من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
تتمة (١١)
وعلم الألى من ناقديه وفهم ما له اختلفوا في العلم بالرأي والنظر
وأنشد له أيضاً:
مقالة ذي نصح وذات فوائد إذا من ذوي الألباب كان استماعها
عليكم بآثار النبي فإنه من افضل أعمال الرشاد اتباعها
وقال أبو الحسن عبد الملك بن عياش الكاتب الأزدي اليابري، وسكن أبوه قرطبة:
عصيت هوى نفسب صغيراً وعندما رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر
أطعت الهوى، عكس القضية ليتني خلقت كبيراً وانتقلت إلى الصغر
وقيل: إن ابنه أبا الحسن علي بن عبد الملك قال بيتاً مفرداً في معنى ذلك، وهو:
هنيئاً له إذ لم يكن كابنه الذي ... أطاع الهوى في حالتيه وما اعتبر وقيل: إن هذا البيت رابع أربعة أبيات.
وقال أبو إسحاق ابن خفاجة لما اجتمع به أبو العرب وسأله عن حاله وقد بلغ في عمره إحدى وثمانين سنة، فأنشده لنفسه:
أي عيش أو غذاء أو سنه لابن إحدى وثمانين سنه
قلص الشيب به ظل امرئ طالم جر صباه رسنه
تارة تسطو به سيئة تسخن العين وأخرى حسنه
وقال أبو محمد عبد الوهاب بن محمد القيسي المالقي:
الموت حصاد بلا منجل يسطو على القاطن والمنجلي
لا يقبل العذر على حالة ما كان من مشكل أو من جلي
وقال الشيخ عبد الحق الإشبيلي الأزدي صاحب كتاب العاقبة
والإحكام وغيرهما:
إن في الموت والمعاد لشغلاً وإدكاراً لذي النهى وبلاغا
فاغتنم خطتين قبل المنايا صحة الجسم يا أخي والفراغا
وقال أبو الفضل عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن حسان الغساني من أهل جليانة من عمل وادي آش:
ألا إنما الدنيا بحار تلاطمت فما أكثر الغرقى على الجنبات
وأكثر من صاحبت يغرق إلفه وقل فتى ينجى من الغمرات
وكان المذكور من أهل العلم والأدب، رحل وحج وتجول في البلاد، ونزل القاهرة المعزية، وكان أحد السياحين في الأرض، وله تآليف منها جامع أنماط الوسائل في القريض والخطب والرسائل وأكثره من نظمه ونثره، رحمه الله تعالى.
وقال عبد العليم بن عبد الملك بن حبيب القضاعي الطرطوشي:
وما الناس ألا كالصحائف غيرت وألسنهم إلا كمثل التراجم
إذا اشتجر الخصمان في فطنة الفتى فمقوله في ذاك أعدل حاكم
وقال أبو الحكم عبد المحسن البلنسي:
من كان للدهر للدهر خدناً في تصرفه أبدت له صفحة الدهر الأعاجيبا
من كان خلواً من الآداب سربله مر الليالي على الأيام تأديبا
وقال أبو حاتم عمر بن محمد بن فرج من أهل ميرتلة، مدينة بغرب الأندلس، يمدح شهاب الأندلس، يمدح شهاب القضاعي:
شهب السماء ضياؤها مستور عنا إذا أفلت توارى النور
فانزع هديت إلى شهاب نوره متألق آماله تبصير
تشفي جواهره القلوب من العمى ولطالما انشرحت بهن صدور
فإذا أتى فيه حدبث محمد خذ في الصلاة عليه يا مغرور
وترحمن على القضاعي الذي وضع الشهاب فسعيه مشكور
وقال الأستاذ أبو محمد غانم بن وليد المخزومي المالقي:
ثلاثة يجهل مقدارها الأمن والصحة والقوت
فلا تثق بالمال من غيرهالو أنه در وياقوت وتذكرت بهذا قول الآخر:
إذا القوت تأتى ل ك والصحة والأمن
وأصبحت أخا حزن فلا فارقك الحزن
وكل ذلك أصله الحديث النبوي [على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فإنه قال]: " من أصبح آمناً في سربه، معافى في بدنه، معه قوت يومه، فكأنما سيقت له الدنيا بحذافيرها ".
وأخبرنا شيخنا القصار أبو عبد الله محمد بن قاسم القيسي مفتي مدينة فاس وخطيبها سنة عشر وألف، قال: حدثنا شيخنا أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل التونسي نزيل فاس الشهير بخروف [قال] حدثنا الإمام سيدي فرج الشريف
الطحطاوي، قال: سمعت النبي ﷺ في النوم يقول " من أصبح آمناً في سربه..... الحديث ".
رجع
وقال الأستاذ العارف بالله سيدي أبو العباس أحمد بن العريف الأندلسي دفين مراكش، وقد زرت قبره سنة:
إذا نزلت بساحتك الرزايا فلا تجزع لها جزع الصبي
فإن لكل نازلة عزاء بما قد كان من فقد النبي
وقال رحمه الله تعالى:
شدوا الرحال وقد نالوا المنى بمنى وكلهم بأليم الشوق قد باحا
راحت ركائبهم تندى روائحها طيباً بما طاب ذاك الوفد أشباحا
نسيم قبر النبي المصطفى لهم راح إذا سكروا من أجله فاحا
يا راحلين إلى المختار من مضر زرتم جسوماً وزرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على شوق وعن قدر ومن أقام على عذر كمن راحا
وقال أبو محمد المحاربي:
داء الزمان وأهله داء يعز له العلاج
أطلعت في ظلمائه رأياً كما سطع السراج
لمعاشر أعيا ثقا في من قناتهم اعوجاج
كالدر ما لم تختبر فإذا اختبرت فهم زجاج
وقال أبو عبد الله غربيب الثقفي القرطبي:
يهددني بمخلوق ضعيف يهاب من المنية ما أهاب
له أجل ولي أجل وكل سيبلغ حيث يبلغه الكتاب
وما يدري لعل الموت منهقريب أينا قبل المصاب وله:
أيها الآمل ما ليس له طالما غر جهولاً أمله
رب من بات يمني نفسه خانه دون مناه أجله
وفتى بكر في حاجاته عاجلاً أعقب ريثاً عجله
قل لمن مثل في أشعاره يذهب المرء ويبقى مثله
نافس المحسن في إحسانه فسيكفيك مسيئاً عمله
قال ابن الأبار: وهذا البيت الأخير في برنامج الطبني.
وقال أبو الحسين سليمان بن الطراوة النحوي المالقي:
وقائلة أتصبو للغواني وقد أضحى بمفرقك النهار
فقلت لها حثثت على التصابي أحق الخيل بالركض المعار
وقال الحافظ أبو الربيع ابن سالم:
إذا برمت نفسي بحال أحلتها على أمل ناء فقرت به النفس
وأنزل أرجاء الرجاء ركائبي إذا رام إلماماً بساحتي اليأس
وإن أوحشتني من أماني نبوة فلي في الرضى بالله والقدر الأنس
وقال أبو الحسن سلام بن عبد الله بن سلام الباهلي الإشبيلي مما أنشده لنفسه في كتابه الذي سماه الذخائر والأعلاق في أدب النفوس ومكارم الأخلاق:
إذا تم عقل المرء تمت فضائله وقامت على الإحسان منه دلائله
فلا تنكر الأبصار ما هو فاعله ولا تنكر الأسماع ما هو قائله
وكان أبو المذكور من وزراء المعتمد بن عباد، رحم الله تعالى الجميع.
وقال أبو بكر الزبيدي اللغوي:
اترك الهم إذا ما طرقك وكل الأمر إلى من خلقك
وإذا أمل قوم أحداً فإلى ربك فامدد عنقك
وقال القاضي أبو الوليد هشام بن محمد القيسي الشلبي المعروف بابن الطلاء: فاوضت القاضي أبا عبد الله ابن شبرين ما يحذر من فتنة النظر إلى الوجوه الحسان، فقلت:
لا تنظرن إلى ذي رونق أبداً واحذر عقوبة ما يأتي به النظر
فكم صريع رأيناه صريع هوى زو نظرة قادها يوماً له القدر
فأجابني في المعنى الذي انتحيته:
إذا نظرت فلا تولع بتقليب فربما نظرة عادت بتعذيب
ورب هنا للتكثير.
وقال الأستاذ ابن حطوط الله:
أتدري أنك الخطاء حقاً وأنك بالذي تأتي رهين
وتغتاب الألى فعلوا وقالوا وذاك الظن والإفك المبين
قال في " الإحاطة ": أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن عمر بن حطوط الله الأنصاري الحارثي، كان فقيهاً جليلاً أصولياً كاتباً أديباً شاعراً متفنناً في العلوم ورعاً ديناً حافظاً ثبتاً فاضلاً، درس كتاب سيبويه ومستصفى أبي حامد الغزالي، وكان، رحمه الله تعالى، مشهوراً بالعقل والفضل، معظماً عند الملوك، معلوم القدر لديهم، يخطب في مجالس الأمراء والمحافل الجمهورية، مقدماً في ذلك بلاغة وفصاحة إلى أبعد مضمار، ولي قضاء إشبيلية وقرطبة ومرسية وسبتة وسلا وميورقة، فتظاهر بالعدل، وعرف بما أبطن من الدين والفضل، وكان من العلماء العاملين، مجانباً لأهل البدع والأهواء، بارع الخط، حسن التقييد، وسمع الحديث، فحصل له سماع لم يشاركه فيه أحد من أهل الغرب، وسمع على الجهابذة كابن بشكوال ةغيره، وقرأ أكثر من ستين تأليفاً بين كبار وصغار، منها الصحيحان، وأكثر عن ابن حبيش وابن الفخار والسهيلي وغيرهم، ومولده في محرم سنة، ومات بغرناطة سحر يوم الخميس ثاني ربيع الأول سنة، ونقل منها في تابوته الذي ألحد فيه يوم السبت تاسع عشر شعبان من السنة المذكورة إلى مالقة فدفن بها، رحمه الله تعالى، انتهى، وبعضه بالمعنى مختصراً.
وللمذكور ترجمة واسعة جداً، وألمعت بما ذكرت على وجه التبرك بذكره، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
وقال أبو المتوكل الهيثم بن أحمد السكوني الإشبيلي:
يجفى الفقير ويغشى الناس قاطبة باب الغني، كذا حكم المقادير
وإنما الناس أمثال الفراش فهم يرون حيث مصابيح الدنانير
وقال تلميذه ابن الأبار: أنشدني بعض أصحابنا عنه هذين البيتين، ولم أسمعهما منه، انتهى.
قلت: وبهذا تعرف وهم من نسب البيتين إلى عبد المهيمن الحضرمي، فإن هذا كان قبل أن يخلق والد عبد المهيمن الحضرمي، وقد أنشدهما الجلاب الفهري في روح الشعر وروح الشحر.
وقال أبو محمد القاسم بن الفتح الحجاري المعروف بابن افريولة:
ركابي بأرجاء الرجاء مناخة ورائدها علمي بأنك لي رب
وأنك علام بما أنا قائل كما أنت علام بما أضمر القلب
لئن آدها ذنب تولت بعبئه لقد قرعت باباً به يغفر الذنب
وقال أيضاً:
عجباً لحبر قد تيقن أنه سيرى اقتراف يديه في ميزانه
ثم امتطى ظهر المعاصي جهرة لم يثنه التأنيب عن عصيانه
أنى عصى ولكل جزء نعمة من نفسه وزمانه ومكانه
وقال الشاعر الكبير الشهير أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن مجبر الفهري:
إن الشدائد قد تغشى الكريم لأن تبين فضل سجاياه وتوضحه
كمبرد القين إذ يعلو الحديد به وليس يأكله إلا ليصلحه
وقال:
لا تغبط المجدب في عمله وإن رأيت الخصب في حاله
إن الذي ضيع من نفسه فوق الذي ثمر من ماله
وقال أبو الحجاج يوسف بن أحمد الأنصاري المنصفي البلنسي:
قال لي النفس أتاك الردى وأنت في بحر الخطايا مقيم
هلا اتخذت الزاد قلت أقصري هل يحمل الزاد لدار الكريم
وكان المنصفي المذكور صالحاً، وله رحلة حج فيها، ومال إلى علم التصوف، رحمه الله تعالى، وله فيه أشعار حملت عنه.
وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن الصائغ القرشي الأموي الأندلسي مخمساً أبيات عز الدين بن جماعة قاضي القضاة رحمه الله تعالى:
هم الأبي على مقدار منصبه وبسط راحته في طي منصبه
ما أنت والدهر تشكو من تقلبه يا مبتلى بقضاء قد بليت به
عليك بالصبر واحذر يا أخي جزعك
صبراً فللصبر في حرب العدا عدد ذر العدو يمته الغيظ والحسد
ولا يكن لك إلا الله معتمد واعلم بأن جميع الخلق لو قصدوا
أذاك لم يقدروا والله قد رفعك
أعلاك في رتب غر معظمة بالعرف معروفة بالعلم معلمة
ومن يناويك في بهماء مظلمة فاصرف هواك وجانب كل مظلمة
واصحب فديتك من بالنصح قد نفعك
قد اجتلبت من الأيام تبصرة وقد كفاك الهدى والذكر تذكرة
فاشكر وقدم مع الإخلاص معذرة واسأل إلهك في الإسحار مغفرة
منه وكن معه حتى يكون معك
وتوفي المذكور بالقاهرة في الطاعون العام سنة.
وقال أبو عبد الله الحميدي:
الناس نبت وأرباب القلوب لهم روض وأهل الحديث الماء والزهر
من كان قول رسول الله حاكمه فلا شهود له إلا الألى ذكروا
وقال أيضاً:
من لم يكن للعلم عند فنائه أرج فإن بقاءه كفنائه
بالعلم يحيا المرء طول حياته فإذا انقضى أحياه حسن ثنائه
وقال أيضاً:
دين الفقيه حديث يستضيء به عند الحجاج وإلا كان في الظلم
إن تأوه ذو مذهب في قفر مشكلة لاح الحديث له في الوقت كالعلم
ولما تعرض بعض من لا يبالي بما ارتكب إلى أصحاب الحديث بقوله:
أرى الخير في الدنيا يقل كثيره وينقص نقصاً والحديث يزيد
فلو كان خيراً كان كالخير كله ولكن شيطان الحديث مريد
ولابن معين في الرجال مقالة سيسأل عنها والمليك شهيد
فإن يك حقاً قوله فهي غيبة وإن يك زوراً فالقصاص شديد
أجابه الإمام أبو عبد الله الحميدي بقصيدة طويلة، منها:
وإني إلى إبطال قولك قاصد ولي من شهادات النصوص جنود
إذا لم يكن خيراً كلام نبينا لديك فإن الخير منك بعيد
وأقبح شيء أن جعلت لما أتى عن الله شيطاناً وذاك شديد
وما زلت في ذكر الزيادة معجباً بها تبدئ التلبيس ثم تعيد
كلام رسول الله وحي ومن يرم زيادة شيء فهو فيه عنيد
ومنها في ابن معين:
وما هو إلا واحد من جماعة وكلهم فيما حكوه شهود
فإن صد عن حكم الشهادة جاهل فإن كتاب الله فيه عتيد
ولولا رواة الدين ضاع وأصبحت معالمه في اللآخرين تبيد
هم حفظوا الآثار من كل شبهة وغيرهم عما اقتنوه رقود
وهم هاجروا في جمعها وتبادروا إلى كل أفق والمرام كؤود
وقاموا بتعديل الرواة وجرحهم فدام صحيح النقل وهو جديد
بتبليغهم صحت معالم ديننا حدود تحروا حفظها وعهود
وصح لأهل النقل منها احتجاجهم فلم يبق إلا عاند وحقود
وحسبهم أن الصحابة بلغوا وعنهم رووا لا يستطاع جحود
فمن حاد عن هذا اليقين فمارق مريد لإظهار الشكوك مريد
ولكن إذا جاء الهدى ودليله فليس لموجود الضلال وجود
وإن رام أعداه الديانة كيدها فكيدهم بالمخزيات مكيد
وقال أبو بكر محمد بن محرز الزهري البلنسي، والتزم الراء في كل كلمة:
اشكر لربك وانتظر في إثر عسر الأمر يسرا
واصبر لربك وادخر في ستر ضر الفقر أجرا
فالدهر يعثر بالورى والصبر بالأحرار أحرى
والوفر أظهر معشرا والفقر بالأخيار يغرى
وقال أيضاً:
اقنع بما أوتيته تنل الغنى وإذا دهتك ملمة فتصبر
واعلم بأن الرزق مقسوم فلو رمنا زيادة ذرة لم نقدر
والله أرحم بالعباد فلا تسل بشراً تعش عيش الكرام وتؤجر
وإذا سخطت لضر حالك مرة ورأيت نفسك قد عدت فاستبصر
وانظر إلى من كان دونك تدكر لعظيم نعمته عليك فتشكر
وقال الحافظ أبو محمد ابن حزم: أنشدني والدي أحمد بن سعيد ابن حزم:
إذا شئت أن تحيا غنياً فلا تكن على حالة إلا رضيت بدونها
وقال القاضي أبو العباس أحمد بن الغماز البلنسي نزيل تونس:
وقالوا أما تخشى ذنوباً أتيتها ولم تك ذا جهل فتعذر بالجهل
فقلت لهم هبني كما قد ذكرتم تجاوزت في قولي وأسرفت في فعلي
أما في رضى مولى الموالي وصفحه رجاء ومسلاة لمقترف مثلي
وأنشد رحمه الله تعالى لنفسه في اليوم الذي مات فيه، وهو آخر ما سمع منه ليلة عاشوراء سنة:
أدعوك يا رب مضطراً على ثقة بما وعدت كما المضطر يدعوكا
دارك بعفوك عبداً لم يزل أبداً في كل حال من الأحوال يرجوكا
طالت حياتي ولما أتخذ عملاً إلا محبة أقوام أحبوكا
وقال ابن الزقاق، ويقال إنها مكتوبة على قبره:
أإخواننا والموت قد حال دوننا وللموت حكم نافذ في الخلائق
سبقتكم للموت والعمرطية وأعلم أن الكل لا بد لاحقي
بعيشكم أو باضطجاعي في الثرى ألم نك في صفو من العيش رائق
فمن مر بي فليمض لي مترحماً ولا يك منسياً وفاء الأصادق
وقال الخطيب أبو عبد الله محمد بن صالح الكتاني الشاطبي، ومولده سنة:
أرى العمر يفنى والرجاء طويل وليس إلى قرب الحبيب سبيل
حباه إله الخلق أحسن سيرة فما الصبر عن ذاك الجمال جميل
متى يشتفي قلبي بلثم ترابه ويسمح دهر بالمزار بخيل
دللت عليه في أوائل أسطري فذاك نبي مصطفى ورسول
وقال أيمن بن محمد الغرناطي نزيل طيبة على ساكنها الصلاة والسلام:
أرى حجرات قد أحاطت عراصها ببحر محيط حصره غير ممكن
بحار المعالي والمعاني وإن طمت لدى لجة تفنى وعن هوله تني
محمد المحمود في كل موطن أبو القاسم المختار من خير معدن
نبي إذا أبصرت غرة وجهه تيقنت أن العز عز المهيمن
لك الله من بدر إذا الشمس قابلت محياه قالت إن ذا طالع سني
وله:
كل القلوب مطيعة لك في الهوى جانب فديتك من تشاء ووال
الحسن وال، والقلوب رعية وعلى الرعية أن تطيع الوالي
وقال أيضاً:
ألا أيها الباكي على ما يفوته من الحظ في الدنيا جهلت وما تدري
على فوت حظ من جوار محمد حقيق بأن تبكي إلى آخر العمر
ستدري إذا قمنا وقد رفع اللوا وأحمدها ديناً إلى موقف الحشر
من الفائز المغبوط في يوم عرضه أجار النبي المصطفى أم أخو الوفر
وله:
فررت من الدنيا إلى ساكن الحمى فرار محب لائذ بحبيب
لجأت إلى هذا الجناب، وإنما لجأت إلى سامي العماد رحيب
وناديت مولاي الذي عنده الغنى نداء عليل في الزمان غريب
أمولاي إني قد أتيتك لائذاً وأنت طبيبي يا أجل طبيب
فقال لك البشرى ظفرت من الرضى بأوفر حظ مجزل ونصيب
تناومت في أطلال ليل شبيبتي فأدركني بالفجر صبح مشيبي
وقال أبو بكر الزبيدي اللغوي:
لو لم تكن نار ولا جنة للمرء إلا أنه يقبر
لكان فيه واعظ زاجر ناه لمن يسمع أو يبصر
ولقد صدق رحمه الله تعالى ورضي عنه.
ولبعض فقهاء طلبيرة:
رأيت الانقباض أجل شيء وأدعى في الأمور إلى السلامه
فهذا الخلق سالمهم ودعهم فرؤيتهم تؤول إلى الندامه
ولا تغنى بشيء غير شيء يقود إلى خلاصك يوم القيامه
وأمر الكاتب أبو بكر ابن مغاور بكتب هذه الأبيات على قبره، وهي له:
أيها الواقف اعتباراً بقبري استمع فيه قول عظمي الرميم
أودعوني بطن الضريح وخافوا من ذنوب كلومها بأديمي
قلت لا تجزعوا علي فإني حسن الظن بالرؤوف الرحيم
ودعوني بما اكتسبت رهيناً غلق الرهن عند مولى كريم
وقال الخطيب ابن صفوان:
رأيتك يدنيني إليك تباعدي فأبعدت نفسي لابتغائي في القرب
هربت له منه إليه فلم يكن بي البعد في قربي فصح به قربي
فيا رب هل نعمى على العبد بالرضى ينال بها فوزاً من القرب بالقرب
وقال الوادي آشي:
وهذا النظم معناه جليل، وتكرار القرب وإن قبح عند تاعروضي فهو المحب جميل، وهم القوم يسلم لهم في الأفعال والأقوال، وترتجى بركتهم في كل الأحوال، انتهى.
وقال بعض قدماء الأندلس:
سئمت الحياة على حبها وحق لذي السقم أن سأما
فلا عيش إلا لذي صحة تكون له للتقى سلما
وذيله آخر منهم بقوله:
ولا داء إلا لمن لم يزل يقارب في دينه مأثما
فلست تعالج جرح الهوى هديت بمثل التقى مرهما
وقال أبو جعفر أحمد السياسي القيسي المري:
إذا ما جنى يوماً عليك جناية ظلوم يدق السمر بأساً ويقصف
فلا تنتقم يوماً عليه بما جنى وكل أمره للدهر فالدهر منصف
وقال أيضاً:
ليس حلم الضعيف حلماً، ولكن حلم من لو يشاء صال اقتدارا
من تغاضى عن السفيه بحلم أصبح الناس دونه أنصارا
من يزوج كريمة الهمة العل يا علواً فقد أجاد الخيارا
ستريه عند الولاد بنيها ال علم والحلم والأناة كبارا
وقال الخطيب الصالح أبو إسحاق ابن أبي العاصي:
اعمل بعلمك تؤت علماً إنما جدوى علوم المرء نهج الأقوم
وإذا الفتى قد نال علماً ثم لم يعمل به فكأنه لم يعلم
وقال موطئاً غلى البيت الأخير:
أمولاي أنت العفو الكريم لبذل النوال وللمعذره
علي ذنوب وتصحيفها ومن عندك الجود والمغفره
وقال الخطيب المتصوف الشهير أبو جعفر أحمد بن الزيات من بلش مالقة:
يقال خصال أهل العلم ألف ومن جمع الخصال الألف سادا
ويجمعها الصلاح فمن تعدى مذاهبه فقد جمع الفسادا
وقال أيضاً:
إن شئت فوزاً بمطلوب الكرام غداً فاسلك من العمل المرضي منهاجا
واغلب هوى النفس لا يغررك خادعه فكل شيء يحط القدر منها جا
وقال الأديب الكبير الشهير أبو محمد عبد الله بن محمد بن صارة البكري الشنتريني رحمه الله تعالى:
بنوا الدنيا بجهل عظموها فجلت عندهم وهي الحقيره
يهارش بعضهم بعضاً عليها مهارشة الكلاب على العقيره
وقال:
أي عذر يكون لا أي عذر لابن سبعين مولع بالصبابه
وهو ماء لم تبق منه الليالي في إناء الحياة إلا صبابه
وقال أيضاً:
ولقد طلبت رضى البرية جاهداً فإذا رضاهم غاية لا تدرك
وأرى القناعة للفتى كنز له والبر أفضل ما بخ يتمسك
وقال أبو محمد ابن صاحب الصلاة الداني، ويعرف بعبدون:
وعجل شيبي أن ذا الفضل مبتلى بدهر غدا ذو النقص فيه مؤملا
ومن نكد الدنيا على المرء أن يرى بها الحر يشقى واللئيم ممولا
متى ينعم المعتر عيناً إذا اعتفى جواداً مقلاً أو غنياً مبخلا
وقال أبو الحكم عبيد الله الأموي مولاهم الأندلسي:
إذا كان إصلاحي لجسمي واجباً فإصلاح نفسي لا محالة أوجب
وإن كان ما يفنى إلى النفس معجباً فإن الذي يبقى إلى العقل أعجب
وقال الفقيه الزاهد أبو إسحاق إبراهيم ابن مسعود الإلبيري رحمه الله تعالى:
لله أكياس جفو أوطانهم فالأرض أجمعها لهم أوكطان
جالت عقولهم مجال تفكر وجلالة فبدا لها الكتمان
ركبت بحار الفهم في فلك النهى وجرى بها الإخلاص والإيمان
فرست بهم لما انتهوا بجفونهم ... مرسى لهم فيه غنى وأمان وقال أبو جعفر ابن خاتمة رحمه الله تعالى:
يا من يغيث الورى من بعدما قنطوا ارحم عباداً أكف الفقر قد بسطوا
عودتهم بسط أرزاق بلا سبب سوى جميل رجاء نحوه انبسطوا
وعدت بالفضل في ورد وفي صدر بالجود إن أقسطوا والحلم إن قسطوا
عوارف ارتبطت شم الأنوف لها وكل صعب بقيد الجود يرتبط
يا من تعرف بالمعروف فاعترفت بجم إنعامه الأطراف والوسط
وعالماً بخفيات الأمور فلا وهم يجوز عليه لا ولا غلط
عبد فقير بباب الجود منكسر من شأنه أن يوافي حين ينضغط
مهما أتى يمد الكف أخجله قبائح وخطايا أمرها فرط
يا واسعاً ضاق خطو الخلق عن نعم منه إذا خطبوا في شكرها خبطوا
وناشراً بيد الإجمال رحمته فليس يلحق منه مسرفاً قنط
ارحم عباداً بضنك العيش قد قنعوا فأينما سقطوا بين الورى لقطوا
إذا توزعت الدنيا فما لهم غير الدجنة لحف والثرى بسط
لكنهم من ذرا علياك في نمط سام رفيع الذرى ما فوقه نمط
ومن يكن بالذي يهواه مجتمعاً فما يبالي أقام الحي أم شحطوا
نحن العبيد وأنت الملك ليس سوى وكل شيء يرجى بعد ذا شطط
وقال رحمه الله تعالى:
ملاك الأمر تقوى الله فاجعل تقاه عدة لصلاح أمرك
وبادرنحو طاعته بعزم فما تدري متى يمضي بعمرك
وقال أيضاً:
إذا كنت تعلم أن الأمور بحكم الإله كما قد قضى
ففيم التفكر والحكم ماض ولا رد للحكم مهما مضى
فخل الوجود كما شاءه مدبره وابغ منه الرضى
وقال:
إذا ما الدهر نابك منه خطب وشد عليك من حنق عقاله
فكل لله أمرك لا تفكر ففكرك فيه خبط في حباله
وقال:
عدوك داره ما اسطعت حتى يعود لديك كالخل الشفيق
فما في الأرض أردى من عدو وما في الأرض أجدى من صديق
وقال:
إن أعرضت دنياك عنك بوجهها وغدت ومنها في رضاك نزاع
فاحذر بنيها واحتتفظ من شرهم إن النبين لأمهم أتباع
وقال:
يا مجيب المضطر عند الدعاء منك دائي وفي يديك دوائي
جذبتني الدنيا إليها بضبعي ودعتني لمحنتي وشقائي
يا إلهي وأنت تعلم حالي لا تذرني شماتة الأعداء
وقال الحافظ الكبير الشهير أبو عبد الله الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين رحمه الله تعالى:
كتاب الله ﷿ قولي وما صحت به الآثار ديني
وما اتفق الجميع عليه بدءاً تكن منها على عين اليقين
وقال:
طريق الزهد أفضل ما طريق وتقوى الله بادية الحقوق
فثق بالله يكفك، واستعنه يعنك، وذر بنيات الطريق
وقال أبو بكر مالك بن جبير رحمه الله تعالى:
رحلت وإنني من غير زاد وما قدمت شيئاً للمعاد
ولكني وثقت بجود ربي وهل يشقى المقل مع الجواد
وتوفي المذكور بأريولة - أعادها الله تعالى إلى الإسلام - سنة.
وقال ابن جبير اليحصبي وهو الكتب أبو عبد الله محمد:
كلما رمت أن أقدم خيراً لمعادي ورمت أني أتوب
صرفتني بواعث النفس قسراًفتقاعست والذنوب ذنوب
رب قلب قلبي لعزمة خير ... لمتاب ففي يديك القلوب ولتعلم أن كلام أهل الأندلس بحر لا ساحل له، ويرحم الله تعالى لسان الدين بن الخطيب حيث قال في صدر الإحاطة: وهذا الغرض الذي وضعنا له هذا التأليف يطلبنا فيه ما قصدنا به من المباهاة والافتخار بالإكثار، واستيعاب النظام والنثار، ويحملنا فيه خوف السآمة على الاختصار والاقتصار، وكفى بهذا جلاء في الأعذار، والله تعالى مقيل العثار، وساتر العيب المثار، بفضله، انتهى.
ولنختم هذا الباب بقول أبي زكريا يحيى بن سعد بن مسعود القلني:
عفوك اللهم عناخير شيء نتمنا
رب إنا قد جهلنافي الذي قد كان منا
وخطينا وخلطناولهونا ومجنا
إن نكن رب أسأناما أسأنا بك ظنا وذيلته بقولي:
فأنلنا الختم بالحسنى وإنعاماً ومنا آمين
الباب الثامن
في ذكر تغلب العدو الكافر على الجزيرة بعد صرفه وجوه الكيد إليها وتضريبه بين ملوكها ورؤسائها بمكره، واستعماله في أمرها حيل فكره، حتى استولى - دمره الله تعالى - عليها، ومحا منها التوحيد واسمه، وكتب على مشاهدها ومعاهدها وسمه، وقرر مذهب التثليث، والرأي الخبيث، لديها، واستغاث أهلها استغاثة أضرابها بالنظم والنثر، أهل ذلك العصر، من سائر الأقطار، حين تعذرت بحصصارها، مع قلة حماتها وأنصارها، المآرب والأوطار، وجاءها الأعداء من خلفها ومن بين يديها، أعاد الله تعالى إليها كلمة الإسلام، وأقام فيها شريعة سيد الانما، عليه أفضل الصلاة والسلام، ورفع يد الكفر عنها وعما حواليها، آمين.
ظهور بلاي وخلفائه
قال غير واحد من المؤلفين: أول من جمع فل النصارى بالأندلس - بعد غلبة العرب لهم - علج يقال له بلاي، من أهل أشتوريش من جليقية، كان رهينة عن طاعة أهل بلده، فهرب من قرطبة أيام الحر بن عبد الرحمن الثقفي، الثاني من أمراء العرب بالأندلس، وذلك في السنة السادسة من افتتاحها، وهي سنة ثمان وتسعين من الهجرة، وثار النصارى معه على نائب الحر بن عبد الرحمن، فطردوه وملكوا البلاد، وبقي الملك فيهم إلى الآنن وكان عدة من ملك منهم إلى آخر أيام الناصر لدين الله اثنين وعشرين ملكاً، انتهى.
وقال عيسى ابن أحمد الرازي: في أيام عنبسة ابن سحيم الكلبي قام بأرض
جليقية علج خبيث يقال له بلاي من وقعة أخذ النصارى بالأندلس، وجد الفرنج في مدافعة المسلمين عما بقي بأيديهم، وقد كانوا لا يطمعون في ذلك، ولقد استولى المسلمون بالأندلس على النصرانية وأجلوهم، وافتتحوا بلادهم، حتى بلغوا أريولة من أرض الفرنجة، وافتتحوا بلبونة من جليقية، ولم يبق إلا الصخرة فإنه لاذ بها ملك يقال له بلاي، فدخلها في ثلاثمائة رجل، ولم يزل المسلمون يقاتلونه حتى مات أصحابه جوعاً، وبقي في ثلاثين رجلاً وعشر نسوة، ولا طعام لهم إلا العسل يشتارونه من خروق بالصخرة فيتقوتون به، حتى أعيا المسلمين أمرهم، واحتقروا بهم، وقالوا: ثلاثون علجاً ما عسى أن يجيء منهم فبلغ أمرهم بعد ذلك من القوة والمثرة ما لا خفاء به، وفي سنة مائة وثلاث وثلاثين، هلك بلاي المذكور، وملك ابنه فافله بعده، وكان ملك بلاي تسع عشرة سنة، وابنه سنتين، فملك بعدهما أذفونش بن بيطر جد بني أذفونش هؤلاء اللذين اتصل ملكهم إلى اليوم، فأخذوا ما كان المسلمون أخذوه من بلادهم، انتهى باختصار.
وقال المسعودي بعد ذكره غزوة سمورة أيام الناصر، ما صورته: وأخذ ما كان بأيدي المسلمين من ثغور الأندلس مما يلي الفرنجة ومدينة أربونة، خرجت عن أيدي المسلمين سنة ثلاثمائة وثلاين مع غيرها مما كان بأيديهم من المدن والحصون، وبقي ثغر المسلمين في هذا الوقت وهو سنة من شرق الأندلس طرطوشة، وعلى سائر بحر الروم مما يلي طرطوشة آخذاً في الشمال إفراغه على نهر عظيم ثم لاردة، انتهى.
الاستيلاء على طليطلة
ومن أول ما استرد الإفرنج من مدن الأندلس العظيمة مدينة طليطلة من يد ابن ذي النون سنة، وفي ذلك يقول عبد الله بن فرج اليحصبي المشهور بابن العسال:
يا أهل أندلس حثوا مطيكم فما المقام بها إلا من الغلط
الثوب ينسل من أطرافه وأرى ثوب الجزيرة منسولاً من الوسط
ونحن بين عدو لا يفارقنا كيف الحياة مع الحيات في سفط
ويروى صدر البيت الثالث هكذا:
ومن جاور الشر لا يأمن بوائقه كيف الحياة مع الحيات في سفط
وتروى الأبيات هكذا:
حثوا رواحلكم يا أهل أندلس فما المقام بها إلا من الغلط
السلك ينثر من أطرافه، وأرى سلك الجزيرة منثوراً من الوسط
من جاور الشر لا يأمن عواقبه كيف الحياة مع الحيات في سفط
وقال آخر:
يا أهل أندلس ردوا المعار فما في العرف عارية إلا مردات
ألم تروا بيدق الكفار فرزنه وشاهنا آخر الأبيات شهمات
وقال بعض المؤرخين: أخذ الأذفونش طليطلة من صاحبها القادر بالله بن المأمون يحيى بن ذي النون بعد أن حاصرها سبع سنين، وكان أخذه لها في منتصف محرم سنة؛ انتهى. وفيه بعض مخالفة لما قبله في وقت أخذها، وسيأتي قريباً بعض ما يؤيده.
قال: وهي مدينة حصينة قديمة أزلية من بناء العمالقة، على ضفة النهر الكبير، ولها قصبة حصينة في غاية المنعة، ولها قنطرة واحدة عجيبة البنيان على قوس واحد والماء يدخل تحته بعنف وشدة جرى، ومع آخر النهر ناعورة ارتفاعها في الجو تسعون ذراعاً، وهي تصعد الماء إلى أعلى القنطرة، ويجري الماء على ظهرها فيدخل المدينة، وطليطلة هذه دار مملكة الروم، وبها كان البيت المغلق الذي كانوا يتحامون فتحه حتى فتحه لذريق فوجد فيه صورة العرب؛ انتهى.
وقد تقدم شيء من هذا فيما مر من هذا الكتاب.
وقد حكى ابن بدرون في شرح العبدونية أن المأمون يحيى بن ذي النون صاحب طليطلة بنى بها قصراً تأنق في بنائه، وأنفق فيه مالاً كثيراً، وصنع فيه بحيرة، وبنى في وسطها قبة، وسيق الماء إلى رأس القبة على تدبير أحكمه المهندسون، فكان الماء ينزل من أعلى القبة حواليها محيطاً بها متصلاً بعضه ببعض، فكانت القبة في غلالة من ماء سكب لا يفتر، والمأمون بن ذي النون قاعد فيها لا يمسه من الماء شيء، ولو شاء أن يوقد فيها الشمع لفعل، فبينما هو فيها إذ سمع منشداً ينشد:
أتبني بناء الخالدين، وإنما بقاؤك فيها، لو علمت، قليل
لقد كان في ظل الأراك كفاية لمن كل يوم يعتريه رحيل
فلم يلبث بعد هذا إلا يسيراً حتى قضى نحبه، انتهى.
وقال ابن خلكان: إن طليطلة أخذت يوم الثلاثاء مستهل صفر سنة بعد حصار شديد، انتهى.
وقال ابن غلقمة: إن طليطلة أخذت يوم الأربعاء لعشر خلون من المحرم سنة، وكانت وقعة الزلاقة في السنة بعدها، انتهى.
وقعة الزلاقة نقلاً عن الروض المعطار وغيره
ورأيت هنا أن أذكر وقعة الزلاقة التي نشأت عن أخذ طليطلة وما يتبع ذلك من كلام صاحب الروض المعطار وغيره فنقول: إنه لما ملك يوسف بن تاشفين اللمتوني المغرب، وبنى مدينتي تلمسان ومراكش الجديدة، وأطاعته البربر مع شكيمتها الشديدة، وتمهدت له الأقطار الطويلة المديدة، تاقت نفسه إلى العبور لجزيرة الأندلس، فهم بذلك، وأخذ في إنشاء المراكب والسفن ليعبر فيها، فلما علم بذلك ملوك الأندلس كرهوا إلمامه بجزيرتهم، وأعدوا له العدة والعدد، وصعبت عليهم مدافعته، وكرهوا أن يكونوا بين عدوين الفرنج من شمالهم والمسلمين من جنوبهم، وكانت الفرنج تشتد وطأتها عليهم، وتغير تنهب، وربما يقع بينهم صلح على شيء معلوم كل سنة يأخذونه من المسلمين، والفرنج ترهب ملك المغرب يوسف بن تاشفين، إذ كان له اسم كبير وصيت عظيم، لنفاذ أمره وسرعة تملكه بلاد المغرب، وانتقال الأمر إليه في أسرع وقت، مع ما ظهر لأبطال الملثمين ومشايخ صنهاجة في المعارك من ضربات السيوف ورعب في قلوب المنتدبين لقتاله، وكان ملوك الأندلس يفيئون إلى ظله، ويحذرونه خوفاً على ملكهم، مهما عبر إليهم وعاين بلادهم، فلما رأوا ما دلهم على عبوره إليهم وعلموا ذلك، راسل بعضهم بعضاً يستنجدون آراءهم في أمره، وكان مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عباد، لأنه أشجع القوم، وأكبرهم مملكة، فوقع اتفاقهم
على مكاتبته لما تحققوا أنه يقصدهم يسألونه الإعراض عنهم، وأنهم تحت طاعته، فكتب عنهم كاتب من أهل الأندلس كتاباً، وهو: أما بعد فإنك إن أعرضت عنا نسبت إلى كرم، ولم تنسب إلى عجز، وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل، ولم ننسب إلى وهن، وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا، فاختر لنفسك أكرم نسبتيك، فإنك بالمحل الذي لا يجب أن تسبق فيه إلى مكرمة، وإن في استباقك ذوي البيوت ما شئت من دوام لأمرك وثبوت، والسلام. فلما وصله الكتاب مع تحف وهدايا، وكان يوسف بن تاشفين لا يعرف باللسان العربي، لكنه ذكي الطبع، يجيد فهم المقاصد، وكان له كاتب يعرف اللغتين العربية والمرابطية، فقال له: أيها الملك، هذا الكتاب من ملوك الأندلس يعظمونك فيه، ويعرفونك أنهم أهل دعوتك، وتحت طاعتك، ويلتمسون منك أن لا تجعلهم في منزلة الأعادي، فإنهم مسلمون وذوو بيوتات، فلا تغير بهم، وكفى بهم من وراءهم من الأعداء الكفار، وبلدهم ضيق لا يحتمل العساكر، فأعرض عنهم إعراضك عمن أطاعك من أهل الغرب، فقال يوسف ابن تاشفين لكاتبه: فما ترى أنت فقال: أيها الملك اعلم أن تاج الملك وبهجته شاهده الذي لا يرد، فإنه خليق بما حصل في يده من الملك والمال أن يعفو إذا استعفي، وأن يهب إذا استوهب، وكلما وهب جليلاً جزيلاً كان لقدره أعظم، فإذا عظم قدره تأصل ملكه، وإذا تأصل ملكه تشرف الناس بطاعته، وإذا كانت طاعته شرفاً جاءه الناس، ولم يتجشم المشقة إليهم، وكان وارث الملك من غير إهلاك لآخرته، واعلم أن بعض الملوك الحكماء الأكابر البصراء بطريق تحصيل الملك قال: من جاد ساد، ومن ساد قاد، ومن قاد ملك البلاد، فلما ألقى الكاتب هذا الكلام على السلطان يوسف بلغته فهمه وعلم صحته، فقال للكاتب: أجب القوم، واكتب بما يجب في ذلك، واقرأ علي كتابك، فكتب الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من يوسف بن تاشفين، سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، تحية من سالمكم وسلم عليكم، وإنكم مما في أيديكم من الملك في أوسع إباحة، مخصوصين منا بأكرم إيثار
وسماحة، فاستديموا وفاءنا بوفائكم، واستصلحوا إخاءنا بإصلاح إخائكم، والله ولي التوفيق لنا ولكم، والسلام. فلما فرغ من كتابه قرأه على يوسف بن تاشفين بلسانه، فاستحسنه، وقرن به ما يصلح لهم من التحف ودرق اللمط التي لا توجد إلا ببلاده، وأنفذ ذلك إليهم، فلما وصلهم ذلك وقرأوا كتابه فرحوا به، وعظموه، وسروا بولايته، وتقوت نفوسهم على دفع الفرنج عنهم، وأزمعوا إن رأوا من الفرنج ما يريبهم أنهم يرسلون إلى يوسف بن تاشفين ليعبر إليهم، أو يمدهم بإعانة منه.
وكان ملك الإفرنج الأذفونش لما وقعت الفتنة بالأندلس وثار الخلاف، وكان كل من حاز بلداً وتقوى فيه ملكه وادعى الملك وصار مثل ملوك الطوائف، فطمع فيهم الأذفونش بسبب ذلك، وأخذ كثيراً من ثغورهم، فقوي شأنه، وعظم سلطانه، وكثرت عساكره، وأخذ طليطلة من صاحبها القادر بالله بن المأمون يحيى بن ذي النون بعد أن حاصرها سبع سنين، وكان أخذه لها في نتصف محرم سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، فزاد لعنه الله تعالىبملكه طليطلة قوة إلى قوته، وأخذ يجوس من خلال الديار، ويستفتح المعاقل والحصون.
قال ابن الأثير في " الكامل ": وكان المعتمد بن عباد أعظم ملوك الأندلس ومتملك أكثر بلادها، مثل قرطبة وإشبيلية، وكان - مع ذلك - يؤدي الضريبة إلى الأذفونش كل سنة، فلما تملك الأذفونش طليطلة أرسل إليه المعتمد الضريبة المعتادة، فلم يقبلها منه، وأرسل إليه يهدده ويتوعده بالمسير إلى قرطبة ليفتحها، إلا أن يسلم إليه جميع الحصون المنيعة، ويبقى السهل للمسلمين، وكان الرسول في جمع كثير نحو خمسمائة فارس، فانزله المعتمد، وفرق أصحابه على قواد
عسكره، ثم أمر قواده أن يقتل كل منهم من عنده من الكفرة، وأحضر الرسول وصفعه حتى خرجت عيناه، وسلم من الجماعة ثلاثة نفر، فعادوا إلى الأذفونش وأخبروه الخبر، وكان متوجهاً إلى قرطبة ليحاصرها، فرجع إلى طليطلة ليجمع آلات الحصار، ويكثر العدد والعدة، انتهى.
وقال الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن المنعم الحميري في كتابه الروض المعطار في ذكر المدن والأقطار ما ملخصه: إنه لما اشتغل المعتمد بغزو ابن صمادح صاحب المرية حتى تأخر الوقت الذي كان يدفع فيه الضريبة للأذفونش وأرسلها إليه بعد ذلك، استشاط الطاغية غضباً وتشطط، وطلب بعض الحصون زيادة على الضريبة، وأمعن في التجني، وسأل في دخول امرأته القمجيطة إلى جامع قرطبة لتلد فيه، إذ كانت حاملاً، لما أشار عليه بذلك القسيسون والأساقفة لمكان كنيسة كانت في الجانب الغربي منه معظمة عندهم عمل عليها المسلمون الجامع الأعظم، وسأل أن تنزل امرأته المذكورة بالمدينة الزهراء غربي مدينة قرطبة - وهي التي أنشأ بناءها الناصر لدين الله، وأمعن في بنائها، وأغرب في حسنها، وجلب إليها الرخام الملون والمرمر الصافي والحوض المشهور من البلاد والأقطار، وكان يثيب على السارية بكذا وكذا غير الثمن وأجرة الحمل، وأنفق فيها الأموال العظيمة، واشتغل بها، وكان يباشر الصناع بنفسه، حتى تخلف عن حضور الجمعة ثلاث مرات متواليات، وحضر في الرابعة، وكان الخطيب يومئذ الفقيه الزاهد منذر بن سعيد البلوطي، فعلض به في الخطبة، ووبخه على رؤوس الملأ، وقصته في ذلك مشهورة، وبناء الزهراء أيضاً من أغرب مباني الإسلام، فمن أراد الوقوف على ذلك فعليه بتاريخ ابن حيان -.
ولنرجع إلى الأذفونش فإن الأطباء والقسوس لما أشاروا أن تكون المرأة المذكورة ساكنة بالزهراء، وتتردد إلى الجامع المذكور حتى تكون ولادتها بين طيب نسيم الزهراء وفضيلة موضع الكنيسة من الجامع المذكور، وكان السفير في ذلك يهودياً كان وزير الأذفونش، فامتنع ابن عباد من ذلك، فراجعه، فأباه وأيأسه من ذلك، فراجعه اليهودي في ذلك، وأغلظ له في القول، وواجهه بما لم يحتمله ابن عباد، فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه وضرب بها رأس اليهودي، فأنزل دماغه في حلقه، وأمر به فصلب منكوساً بقرطبة، واستفتى لما سكن غضبه الفقهاء عن حكم ما فعله باليهودي، فبادر الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك لتعدي الرسول حدود الرسالة إلى ما استوجب به القتل، إذ ليس له في ذلك، وقال للفقهاء: إنما بادرت بالفتوى خوفاً أن سكسل الرجل عما عزم عليه من منابذة العدو، وعسى الله أن يجعل في عزيمته للمسلمين فرجاً.
وبلغ الأذفونش ما صنعه ابن عباد، فأقسم بآلهته ليغزونه بإشبيلية، ويحاصره في قصره، فجرد جيشين جعل على أحدهما كلباً من مساعير كلابه وأمره أن يسير على كورة باجة من غرب الأندلس ويغير على تلك التخوم والجهات، ثم يمر على لبلة إلى إشبيلية، وجعل موعده إياه طريانة للاجتماع معه، ثم زحف الأذفونش بنفسه في جيش آخر عرمرم، فسلك طريقاً غير الطريق التي سلكها الآخر، وكلاهما عاث في البلاد وخرب ودمر، حتى اجتمعا لموعدهما بضفة النهر الأعظم قبالة قصر ابن عباد، وفي أيام مقامه هنالك كتب إلى ابن عباد زارياً عليه: كثر بطول مقامي في مجلسي الذبان، واشتد علي الحر، فأتحفني من قصرك بمروحة أروح بها على نفسي، وأطرد بها الذباب عن وجهي، فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة: قرأت كتابك، وفهمت خيلاءك وإعجابك، وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية تروح منك لا تروح عليك، إن شاء الله
تعالى. فلما وصلت الأذفونش رسالة بن عباد، وقرئت عليه، وعلم مقتضاها، أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك ببال.
وفشا في الأندلس توقيع ابن عباد، وما أظهر من العزيمة على جواز يوسف بن تاشفين، والاستظهار به على العدو، فاستبشر الناس، وفرحوا بذلك، وفتحت لهم أبواب الآمال. وأما ملوك طوائف الأندلس فلما تحققوا عزم ابن عباد وانفراده برأيه في ذلك، اهتموا منه، ومنهم من كاتبه، ومنهم من كلمه مواجهة، وحذروه عاقبة ذلك، وقالوا له: الملك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد، فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلاً: رعي الجمال خير من رعي الخنازير، ومعناه أن كونه مأكولاً ليوسف بن تاشفين أسيراً له يرعى جماله في الصحراء خير من كونه ممزقاً للأذفونش أسيراً له يرعى خنازيره في قشتالة. وقال لعذاله ولوامه: يا قوم إني من أمري على حالتين: حالة يقين، وحالة شك، ولا بد لي من إحداهما، أما حالة الشك فإني إن استندت لإلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش ففي الممكن أن يفي لي ويبقى على وفائه، ويمكن أن لا يفعل، فهذه حالة الشك، وأما حالة اليقين فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله تعالى، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة، فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه فحينئذ قصر أصحابه عن لومه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع