ثنى السرور منامها، وامتطى الحبور غاربها وسنامها، وراع الأنس فؤادها، وستر بياض الأماني سوادها، وغازل نسيم الروض زوارها وعوادها، ونور السرج قد قلص أذيالها، ومحا من لجين الأرض نيالها، والمجلس مكتس بالمعالي، وصوت المثاني والمثالث عالي، والبدر قد كمل، والتحف بضوئه القصر واشتمل، وتزين بسناه وتجمل، فقال المعتمد:
ولقد شربت الراح يسطع نورها والليل قد مد الظلام رداء
حتى تبدى البدر في جوزائه ملكاً تناهى بهجة وبهاء
وتناهضت زهر النجوم يحفه لألاؤها فاستكمل اللألاء
لما أراد تنزهاً في غربه جعل المظلة فوقه الجوزاء
وترى الكواكب كالمواكب حوله رفعت ثرياها عليه لواء
وحكيته في الأرض بين كواكب وكواعب جمعت سنا وسناء
إن نشرت تلك الدروع حنادساً ملأت لنا هذي الكؤوس ضياء
وإذا تغنت هذه في مزهر لم تأل تلك على التريك غناء
وأخبرني ابن إقبال الدولة [بن مجاهد] أنه كان عنده في يوم نشر من غيمة رداء ند، وأسكب من قطره ماء ورد، وأبدى من برقه لسان نار، وأظهر من قوس قزحه حنايا آس حفت بنرجس وجلنار، والروض قد بعث رياه، وبث الشكر لسقياه، فكتب إلى الطبيب الأديب أبي محمد المصري:
يا أيها الصاحب الذي فارقت عي ني ونفسي منه السنا والسناء
نحن في المجلس الذي يهب الرا حة والمسمع الغنى والغناء
نتعاطى التي تنسي من الرق ة واللذة الهوى والهواء
فأته تلف راحة ومحيا قد أعدا لك الحيا والحياء
فوافاه وألفى مجلسه وقد أتلعت فيه أباريقه أجيادها، وأقامت فيه خيل السرور طرادها، وأعطته الأماني انطباعها وانقيادها، وأهدت الدنيا ليومه مواسمها وأعيادها، وخلعت عليه الشمس شعاعها، ونشرت فيه الحدائق إيناعها، فأديرت الراح، وتعوطيت الأقداح، وخامر النفوس الابتهاج والارتياح، وأظهر المعتمد من إيناسه، ما استرق به نفوس جلاسه، ثم دعا
بكبير، فشربه كالشمس غربت في ثبير، وعندما تناولها، قام المصري أبياتاً تمثلها:
اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً بشاذمهر ودع غمدان لليمن
فأنت أولى بتاج الملك تلبسه من هوذة بن علي وابن ذي يزن
فطرب حتى زحف عن مجلسه، وأسرف في تأنسه، وأمر فخلعت عليه خلع لا تصلح إلا للخلفاء، وأدناه حتى أجلسه مجلس الأكفاء، وأمر له بدنانير عدداً، وملأ بالمواهب يداً.
وله في غلام رآه يوم العروبة من ثنيات الوغى طالعاً، ولطلى الأبطال قارعاً، وفي الدماء والغاً، ولمستبشع كؤوس المنايا سائغاً، وهو ظبي قد فارق كناسه، وعاد أسداً صارت القنا أخياسه، ومتكاثف العجاج قد مزقه إشراقه، وقلوب الدارعين قد شكتها أحداقه، فقال:
أبصرت طرفك بين مشتجر القنا فبدا لطرفي أنه فلك
أوليس وجهك فوقه قمراً يجلى بنير نوره الحلك
وقال فيه:
ولما اقتحمت الوغى دارعاً وقنعت وجهك بالمغفر
حسبنا محياك شمس الضحى عليها سحاب من العنبر
وقد جمع بنا القلم في ترجمة المعتمد بن عباد بعض جموح، وما ذلك إلا لما علمنا أن نفوس الأدباء إلى أخباره رحمه الله تعالى شديدة الطموح، وقد جعل الله تعالى له كما ابن الأبار في " الحلة السيراء " رقة في القلوب وخصوصاً
بالمغرب فإن أخباره وأخبار الرميكية إلى الآن متداولة بينهم، وإن فيها لأعظم عبرة، رحم الله تعالى الجميع.
