من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الثاني في نشأته وترقيه ووزارته وسعادته، ومساعدة الدهر له، ثم قلبه له ظهر
المجن على عادته في مصافاته ومنافاته، وارتباكه في شباكه، وما لقي
من إحن الحاسد، ذي المذهب الفاسد، ومحن الكائد المستأسد وآفاته،
وذكر قصوره وأمواله، وغير ذلك من أحواله في تقلباته، عندما قابله الزمان
بأهواله في بدئه وإعادته إلى وفاته
أقول: كان مولد الوزير لسان الدين ابن الخطيب ﵀ كما في الإحاطة في الخامس والعشرين من شهر رجب عام ثلاثة عشر وسبعمائة، وقال الرئيس الأمير الوليد ابن الأحمر ﵀: نشأ لسان الدين ابن الخطيب على حالة حسنة سالكاً سبيل أسلافه، فقرأ القرآن على المكتب الصالح أبي عبد الله ابن عبد المولى العواد تكتباً ثم حفظاً ثم تجويداً، ثم قرأ القرآن أيضاً على أستاذ الجماعة أبي الحسن القيجاطي، وقرأ عليه العربية وهو أول من انتفع به، وقرأ على الخطيب أبي القاسم ابن جزي، ولازم قراءة العربية والفقه والتفسير على الشيخ الإمام أبي عبد الله ابن الفخار البيري شيخ النحويين لعهده، وقرأ على قاضي الجماعة أبي عبد الله ابن بكر، وتأدب بالرئيس أبي الحسن ابن الجياب، وروى عن كثير من الأعيان، وسرد ابن الأحمر المذكور هنا جملة أعلام من مشايخ لسان الدين سيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى، ثم قال: وأخذ الطب والتعاليم وصناعة التعديل عن الإمام أبي زكريا يحيى بن هذيل ولازمه؛ انتهى.
وقال بعضهم في حق لسان الدين: هو الوزير العلامة المتحلي بأجمل الشمائل وأفضل المناقب، المتميز في الأندلس بأرفع المراقي وأعلى المراتب، علم الأعلام، ورئيس أرباب السيوف والأقلام، جامع أشتات الفضائل، والمربي بحسن سياسته وعظيم رياسته على الأواخر والأوائل، حائز رتبة رياسة السيف والقلم، والقائم بتدبير الملك على أرسخ قدم، صاحب القلم الأعلى، الوارد من البراعة المنهل الأحلى، صاحب الأحاديث التي لا تمل على كثرة ما تتلى، والمحاسن التي صورها على منصة التنويه تجلى؛ انتهى.
وقال لسان الدين في " الإحاطة " بعد ذكر سلفه رحمهم الله تعالى، ما ملخصه: وخلفني يعني أباه عبد الله عالي الدرجة، شهير الخطة، مشمولاً بالقبول، مكنوفاً بالعناية، فقلدني السلطان سره، ولما يستكمل الشباب ويجتمع السن، معززة بالقيادة ورسوم الوزارة، واستعملني في السفارة إلى الملوك، واستنابني بدار ملكه ورمى إلى يدي بخاتمه وسيفه، وائتمنني على صوان حضرته، وبيت ماله، وسجوف حرمه، ومعقل امتناعه، ولما هلك السلطان ضاعف ولده حظوتي، وأعلى مجلسي، وقصر المشورة على نصحي، إلى أ، كانت عليه الكائنة، فاقتدى في أخوه المتغلب على الأمر به، فسجل الاختصاص، وعقد القلادة، ثم حمله أهل الشحناء من أهل أعوان ثورته على القبض علي، فكان ذلك، وتقبض علي، ونكث ما أبرم من أماني، واعتقلت بحال ترفيه، وبعد أن كسبت المنازل والدور، واستكثر من الحرس، وختم على الأعلاق، وأبرد إلى ما ناء، واستؤصلت نعمة لم تكن بالأندلس من ذوات النظائر ولا ربات
الأمثال، في تبحر الغلة، وفراهة الحيوان، وغبطة العقار، ونظافة الآلات، ورفعة الثياب، واستجادة العدة، ووفور الكتب إلى الآنية والفرش والماعون والزجاج والطيب والذخيرة والمضارب والأبنية، واكتسحت السائمة وثيران الحرث وظهر الحمولة وقوام الفلاحة والخيل، فأخذ ذلك البيع، وتناهبتها الأسواق، وصاحبها البخس، ورزأتها الخونة، وشمل الخاصة والأقارب الطلب، واستخلصت القرى، وأعملت الحيل، وطوقت الذنوب، وأمد الله تعالى بالعون، وأنزل السكينة، وانصرف اللسان إلى ذكر الله تعالى، وتعلقت الآمال به وطبقت نكبة مصحفية مطلوبها الذات وسببها المال حسبما قلت عند إقالة العثرة والخلاص من الهفوة:
تخلصت منها نكبة مصحفية ... لفقداني المنصور من آل عامر ووصلت الشفاعة في مكتتبة بخط ملك المغرب، وجعل خلاصي شرطاً في العقدة ومسالمة الدولة، فانتقلت صحبة سلطاني المكفور الحق إلى المغرب، وبالغ ملكه في بري منزلاً رحباً، وعيشاً خفضاً، وإقطاعاً جماً، وجراية ما وراءها مرمى، وجعلني بمجلسه صدراً، ثم أسعف قصدي في تهيؤ الخلوة في مدينة سلا منوه الصكوك، مهنأ القرار، متفقداً باللها والخلع، مخول العقار، موفور الحاشية، مخلى بيني وبين إصلاح معادي، إلى أ، رد الله تعالى على السلطان أمير المسلمين أبي عبد الله ابن أمير المسلمين أبي الحجاج ملكه، وصير إليه حقه، فطالبني بوعد ضربته، وعمل في القدوم عليه بولده أحكمته، ولم يوسعني عذراً، ولا فسح في الترك مجالاً، فقدمت عليه بولده، وقد ساءه بإمساكه رهينة ضده، ونغص مسرة الفتح بعده، على كل حال من التقشف
والزهد فيما بيده، وعزف عن الطمع في ملكه وزهد في رفده، حسبما قلت من بعض المقطوعات:
قالوا لخدمته دعاك محمدفأنفتها وزهدت في التنويه
فأحببته أنا والمهيمن كاره ... في خدمة المولى محب فيه عاهدت الله تعالى على ذلك، وشرحت صدري للوفاء به، وجنحت إلى الانفصال لبيت الله الحرام نشيدة أملي، ومرمى نيتي وعملي، فعلق بي، وخرج لي عن الضرورة، وأراني أن موازرته أبر القرب، وراكنني إلى عهد بخطه فسح لعامين أمد الثواء، واقتدى بشعيب صلوات الله عليه في طلب الزيادة على تلك النسبة، وأشهد من حضر من العلية، ثم رمى إلي بعد ذلك بمقاليد رأيه، وحكم عقلي في اختيارات عقله، وغطى من جفائي بحلمه، وحثا في وجوه شهواته تراب زجري، ووقف القبول على وعظي، وصرف هواي في التحول فانياً وقصدي، واعترف بقبول نصحي، فاستعنت الله تعالى، وعاملت وجهه فيه، من غير تلبس بجراية، ولا تشبث بولاية، مقتصراً على الكفاية، حذراً من النقد، خامل المركب، معتمداً على المنسأة، مستمشياً بخلق النعل، راضياً بغير النبيه من الثوب، مشفقاً من موافقة الغرور، هاجراً للزخرف، صادعاً بالحق في أسواق الباطل، كافاً عن السخال براثن السباع. ثم صرفت الفكرة إلى بناء الزاوية والمدرسة والتربة بكر الحسنات بهذه الخطة، بل بالجزيرة، فيما سلف من المدة، فتأتى بمنة الله تعالى من صلاح السلطان وعفاف الحاشية والأمن ورم الثغور وتثمير الجباية وإنصاف الحمات والمقاتلة ومقارعة الملوك المجاورة في إيثار المصلحة الدينية والصدع فوق المنابر ضماناً من السلطان بترياق سم الثورة وإصلاح بواطن الخاصة والعامة ما الله تعالى المجازي عليه، والمعوض
من سهر خلعته على أعطافه، وخطر اقتحمته من أجله، لا للثريد الأعفر، ولا للجرد تمرح في الأرسان، ولا للبدر تثقل للأكتاد، فهو الذي لا يضيع عمل من عمل ذكر أو أنثى ﷾. ومع ذلك فلم أعدم الاستهداف للشرور، والاستغراض للمحذور، والنظر الشزر المنبعث من خرز العيون، شيمة من ابتلاه الله تعالى بسياسة الدهماء، ورعاية سخطة أرزاق السماء، وقتلة الأنبياء، وعبدة الأهواء، ممن لا يجعل لله تعالى إرادة نافذة، ولا مشيئة سابقة، ولا يقبل معذرة، ولا يجمل في الطلب، ولا يتلبس مع الله في الأدب، ربنا لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، والحال إلى هذا العهد - وهو منتصف عام خمسة وستين وسبعمائة - على ما ذكرته، أداله الله بحال السلامة، وبفيأة العافية، والتمتع بالعبادة، وربك يخلق ما يشاء ويختار:
وعلي أن أسعى ولي ... س علي إدراك النجاح ولله سبحانه فينا علم غيب نحن صائرون إليه، ألحفنا الله لباس التقوى، وختم لنا بالسعادة، وجعلنا في الآخرة من الفائزين، نفثت عن بث، وتأوهت عن حمى، ليظهر بعد المنقلب قصدي، ويدل مكتتبي على عقدي، انتهى، وجله بلفظه.
وكان - رحمه الله تعالى - عارفاً بأحوال الملوك، سريع الجواب، حاضر الذهن، حاد النادرة. ومن حكاياته في حضور الجواب ما حكاه عن نفسه قال: حضرت يوماً بين يدي السلطان أبي عنان في بعض وفاداتي عليه لغرض الرسالة، وجرى ذكر بعض أعدائه، فقلت ما أعتقده في إطراء ذلك العدو، وما عرفته
من فضله، فأنكر علي بعض الحاضرين ممن لا يحطب إلا في حبل السلطان، فصرفت وجهي وقلت: أيدكم الله، تحقير عدو السلطان بين يديه ليس من السياسة في شيء، بل غير ذلك أحق وأولى، فإن كان السلطان غالب عدوه كان قد غلب غير حقير، وهو الأولى بفخره، وجلال قدره، وإن غلبه العدو لم يغير حقير، فيكون أشد للحسرة، وآكد للفضيحة، فوافق - رحمه الله تعالى - على ذلك واستحسنه، وشكر عليه، وخجل المعترض، انتهى.
وكان - رحمه الله تعالى - مبتلى بداء الأرق، لا ينام من الليل إلا النزر اليسير جداً، وقد قال في كتابه " الوصول لحفظ الصحة في الفصول ": العجب مني - مع تأليفي لهذا الكتاب الذي لم يؤلف مثله في الطب، وعملي ذلك - لا أقدر على مداواة داء الأرق الذي بي، أو كما قال، ولذا يقال له " ذو العمرين " لأن الناس ينامون في الليل وهو ساهر فيه، ومؤلفاته ما كان يصنف غالبها إلا بالليل، وقد سمعت بالمغرب بعض الرؤساء يقول: لسان الدين ذو الوزارتين، وذو العمرين، وذو الميتين، وذو القبرين، انتهى. وسيأتي ما يعلم منه معنى الأخيرين.
[التعريف بالسلطان أبي الحجاج]
وقد عرف - رحمه الله تعالى - بالسلطان أبي الحجاج في " الإحاطة " فقال ما حاصله: يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر، الأنصاري الخزرجي، أمير المسلمين بالأندلس، أبو الحجاج، تولى الملك بعد أخيه بوادي السقائين من ظاهر الخضراء ضحوة يوم الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، وسنه خمسة عشر يوماً وثمانية أشهر، أمه أم ولد، وكان له ثلاثة أولاد كبيرهم محمد أمير المسلمين من بعده، وتلوه
أخوه إسماعيل محجوره، وثالثهم قيس شقيق إسماعيل، وذكر لسان الدين أنه وزر له بعد شيخه ابن الجياب، وتولى كتابة سره مضافة إلى الوزارة في أخريات شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة، انتهى. وقد علم أنه وزر بعده لابنه محمد كما تقدم ويأتي، وأما إسماعيل بن أبي الحجاج فهو الذي تغلب على الأمر، وانتهز الفرصة في ملك أخيه محمد كما تقدم، وفيه وفي أخيه قيس حين قتلا يقول لسان الدين:
بإسماعيل ثم أخيه قيسالبيتين
وقد ذكر أيضاً - رحمه الله تعالى - حكاية وفاة السلطان أبي الحجاج ما محصله أنه هجم عليه رجل من عداد الممرورين، وهو في الركعة الأخيرة من صلاة عيد الفطر عام خمسة وخمسين وسبعمائة، فطعنه بخنجر، وقبض عليه، واستفهم فتكلم بكلام مخلط، واحتمل إلى منزله على فوت لم يستقر به إلا وقد قضى، وأخرج قاتله إلى الناس فقتل لحينه، وأحرق بالنار، ودفن عشية اليوم المذكور في مقبرة قصره، ضجيع والده، وولي أمره ولده محمد، ورثيته في غرض ناء عن الجزالة مختار ولده:
العمر نوم، والمنى أحلامماذا عسى أن يستمر مقام
وإذا تحققنا لشيء بدأةفله بما تقضي العقول تمام
والنفس تجمح في مدى آمالهاركضاً، وتأبى ذلك الأيام
من لم يصب في نفسه فمصابهبحبيبه، نفذت بذا الأحكام
بعد الشبيبة كبرة، ووراءهاهرم، ومن بعد الحياة حمام
ولحكمة ما أشرقت شهب الدجىوتعاقب الإصباح والإظلام
دنياك يا هذا محلة نقلةومناخ ركب ما لديه مقام
هذا أمير المسلمين ومن بهوجد السماح وأعدم الإعدام
سر الأمانة والخلافة يوسفغيث الملوك وليثها الضرغام
قصدته عادية الزمان فأقصدتوالعز سام، والخميس لهام
فجعت به الدنيا وكدر شربهاوشكا العراق مصابه والشام
أسفاً على الخلق الجميل كأنمابدر الدجنة قد جلاه تمام
أسفاً على العمر الجديد كأنهزهو الحديقة زهره بسام
أسفاً على الخلق الرضي كأنهزهر الرياض هما عليه غمام
أسفاً على الوجه الذي مهما بداطاشت لنور جماله الأفهام
يا ناصر الثغر الغريب وأهلهوالأرض ترجف والسماء قتام
يا صاحب الصدقات في جنح الدجىوالناس في فرش النعيم نيام
يا حافظ الحرم الذي بظلالهستر الأرامل واكتسى الأيتام
مولاي هل لك للقصور زيارةبعد انتزاح الدار أو إلمام
مولاي هل لك للعبيد تذكرحاشاك أن ينسى لديك ذمام
يا واحد الآحاد والعلم الذيخفقت بعزة نصره الأعلام
وافاك أمر الله حين تكاملتفيك النهى والجود والإقدام
ورحلت عنا الركب خير خليفةأثنى عليك الله والإسلام
نعم الطريق سلكت كان رفيقهوالزاد فيه تهجد وصيام
وكسفت يا شمس المحاسن ضحوةفاليوم ليل، والضياء ظلام
وسقاك عيد الفطر كأس شهادةفيها من الأجل الوحي مدام
وختمت عمرك بالصلاة فحبذاعمل كريم سعيه وختام
مولاي كم هذا الرقاد إلى متىبين الصفائح والتراب تنام
أعد التحية واحتسبها قربةإن كان يمكنك الغداة كلام
تبكي عليك مصانع شيدتهابيض كما تبكي الهديل حمام
تبكي عليك مساجد عمرتهافالناس فيها سجد وقيام
تبكي عليك خلائق أمنتهابالسلم وهي كأنها أنعام
عاملت وجه الله فيما رمتهمنها فلم يبعد عليك مرام
لو كنت تفدى أو تجار من الردىبذلت نفوس من لدنك كرام
لو كنت تمنع بالصوارم والقناما كان ركنك بالغلاب يرام
لكنه أمر الإله، وما لناإلا رضى بالحكم واستسلام
والله قد كتب الفناء على الورىوقضاؤه جفت به الأقلام
نم في جوار الله مسروراً بماقدمت يوم تزلزل الأقدام
واعلم بأن سليل ملكك قد غدافي مستقر علاك وهو إمام
سر تكنف منه من خلفتهظل ظليل فهو ليس يضام
كنت الحسام وصرت في غمد الثرىولنصر ملكك سل منه حسام
خلفت أمة أحمد لمحمدفقضت بسعد الأمة الأحكام
فهو الخليفة للورى في عهدهترعى العهود وتوصل الأرحام
أبقى رسومك كلها محفوظةلم ينتثر منها عليك نظام
العدل والشيم الكريمة والتقىوالدار والألقاب والخدام
حسبي بأن أغشى ضريحك لائماًوأقول والدمع السفوح سجام
يا مدفن التقوى ويا مثوى الهدىمني عليك تحية وسلام
أخفيت من حزني عليك، وفي الحشانار لها بين الضلوع ضرام
ولو أنني أديت حقك لم يكنلي بعد فقدك في الجود مقام
وإذا الفتى أدى الذي في وسعهوأتى بجهد، ما عليه ملام قال لسان الدين: وكتبت في بعض معاهده:
غبت فلا عين ولا مخبرولا انتظار منك مرقوب
يا يوسف أنت لنا يوسفوكلنا في الحزن يعقوب
انتهى، ورحم الله تعالى الجميع بمنه وقد قدمنا ما كتبه لسان الدين على لسان سلطانه إلى السلطان أبي عنان في شأن قتل السلطان أبي الحجاج في الباب الثامن من القسم الأول.
[الغني ولسان الدين يلجآن للمغرب]
وقال لسان الدين في كتابه " اللمحة البدرية في الدولة النصرية " في ذكر ما يتعلق بخلع سلطانه وقيام أخيه عليه وفي خلال ذلك، ما نصه: كان السلطان أبو عبد الله عند تصير الأمر إليه قد ألزم أخاه إسماعيل قصراً من قصور أبيه بجوار داره مرفهاً عليه، متممة وظائفه له، وأسكن معه أمه وأخواته منها، وقد استأثرت يوم وفاة والده بمال جم من خزائنه الكائنة في بيتها فوجدت السبيل إلى السعي لولدها فجعلت تواصل زيارة ابنتها التي عقد لها الوالد مع ابن عمه الرئيس أبي عبد الله ابن الرئيس أبي الوليد ابن الرئيس أبي عبد الله المبايع له بأندرش ابن الرئيس أبي سعيد جدهم الذي تجمعهم جرثومته، وشمر الصهر المذكور عن ساعد عزمه وجده وهو ما هو من الإقدام، ومداخلة ذؤبان الرجال، واستعان بمن آسفته الدولة، وهفت به الأطماع، فتألف منهم زهاء مائة قصدوا جهة من جهات القلعة متسنمين شفاً صعب المرتقى، واتخذوا آلة تدرك ذروته لقعود بنية كانت به عن التمام، وكبسوا حرسياً بأعلاه بما اقتضى صماته، فاستووا به، ونزلوا إلى القلعة سحور الليلة الثامنة والعشرين من شهر رمضان عام ستين وسبعمائة، فاستظهروا بالمشاعل والصراخ، وعالجوا دار الحاجب رضوان، ففضوا أغلاقها ودخلوها فقتلوه بين أهله وولده، وانتهبوا ما اشتملت عليه داره، وأسرعت طائفة مع الرئيس [الصهر] فاستخرجت الأمير المعتقل إسماعيل، وأركبته وقرعت
الطبول، ونودي بدعوته، وقد كان أخوه السلطان متحولاً بولده إلى سكنى الجنة المنسوبة للعريف لصق داره، وهي المثل المضروب في الظل الممدود، والماء المسكوب، والنسيم البليل، يفصل بينها وبين معقل الملك السور المنيع والخندق المصنوع، فما راعه إلا النداء والعجيج وأصوات الطبول، وهب إلى الدخول إلى القلعة فألفاها قد أخذت دونه شعابها كلها ونقابها، وقذفته الحراب، ورشقته السهام، فرجع أدراجه، وسدده الله تعالى في محل الحيرة، ودس له عرق الفحول من قومه، فامتطى صهوة فرس كان مرتبطاً عنده، وصار لوجهه فأعيا المتبع، وصبح مدينة وادي آش، ولم يشعر حافظ قصبتها إلا به وقد تولج عليها، فالتف به أهلها وأعطوه صفقتهم بالذب عنه، فكان أملك بها، وتجهزت الحشود إلى منازلته، وقد جدد أخوه المتغلب على ملكه عقد السلم مع طاغية قشتالة باحتياجه إلى سلم المسلمين لجراء فتنة بينه وبين البرجلونيين من أمته، واغتبط به أهل المدينة، فذبوا عنه، ورضوا بهلاك نعمتهم دونه، واستمرت الحال إلى عيد النحر من عام التاريخ، ووصله رسول صاحب المغرب مستنزلاً عنها ومستدعياً إلى حضرته، لما عجز عن إمساكها، وراسل ملك الروم فلم يجد عنده من معول، فانصرف يوم ثاني عيد النحر المذكور، وتبعه الجمع الوافر من أهل المدينة خيلاً ورجلاً إلى مربلة من ساحل إجازته، وكان وصوله إلى مدينة فاس مصحوباً من البر والكرامة بما لا مزيد عليه في السادس من شهر محرم فاتح عام أحد وستين وسبعمائة، وركب السلطان للقائه، ونزل إليه عندما سلم عليه، وبالغ في الحفاية به، وكنت قد ألحقت به مفلتاً من شرك النكبة التي استأصلت المال، وأوهمت سوء الحال، بشفاعة السلطان أبي سالم قدس الله روحه، فقمت بين يديه في الحفل الشهود يومئذ وأنشدته:
سلا هل لديها من مخبرة ذكروهل أعشب الوادي ونم به الزهر
وهل باكر الوسمي داراً على اللوىعفت آيها إلا التوهم والذكر
بلادي التي عاطيت مشمولة الهوىبأكنافها والعيش فينان مخضر
وجوي الذي ربى جناحي وكرهفها أنا ذا ما لي جناح ولا وكر
نبت بي لا عن جفوة وملالةولا نسخ الوصل الهنيء بها هجر
ولكنها الدنيا قليل متاعهاولذاتها دأباً تزور وتزور
فمن لي بقرب العهد منها ودوننامدى طال حتى يومه عندنا شهر
ولله عينا من رآنا وللأسىضرام له في كل جانحة جمر
وقد بددت در الدموع يد النوىوللشوق أشجان يضيق لها الصدر
بكينا على النهر الشروب عشيةفعاد أجاجاً بعدنا ذلك النهر
أقول لأظعاني وقد غالها السرىوآنسها الحادي وأوحشها الزجر
رويدك بعد العسر يسر أن أبشريبإنجاز وعد الله، قد ذهب العسر
ولله فينا سر غيب، وربماأتى النفع من حال أريد بها الضر
وإن تخن الأيام لم تخن النهىوإن يخذل الأقوام لم يخذل الصبر
وإن عركت مني الخطوب مجرباًنقاباً تساوى عنده الحلو والمر
فقد عجمت عوداً صليباً على الردىوعزماً كما تمضي المهندة البتر
إذا أنت بالبيضاء قررت منزليفلا اللحم حل ما حييت ولا الظهر
زجرنا بإبراهيم برء همومنافلما رأينا وجهه صدق الزجر
بمنتجب من آل يعقوب كلمادجا الخطب لم يكذب لعزمته فجر
تناقلت الركبان طيب حديثهفلما رأته صدق الخبر الخبر
ندى لو حواه البحر لذ مذاقهولم يتعقب مده أبداً جزر
وبأس غدا يرتاع من خوفه الردىوترفل في أثوابه الفتكة البكر
أطاعته حتى العصم في قنن الربىوهشت إلى تأميله الأنجم الزهر
قصدناك يا خير الملوك على النوىلتنصفنا مما جنى عبدك الدهر
كففنا بك الأيام عن غلوائهاوقد رابنا منها التعسف والكبر
وعدنا بذاك المجد فانصرم الردىولذنا بذاك العزم فانهزم الذعر
ولما أتينا البحر يرهب موجهذكرنا نداك الغمر فاحتقر البحر
خلافتك العظمى ومن لم يدن بهافإيمانه لغو وعرفانه نكر
ووصفك يهدي المدح قصد صوابهإذا ضل في أوصاف من دونك الشعر
دعتك قلوب المؤمنين وأخلصتوقد طاب منها السر لله والجهر
ومدت إلى الله الأكف ضراعةفقال لهن الله: قد قضي الأمر
وألبسها النعمى ببيعتك التيلها الطائر الميمون والمحتد الحر
فأصبح ثغر الثغر يبسم ضاحكاًوقد كان مما نابه ليس يفتر
وأمنت بالسلم البلاد وأهلهافلا ظبة تعرى ولا روعة تعرو
وقد كان مولانا أبوك مصرحاًبأنك في أبنائه الولد البر
وكنت حقيقاً بالخلافة بعدهعلى الفور، لكن كل شيء له قدر
وأوحشت من دار الخلافة هالةأقامت زماناً لا يلوح بها البدر
فرد عليك الله حقك إذ قضىبأن تشمل النعمى وينسدل الستر
وقاد إليك الملك رفقاً بخلقهوقد عدموا ركن الإمامة واضطروا
وزادك بالتمحيص عزاً ورفعةوأجراُ، ولولا السبك ما عرف التبر
وأنت الذي تدعى إذا دهم الردىوأنت الذي ترجى إذا أخلف القطر
وأنت إذا جار الزمان محكملك النقض والإبرام والنهي والأمر
وهذا ابن نصر قد أتى وجناحهمهيض، ومن علياك يلتمس الجبر
غريب يرجي منك ما أنت أهلهفإن كنت تبغي الفجر قد جاءك الفجر
ففز يا أمير المؤمنين ببيعةموثقة قد حل عروتها الغدر
ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعابيا لمرين جاءه العز والنصر
وخذ يا إمام الحق بالحق ثأرهففي ضمن ما تأتي به العز والأجر
وأنت لها يا ناصر الحق فلتقمبحق فما زيد يرجى ولا عمرو
فإن قيل مال، مالك الدثر وافروإن قيل جيش، عندك العسكر المجر
يكف بك العادي، ويحيا بك الهدىويبني بك الإسلام ما هدم الكفر
أعده إلى أوطانه عنك راضياًوطوقه نعماك التي ما لها حصر
وعاجل قلوب الناس فيه بجبرهافقد صدهم عنه التغلب والقهر
وهم يرقبون الفعل منك وصفقةتحاولها يمناك ما بعدها خسر
مرامك سهل لا يؤودك كلفةسوى عرض ما إن له في العلا خطر
وما العمر إلا زينة مستعارةترد، ولكن الثناء هو العمر
ومن باع ما يفنى بباق مخلدفقد أنجح المسعى وقد ربح التجر
ومن دون ما تبغيه يا ملك الهدىجياد المذاكي والمحجلة الغر
وراد وشقر واضحات شياتهافأجسامها تبر وأرجلها در
وشهب إذا ما ضمرت يوم غارةمطهمة غارت بها الأنجم الزهر
وأسد رجال من مرين مخيفةعمائمها بيض وآسالها سمر
عليها من الماذي كل مفاضةتدافع في أعطافها اللجج الخضر
هم القوم إن هبوا لكشف ملمةفلا الملتقى صعب ولا المرتقى وعر
إذا سئلوا أعطوا، وإن نوزعوا سطواوإن واعدوا وفوا، وإن عاهدوا بروا
وإن مدحوا اهتزوا ارتياحاً كأنهمنشاوى تمشت في معاطفهم خمر
وإن سمعوا العوراء فروا بأنفسحرام على هاماتها في الوغى الفر
وتبسم ما بين الوشيج ثغورهموما بين قضب الدوح يبتسم الزهر
أمولاي غاضت فكرتي، وتبلدتطباعي، فلا طبع يعين ولا فكر
ولولا حنان منك داركتني بهوأحييتني لم تبق عين ولا أثر
فأوجدت مني فائتاً أي فائتوأنشرت ميتاُ ضم أشلاءه قبر
بدأت بفضل لم أكن لعظيمهبأهل، فجل اللطف وانفرج الصدر
وطوقتني النعمى المضاعفة التييقل عليها مني الحمد والشكر
وأنت بتتميم الصنائع كافلإلى أن يعود الجاه والعز والوفر
جزاك الذي أسنى مقامك عصمةيفك بها عان وينعش مضطر
إذا نحن أثنينا عليك بمدحةفهيهات يحصى الرمل أو يحصر القطر
ولكننا نأتي بما نستطيعه ... ومن بذل المجهود حق له العذر فلا تسأل عن امتعاض وانتفاض، وسداد انحناء في التأثر لنا وأغراض، والله غالب على أمره.
وفي صبيحة يوم السبت السابع عشر من شهر شوال عام اثنين وستين وسبعمائة كان انصرافه إلى الأندلس وقد ألح صاحب قشتالة قي طلبه، وترجح الرأي على قصده، فقعد السلطان بقبة العرض من جنة المصارة، وبرز الناس وقد أسمعهم البريح، واستحضرت البنود والطبول والآلة، وألبس خلعة الملك، وقيدت له مراكبه فاستقل، وقد التف عليه كل من جلا عن الأندلس من لدن الكائنة في جملة كثيفة، ورأى من رقة الناس وإجهاشهم وعلو أصواتهم بالدعاء ما قدم به العهد، إذ كان مظنة ذلك سكوناٌ وعفافاً وقرباُ قد ظلله الله برواق الرحمة، وعطف عليه وشائج المحبة، إلى كونه مظلوم العقد، منتزع الحق، فتبعته
الخواطر، وحميت عليه الأنفس، وانصرف لوجهته، وهو الآن برندة مستقل بها وبجهاتها [ومتعلل بألقاب] ومقتنع برسم وقد قام له برسم الوزارة الشيخ القائد أبو الحسن علي بن يوسف ابن كماشة الحضرمي، وبكتابته الفقيه أبو عبد الله ابن زمرك، وقد استفاض عنه من الحزم والتدرب والتيقظ للأمور والمعرفة بوجوه المصالح ما لا ينكر، كان الله لنا وله بفضله؛ انتهى كلام لسان الدين ابن الخطيب في " اللمحة البدرية ".
[رسالة للسان الدين عن الغني إلى المنصور بن قلاوون]
وقد علمت أنه بعد هذا التاريخ عاد سلطانه إلى حضرة غرناطة، واستبد بملك الأندلس، وعاد لسان الدين إليه حسبما أحسن سياق ذلك لسان الدين رحمه الله تعالى من إنشائه على لسان سلطانه الغني بالله، وخاطب به ملك الحرمين ومصر والشام السلطان المنصور بن أحمد بن الناصر بن قلاوون، وقد ذكرنا منه ما يتعلق بالأندلس في الباب الثاني من القسم الأول، وقال بعد ذلك فيما يتعلق بالخلع المذكور ما نصه: ولما صير الله إلينا تراثهم الهني، وأمرهم السني، وبناءهم العادي، وملكهم الجهادي، أجرانا - وله الطول - على سننهم، ورفع أعلامنا في هضابهم المشرفة وقننهم، وحملنا فيهم خير حمل، ونظم بنا لهم أي شمل، وألبس أيامنا سلماً فسح الدارة، وأحكم الإدارة، وهنأ الأمارة، ومكن العمارة، وأمن في البحر والبر السيارة والعبارة، لولا ما طرقهم فينا من تمحيص أجلى عن تخصيص، وتمحض تبره بعد تخليص ومرام عويص، نبثكم بثه، ونوالي لديكم حثه، ونجمع منبثه، فإن في الحوادث ذكراً، ومعروف الدهر لا يؤمن أن يعود تكراً، وشر الوجود
معاقب بخيره، والسعيد من اتعظ بغيره، والحزم أفضل ما إليه ينتسب، وعقل التجربة بالمرانة يكتسب، وهو أن بعضاً مما ينسب إلينا بوشائج الأعراق، لا بمكارم الأخلاق، ويمت إلينا بالقرابة البعيدة، لا بالنصبة السعيدة، ممن كفلناه يتيماً، وصناه ذميماً شتيماً، وبوأناه مبوأ كريماً، بعد أن نشأ حرفوشاً دميماً، وملعوناًً لئيماً، ونوهناه من خموله بالولاية، ونسخنا حكم تسحبه بآية العناية، داخل أخاً لنا كنا ألزمناه الاقتصار على قصره، ولم نجعل أداة تدل على حصره، وسامحناه في كثير من أمره، ولم نرتب بزيده ولا عمره، واغتررنا برماد علا على جمره، فاستدعى له من الصعاليك شيعته كل درب بفك الأغلاق، وتسرب أنفاق النفاق، وخارق للإجماع والإصفاق، وخبير بمكان الخراب ومذاهب الفساق، وتسور بهم القلعة من ثلم شرع في سده، بعد هده، ولم تكمل الأقدار المميزة في ليلة آثرنا مبيتنا ببعض البساتين خارج قصورنا، واستنبنا من يضطلع بأمورنا، فاستتم الحيلة التي شرعها، واقتحم القلعة وافترعها، وجدل حرس النوبة وصرعها، وكبس محل النائب عنا وجد له، ولم ينشب أن جدله، واستخرج الأخ البائس فنصبه، وشد به تاج الولاية وعصبه، وابتز أمرنا وغضبه.
وتوهم الناس أن الحادثة على ذاتنا قد تمت، والدائرة بنا قد ألمت ولقد همت، فخذل الناصر، وانقطعت الأواصر، وأقدم المتقاصر، واقتحمت الأبهاء والمقاصر، وتفرقت الأجزاء وتحللت العناصر، وفقد من عين الأعيان النور الباصر، فأعطوه طاعة معروفة، وأصبحت الوجوه إليه مصروفة، وركضنا وسرعان الخيل تقفو أثر منجاتنا والظلام يخفيها، وتكفي علينا السماء والله يكفيها، إلى أن خلصنا إلى مدينة وادي آش خلوص القمر من السرار، لا نملك إلا نفساً مسلمة لحكم الأقدار، ملقية لله مقادة الاختيار، مسلوبة بموجب الاستقرار، وناصحنا أهل تلك المدينة فعملوا على الحصار، واستبصروا في الدفاع عنا أتم الاستبصار، ورضوا لبيوتهم المصحرة، وبساتينهم المستبحرة
بفساد الحديد وعياث النار، ولم يرضوا لجارهم بالإخفار، ولا لنفوسهم بالعار، إلى أن كان الخروج عن الوطن بعد خطوب تسبح فيها الأقلام سبحاً طويلاً، وتوسعها الشجون شرحاً وتأويلاً، وتلقي القصص منها على الآذان قولاً ثقيلاً، وجزنا البحر وضلوع موجه إشفاقاً علينا تخفق، وأكف رياحه حسرة تصفق، ونزلنا من جانب سلطان بني مرين على المثوى الذي رحب بنا ذرعه، ودل على كرم الأصول فرعه، والكريم الذي وهب فأجزل، ونزل لنا على الصهوة وتنزل، وخير وحكم، ورد على الدهر الذي تهكم، واستعبر وتبسم، وآلى وأقسم، وبسمل وقدم، واستركب لنا واستخدم.
ولما بدا لمن وراءنا سيئات ما كسبوا، وحققوا ما حسبوا، وطفا الغثاء ورسبوا، ولم ينشب الشقي الخزي أن قتل البائس الذي موه بزيفه، وطوقه بسيفه، ودل ركب المخافة على خيفه، إذ آمن المضعوف من كيده، وجعل ضرغامه بازياً لصيده، واستقل على أريكته، استقلال الظليم على تريكته، حاسر الهامة، متنفقاً بالشجاعة والشهامة، مستظهراً بأول الجهالة والجهامة، وساءت في محاولة عدو الدين سيرته، ولما حصص الحق انكشفت سريرته، وارتابت لجبنه المستور جيرته، وفغر عليه طاغية الروم فمه فالتقمه، ومد عليه الصليب ذراعه فراعه، وشد الكفر عليه يده، فما عضده الله ولا أيده، وتخرمت ثغور الإسلام بعد انتظامها، وشكت إليه باهتضامها، وغصت بأشلاء عباد الله وعظامها، ظهور أوضامها، ووكلت السنة والجماعة، وانقطعت من النجح الطماعة، واشتدت المجاعة، وطلعت شمس دعوتنا من المغرب فقامت عليها الساعة، وأجزنا البحر تكاد جهتاه تتقاربان تيسيراً، ورياحه لا تعرف في غير وجهتنا مسيراً، وكأن ماءه ذوب لقي إكسيراً، ونهضنا يتقدمنا الرعب ويتقد منا الدعاء، وتجأحىء بنا الإشارة يحفزنا الاستدعاء.
وأقصر الطغايا عن البلاد بعد أن ترك ثغورها مهتومة، والإخافة عليها محتومة، وطوابعها مفضوضة وكانت بنا مختومة، وأخذ الخائن الصيحة فاختبل، وظهر تهوره الذي عليه الجبل، فجمع أوباشه السفلى وأوشابه، وبهرجه الذي غش به المحض وشابه، وعمد إلى الذخيرة التي صانتها الأغلاق الحريزة، والمعاقل العزيزة، فملأ بها المناطق، واستوعب الصامت والناطق، والوشح والقراطق، واحتمل عدد الحرب والزينة، وخرج ليلاً عن المدينة، وانقضت آراؤه الفائلة، ونعامته الشائلة، ودولة بغيه الزائلة، أن يقصد طاغية الروم بقضه وقضيضه، وأوجه وحضيضه، وطويلة وعريضة، من غير عهد اقتضى وثيقته، ولا أمر عرف حقيقته، إلا ما أمل اشتراطه من تبديل الكلمة، واستئصال الأمة المسلمة، فلم يكن إلا أن تحصل في قبضته، ودنا من مضجع ربضته، واستشار نصحاءه في أمره، وحكم الحيلة في جناية غدره، وشهره ببلده، وتولى قتله بيده، ألحق به جميع من أمده في غيه، وظاهره على سوء سعيه، وبعث إلينا برؤوسهم فنصبت بمسور غدرها، وقلدت لبة تلك البنية بشذرها، وأصبحت عبرة للمعتبرين، وآية للمستبصرين، وأحق الله الحق بكلماته وقطع دابر الكافرين.
وعدنا إلى أريكة ملكنا كما رجع القمر إلى بيته، بعد كيته وكيته، أو العقد إلى جيده، بعد انتثار فريده، أو الطير إلى وكره، مفلتاً من غول الشرك ومكره، ينظر الناس إلينا بعيون لم ترو مذ غبنا من محيا رحمة، ولا باتت للسياسة ذمة، ولا ركنت لدين ولا همة، فطوينا بساط العتاب طي الكتاب، وعاجلنا سطور المؤاخذة بالاضطراب، وآنسنا نفوس أولي الاقتراب بالاقتراب، وسهلنا النفوس إلينا، واستغفرنا الله لنفسنا ولمن جنى علينا، فلا تسألوا عما أثار ذلك من استدراك ندم، ورسوخ قدم، واستمتاع بوجود بعد عدم، فسبحان الذي يمحص ليثيب، ويأمر بالدعاء ليجيب، وينبه من الغفلة ويهيب، ويجتبي إليه من يشاء ويهدي
إليه من ينيب.
ورأينا أن نطالع علومكم الشريفة بهذا الواقع تسبيباً للمفاتحة المعتمدة، وتمهيداً للموالاة المجددة، فأخبار الأقطار مما تنفقه الملوك على أسمارها، وترقم ببدائعه هالات أقمارها، وتستفيد منه حسن السير، ولا أمان من الغير، وتستعين على الدهر بالتجارب، وتستدل بالشاهد على الغائب، وبلادكم ينبوع الخير وأهله، ورواق الإسلام الذي يأوي قريبه وبعيده إلى ظله، ومطلع نور الرسالة، وأفق الرحمة المنثالة، منه تقدم علينا الكواكب تضرب آباط أفلاكها، وتتخلل مداريها المذهبة غدائر أحلاكها، وتستعلي البدور، ثم يعوها إلى المغرب الحدور، وتطلع الشمس متجردة من كمائم ليلها، متهادية في دركات ميلها، ثم تسحب إلى الغروب فضل ذيلها، ومن تلقائكم ورد العلم والعمل، وأرعي الهمل.
فنحن نستوهب من مظان الإجابة لديكم دعاء يقوم لنا مقام المدد، ويعدل منه بالمال والعدد، ففي دعاء المؤمن بظهر الغيب ما فيه مما ورد، وإياه سبحانه نسأل أن يدفع عنا وعنكم دواعي الفتن، وغوائل المحن، ويحملنا على سنن السنن، ويلبسنا من تقواه أوقى الجنن، وهو سبحانه يصل لأبوتكم ما تستقل لدى قاضي القضاة رسومه، فتكتب حقوقه وتكتب خصومه، ولا تكلفه الأيام ولا تسومه، بفضل الله وعزته، وكره ومنته، والسلام الكريم الطيب المبارك بدءاً من عود، وجوداً إثر جود، ورحمة الله تعالى وبركاته؛ انتهى.
وللسان الدين ابن الخطيب ﵀ عن سلطانه المذكور كتاب آخر في هذه الكائنة إلى كبير الموحدين أبي محمد عبد الله بن تفراجين، ولعلنا نذكره إن
شاء الله تعالى في الباب الخامس من هذا القسم، عند تعرضنا لبعض نثر لسان الدين رحمه الله تعالى.
[نقل عن ابن خلدون في خلع الغني]
وقد ساق هذه القضية قاضي القضاة الشهير الكبير ولي الدين عبد الرحمن ابن خلدون الحضرمي رحمه الله تعالى في تاريخه الكبير في ترجمة السلطان الشهير أبي سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني صاحب المغرب مما نصه: الخبر عن خلع ابن الأحمر صاحب غرناطة ومقتل رضوان ومقدمه على السلطان: لما هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة ونصب ابنه محمد للأمر واستبد عليه رضوان مولى أبيه، وكان قد رشح ابنه الأصغر إسماعيل بما ألقى عليه وعلى أمه من محبته، فلما عدلوا بالأمر عنه حجبوه ببعض قصورهم، وكان له صهر من ابن عمه محمد بن إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد، فكان يدعوه سراً إلى القيام بأمره، حتى أمكنته فرصة في الدولة بخروج السلطان إلى بعض منتزهاته في رياضه، فصعد سور الحمراء ليلة سبع وعشرين لرمضان من سنة ستين في أوشاب جمعهم من الطغام لثورته، وعمد إلى دار الحاجب رضوان، فاقتحم عليه الدار وقتله بين حرمه وبناته وقربوا إلى إسماعيل فرسه وركب، فأدخلوه القصر وأعلنوا بيعته، وقرعوا طبولهم بسور الحمراء، وفر السلطان من مكانه بمنتزهه، فلحق بوادي آش، وغدا الخاصة والعامة على إسماعيل فبايعوه، واستبد عليه هذا الرئيس ابن عمه فخلعه لأشهر من بيعته، واستقل بسلطان الأندلس. ولما لحق السلطان أبو عبد الله محمد بوادي آش بعد مقتل حاجبه رضوان، واتصل الخبر بالمولى السلطان أبي سالم، امتعض لمهلك رضوان وخلع السلطان رعياً لما سلف له في جوارهم، وأزعج لحينه أبا القاسم الشريف
من أهل مجلسه لاستقدامه، فوصل إلى الأندلس، وعقد مع أهل الدولة على إجازة المخلوع من وادي آش إلى المغرب، وأطلق من اعتقالهم الوزير الكاتب أبا عبد الله ابن الخطيب كانوا اعتقلوه لأول أمرهم لما كان رديفاً للحاجب رضوان وركناً لدولة المخلوع، فأوصى المولى أبو سالم إليهم بإطلاقه، فأطلقوه، ولحق مع الرسول أبي القاسم الشريف بسلطانه المخلوع بوادي آش للإجازة إلى المغرب، وأجاز لذي العقدة من سنته، وقدم على السلطان بفاس، وأجل قدومه، وركب للقائه، ودخل به إلى مجلس ملكه، وقد احتفل ترتيبه، وغص بالمشيخة والعلية، ووقف وزيره ابن الخطيب فأنشد السلطان قصيدته الرائية يستصرخه لسلطانه، ويستحثه لمظاهرته على أمره، واستعطف واسترحم بما أبكى الناس شفقة له ورحمة، ثم سرد ابن خلدون القصيدة، وقد تقدمت.
ثم قال بعد ما صورته: ثم انفض المجلس وانصرف ابن الأحمر إلى نزله، وقد فرشت له القصور، وقربت الجياد بالمراكب الذهبية، وبعث إليه بالكسا الفاخرة، ورتبت الجرايات له ولمواليه من المعلوجي بطانته من الصنائع، وحفظ عليه رسم سلطانه في الراكب والراجل، ولم يفقد من ألقاب ملكه إلا الآلة أدباً مع السلطان، واستقر في جملته إلى أن كان من لحاقه بالأندلس، وارتجاع ملكه سنة ثلاث وستين ما نحن نذكره؛ انتهى المقصود جلبه من كلام ابن خلدون في هذه الواقعة، وفيه بعض مخالفة لكلام لسان الدين السابق في اللمحة البدرية، إذ قال فيها: إن الثورة عليهم كانت ليلة ثمان وعشرين من رمضان، وابن خلدون جعلها ليلة سبع وعشرين منه، والخطب سهل، وقال في اللمحة إن انصرف السلطان من وادي آش كان ثاني يوم النحر، وقال ابن خلدون في ذي القعدة، ولعله غلط من الكتاب حيث جعل مكان الحجة القعدة.
ورائية إن الخطيب التي ذكرها هي من حر كلامه وغرر شعره، على
أنه كله غرر، إذ جمع فيها المطلوب في ذلك الوقت بأبدع لفظ وأحسن عبارة في ذلك المحفل العظيم، ولم نزل نسمع في المذاكرات بالمغرب لما انتهى فيها إلى قوله فقد أنجح المسعى وقد ربح التجر قال له بعض من حضر ولعله أراد الغض منه: أحسنت يا وزير فيما قلت، وفي وصف الحال والسلطان، غير أنه بقي عليك شيء، هو ذكر قرابة السلطان موالينا بني مرين وهم من هم، ولا ينبغي السكوت عنهم فارتجل ابن الخطيب حينئذ قوله ومن دون ما تبغيه - إلى آخره حتى تخلص لمدح بني مرين أقارب السلطان بما لا مرمى وراءه، ثم قال بعد ذلك معتذراً أمولاي غاضت فكرتي - إلى آخره " وهذا أن صح أبلغ مما وقع لأبي تمام في سينيته حيث قال لا تنكروا ضربي له - البيتين لأن أبا تمام ارتجل بيتين فقط، ولسان الدين ارتجل تسعة عشر بيتاً، مع ما هو عليه من الخروج عن الوطن وذهاب الجاه والمال، فأين الحال من الحال
وقد كرر ابن خلدون رحمه الله تعالى في تاريخه قضية اعتقال لسان الدين وخلع سلطانه في موضع آخر، ولذكره إن سبق بعضه لاشتماله على منشأ الوزير لسان الدين، وجملة من أحواله إلى قريب من مهلكه، فنقول: قال رحمه الله تعالى بعد ذكره عبد الله والد لسان الدين وأنه انتقل من لوشة إلى غرناطة، واستخدم لملوك بني الأحمر، واستعمل على مخازن الطعام، ما محصله: ونشأ ابن محمد هذا، يعني لسان الدين ابن الخطيب، بغرناطة، وقرأ وتأدب على مشيختها، واختص بصحبة الحكيم المشهور يحيى بن هذيل، وأخذ عنه العلوم الفلسفية، وبرز في الطب، وانتحل الأدب وأخذ عن أشياخه، وامتلأ من حول اللسان نظمه ونثره، مع انتقاء الجيد منه، ونبغ في الشعر الترسيل بحيث لا يجارى فيهما،
وامتدح السلطان أبا الحجاج من ملوك بني الأحمر لعصره، وملأ الدنيا بمدائحه، وانتشرت في الآفاق، فرقاه السلطان إلى خدمته، وأثبته في ديوان الكتاب ببابه مرؤوساً بأبي الحسن ابن الجياب شيخ العدوتين في النظم والنثر وسائر العلوم الأدبية، وكاتب السلطان بغرناطة من لدن أيام محمد المخلوع من سفله عندما قتل وزيره محمد بن الحكيم المستبد عليه، فاستبد ابن الخطيب برياسة الكتاب ببابه مثناة بالوزارة ولقبه بها، فاستقل بذلك، وصدرت عنه غرائب من الترسيل في مكاتبات جيرانهم من ملوك العدوة، ثم داخله السلطان في تولية العمال على يده بالمشارطات فجمع له بها أموالاً وبلغ به في المخالصة إلى حيث لم يبلغ بأحد ممن قبله، وسفر عنه إلى السلطان أبي عنان ملك بني مرين بالعدوة معزياً بأبيه السلطان أبي الحسن فجلى في أغراض سفارته، ثم هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة، عدا عليه بعض الزعانف في سجوده للصلاة، وطعنه فأشواه، وفاظ لوقته، وتعاورت سيوف المالي المعلوجي هذا القاتل، فمزقوه أشلاء، وبويع ابن محمد لوقته، وقام بأمره مولاهم رضوان الراسخ القدم في قادة عساكرهم وكفالة الأصاغر من ملوكهم، واستبد بالدولة، وأفرد ابن الخطيب بوزارته كما كان لأبيه، وجعل ابن الخطيب رديفاً لرضوان في أمره، ومشاركاً في استبداده معه، فجرت الدولة على أحسن حال وأقوم طريقة، ثم بعثوا الوزير ابن الخطيب سفيراً إلى السلطان أبي عنان مستمدين منه الطاغية على عاداتهم مع سلفه فلما قدم على السلطان ومثل بين يديه تقدم الوفد الذين معه من وزراء الأندلس وفقهائها واستأذنه في إنشاد شعر قدمه بين يدي نجواه، فأذن له، وأنشد وهو قائم:
خليفة الله ساعد القدرعلاك ما لاح في الدجى قمر
ودافعت عنك كف قدرتهما ليس يسطيع دفعه البشر
وجهك في النائبات بدر دجىلنا وفي المحل كفك المطر
والناس طراً بأرض أندلسلولاك ما أوطنوا ولا عمروا
وجملة الأمر أنه وطنفي غير علياك ما له وطر
ومن به مذ وصلت حبلهمما جحدوا نعمة ولا كفروا
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع