تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

تتمة (١٦)

وإن تشوفتم إلى أحوال هذا القطر ومن به من المسلمين، بمقتضى الدين المتين والفضل المبين، فاعلموا أننا في هذه الأيام ندافع من العدو تياراً، ونكابر بحراً زخاراً، ونتوقع - إلا إن وقى الله تعالى - خطوباً كباراً، ونمد اليد إلى الله تعالى انتصاراً، ونلجأ إليه اضطراراً، ونستمد دعاء المسلمين بكل قطر استعداداً به واستظهاراً، ونستشير من خواطر الفضلاء ما يحفظ أخطاراً، وينشئ ريح روح الله طيبة معطاراً، فإن القومس الأعظم قيوم دين النصرانية الذي يأمرها فتطيع، ومخالفته لا تستطيع، رمى هذه الأمة الغريبة المنقطعة منهم بجراد لا يسد طريقها، ولا يحصى فريقها، التفت على أخي صاحب قشتالة وعزمها أن تملكه بدله، وتبلغه أمله، ويكون الكل يداً واحدة على المسلمين، ومناصبة هذا الدين، واستئصال شأفة المؤمنين، وهي شدة ليس لأهل هذا الوطن بها عهد، ولا عرفها نجد ولا وهد، وقد اقتحموا الحدود القريبة، والله تعالى ولي هذه الأمة الغريبة، وقد جعلنا مقاليد أمورنا بيد من يقوي الضعيف، ويدرأ الخطب المخيف، ورجونا أن نكون ممن قال الله تعالى فيهم " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل

" وهو سبحانه المرجو في حسن العقبى والمآل، ونصر فئة الهدي على فئة الضلال، وما قل من كان الحق كنزه، ولا ذل من استمد من الله عزه " قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين " ودعاء من قبلكم من المسلمين مدد موفور، والله سبحانه على كل حال محمود مشكور؛ انتهى.

من رسالة طويلة

ومن أخرى طويلة من جملتها ما صورته:

وقد اتصل بنا الخبر الذي يوجب نصح الإسلام، ورعي الجوار والذمام، وما جعل الله تعالى للمأموم على الإمام، إيقاظكم من مراقدكم المستغرقة، وجمع أهوائكم المتفرقة، وتهييئكم إلى مصادمة الشدائد المرعدة المبرقة، وهو أن كبير دين النصرانية الذي إليه ينقادون، وفي مرضاته يصادقون ويعادون، وعند رؤية صليبه يكبرون ويسجدون، لما رأى الفتن قد أكلتهم خضماً وقضماً، وأوسعتهم هضماً، فلم تبق عصباً ولا عظماً، ونثرت ما كان نظماً، أعمل نظره فيما يجمع منهم ما افترق، ويرفع ما طرق، ويرفو ما مزق الشتات وخرق، فرمى الإسلام بأمة عددها القطر المنثال، وأمرهم وشأنهم الامتثال، أن يدمثوا لمن ارتضاه من أمته الطاعة، ويجمعوا في ملته الجماعة، ويطلع الكل على هذه الفئة القليلة الغريبة بغتة كقيام الساعة، وأقطعهم - قطع الله تعالى بهم - العباد والبلاد، والطارف والتلاد، وسوغهم الحريم والأولاد، وبالله تعالى نستدفع ما لا نطيقه، ومنه نسأل عادة الفرج فما سدت طرقه، إلا أنا رأينا غفلة الناس مؤذنة البوار، وأشفقنا للدين المنقطع من وراء البحار، وقد أصبح مضغة في لهوات الكفار، وأردنا أن نهزكم بالموعظة التي تكحل البصائر بميل الاستبصار، فإن جبر الله تعالى الخواطر بالضراعة إليه والانكسار، ونسخ الإعسار بالإيسار، وأنجد اليمين بأختها اليسار، وإلا فقد تعين في الدنيا والآخرة حظ الخسار، فإن من ظهر عليه عدو دين الله تعالى وهو من الله مصروف

وبالباطل مشغوف، وبغير العرف معروف، وعلى الحطام المسلوب عنه ملهوف، فقد تله الشيطان للجبين، وقد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، ومن نفذ فيه أو له قدر الله عن أداء الواجب وبذل المجهود، وأفرد بالعبودية وجه الواحد الأحد المعبود، ووطن النفس على الشهادة المبوئة دار الخلود، العائدة بالحياة الدائمة والوجود، أو الظهور على عدوه المحشور إليه المحشود، صبراً على المقام المحمود، وبيعاً من الله تعالى تكون الملائكة فيه الشهود، حتى تعين يد الله في ذلك البناء المهدود، والسواد الأعظم الممدود، كان على أمريه بالخيار المردود " قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين " انتهى.

ضياع المدن الأندلسية

وقال صاحب مناهج الفكر بعد وصفه لجزيرة الأندلس وأقطارها، ما صورته:

ولم تزل هذه الجزيرة منتظمة لمالكها في سلك الانقياد والوفاق، إلى ن طما بمترفيها سيل العناد والنفاق، فامتاز كل رئيس منهم بصقع كان مسقط راسه، وجعله معقلاً يعتصم فيه من المخاوف بأفراسه، فصار كل منهم يشن الغارة على جاره، ويحاربه في عقر داره، إلى أن ضعفوا عن لقاء عدو في الدين يعادي، ويراوح معاقلهم بالعيث ويغادي، حتى لم يبق في أيديهم منها إلا ما هو في ضمان هدنة مقدرة، وإتاوة في كل عام على الكبير والصغير مقررة، كان ذلك في الكتاب مسطوراً، وقدراً في سابق علم الله مقدوراً، انتهى.

وهذا قاله قبل أن يستولي العدو على جميعها، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

[طليطلة]

ولنرجع إلى ما كنا بصدده من أخذ النصارى قواعد الأندلس فنقول: قد قدمنا أوائل هذا الباب أن طليطلة أعادها الله تعالى من أول ما أخذ الكفار من المدن العظام بالأندلس، قال ابن بسام: لما توالت على أهل طليطلة الفتن المظلمة، والحوادث المصطلمة، وترادف عليهم البلاء والجلاء، واستباح الفرنج لعنهم الله تعالى أموالهم وأرواحهم، كان من أعجب ما جرى من النوادر الدالة على الخذلان أن الحنطة كانت تقيم عندهم مخزونة خمسين سنة لا تتغير، ولا يؤثر فيها طول المدة بما يمنع من أكلها، فلما كانت السنة التي استولى عليها العدو فيها لم ترفع الغلة من الأندر حتى أسرع فيها الفساد، فعلم الناس أن ذلك بمشيئة الله تعالى لأمر أراده، من شمول البلوى، وعموم الضراء، فاستولى العدو على طليطلة، وأنزل من بها على حكمه، وخرج اين ذي النون منها على أقبح صورة، وأفظع سيرة، ورآه الناس وبيده إصطرلاب يأخذ به وقتاً يرحل فيه، فتعجب منه المسلمون، وضحك عليه الكافرون، وبسط الكافر العدل على أهل المدينة، وحبب التنصر إلى عامة طغامها، فوجد المسلمون من ذلك ما لا يطاق حمله، وشرع في تغيير الجامع كنيسة في ربيع الأول سنة ست وتسعين وأربعمائة.

ومما جرى في ذلك اليوم أن الشيخ الأستاذ المغامي رحمه الله تعالى صار إلى الجامع، وصلى فيه، وأمر مريداً له بالقراءة، ووافاه الفرنج لعنهم الله تعالى وتكاثروا لتغيير القبلة، فما جسر أحد منهم على إزعاج الشيخ ولا معارضته، وعصمه الله تعالى منهم، إلى أن أكمل القراءة وسجد سجدة، ورفع رأسه، وبكى على الجامع بكاء شديداً، وخرج ولم يعرض أحد له بمكروه. وقيل لملك

النصارى: ينبغي أن تلبس التاج كمن كان قبلك في هذا الملك، فقال: حتى نأخذ قرطبتهم، وأعد لذلك ناقوساً تأنق فيه وفيما رصع به من الجواهر، فأكذبه الله وأزعجه. وورد أمير المسلمين وناصر الدين يوسف بن تاشفين، فما قصر فيما أثر من إذلال المشركين، وإرغام الكافرين، واستدراك أمور المسلمين؛ انتهى ملخصاً، وقد مر مطولاً.

وقعة بطرنة

وكانت قبلها وقعة بطرنة سنة ست وخمسين وأربعمائة، وذلك أن الفرنج - خذلهم الله تعالى - انتدبت منهم قطعة كثيفة، ونزلت على بلنسية في السنة المذكورة، وأهلها جاهلون بالحرب، مغترون بأمر الطعن والضرب، مقبلون على اللذات من الأكل والشرب، وأظهر الفرنج الندم على منازلتها، والضعف عن مقاومة من فيها، وخدعوهم بذلك فانخدعوا، وأطعموهم فطمعوا، وكمنوا في عدة أماكن جماعة من الفرسان، وخرج أهل البلد بثياب زينتهم، وخرج معهم أميرهم عبد العزيز بن أبي عامر، فاستدرجهم العدو - لعنهم الله تعالى - ثم عطفوا عليهم فاستأصلوهم بالقتل والأسر، وما نجا منهم إلا من حصنه أجله، وخلص الأمير بنفسه، ومما حفظ عنه أنه أنشد لما أعياه الأمر:

خليلي ليس الرأي في صدر واحد أشيرا علي اليوم ما تريان

وفي أهل بلنسية يقول بعض الشعراء حين خرجوا في ثياب الزينة والترفه:

لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم حلل الحرير عليكم ألوانا

ما كان أقبحهم وأحسنكم بها لو لم تكن ببطرنة ما كانا

قال ابن بسام: وهكذا جرى لأهل طليطلة، فإن العدو - خذله الله تعالى - استظهر عليهم، وقتل جماهيرهم، وكان من جملة ما غنمه الفرنج من أهلها لما خرجوا إليهم في ثياب الترفه ألف غفارة خارجاً عما سواها.

بربشتر

وقال ابن حيان: وكان تغلب العدو - خذله الله تعالى - على بربشتر قصبة بلد برطانية، وهي تقرب من سرقسطة، سنة ست وخمسين وأربعمائة، وذلك أن جيش الأردمليس نازلها وحاصرها، وقصر يوسف بن سليمان بن هود في حمايتها، ووكل أهلها إلى نفوسهم، فأقام العدو عليها أربعين يوماً، ووقع فيما بين أهلها تنازع في القوت لقلته، واتصل ذلك بالعدو، فشدد القتال عليها والحصر لها حتى دخل المدينة الأولى في خمسة آلاف مدرع، فدهش الناس، وتحصنوا بالمدينة الداخلة، وجرت بينهم حروب شديدة قتل فيها خمسمائة إفرنجي، ثم اتفق أن القناة التي كان الماء يجري فيها من النهر إلى المدينة تحت الأرض في سرب موزون انهارت وفسدت، ووقعت فيها صخرة عظيمة سدت السرب بأسره، فانقطع الماء عن المدينة، ويئس من بها من الحياة، فلاذوا بطلب الأمان على أنفسهم خاصة دون مال وعيال، فأعطاعهم العدو الأمان، فلما خرجوا نكث بهم وغدر، وقتل الجميع إلا القائد ابن الطويل والقاضي ابن عيسى في نفر من الوجوه، وحصل للعدو من الأموال والأمتعة ما لا يحصى، حتى إن الذي خص بعض مقدمي العدو لحصنه - وهو قائد خيل رومة - نحو ألف وخمسمائة جارية أبكاراً، ومن أوقار الأمتعة والحلى

والكسوة خمسمائة جمل، وقدر من قتل وأسر بمائة ألف نفس، وقيل: خمسون ألف نفس، ومن النوادر ما جرى على هذه المدينة لما فسدت القناة وانقطعت المياه أن المرأة كانت تقف على السور وتنادي من يقرب منها أن يعطيها جرعة ماء لنفسها أو ولدها فيقول لها: أعطيني ما معك، فتعطيه ما معها من كسوة وحلي وغيره.

قال: وكان السبب في قتلهم أنه خاف من يصل لنجدتهم وشاهد من كثرتهم ما هاله، فشرع في القتل لعنة الله عليه تعالى، حتى قتل منهم نيفاً وستة آلاف قتيل، ثم نادى الملك بتأمين من بقي وأمر أن يخرجوا فازدحموا في الباب إلى أن مات منهم خلق عظيم، ونزلوا من الأسوار في الحبال للخشية من الازدحام في الأبواب ومبادرة إلى شرب الماء، وكان قد تحيز في وسط المدينة قدر سبعمائة نفس من الوجوه وحاروا في نفوسهم، وانتظروا ما ينزل بهم، فلما خلت ممن أسر وقتل وأخرج من الأبواب والأسوار وهلك في الزحمة نودي في تلك البقية بأن يبادر كل منهم إلى داره بأهله، وله الأمان، وأرهقوا وأزعجوا، فلما حصل كل واحد بمن معه من أهله في منزلهم اقتسم الإفرنج لعنهم الله تعالى بأمر الملك، وأخذ كل واحد داراً بمن فيها من أهلها، نعوذ بالله تعالى.

وكان من أهل المدينة جماعة قد عاذوا برؤوس الجبال، وتحصنوا بمواضع منيعة، وكادوا يهلكون من العطش، فأمنهم الملك على نفوسهم، وبرزوا في صور الهلكى من العطش، فأطلق سبيلهم، فبينما هم في الطريق إذ لقيتهم خيل الكفر ممن لم يشهد الحادثة، فقتلوهم إلا القليل ممن نجا بأجله.

قال: وكان الفرنج لعنهم الله تعالى، لما استولوا على أهل المدينة يفتضون البكر بحضرة أبيها، والثيب بعين زوجها وأهلها، وجرى من هذه الأحوال ما لم يشهد المسلمون مثله قط فيما مضى من الزمان، ومن لم يرض منهم أن يفعل ذلك في خادم أو ذات مهنة أو وخش أعطاعهن خوله وغلمانه يعيثون فيهن عيثة، وبلغ الكفرة منهم يومئذ ما لا تلحقه الصفة على الحقيقة، ولما عزم ملك الروم

على القفول إلى بلده تخير من بنات المسلمين الجواري الأبكار والثياب ذوات الجمال، ومن صبيانهم الحسان ألوفاً عدة حملهم معه ليهديهم إلى من فوقه، وترك من رابطة خيله ببربشتر ألفاً وخمسمائة، ومن الرجالة ألفين، انتهى.

قال ابن حيان: وأختم هذه الأخبار الموقظة لقلوب أولي الألباب بنادرة منها يكتفى باعتبارها عما سواها، وهي أن بعض تجار اليهود جاء بربشتر بعد الحادثة ملتمساً فدية بنات بعض الوجوه ممن نجا من أهلها حصلن في سهم قومس من الرابطة فيها كان يعرفه، قال: فهديت إلى منزله فيها، واستأذنت عليه، فوجدته جالساً مكان رب الدار، مستوياً على فراشه، رافلاً في نفيس ثيابه، والمجلس والسرير كما تخلفهما ربهما يوم محنته لم يغير شيئاً من رياشهما وزينتهما، ووصائفه مضمومات الشعور، قائمات على رأسه، ساعيات في خدمته، فرحب بي، وسألني قصدي، فعرفته وجهه، وأشرت إلى وفور ما أبذله في بعض اللواتي على رأسه وفيهن كانت حاجتي، فتبسم وقال بلسانه: ما أسرع ما طمعت فيمن عرضناه لك! أعرض عمن هنا وتعرض لمن شئت ممن صيرته لحصني من سبيي وأسراي أقاربك فيمن شئت منهن، فقلت له: أما الدخول إلى الحصن فلا رأي لي فيه، وبقربك أنست، وفي كنفك اطمأننت، فسمني ببعض من هنا فإني أصير إلى رغبتك، فقال: وما عندك قلت: العين الكثير الطيب والبز الرفيع الغريب، فقال: كأنك تشهيني ما ليس عندي، يا مجة، ينادي بعض أولئك الوصائف، يريد بهجة فغيره بعجمته، قومي فاعرضي عليه ما في ذلك الصندوق، فقامت إليه وأقبلت ببدر الدنانير وأكياس الدراهم وأسفاط الحلى، فكشف وجعل بين يدي العلج حتى كادت تواري شخصه، ثم قال لها: أدني إلينا من تلك التخوت، فأدنت منه عدة من قطع الوشي والخز والديباج الفاخر مما حار له ناظري وبهت،

واسترذلت ما عندي، ثم قال لي: لقد كثر هذا عندي حتى ما ألذ به، ثم حلف بإلهه أنه لو لم يكن عنده شيء من هذا ثم بذل له بأجمعه في ثمن تلك ما سخت بها يدي، فهي ابنة صاحب المنزل، وله حسب في قومه، اصطفيتها لمزيد جمالها لولادتي حسبما كان قومها يصنعون بنسائنا نحن أيام دولتهم، وقد رد لنا الكرة عليهم، فصرنا فيما تراه، وأزيدك بأن تلك الخودة الناعمة، وأشار إلى جارية أخرى قائمة إلى ناحية أخرى، مغنية والدها التي كانت تشدو له على نشواته، إلى أن أيقظناه من نوماته، يا فلانة - يناديها بلكنته - خذي عودك تغني زائرنا بشجوك، قال: فأخذت العود، وقعدت تسويه، وإني لأتأمل دمعها يقطر على خدها، فتسار قالعلج مسحه، واندفعت تغني بشعر ما فهمته أنا فضلاً عن العلج، فصار من الغريب أن حث شربه هو عليه، وأظهر الطرب منه، فلما يئست ما عنده قمت منطلقاً عنه، وارتدت لتجارتي سواه، واطلعت لكثرة ما لدى القوم من السبي والمغنم على ما طال عجبي به، فهذا فيه مقنع لمن تدبره، وتذكر لمن تذكره.

قال ابن حيان: قد أشفينا بشرح هذه الحادثة الفادحة مصائب جليلة مؤذنة بوشك القلعة طالما حذر أسلافنا لحاقها بما احتملوه عمن قبلهم من أثارة، ولا شك عند ذمي الألباب أن ذلك مما دهانا من داء التقاطع وقد أمرنا بالتواصل والألفة، فأصبحنا من استشعار ذلك والتمادي عليه على شفا جرف يؤدي إلى الهلكة لا محالة، انتهى ببعض اختصار.

وذكر بعده كلاماً في ذم أهل ذلك الزمان من أهل الأندلس، وأنهم يعللون أنفسهم بالباطل، وأن من أدل الدلائل على جهلهم اغترارهم بزمانهم، وبعدهم عن طاعة خالقهم، ورفضهم وصية نبيهم، وغفلتهم عن سد ثغورهم، حتى أطل عدوهم الساعي لإطفاء نورهم، يجوس خلال ديارهم، ويستقري بسائط بقاعهم، ويقطع كل يوم طرفاً، ويبيد أمة، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكرهم، لهاة عن بثهم، ما إن سمع عندنا بمسجد من

مساجدنا أو محفل من محافلنا، مذكر لهم أو داع، فضلاً عن نفر إليهم أو ماش لهم، حتى كأنهم ليسوا منا أو كان بثقهم ليس بمفض إلينا، وقد بخلنا عليهم بالدعاء بخلنا عليهم بالغناء، عجائب فاتت التقدير، وعرضت للتغيير، ولله عاقبة الأمور، وإليه المصير.

ولقد صدق رحمه الله تعالى، فإن البثق سرى إليهم جميعاً كما ستراه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقال قبله: إن بربشتر هذه تناسختها قرون المسلمين منذ ثلاثمائة وثلاث وستين سنة، من عهد الفتوح الإسلامية بجزيرة الأندلس، فرسخ فيها الإيمان، وتدورس القرآن، إلى أن طرق الناعي بها قرطبتنا صدر رمضان من العام، فصك الأسماع، وأطار الأفئدة، وزلزل أرض الأندلس قاطبة، وصير لكل شغلاً يشغل الناس في التحدث به، والتساؤل عنه، والتصور لحلول مثله، أياماً لم يفارقوا فيها لم يفارقوا فيها عادتهم من استبعاد الوجل، والاغترار بالأمل، والاستناد إلى أمراء الفرقة الهمل، الذين هم منهم ما بين فشل ووكل، يصدونهم عن سواء السبيل، ويلبسون عليهم وضوح الدليل، ولم تزل آفة الناس منذ خلقوا في صنفين هم كالملح فيهم الأمراء والفقهاء بصلاحهم يصلحون وبفسادهم يفسدون، فقد خص الله تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا بما لا كفاية له ولا مخلص منه، فالأمراء القاسطون قد نكبوا عن نهج الطريق ذياداً عن الجماعة، وجرياً إلى الفرقة، والفقهاء أئمتهم صموت عنهم صدوف عما أكده الله تعالى عليهم من التبيين لهم، قد أصبحوا ما بين آكل من حلوائهم، وخابط في أهوائهم، وبين مستشعر مخافتهم، آخذ في التقية في صدقهم، وأولئك هم الأقلون فيهم، فما القول في أرض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع أغذيتها، وما هي إلا مشفية من بوارها، ولقد طما العجب من أفعال هؤلاء الأمراء، لم يكن عندهم لهذه الحادثة إلا الفزع لحفر الخنادق، وتعلة الأسوار، وشد الأركان، وتوثيق البنيان، كاشفين لعدوهم عن السوأة

السوأى من إلقائهم يومئذ بأيديهم إليه - أمور قبيحات الصور، مؤذنات الصدور بأعجاز الغير:

أمور لو تدبرها حكيم إذاً لنهى وهيب ما استطاعا

استرجاع بربشتر

ثم قال ابن حيان: فلما كان عقب جمادى الأولى سنة ساع الخبر بقرطبة برجوع المسلمين إليها، وذلك أن أحمد المقتدر بن هود المفرط فيها، والمتهم على أهلها، لانحرافهم إلى أخيه، صمد لها مع إمداد لحليفه عباد، وسعى لإصمات سوء المقالة عنه، وقد كتب الله تعالى عليه منها ما لا يمحوه إلا عفوه، فتأهب لقصد بربشتر في جموع من المسلمين، فجالدوا الكفار بها جلاداً ارتاب منه كل جبان، وأعز الله سبحانه أهل الحفيظة الشجعان، وحمي الوطيس بينهم إلى أن نصر الله تعالى أولياءه، وخذل أعداءه، وولوا الأدبار مقتحمين أبواب المدينة، فاقتحمها المسلمون عليهم، وملكوهم أجمعين، إلا من فر من مكان الوقعة، ولم يدخل المدينة، فأجيل السيف في الكافرين، واستؤصلوا أجمعين، إلا من استرق من أصاغرهم، وفدي من أعاظمهم، وسبوا جميع من كان فيها من عيالهم وأبناءهم، وملكوا المدينة بقدرة الخالق البارئ، وأصيب على منحة النصر المتاح طائفة من حماة المسلمين الجادين في نصر الدين، نحو الخمسين، كتب الله تعالى لهم شهادتهم، وقتل فيه من أعداء الله الكافرين نحو ألف فارس وخمسة آلاف راجل، فغسلها المسلمون من رجس الشرك، وجلوها من صدإ الإفك، انتهى.

وليت طليطلة البائسة استرجعت كهذه، ومع هذا فقد غلب العدو بعد على الكل، والله سبحانه المرجو في الإدالة.

تطيلة وطرسونة

وقال ابن اليسع: أخذ العدو مدينة تطلية وأختها طرسونة سنة أربع وعشرين وخمسمائة.

بلنسية والقنبيطور

ولما صار أمر بلنسية إلى الفقيه القاضي أبي أحمد ابن جحاف قاضيها صيرها لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين، فحصره بها القادر بن ذي النون الذي مكن الأذفونش من طليطلة، فهجم عليه القاضي في لمة من المرابطين، وقتله، ودفع ابن جحاف لما لم يعهد من تدبير السلطان، ورجعت عنه طائفة الملثمين الذين كان يعتد بهم، وجعل يستصرخ إلى أمير المسلمين فيبطئ عليه، وفي أثناء ذلك أنهض يوسف بن أحمد بن هود صاحب سرقسطة ردريق الطاغية للاستيلاء على بلنسية، فدخلها، وعاهده القاضي ابن جحاف، واشترط عليه إحضار ذخيرة كانت للقادر بن ذي النون، فأقسم عليه أنها ليست عنده، فاشترط عليه أنه إن وجدها عنده قتله، فاتفق أنه وجدها عنده، فأحرقه بالنار، وعاث في بلنسية، وفيها يقول ابن خفاجة حينئذ:

عاثت بساحتك الظبا يا دار ومحا محاسنك البلى والنار

فإذا تردد في جنابك ناظر طال اعتبار فيك واستعبار

أرض تقاذفت الخطوب بأهلها وتمخضت بخرابها الأقدار

كتبت يد الحدثان في عرصاتها لا أنت أنت ولا الديار ديار

وكان استيلاء القنبيطور - لعنه الله تعالى - عليها سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقيل: في التي قبلها، وبه جزم ابن الأبار قائلاً: فتم حصار القنبيطور إياها

عشرين شهراً، وذكر أنه دخلها صلحاً، وقال غيره: إنه دخلها عنوة، وعاث فيها، وممن أحرق فيها الأديب أبو جعفر ابن البني الشاعر المشهور رحمه الله تعالى وعفا عنه، فوجه أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين الأمير أبا محمد مزدلي ففتحها الله تعالى على يديه سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وتوالى عليها أمراء الملثمين، ثم صارت ليحيى بن غانية الملثم حين ولي جميع شرق الأندلس، فقدم عليها أخاه عبد الله بن غانية، ولما ثارت الفتنة في المائة السادسة أخرجه منها مروان بن عبد العزيز، إلى أن قام عليه جيش بلنسية سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وبايعوا لابن عياض ملك شرق الأندلس، ففر مروان إلى المرية، ثم رجعت بلنسية إلى أبي عبد الله ابن مردنيش ملك شرق الأندلس بعد ابن عياض، وقدم عليه أخاه أبا الحجاج يوسف بن سعد بن مردنيش، إلى أن رجع أبو الحجاج إلى جهة بني عبد المؤمن، إلى أن ولي عليها السيد أبو زيد عبد الرحمن ابن السيد أبي عبد الله ابن أبي حفص ابن أمير المسلمين عبد المؤمن بن علي، فلما ثار العادل بمرسية تمنع واعتز، وأظهر طاعة في باطنها معصية، ودام على ذلك مع أبي العلاء المأمون، وكان قائد الأعنة المشار إليه في الدفاع عن بلنسية الأمير زيان بن أبي الحملات ابن أبي الحجاج ابن مردنيش، فأخرجه من بلنسية، وملكه، وفر السيد إلى النصارى.

نهاية بلنسية

ولم يزل أمر بلنسية يضعف باستيلاء العدو على أعمالها إلى أن حصرها ملك برشلونة النصراني، فاستغاث زيان بصاحب إفريقية أبي زكريا ابن أبي حفص،

وأوفد عليه في هذه الرسالة كاتبه الشهير أبا عبد الله ابن الأبار القضاعي صاحب كتاب التكملة وإعتاب الكتاب وغيرهما، فقام بين يدي السلطان منشداً قصيدته السينية الفريدة التي فضحت من باراها، وكبا دونها من جاراها، وهي:

أدرك بخيلك خيل الله أندلسا إن السبيل إلى منجاتها درسا

وهب لها من عزيز النصر ما التمست فلم يزل منك عز النصر ملتمسا

وحاش مما تعانيه حشاشتها فطالما ذاقت البلوى صباح مسا

يا للجزيرة أضحى أهلها جزراً للحادثات وأمسى جدها تعسا

في كل شارقة إلمام بائقة يعود مأتمها عند العدا عرسا

وكل غاربة إجحاف نائبة تثني الأمان حذاراً والسرور أسى

تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم إلا عقائلها المحجوبة الأنسا

وفي بلنسية منها وقرطبة ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا

مدائن حلها الإشراك مبتسماً جذلان، وارتحل الإيمان مبتئسا

وصيرتها العوادي العائثات بها يستوحش الطرفمنها ضعف ما أنسا

فمن دساكر كانت دونها حرسا ومن كنائس كانت قبلها كنسا

يا للمساجد عادت للعدا بيعاً وللنداء غدا أثناءها جرسا

لهفي عليها إلى استرجاع فائتها مدارساً للمثاني أصبحت درسا

وأربعاً نمنمت أيدي الربيع لها ما شئت من خلع موشية وكسا

كانت حدائق للأحداق مونقة فصوح النضر من أدواحها وعسا

وحال ما حولها من منظر عجب يستجلس الركب أو يستركب الجلسا

سرعان ما عاث جيش الكفر واحربا عيث الدبا في مغانيها التي كبسا

وابتز بزتها مما تحيفها تحيف الأسد الضاري لما افترسا

فأين عيش جنيناه بها خضراً وأين عصر جليناه بها سلسا

محا محاسنها طاغ أتيح له ما نام عن هضمها حيناً ولا نعسا

ورج أرجاءها لما أحاط بها فغادر الشم من أعلامها خنسا

خلا له الجو فامتدت يداه إلى إدراك ما لم تطأ رجلاه مختلسا

وأكثر الزعم بالتثليث منفرداً ولو رأى راية التوحيد ما نبسا

صل حبلها أيها المولى الرحيم فما أبقى المراس لها حبلاً ولامرسا

وأحي ما طمست منها العداة كما أحييت من دعوة المهدي ما طمسا

أيام صرت لنصر الحق مستبقاً وبت من نور ذاك الهدي مقتبسا

وقمت فيها بأمر الله منتصراً كالصارم اهتز أو كالعارض انبجسا

تمحو الذي كتب التجسيم من ظلم والصبح ماحية أنواره الغلسا

وتقتضي الملك الجبار مهجته يوم الوغى جهرة لا ترقب الخلسا

هذي رسائلها تدعوك من كثب وأنت أفضل مرجو لمن يئسا

وافتك جارية بالنجح راجية منك الأمير الرضى والسيد الندسا

خاضت خضارة يعليها ويخفضها ... عبابه فتعاني اللين والشرسا وربما سبحت والريح عاتية كما طلبت بأقصى شده الفرسا

تؤم يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص مقبلة من تربه القدسا

ملك تقلدت الأملاك طاعته ديناً ودنيا فغشاها الرضى لبسا

من كل غاد على يمناه مستلماً وكل صاد إلى نعماه ملتمسا

مؤيد لو رمى نجماً لأثبته ولو دعا أفقاً لبى وما احتبسا

تالله إن الذي ترجى السعود له ما جال في خلد يوماً ولا هجسا

إمارة يحمل المقدار رايتها ودولة عزها يستصحب القعسا

يبدي النهار بها من ضوئه شنباً ويطلع الليل من ظلمائه لعسا

ماضي العزيمة والأيام قد نكلت طلق المحيا ووجه الدهر قد عبسا

كأنه البدر والعلياء هالته تحف من حوله شهب القنا حرسا

تدبيره وسع الدنيا وما وسعت وعرف معروفه واسى الورى وأسا

قامت على العدل والإحسان دولته وأنشرت من وجود الجود ما رمسا

مبارك هديه باد سكينته ما قام إلا إلى حسنى وما جلسا

قد نوره الله بالتقوى بصيرته فما يبالي طروق الخطب ملتبسا

برى العصاة وراش الطائعين فقل في الليث مفترساً والغيث مرتجسا

ولم يغادر على سهل ولا جبل ... حياً لقاحاً إذا وافيته بخسا فرب أصيد لا تلفي به صيداً ورب أشوس لا تلقى له شوسا

إلى الملائك ينمى والملوك معاً في نبعة أثمرت للمجد ما غرسا

من ساطع النور صاغ الله جوهره وصان صيقله أن يقرب الدنسا

له الثرى والثريا خطتان فلا أعز من خطتيه ما سما ورسا

حسب الذي باع في الأخطار يركبها إليه محياه أن البيع ما وكساد

إن السعيد امرؤ ألقى بحضرته عصاه محتزماً بالعدل محترسا

فظل يوطن من أرجائها حرماً وبات يوقد من أضوائها قبسا

بشرى لعبد إلى الباب الكريم حدا ... آماله ومن العذب المعين حسا كأنما يمتطي واليمن يصحبه من البحار طريقاً نحوه يبسا

فاستقبل السعد وضاحاً أسرته من صفحة فاض منها النور وانعكسا

وقبل الجود طفاحاً غواربه من راحة غاص فيها البحر وانغمسا

يا أيها الملك المنصور أنت لها علياء توسع أعداء الهدى تعسا

وقد تواترت الأنباء أنك من يحيي بقتل ملوك الصفر أندلسا

طهر بلادك منهم إنهم نجس ... ولا طهارة مل لم تغسل النجسا وأوطئ الفيلق الجرار أرضهم حتى يطأطئ رأساً كل من رأسا

وانصر عبيداً بأقصى شرقها شرقت ... عيونهم أدمعاً تهمي زكا وخسا هم شيعة الأمر وهي الدار قد نهكت داء متى لم تباشر حسمه انتكسا

فاملأ هنيئاً لك التأييد ساحتها جرداً سلاهب أو خطية دعسا

واضرب لها موعداً بالفتح ترقبه لعل يوم الأعادي قد أتى وعسى

فبادر السلطان بإعانتهم، وشحن الأساطيل بالمدد إليهم، من المال والأقوات والكسى، فوجدهم في هوة الحصار، إلى أن تغلب الطاغية على بلنسية، ورجع ابن الأبار بأهله إلى تونس، وكان تغلب العدو على بلنسية صلحاً يوم الثلاثاء السابع عشر لصفر من سنة ست وثلاثين وستمائة، فهزت هذه القصيدة من الملك عطف ارتياح، وحركت من جنانه أخفض جناح، ولشغفه بها وحسن موقعها منه أمر شعراء حضرته بمجاوبتها، فجاوبها غير واحد، وحال العدو بين بلنسية وبينه، وتعاهد أهلها مع النصراني على أن يسلمهم في أنفسهم، وذلك سنة سبع وثلاثين وستمائة، أعادها الله تعالى للإسلام.

كتندة -

وقد كانت وقعة كتندة على المسلمين قبل هذا التاريخ بمدة، وكتندة - ويقال قتندة بالقاف - من حيز دورقة من عمل سرقسطة من الثغر، وكانت

الهزيمة على المسلمين جبرهم الله تعالى، قتل فيها من المطوعة نحو من عشرين قتيلاً، ولم يقتل فيها من العسكر أحد، وكان على المسلمين الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين الذي ألف الفتح باسمه قلائد العقيان وكانت سنة أربع عشرة وخمسمائة، وممن حضرها الشيخ أبو علي الصدفي السابق الذكر، وقرينه في الفضل أبو عبد الله ابن الفراء خرجا غازيين، فكانا ممن فقد فيها.

وقال غير واحد: إن العسكر انصرف مفلولاً إلى بلنسية، وإن القاضي أبا بكر ابن العربي كان ممن حضرها، وسئل مخلصه منها عن حاله، فقال: حال من ترك الخباء والعباء، بمعنى أنه ذهب جميع ما لديه.

لوشة -

ودخل العدو لوشة سنة اثنتين وعشرين وستمائة، مع السيد أبي محمد البياسي في الفتنة التي كانت بينه وبين العادل، فعاثوا فيها أشد العيث، ثم ردها المسلمون إلى أن أخذت بعد ذلك كما يأتي.

المرية -

ودخل العدو مدينة المرية يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، عنوة، وحكى أبو زكريا الجعيدي عن أبي عبد الله بن سعاد الشاطبي المعمر أن أبا مروان ابن ورد أتاه في النوم شيخ عظيم الهيئة فرمى يديه في عضديه من خلفه، وهزه هزاً عنيفاً حتى أرعبه، وقال له قل:

ألا أيها المغرور ويحك لاتنم فلله في ذا الخلق أمر قد انبهم

فلا بد أن يرزوا بأمر يسوءهم فقد أحدثوا جرماً على حاكم الأمم

قال: وكان هذا في سنة أربعين وخمسمائة، فلم يمض إلا يسير حتى تغلب الروم على المرية في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، بعد تلك الرؤيا بعامين أو نحوهما، وهو مما حكاه ابن الأبار الحافظ في كتاب التكملة له.

ترجمة الرشاطي

وفي وقعة المرية هذه استشهد الرشاطي الإمام المشهور، وهو أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي بن خلف بن أحمد بن عمر، اللخمي الرشاطي، المريي، وكانت له عناية كبيرة بالحديث والرجال والرواة والتواريخ، وهو صاحب كتاب اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار أخذه الناس عنه، وأحسن فيه، وجمع وما قصر، وهو على أسلوب كتاب أبي سعد ابن السمعاني الحافظ المسمى الأنساب، وولد الرشاطي سنة بقرية من أعمال مرسية يقال لها أوريواله - بفتح الهمزة، وسكون الواو، وكسر الراء، وضم المثناة التحتية، وبعد الألف لام مفتوحة، وبعدها هاء - وتوفي شهيداً بالمرية عند تغلب العدو عليها صبيحة الجمعة العشرين من جمادى الأولىسنة. والرشاطي - بضم الراء، وفتح الشين الخففة - وذكر هو أن أحد أجداده كان في جسمه شامة كبيرة، وكانت حاضنته عجمية، فإذا لاعبته قالت: رشاطة، وكثر ذلك منها، فقيل له: الرشاطي؛ انتهى ملخصاً من وفيات الأعيان وبعضه بالمعنى.

استرداد المرية وضياعها نهائياً

وبعد أخذ النصارى المرية هذه المرة رجعت إلى المسلمين، واستنقذها الله تعالى على يد الموحدين، وبقيت بأيدي أهل الإسلام سنين، وكان أول الولاة عليها حين استولى عليها أمير المسلمين عبد المؤمن بن علي رجلاً يقال له يوسف بن مخلوف، فثار عليه أهل المرية وقتلوه وقدموا على أنفسهم الرميمي، فأخذها النصارى منه عنوة كما ذكرنا، وأحصي عدد من سبي من أبكارها فكان أربعة عشر ألفاً.

وقال ابن حبيش آخر الحفاظ بالأندلس: كنت في وقعة المرية لما وقع الاستيلاء عليها أعادها الله تعالى للإسلام، فتقدمت إلى زعيم الروم السليطين، وهو ابن بنت الأذفونش، وقلت له: إني أحفظ نسبك منك إلى هرقل، فقال لي: قل، فذكرته له، فقال لي: اخرج أنت وأهلك ومن معك طلقاء بلا شيء.

وابن حبيش شيخ ابن دحية وابن حوط الله وأبي الربيع الكلاعي، رجمهم الله تعالى.

ولما أخذت المرية أقبل إليها السيدان أبو حفص وأبو سعيد ابنا أمير المؤمنين فحصرا النصارى بها، وزحف إليهما أبو عبد الله ابن مردنيش ملك شرق الأندلس محارباً لهما، فكانا يقاتلان النصارى والمسلمين داخلاً وخارجاً، ثم رأى ابن مردنيش العار على نفسه في قتالهم مع كونهم يقاتلون النصارى، فارتحل، فقال النصارى: ما رحل ابن مردنيش إلا وقد جاءهم مدد، فاصطلحوا، ودخل الموحدون المدينة، وقد خربت وضعفت، إلى أن أحيا رمقها الرئيس أبو العباس أحمد بن كمال، وذلك أن أخته أخذت سبية في دخلة عبد المؤمن

لبجانة، فاحتلت بقصره واعتنت بأخيها، فولاه بلده، فصلح به حالها، وكان جواداً حسن المحاولة كثير الرفق، واشتهر من ولاتها في مدة بني عبد المؤمن في المائة السابعة الأمير أبو عمران ابن أبي حفص عم ملك إفريقية أبي زكريا.

ولما كانت سنة خمس وعشرين وستمائة وثارت الأندلس على مأمون بني عبد المؤمن بسبب قيام ابن هود بمرسية قام في المرية بدعوة ابن هود أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي يحيى ابن الرميمي، وجده أبو يحيى هو الذي أخذها النصارى من يده، ولما قام بدعوة ابن هود وفد عليه بمرسية وولاه وزارته، وصرف إليه سياسته، وآل أمره معه إلى أن أغراه بأن يحصن قلعة مرية، ويجعلها له عدة، وهو يبغي ذلك عدة لنفسه، وترك ابن هود فيها جارية تعلق ابن الرميمي بها، واجتمع معها، فبلغ ذلك ابن هود، فبادر إلى المرية، وهو مضمر الإيقاع بابن الرميمي، فتغدى به قبل أن يتعشى به، وأخرج من قصره ميتاً، ووجهه في تابوت إلى مرسية في البحر، واستبد ابن الرميمي بملك المرية، ثم ثار عليه ولده، وآل الأمر بعد أحوال إلى أن تملكها ابن الأحمر صاحب غرناطة، وبقيت في يد أولاده بعده إلى أن أخذها العدو الكافر عندما طوي بساط بلاد الأندلس كما سننبه عليه، والله غالب على أمره.

شعر في العقاب

وما أحسن قول أبي إسحاق إبراهيم بن الدباغ الإشبيلي في هزيمة العقاب بإشبيلية:

وقائلة أراك تطيل فكراً كأنك قد وقفت إلى الحساب

فقلت لها أفكر في عقاب غدا سبباً لمعركة العقاب

فما في أرض أندلس مقام وقد دخل البلا من كل باب

ابن وزير

وقول القائد أبي بكر ابن الأمير ملك شلب أبي محمد عبد الله بن وزير يخاطب منصور بني عبد المؤمن وقد التقى هو وأصحابه مع جماعة من الفرنج فتناصفوا، ثم كان الظفر للمسلمين:

ولما تلاقينا جرى الطعن بيننا فمنا ومنهم طائحون عديد

وجال غرار الهند فينا وفيهم فمنا ومنهم قائم وحصيد

فلا صدر إلا فيه صدر مثقف وحول الوريد للحسام ورود

صبرنا ولا كهف سوى البيض والقنا كلانا على حر الجلاد جليد

ولكن شددنا شدة فتبلدوا ومن يتبلد لا يزال يحيد

فولوا وللسمر الطوال بهامهم ركوع وللبيض الرقاق سجود

وكان المذكور من فرسان الأندلس، وكان ابنه الفاضل أبو محمد غير مقصر عنه فروسية وقدراً وأدباً وشعراً، وولاه ناصر بني عبد المؤمن مدينة قصر أبي دانس في الجهة الغربية، وقتله ابن هود بإشبيلية، وزعم أنه يروم القيام عليه، ومن شعره قوله في ابن عمرو صاحب أعمال إشبيلية:

لا تيأسن من الخلافة بعدما ولي ابن عمرو خطة الأشراف

تباً لدهر هذه أفعاله يضع النوافج في يدي كناف

ضياع ماردة

رجع - ودخل العدو كورة ماردة من محمد بن هود سنة ست وعشرين

وستمائة، وكانت مفتتح المصائب على يده، أعادها الله تعالى للإسلام، وهي قاعدة بلاد الجوف في مدة العرب والعجم، والحضرة المستجدة بعدها هي مدينة بطليوس، وبين ماردة وقرطبة خمسة أيام.

المظفر وابنه المتوكل

وملك بطليوس وماردة وما إليها المظفر بن المنصور بن الأفطس مشهور، وهو من رجال القلائد والذخيرة وهو أديب ملوك عصره بلا مدافع ولا منازع، وله التصنيف الرائق، والتأليف الفائق، المترجم بالتذكر المظفري خمسون مجلداً اشمل على فنون وعلوم من مغاز وسير ومثل وأخبار وجميع علوم الأدب، وقال يوماً: والله ما يمنعني من إظهار الشعر إلا كوني لا أقول مثل قول أبي العشائر ابن حمدان:

أقرأت منه ما تخط يد الوغى والبيض تشكل والأسنة تنقط

وقول أبي فراس ابن عمه:

وجررنا العوالي في مقام ... تحدث عنه ربات الحجال كأن الخيل تعلم من عليها ففي بعض على بعض تعالى

فأين هذا من قولي:

أنفت من المدام لأن عقلي أعز علي من أنس المدام

ولم أرتح إلى روض وزهر ولكن للحمائل والحسام

إذا لم أملك الشهوات قهراًفلم أبغي الشفوف على الأنام وله رحمه الله تعالى:

يا لحظه زد فتوراً تزد علي اقتدارا

فالحظ كالسيف أمضا هـ ما يرق غرارا

وابنه المتوكل من رجال القلائد والمسهب وكان في حضرة بطليوس كالمعتمد بن عباد بإشبيلية، قد أناخت الآمال بحضرتهما، وشدت رحال الآداب إلى ساحتهما، يتردد أهل الفضائل بينهما كتردد النواسم بين جنتين، وينظر الأدب منهما عن مقلتين، والمعتمد أشعر، والمتوكل أكتب.

شعر لأبي عبد الله الفازازي

رجع - وقال الفاضل الكاتب أبو عبد الله محمد الفازازي، وقيل: إنها وجدت برقعة في جيبه يوم موته:

الروم تضرب في البلاد وتغنم والجور يأخذ ما بقي والمغرم

والمال يورد كله قشتالة والجند تسقط والرعية تسلم

وذوو التعين ليس فيهم مسلم إلا معين في الفساد مسلم

أسفي على تلك البلاد وأهلها الله يلطف بالجميع ويرحم

وقيل: إن هذه الأبيات رفعت إلى سلطان بلده، فلما وقف عليها قال بعدما بكى: صدق رحمه الله تعالى، ولو كان حياً ضربت عنقه.

ترجمة أبي زيد الفازازي

وهذا الفازازي أخو الشاعر الشهير الكاتب الكبير أبي زيد عبد الرحمن الفازازي صاحب الأمداح في سيد الوجود ﷺ، وهو كما قال فيه بعضهم: صاحب القلم الأعلى، والقدح المعلى، أبرع من ألف وصنف، وأبدع من قرط وشنف، فقد طاع القلم لبنانه، والنظم والنثر لبيانه، كان نسيج وحده رواية وأخباراً، ووحيد نسجه روية وابتكاراً، وفريد وقته خبراً وإخباراً، وصدر عصره إيرادا وإصدرًا، صاحب فهوم، ورافع ألوية علوم، أما الأدب فلا يسبق فيه مضماره، ولا يشق غباره، إن شاء إنشاء أنشى ووشى، سائل الطبع، عذب النبع، له في مدح النبي ﷺ، بدائع قد خضع لها البنيان وسلم، أعظم تلك المعجزات نظماً ونثراً، وأوجز في تحبير تلك الآيات البينات فجلا سحراً، ورفع للقوافي راية استظهاراً تخير فيه الأظهر، فعجم وعشر وشفع وأوتر، وأما الأصول فهي من فروعه، في متفرق منظومه ومنثور مجموعه، واما النسب، فإلى حفظه انتسب، وأما الأيام والدول، ففي تاريخه الأواخر والأول، وقد سبك من هذه العلوم في منثوره وموزونه، ما يشهد بإضافتها إلى فنونه، وله سماع في الحديث ورواية، وفهم بقوانينه ودراية، سمع من أبي الوليد بن عبد الرحمن بن بقي القاضي، ومن أبي الحسن جابر بن أحمد القرشي التاريخي، وهو آخر من حدث عنه، ومن أبي عبد الله التجيبي كثيراً وهو أول من سمع عنه في حياة الحافظ أبي الطاهر السلفي إذ قدم عليهم تلمسان، وأجازه الحافظ السهلي وابن خلف

الحافظ وغيرهما، وولد بعد الخمسين والخمسمائة، وتوفي في مراكش سنة، رحمه الله تعالى، انتهى ملخصاً.

سقوط ميورقة عن ابن عميرة

رجع - ولما ثارت الأندلس على طائفة عبد المؤمن كان الوالي بجزيرة ميورقة أبو يحيى ابن أبي عمران التينمللي فأخذها الفرنج منه، كذا قال ابن سعيد، وقال ابن الأبار: إنها أخذت يوم الاثنين الرابع عشر من صفر سنة سبع وعشرين وستمائة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.