رجع إلى أخبار النساء
ومنهن العبادية جارية المعتضد عباد، والد المعتمد، أهداها إليه مجاهد العامري من دانية، وكانت أديبة، ظريفة، كاتبة، شاعرة، ذاكرة لكثير من اللغة، قال ابن عليم في شرحه لأدب الكتاب لابن قتيبية، وذكر الموسعة وهي خشبة بين حمالين يجعل كل واحد منهما طرفها على عنقه، ما صورته: وبذكر الموسوعة أغربت جارية لمجاهد أهداها إلى عباد كاتبة شاعرة على علماء إشبيلية وبالهزمة التي تظهر في أذقان بعض الأحداث، وتعتري بعضهم في الخدين عند الضحك، فأما التي في القن فهي النونة، ومنه قول عثمان رضي الله تعالى عنه: دسموا نونته لتدفع العين، وأما التي في الخدين عند الضحك فهي الفحصة، فما كان في ذلك الوقت في إشبيلية من عرف منها واحدة
وسهر عباد ليلة لأمر حزبه وهي نائمة، فقال:
تنام ومدنفها يسهر وتصبر عنه ولا يصبر
فأجابته بديهة بقولها:
لئن دام هذا وهذا له ... سيهلك وجداً ولا يشعر ويكفيك هذا شاهداً على فضلها يرحمها الله تعالى وسامحها.
ومنهن: بثينة بنت المعتمد بن عباد، وأمها الرميكية السابقة الذكر، وكانت بثينة هذه نحواً من أمها في الجمال والنادرة ونظم الشعر، ولما أحيط بأبيها ووقع النهب في قصره كانت من جملة من سبي، ولم يزل المعتمد والرميكية عليها في وله دائم لايعلمان ما آل إليه أمرها إلى أن كتبت إليهما بالشعر المشهور المتداول بين الناس بالمغرب، وكان أحد تجار إشبيلية اشتراها على أنها جارية سرية ووهبها لابنه، فنظر من شأنها وهيئت له، فلما أراد الدخول عليها امتنعت، وأظهرت نسبها، وقالت: لا أحل لك إلا بعقد نكاح إن رضي أبي بذلك الذي، وأشارت عليهم بتوجيه كتاب من قبلها لأبيها، وانتظار جوابه، فكان الذي كتبته بخطها من نظمها ما صورته:
اسمع كلامي واستمع لمقالتي فهي السلوك بدت من الأجياد
لا تنكروا أني سبيت وأنني بنت لملك من بني عباد
ملك عظيم قد تولى عصره وكذا الزمان يؤول للإفساد
لما أراد الله فرقة شملنا وأذاقنا طعم الأسى عن زاد
قام النفاق على أبي في ملكه فدنا الفراق ولم يكن بمراد
فخرجت هاربة فحازني امرؤ ... لم يأت في إعجاله بسداد إذ باعني بيع العبيد فضمني من صانني إلا من الانكاد
وأرادني لنكاح نجل طاهر حسن الخلائق من بني الأنجاد
ومضى إليك يسوم رأيك في الرضى ولأنت تنظر في طريق رشادي
فعساك يا أبتي تعرفني به إن كان ممن يرتجى لداد
وعسى رميكية الملوك بفضلها تدعو لنا باليمن والإسعاد
فلما وصل شعرها لأبيها وهو بأغمات، واقع في شراك الكروب
والأزمات، سر هو وأمها بحياتها، ورأيا أن ذلك للنفس من أحسن أمنياتها، إذ علما مآل أمرها، وجبرها كسرها، إذ ذلك أخف الضررين، وإن كان الكرب قد ستر القلب منه حجاب رين، وأشهد على نفسه بعقد نكاحها من الصبي المذكور، وكتب إليها أثناء كتابه مما يدل على حسن صبره المشكور:
بنيتي كوني به برة فقد قضى الوقت بأسعافه
وأخبار المعتمد بن عباد، تذيب الأ كباد، فلنرجع إلى ذكر نساء الأندلس فنقول:
ومنهن حفصة بنت حمدون، من وادي الحجارة، ذكرها في " المغرب " وقال: إنها من أهل المائة الرابعة، ومن شعرها:
رأى ابن جميل أن يرى الدهر مجمل فكل الورى قد عمهم سيب نعمته
له خلق كالخمر بعد امتزاجها وحسن فما أحلاه من حين خلقته
بوجه كمثل الشمس يدعو ببشرهعيوناً ويعشيها بإفراط هيبته ولها:
لي حبيب لا ينثني لعتاب وإذا ما تركته زاد تيها
قال لي هل رأيت لي من شبيه قلت أيضاً وهل ترى لي شبيها
ولها تذم عبيدها:
يا رب إني من عبيد على جمر الغضا، ما فيهم من نجيب
إما جهول أبله متعب أو فطن من كيده لا يجيب
وقال ابن الأبار: إنها كانت أديبة عالمة شاعرة، وذكرها ابن فرج صاحب " الحدائق " وأنشد لها أشعاراًمنها قولها:
يا وحشتي لأحبتي يا وحشة متماديه
يا ليلة ودعتهم يا ليلة هي ما هيه
ومنهن زينب المرية، كانت أديبة شاعرة، وهي القائلة:
يا أيها الراكب الغادي لطيته عرج أنبئك عن بعض الذي أجد
ما عالج الناس من وجد تضمنهم ووده آخر الأيام أجتهد
ومنهن غاية المنى، وهي جارية أندلسية متأدبة، قدمت إلى المعتصم بن صمادح، فأراد أختبارها فقال لها: مااسمك فقالت: غاية المنى، فقال لها: أجيزي:
اسألوا غاية المنى
فقالت:
من كسا جسمي الضنى
وأراني مولهاً سيقول الهوى أنا
هكذا أورد السالمي هذه الحكاية في تاريخه.
قال ابن الأبار: وقرأت بخط الثقة حاكياً عن القاضي أبي القاسم ابن حبيش قال: سيقت لابن صمادح جارية نبيلة تقول الشعر وتحسن المحاضرة، فقال:
تحمل إلى الأستاذ ابن الفراء الخطيب ليختبرها، وكان كفيفاً، فلما وصلته قال: ما اسمك فقالت: غاية المنى، فقال: أجيزي:
سل هوى غاية المنى من كسا جسمي الضنى
فقالت تجيزه:
وأراني متيماً سيقول الهوى أنا
حكى ذلك لابن صمادح، فاشتراها، انتهى.
ومنهن حمدة، ويقال حمدونة بنت زيادة المؤدب من وادي آش، وهي خنساء المغرب، وشاعرة الأندلس، ذكرها الملاحي وغيره، وممن روى عنها أبو القاسم ابن البراق.
ومن عجيب شعرها قولها:
ولما أبى الواشون إلا فراقنا وما لهم عندي وعندك من ثار
وشنوا على أسماعنا كل غارة وقل حماتي عند ذاك وأنصاري
غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ومن نفسي بالسيف والسيل والنار
وبعض يزعم أن هذه الأبيات لمهجة بنت عبد الرزاق الغرناطية، وكونهت لحمدة أشهر، والله ﷾ أعلم.
وخرجت حمدة مرة للوادي مع صبية، فلما نضت عنها ثيابها وعامت قالت:
أباح الدمع أسراري بوادي له للحسن آثار بوادي
فمن نهر يطوف بكل روض ومن روض يرف بكل وادي
ومن بين الظباء مهاة إنس لها لبي وقد ملكت فؤادي
لها لحظ ترقده لأمر وذاك الأمر يمنعني رقادي
إذا سدلت ذوائبها عليها ... رأيت البدر في جنح الدآدي كأن الصبح مات له شقيق فمن حزن تسربل بالحداد
وقال ابن البراق في سوق هذه الحكاية: أنشدتنا حمدة العوفية لنفسها، وقد خرجت متنزهة بالرملة من نواحي وادي آش فرأت ذات وجه وسيم أعجبها، فقالت - وبين الروايتين خلاف - أباح الدمع، إلى آخره، ونسب بعضهم إلى حمدة هذه الأبيات الشهيرة بهذه البلاد المشرقة، وهي:
وقانا لفحة الرمضاء واد سقاه مضاعف الغيث العميم
حللنا دوحه فحنا علينا حنو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمإ زلالاً ألذ من المدامة للنديم
يصد الشمس أنى واجهتنا فيحجبها ويأذن للنسيم
يروع حصاه حالية العذارى فتلمس جانب العقد النظيم
وممن جزم بذلك الرعيني، وقال: إن مؤرخي بلادنا نسبوها لحمدة من قبل أن يوجد المنازي الذي ينسبها له أهل المشرق، وقد رأيت أن أذكر كلامه برمته ونصه: كانت من ذوي الألباب، وفحول أهل الآداب، حتى إن بعض المنتحلين تعلق بهذه الأهداب، وادعى نظم هذين البيتين - يعني: ولما أبى الواشون، إلى آخره - لما فيهما من المعاني والألفاظ العذاب، وما غره في ذلك
إلا بعد دارها، وخلو هذه البلاد المشرقية من أخبارها، وقد تلبس بعضهم أيضاً بشعارها، وادعى غير هذا من أشعارها، وهو قولها: وقانا لفحة الرمضاء واد، إلى آخره، وإن هذه الأبيات نسبها أهل البلاد للمنازي من شعرائهم، وركبوا التعصب في جادة ادعائهم، وهي أبيات لم يخلبها غير لسانها، ولا رقم برديها غير إحسانها، ولقد رأيت المؤرخين من أهل بلادنا وهي الأندلس أثبتوها لها قبل أن يخرج المنازي من العدم إلى الوجود، ويتصف بلفظة الموجود، انتهى.
وهو أبو جعفر الأندلسي الغرناطي، نزيل حلب.
وحكى ابن العديم في تاريخ حلب ما نصه: وبلغني أن المنازي عمل هذه الأبيات ليعرضها على أبي العلاء المعري، فلما وصل إليه أنشده الأبيات، فجعل المنازي كلما أنشد المصراع الأول من كل بيت سبقه أبو العلاء إلى المصراع الثاني الذي هو تمام البيت كما نظمه، ولما أنشده قوله:
نزلنا دوحة فحنا علينا
قال أبو العلاء:
حنو الوالدات على الفطيم
فقال المنازي: إنما قلت " على اليتيم " فقال أبو العلاء: الفطيم أحسن، انتهى.
وهذا يدل على أن الرواية عنده " حنو الوالدات " وقد تقدم المرضعات، والله تعالى أعلم.
وقال ابن سعيد: يقال لنساء غرناطة المشهورات بالحسب والجلالة " العربيات " لمحافظتهن على المعاني العربية، ومن أشهرهن زينب بنت زياد الوادي آشي، وأختها حمدة، وحمدة هي القائلة وقد خرجت إلى نهر منقسم الجداول بين الرياض مع نسائها فسبحن في الماء وتلاعبن:
أباح الدمع أسراري بوادي
الأبيات، انتهى.
ومنهن عائشة بنت أحمد القرطبية.
قال ابن حيان في " المقتبس " لم يكن في زمانها من حرائر الأندلس من يعدلها علماً وفهماً وأدباً وشعراً وفصاحة، تمدح ملوك الأندلس وتخاطبهم بما يعرض لها من حاجة، وكانت حسنة الخط، تكتب المصاحف، وماتت عذراء لم تنكح سنة أربعمائة.
وقال في " المغرب ": إنها من عجائب زمانها، وغرائب أوانها، وأبو عبد الله الطبيب عمها، ولو قيل " إنها أشعر منه " لجاز، ودخلت على المظفر ابن المنصور بن أبي عامر وبين يديه ولد، فارتجلت:
أراك الله فيه ما تريد ولا برحت معاليه تزيد
فقد دلت مخايله على ما تؤمله وطالعه السعيد
تشوقت الجياد له وهز ال حسام هوى وأشرقت البنود
فسوف تراه بدراً في سماء من العليا كواكبه الجنود
وكيف يخيب سبل قد نمته إلى العليا ضراغمة الأسود
فأنتم آل عامر خير آل زكا الأبناء منكم والجدود
وليدك لدى رأي كشيخ وشيخكم لدى الحرب وليد
وخطبها بعض الشعراء ممن لم ترضه فكتبت إليه:
أنا لبوة لكنني لا أرتضي نفسي مناخاً طول دهري من أحد
ولو أنني أختار ذلك لم أجب كلباً وكم غلقت سمعي عن أسد
ومنهن مريم بنت أبي يعقوب الأنصاري.
سكنت إشبيلية، وأصلها والله أعلم من شلب.
وذكرها ابن دحية في " المطرب " وقال: إنها أديبة شاعرة " جزلة " مشهورة، وكانت تعلم النساء الأدب، وتحتشم لدينها وفضلها، وعمرت عمراً طويلاً، سكنت إشبيلية، واشتهرت بها بعد الأربعمائة، وذكرها الحميدي، وأنشد لها جوابها لما بعث المهدي إليها بدنانير، وكتب إليها:
ما لي بشكر الذي أوليت من قبل لم أنني حزت نطق اللسن في الحلل
يا فذة الظرف في هذا الزمان ويا وحيدة العصر في الإخلاص في العمل
أشبهت مريماً العذراء في ورع وفقت خنساء في الأشعار والمثل
ونص الجواب منها:
من ذا يجاريك في قول وفي عمل وقد بدرت إلى فضل ولم تسل
ما لي بشكر الذي نظمت في عنقي من اللآلي وما أوليت من قبل
حليتني بحلى أصبحت زاهية بها على كل أنثى من حلى عطل
لله أخلاقك الغر التي سقيت ماء الفرات فرقت رقة الغزل
أشبهت مروان من غارت بدائعه وأنجدت وغدت من أحسن المثل
من كان والده العضب المهند لم يلد من النسل غير البيض والأسل
ومن شعرها وقد كبرت:
وما يرتجى من بنت سبعين حجة وسبع كنسيج العنكبوت المهلهل
تدب دبيب الطفل تسعى إلى العصا وتمشي بها مشي الأسير المكبل
ومنهن أسماء العامرية، من أهل إشبيلية، كتبت إلى عبد المؤمن ابن علي رسالة نمت فيها إليه بنسبها العامري، وتسأله في رفع الانزالعن دارها، والاعتقال عن مالها، وفي آخرها قصيدة أولها:
عرفنا النصر والفتح المبين لسيدنا أمير المؤمنينا
إذا كان الحديث عن المعالي رأيت حديثكم فينا شجونا
ومنها:
رويتم علمه فعلمتموه وصنتم عهده فغدا مصونا
ومنهن أم الهناء بنت القاضي أبي محمد عبد الحق بن عطية، سمعت أباها، وكانت حاضرة النادرة، سريعة التمثل، من أهل العلم والفهم والعقل، ولها تأليف في القبور، ولما ولي أبوها قضاء المرية دخل داره وعيناه تذرفان وجداً لمفارقة وطنه، فأنشدته متمثلة:
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع