تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الثالث في ذكر مشايخه الجلة، هداة الناس ونجوم الملة، وما يتعلق بذلك من الأخبار (٣)

جمع فأوعى، واستوهب أكثر المشاهير وما سعى، فهو المقيم الظاعن، الضارب القاطن، سألني عن الفرق بين علم الجنس واسم الجنس، فقلت له: زعم الخسر وشاهي أنه ليس بالديار المصرية من يعرفه غيره، وأنا أقول: ليس في الدنيا عالم إلا وهو يعلمه غيره؛ لأنه حكم لفظي أوجب تقديره المحافظة على ضبط القوانين كعدل عمر ونحوه، فاستحسن ذلك.

وكان ينكر إضافة الحول إلى الله ﷿، فلا يجيز أن يقال بحول الله وقوته قال: لأنه لم يرد إطلاقه، والمعنى يقتضي امتناعه؛ لأن الحول كالحيلة أو قريب منها.

وتوفي بتونس أيام الوباء العام.

ومنهم الفقيه المحقق الفرضي المدقق أبو عبد الله محمد بن سليمان بن

علي السطي قرأت عليه كتاب الحوفي علماً وعملاً، قال لي في قول ابن الحاجب والثمن الثلث والسدس من أربعة وعشرين: هذا لا يصح؛ إذ لا يجتمع الثلث والثمن في فريضة، وقد سبقه إلى هذا الوهم صاحب المقدمات، وسألت عنه ابن النجار فقال لي: إنما أراد المقام لأنه يجتمع مع الثلثين، والإنصاف أنه لا يحسن التعبير بما لا تصح إرادة نفسه عن غيره، فكان الوجه أن يقول: والثلثان أو مقام الثلث، ونحو ذلك، لأن الثلث إنما يدخل هنا تقديراُ لا تحقيقاً كما في الجواهر، وانظر باب المدبر من كتاب الحوفي، فإن فيه موافقة السبعة لعدد لا توافقه فهو من باب الفرض، وعليه ينبغي أن يحمل كلام ابن الحاجب.

ومنهم الأستاذ أبو عبد الله الرندي، والقاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرزاق الجزولي، والقاضي أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي يحيى، في كثير من الخلق، فلنضرب عن هذا.

ومن شيوخي الصلحاء الذين لقيت بها خطيبها الشيخ أبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن علي الخياط، أدرك أبا إسحاق الطيار، وقد صافحته وأنا صغير، لأنه توفي سنة تسع وعشرين، بمصافحته أباه، بمصافحته الشيخ أبا تميم، بمصافحته أبا مدين، بمصافحته أبا الحسن ابن حرزهم، بمصافحته ابن العربي، بمصافحته الغزالي، بمصافحته أبا المعالي، بمصافحته أبا طالب المكي، بمصافحته أبا محمد الجريري، بمصافحته الجنيد، بمصافحته سرياً، بمصافحته معروفاً، بمصافحته داود الطائي، بمصافحته حبيباً العجمي، بمصافحته الحسن البصري، بمصافحته علي بن أبي طالب، بمصافحته رسول الله ﷺ.

ومنهم خطيبها المصقع أبو عبد الله محمد بن علي بن الجمال، أدرك محمد بن رشيد البغدادي صاحب الزهر والوتريات على حروف المعجم والمذهبة وغيرها، حدثني عنه أنه تاب بين يديه لأول مجلس جلسه بتلمسان سبعون رجلاً.

، - ومنهم الشقيقان الحاجان الفاضلان أبو عبد الله محمد، وأبو العباس أحمد، ابنا ولي الله أبي عبد الله محمد بن محمد بن أبي بكر ابن مرزوق العجيسي.

كساني محمد خرقة التصوف بيده، كما كساه إياها الشيخ بلال بن عبد الله الحبشي خادم الشيخ أبي مدين، كما كساه أبو مدين، قال محمد بن مرزوق: وكان مولد بلال سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وخدم أبا مدين نحواً من خمسة عشر عاماً، إلى أن توفي عام تسعين وخمسمائة، ثم عاش بعده أكثر من مائة سنة، ولبس أبو مدين من يد ابن حرزهم، ولبس ابن حرزهم من يد ابن العربي، واتصل اللباس اتصال المصافحة.

ومنهم أبو زيد عبد الرحمن بن يعقوب بن علي الصنهاجي المكتب، حدثنا عن قاضيها أبي زيد عبد الرحمن بن علي الدكالي أنه اختصم عنده رجلان في شاة ادعى أحدهما أنه أودعها الأخر، وادعى الآخر أنها ضاعت منه، فأوجب اليمين على المودع عنده، أنها ضاعت من غير تضييع، فقال: كيف أضيع وقد شغلتني حراستها عن الصلاة حتى خرج وقتها فحكم عليه بالغرم، فقيل له في

ذلك، فقال تأولت قول عمر ومن ضيعها لما سواها أضيع.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد الغزموني، مكتبي الأول، ووسيلتي إلى الله ﷿، قرأ على الشيخين أبي عبد الله القصري وأبي حريث وحج حجات، وكان عقد بقلبه أنه كلما ملك مائة دينار عيوناً سافر إلى الحج، وكان بصيراً بتعبير الرؤيا، فمن عجائب شأنه فيه أنه كان في سجن أبي يعقوب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق فيمن كان فيه من أهل تلمسان أيام محاصرته لها، فرأى أبو جمعة ابن علي التلالسي الجرائحي منهم كأنه قائم على سانية دائرة وجميع قواديسها يصب في نقير وسطها، فجاء ليشرب، فلما اغترف الماء إذا فيه فرث ودم فأرسله، ثم اغترف فإذا هو كذلك، ثلاثاً أو أكثر، فعدل عنه، فرأى خصة ماء وشرب منها، ثم استيقظ وهو النهار فأخبره، فقال: أن صدقت رؤياك فنحن عما قليل خارجون من هذا المكان، قال: كيف قال: السانية والزمان، والنقير السلطان، وأنت جرائحي تدخل يدك في جوفه فينالها الفرث والدم، وهذا الذي لا تحتاج معه، فلم يكن إلا ضحوة الغد، وإذا النداء عليه، فأخرج فوجد السلطان مطعوناً بخنجر، فأدخل يده فنالها الفرث والدم، فخاط جراحته، ثم خرج، فرأى خصة ماء فغسل يديه وشرب، ثم لم يلبث السلطان أن توفي وسرحوا.

وتعداد أهل هذه الصفة يكثر، فلنصفح عنهم، ولنختم فصل من لقيه

بتلمسان بذكر رجلين هما بقيد الحياة أحدهما عالم الدنيا، والآخر نادرتها.

أما العالم فشيخنا ومعلمنا العلامة أبو عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري الآبلي، التلمساني، سمع جده لأمه أبا الحسين ابن غلبون المرسي القاضي بتلمسان، وأخذ عن فقهائها أبي الحسين التنسي وابني الإمام، ورحل في آخر المائة السابعة فدخل مصر والشام والحجاز والعراق، ثم قفل إلى المغرب فأقام بتلمسان مدة، ثم فر أيام أبي حمو موسى بن عثمان إلى المغرب.

حدثني أنه لقي أبا العباس أحمد بن إبراهيم الخياط شقيق شيخنا أبي عثمان المتقدم ذكره، فشكا له ما يتوقعه من شر أبي حمو، فقال له: عليك بالجبل، فلم يدر ما قال، حتى تعرض له رجل من غمارة، فعرض عليه الهروب به، قال: فخفت أن يكون أبو حمو قد دسه علي، فتنكرت له، فقال لي: إنما أسير بك على الجبل، فتذكرت قول أبي إسحاق، فوطأته، وكان خلاصي على يده، قال: ولقد وجدت العطش في بعض مسيري به، حتى غلظ لساني واضطربت ركبتاي، فقال لي: أن جلست قتلتك حتى لا أفتضح بك، فكنت أقوي نفسي، فمر على بالي في تلك الحالة استسقاء عمر بالعباس، وتوسله به، فوالله ما قلت شيئاً حتى رفع لي غدير ماء، فأريته إياه، فشربنا ونهضنا.

ولما دخل المغرب أدرك أبا العباس ابن البناء، فأخذ عنه، وشافه كثيراً من علمائه، قال لي: قلت لأبي الحسن الصغير: ما قولك في المهدي فقال: عالم سلطان، فقلت له: قد أبنت عن مرادي. ثم سكن جبال الموحدين، ثم رجع إلى فاس، فلما افتتحت تلمسان لقيته بها، فأخذت عنه، فقال لي الآبلي:

كنت يوماً مع القاسم بن محمد الصنهاجي، فوردت عليه طومارة من قبل القاضي أبي الحجاج الطرطوشي فيها:

خيرات ما تحويه مبذولةومطلبي تصحيف مقلوبها فقال لي: ما مطلبه فقلت: نارنج

دخل على الآبلي وأنا عنده بتلمسان الشيخ أبو عبد الله الدباغ المالقي المتطبب فأخبرنا أن أديباً استجدى وزيراً بهذا الشطر:

ثم حبيب قلما ينصففأخذته فكتبته، ثم قلبته وصحفته، فإذا هو: قصبتا ملف شحمي

ومر الدباغ يوماً علينا بفاس، فدعاه الشيخ، فلباه، فقال: حدثنا بحديث اللظافة، فقال: نعم، حدثني أبو زكريا ابن السراج الكاتب بسلجمانة أن أبا إسحاق التلمساني وصهره مالك بن المرحل، وكان ابن السراج قد لقيهما، اصطحبا في مسير، فآواهما الليل إلى مشجر، فسألا عن طالبه، فدلا، فاستضافاه، فأضافهما، فبسط قطيفة بيضاء، ثم عطف عليهما بخبز ولبن، وقال لهما. استعملا من هذه اللظافة حتى يحضر عشاؤكما، وانصرف، فتحاورا في اسم اللظافة لأي شيء هو منهما حتى ناما، فلم يرع أبا إسحاق إلا مالك يوقظه ويقول: قد وجدت اللظافة، قال: كيف قال: أبعدت في طلبها حتى وقعت بما لم يمر قط على مسمع هذا البدوي فضلاً عن أن يراه، ثم رجعت القهقرى حتى وقعت على قول النابغة:

بمخضب رخص كأن بنانه ... عنم يكاد من اللطافة يعقد فسنح لبالي أنه وجد اللطافة، وعليها مكتوب بالخط الرقيق اللين، فجعل

إحدى النقطتين للطاء فصارت اللطافة اللظافة واللين اللبن وإن كان قد صحف عنم بغنم، وظن أم يعقد جبن، فقد قوي عنده الوهم، فقال أبو إسحاق: ما خرجت عن صوابه، فلما جاء سألاه، فأخبر أنها اللبن، واستشهد بالبيت كما قال مالك.

ولا تعجب من مالك فقد ورد فاساً شيخنا أبو عبد الله بن يحيى الباهلي عرف بابن المسفر، رسولاً عن صاحب بجاية، فزاره الطلبة، فكان فيما حدثهم أنهم كانوا على زمان ناصر الدين يستشكلون كلاماً وقع في تفسير سورة الفاتحة من كتاب فخر الدين، ويستشكله الشيخ معهم، وهذا نصه: ثبت في بعض العلوم العقلية أن المركب مثل البسيط في الجنس، والبسيط مثل المركب في الفصل، وأن الجنس أقوى من الفصل، فرجعوا به إلى الشيخ الآبلي، فتأمله ثم قال: هذا كلام مصحف، وأصله أن المركب قبل البسيط في الحس، والبسيط قبل المركب في العقل، وأن الحس أقوى من العقل، فأخبروا ابن المسفر، فلج، فقال لهم الشيخ: التمسوا النسخ، فوجدوه في بعضها كما قال الشيخ، والله يؤتي فضله من يشاء.

قال لي الآبلي: لما نزلت تازت بت مع أبي الحسن ابن بري وأبي عبد الله الترجالي، فاحتجت إلى النوم، وكرهت قطعهما عن الكلام، فاستكشفتهما عن معنى هذا البيت للمعري:

أقول لعبد الله لما سقاؤنا ... ونحن بوادي عبد شمس وهاشم فجعلا يفكران فيه، فنمت حتى أصبحا، ولم يجداه، فسألاني عنه، فقلت: معناه أقول لعبد الله لما وهى سقاؤنا، ونحن بوادي عبد شمس: شم لنا برقاً.

قلت: وفي جواز مثل هذا نظر.

سمعت الآبلي يقول: دخل قطب الدين الشيرازي والدبيران على أفضل الدين الخونجي ببلده، وقد تزيا بزي القونوية، فسأله أحدهما عن مسألة، فأجابه، فتعايا على الفهم، وقرب التقرير، فتعايا، فقال الخونجي متمثلاً:

علي نحت المعاني من معادنها ... وما علي لكم أن تفهم البقر فقال له: ضم التاء يا مولانا، فعرفهما، فحملهما إلى بيته.

قلت: سمعت الشيخ شمس الدين الأصبهاني بخانقاه قوصون بمصر يقول: إن شيخه القطب توفي عام أحد عشر وسبعمائة، وله سبع وسبعون سنة، وهذا يضعف هذه الحكاية عندي.

سمعت الآبلي يقول: إن الخونجي ولي قضاء مصر بعد عز الدين بن عبد السلام، فقدم شاهداً كان عز الدين أخره، فعذله في ذلك، فقال: إن مولانا لم يذكر السبب الذي رفع يده من أجله، وهو الآن غير متمكن من ذكره.

سمعت الشيخ الآبلي يحدث عن قطب الدين القسطلاني أنه ظهر في المائة السابعة من المفاسد العظام ثلاث: مذهب بان سبعين، وتملك الططر للعراق، واستعمال الحشيشة.

سمعت الآبلي يقول: قال أبو المطرف ابن عميرة:

فضل الجمال على الكمال بوجههفالحق لا يخفى على من وسطه
وبطرفه سقم وسحر قد أتىمستظهراً بهما على ما استنبطه
عجباً له برهانه بشروطهمعه فما مقصوده بالسفسطة قال: فأجابه أبو القاسم ابن الشاط فقال:
علم التباين في النفوس وأنهامنها مغلطة وغير مغلطه
فئة رأت وجه الدليل وفرقةأصغت إلى الشبهات فهي مورطه
فأراد جمعهما معاً في ملكههذي بمنتجة وذي بمغلطه

يعني قولهم في التام: هو ما تحمل فيه البرهان الفصل.

وأخبار الآبلي وأسمعتي منه تحتمل كتاباً، فلنقف على هذا القدر منها.

وأما النادرة فأبو عبد الله [محمد] بن أحمد بن شاطر الجمحي المراكشي، صحب أبا زيد الهزميري كثيراً، وأبا عبد الله ابن تجلات، وأبا العباس ابن البناء وأضرابه من المراكشيين ومن جاورهم، ورزق بصحبة الصالحين حلاوة القبول، فلا تكاد تجد من يستثقله، وربما سئل عن نفسه فيقول: ولي مفسود.

قلت له يوماً: كيف أنت فقال: محبوس في الروح؛ وقال: الليل والنهار حرسيان: أحدهما أسود، والآخر أبيض، وقد أخذا بمجامع الخلق يجرانهم إلى يوم القيامة، وإن مردنا إلى الله تعالى.

وسمعته يقول: المؤذنون يدعون أولياء الله إلى بيته لعبادته، فلا يصدهم عن دعائهم ظلمة ولا شتاء ولا طين، ويصرفونهم عن الاشتغال بما لم يبين لهم فيخرجونهم ويغلقون الأبواب دونهم.

ووجدته ذات يوم في المسجد ذاكراً، فقلت له: كيف أنت فقال: ﴿فهم في روضة يحبرون﴾ (الروم:) فهممت بالانصراف، فقال: أين تذهب من روضة من رياض الجنة يقام بها على رأسك بهذا التاج وأشار إلى المنار مملوءاً الله أكبر.

مر ابن شاطر يوماً على أبي العباس أحمد بن شعيب الكاتب وهو جالس

في جامع الجزيرة، طهره الله تعالى، وقد ذهبت به الكفرة، فصاح به، فلما رفع رأسه إليه قال له: انظر إلى مركب عزرائيل هذا، وأشار إلى نعش هنالك، قد رفع شراعه ونودي عليه الطلوع يا غزي.

وأكل يوماً مع أبي القاسم عبد الله بن رضوان الكاتب جلجلاناً، قال له أبو القاسم: إن في هذا الجلجلان لضرباً من طعم اللوز، فقال ابن شاطر: وهل الجلجلان إلا لوزة دقة

وسئل عن العلة في نضارة الحداثة، فقال: قرب عهدها بالله، فقيل له: فمم تغير الشيوخ فقال: من بعد العهد من الله، وطول الصحبة مع الشياطين، فقيل له: فبخر أفواههم فقال: من كثرة ما تفل الشياطين فيها.

وكان يسمى الصغير: فأر المصطكي، قال لي ابن شاطر: لقيت عمي ميموناً المعروف بدبير لقرب موته وقد اصفر وجهه وتغيرت حالته، فقلت له: ما بالك وكان قد خدم الصالحين ورزق بذلك القبول، فقال: انسدت الزربطانة فطلع، يعني العذرة، يشير إلى الاحتقان للطبيعة.

أنشدني ابن شاطر قال: أنشدني أبو العباس ابن البناء لنفسه:

قصدت إلى الوجازة في كلاميالأبيات

وأخبار ابن شاطر عندي تحتمل كراسة، فلنقنع منها بهذا القدر.

فصل: ولما دخلت تلمسان على بني عبد الواد تهيأ لي السفر منها، فرحلت

إلى بجاية، فلقيت بها أعلاماً درجوا فأمست بعدهم خلاء بلقعاً.

فمنهم الفقيه أبو عبد الله محمد بن يحيى الباهلي، عرف بابن المسفر، باحثته واستفدت منه، وسألني عن اسم كتاب الجوهري فقلت له: من الناس من يقول الصحاح بالكسر ومنهم من يفتح، فقال: إنما هو بالفتح بمعنى الصحيح، كما ذكره في باب صح، قلت: ويحتمل أن يكون مصدر صح كحنان.

وكتب إلى بعض أصحابه بجواب رسالة صدره بهذين البيتين:

وصلت صحيفتكم فهزت معطفيفكأنما أهدت كؤوس القرقف

وكأنها نيل الأمان لخائف ... أو وصل محبوب لصب مدنف ومنهم قاضيها أبو عبد الله محمد ابن الشيخ أبي يوسف يعقوب الزواوي، فقيه ابن فقيه، كان يقول: من عرف ابن الحاجب اقرأ به المدونة، قال: وأنا أقرأ به المدونة.

ومنهم أبو علي حسين بن حسين إمام المعقولات بعد ناصر الدين.

ومنهم خطيبها أبو العباس أحمد بن عمران، وكان قد ورد تلمسان وأورد بها على قول ابن الحاجب في حد العلم " صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض " الخاصة إلا أن يزاد في الحد " لمن قامت به " لأنها إنما توجب فيه تميزاً لا تمييزاً، وهذا حسن.

، - ومنهم الشيخان أبو عزيز وأبو موسى ابن فرحان، وغيرهم من أهل عصرهم.

ثم رحلت إلى تونس فلقيت بها قاضي الجماعة وفقيهها أبا عبد الله ابن عبد السلام، فحضرت تدريسه، وأكثرت مباحثته، ولما نزلت بظاهر قسمطينة تلقاني رجل من الطلبة، فسألني عن هذه الآية ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (المائدة:) فإن ظاهرها أن الجزاء هو الشرط: أي وإن لم تبلغ فما بلغت، وذلك غير مفيد، فقلت: بل هو مفيد، أي: وإن لم تبلغ في المستقبل لم ينفعك تبليغك في الماضي، لارتباط أول الرسالة بآخرها، كالصلاة ونحوها، بدليل قصة يونس، فعبر بانتفاء ماهية التبليغ عن انتفاء المقصود منه، إذ كان إنما يطلب ولا يعتبر بدونه، كقوله ﵊ " لا صلاة إلا بطهور "، ثم اجتمعت بابن عبد السلام بجامع بوقير من تونس، فسألته عن ذلك، فلم يزد على أن قال: هذا مثل قوله ﵊ " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله " وقد علمتم مل قال الشيخ تقي الدين فيه. قلت: كلام تقي الدين لا يعطي الجواب عن الآية، فتأمله.

وقاضي المناكح أبا محمد الأجمي، وهو حافظ فقهائها في وقته، والفقيه أبا عبد الله ابن هارون شارح ابن الحاجب في الفقه والأصول، والخطيب أبا عبد الله ابن عبد الستار، وحضرت تدريسه بمدرسة المعرض، والعلامة أبا عبد الله ابن الجياب الكاتب، والفقيه أبا عبد الله ابن سلمة، والشيخ الصالح أبا الحسن المنتصر وارث طريقة الشيخ أبي محمد المرجاني آخر المذكورين بإفريقية، ورأيت الشيخ ابن الشيخ المرجاني، فحدثني أبو موسى ابن الإمام أنه أشبه به من الغراب بالغراب، وسيدي أبا عبد الله الزبيدي المتقدم ذكره، وأوقفني على خطأ في كتاب الصحاح، وذلك أنه زعم أن السالم جلدة ما بين العين والأنف، قال: وفيه يقول ابن عمر في ابنه سالم:

يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين الأنف والعين سالم قال: وهذا أراد عبد الملك حيث كتب إلى الحجاج " أنت مني كسالم " وهذا خطأ فاحش، وكان يلزمه أن يسميها بالعمارة أيضاً، لقوله ﵇ " عمارة جلدة ما بين عيني وأنفي " وإنما يراد بمثل هذا القرب والتحمد.

ولقيت بتونس غير واحد من العلماء والصلحاء يطول ذكرهم، ثم قفلت إلى المغرب يسايرني رجل من أهل قسنطينة يعرف بمنصور الحلبي، فما لقيت رجلاً أكثر أخباراً ولا أظرف نوادر منه، فما حفظته من حديثه أن رجلاً من الأدباء مر برجل من الغرباء، وقد قام بين ستة أطفال، جعل ثلاثة عن يمينه وثلاثة عن شماله، وأخذ ينشد:

ما كنت أحسب أن أبقى كذا أبداًأعيش والدهر في أطرافه حتف

ساس بستة أطفال توسطهم ... شخصي كأحرف ساس وسطها ألف قال: فتقدمت إليه وقلت: فأين تعريقة السين فقال: طالب ورب الكعبة، ثم قال للآخر من جهة يمينه: قم، فقام يجر رجله كأنه مبطول، فقال: هذا تمام تعريقة السين.

ثم رحلت من تلمسان إلى المغرب، فلقيت بفاس الشيخ الفقيه الحاج أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحيم اليزناسي، والشيخ الفقيه أبا محمد عبد المؤمن الجاناتي، والشيخ الفقيه الصالح أبا زرهون عبد العزيز بن محمد القيرواني، والفقيه أبا الضياء مصباح بن عبد الله اليالصوني، وكان حافظ وقته، والفقيه أبا عبد الله ابن عبد الكريم، وشيخ الشيوخ أبا زيد عبد الرحمن بن عفان الجزولي، والأستاذ أبا العباس المكناسي، وكنت لقيت الأستاذ أبا العباس ابن

حزب الله، والأستاذ أبا عبد الله ابن القصار بتلمسان، ولقيت غير هؤلاء ممن يكثر عددهم، وكنت قد لقيت بتازى الفقيه أبا عبد الله ابن عطية، والأستاذ أبا عبد الله المجاصي، والشيخ أبا الحسين الجيار، وغيرهم.

ثم بلغت بالرحلة إلى أغمات، ثم وصلت إلى سبتة، فاستوعبت بلاد المغرب ولقيت بكل بلد من لا بد من لقائه من علمائه وصلحائه، ثم قفلت إلى تلمسان فأقمت بها ما شاء الله تعالى، ثم أعملت الرحلة إلى الحجاز، فلقيت بمصر الأستاذ أثير الدين أبا حيان الغرناطي، فرويت عنه، واستفدت منه وشمس الدين الأصبهاني الآخر، وشمس الدين بن عدلان، وقرأ علي بعض شروحه لكتب المزني، وناولني إياه، وشمس الدين بن اللبان آخر المذكورين بها، والشيخ الصالح أبا محمد المنوفي فقيه المالكية بها، وتاج الدين التبريزي الأصم، وغيرهم ممن يطول ذكرهم.

ثم حججت فلقيت بمكة إمام الوقت أبا عبد الله ابن عبد الرحمن التوزري المعروف بخليل، وسألته يوم النحر حين وقف بالمشعر الحرام عن بطن محسر لأحرك فيه على الجمل، فقال لي: تمالأ الناس على ترك هذه السنة، حتى نسي بتركها محلها، والأقرب أنه هذا، وأشار إلى ما يلي الجابية التي على يسار المار من المشعر إلى منى من الطريق من أول ما يحاذيها إلى أن يأخذ صاعداً إلى منى، وما رأيت أعلم بالمناسك منه، والإمام أبا العباس ابن رضي الدين الشافعي، وغير واحد من الزائرين والمجاورين وأهل البلد.

وبالمدينة أعجوبة الدنيا أبا محمد عبد الوهاب الجبرتي وغيره.

ثم أخذت على الشام، فلقيت بدمشق شمس الدين بن قيم الجوزية صاحب الفقيه ابن تيمية، وصدر الدين الغماري المالكي، وأبا القاسم ابن محمد اليماني الشافعي، وغيرهم، وببيت المقدس الأستاذ أبا عبد الله ابن مثبت، والقاضي شمس الدين بن سالم، والفقيه المذكر أبا عبد الله ابن عثمان، وغيرهم.

ثم رجعت إلى المغرب فدخلت سجلماسة ودرعة، ثم قطعت إلى الأندلس فدخلت الجبل وأصطبونة ومربلة ومالقة وبلش والحامة، وانتهت بي الرحلة إلى غرناطة، وفي علم الله تعالى ما لا أعلم، وهو المسؤول أن يحملنا على الصراط الأقوم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؛ انتهى كلام جدي رحمه الله تعالى في الجزء الذي ألفه في مشيخته، وقد لخصه لسان الدين في الإحاطة.

[ترجمة المقري بقلم ابن خلدون]

ولنذكر هنا زيادات لا بأس بها، فنقول: ولما ألم ولي الدين ابن خلدون بذكر مولاي الجد في تاريخه الكبير عند تعريفه بنفسه وصفه بأنه كبير علماء المغرب ونص محل الحاجة من تاريخه: لما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة أربع وثمانين أقمنا في البحر نحواً من أربعين ليلة، ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر، ولعشر ليال من جلوس الملك الظاهر على التخت واقتعاد كرسي الملك دون أهله بني قلاوون، وكنا على ترقب ذلك لما كان يؤثر بقاصية البلاد

من سموه لذلك وتمهيده له، وأقمت بإسكندرية شهراً لتهيئة أسباب الحج، ولم يقدر عامئذ، فانتقلت إلى القاهرة أول ذي القعدة، فرأيت حضرة الدنيا، وبستان العالم، محشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في أوجه، وتزهو والخوانق المدارس بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه، وقد مثل بشاطئ بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء يسقيهم النهل والعلل سيحه، ويجبي إليهم الثمرات والخيرات ثبجه، ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة وأسواقها تزخر بالنعم، وما زلنا نحدث عن هذا البلد، وبعد مداه في العمران، واتساع الأحوال، ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا حاجهم وتاجرهم بالحديث عنه، سألت صاحبنا قاضي الجماعة بفاس وكبير العلماء بالمغرب أبا عبد الله المقري فقلت له: كيف هي القاهة فقال: من لم يرها لم يعرف عز الإسلام، وسألت شيخنا أبا العباس ابن إدريس كبير العلماء ببجاية مثل ذلك، فقال: كأنما انطلق أهله من الحساب، يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب، وحضرت صاحبنا قاضي العسكر بفاس الفقيه الكاتب أبا القاسم البرجي بمجلس السلطان أبي عنان منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر وتأدية رسالته النبوية إلى الضريح الكريم سنة خمس وخمسين، وسأله عن القاهرة فقال: أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار: إن الذي يتخيله الإنسان فإن ما يراه دون الصورة التي تخيلها لاتساع الخيال على كل محسوس إلا القاهرة فإنها أوسع من كل ما يتخيل

فيها، فأعجب السلطان والحاضرون بذلك؛ انتهى كلام ابن خلدون، ولا يخلو عن فائدة زائدة.

[فوائد عن المقري الجد]

ولا بأس أن نورد من فوائد مولاي الجد ما حضرني الآن: فمن ذلك ما حكاه ابن الرزاق عن ابن قطرال قال: سمع يهودي بالحديث المأثور نعم الإدام الخل فأنكر ذلك، حتى كاد يصرح بالقدح، فبلغ ذلك بعض العلماء، فأشار على الملك أن يقطع عن اليهود الخل وأسبابه سنة، قال: فما تمت حتى ظهر فيهم الجذام.

ومنها أنه قال: أنشدني الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد قال: أنشدني الشيخ التقي ابن دقيق العيد لنفسه في معنى لطيف حجازي:

إذا كنت في نجد وطيب نعيمهتذكرت أهلي باللوى فمحسر
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
وإن كنت فيهم زدت شوقاً ولوعةإلى ساكني نجد وعيل تصبري

فقد طال ما بين الفريقين موقفي ... فمن لي بنجد بين أهلي ومعشري ومنها ما حاكاه عن عبد الله بن الحق عن ابن قطرال قال: كنت بالمدينة على ساكنها الصلاة والسلام إذ أقبل رافضي بفحمة في يده، فكتب بها على الجدار هناك:

من كان يعلم أن الله خالقهفلا يحب أبا بكر ولا عمرا

وانصرف، فألقي علي من الفطنة وحسن البديهة ما لم أعهد مثله من نفسي قبل، فجعلت مكان يحب يسب ورجعت إلى مجلسي، فجاء فوجده كما أصلحته، فجعل يلتفت يميناً شمالاً، كأنه يطلب من صنع ذلك، ولم يتهمني، فلما أعياه الأمر انصرف.

ومنها أنه قال: حدثت أن الزاهد أبا عمرة ابن غالب المرسي نزيل تلمسان وقد لقيت غير واحد من أصحابه، سأله بعض أن يشهد عقد ابنته، فتعذر عليه، فلم يزل به حتى أجاب بعد جهد، فحضر العقد، وطعم الوليمة، ثم لما حضرت ليلة الزفاف استحضره في ركوبها إلى دار زوجها على عادة أهل تلمسان، فأجابه مسرعاً، فقيل له: أين هذا التيسير من ذاك التعسير فقال: من أكل طعام الناس مشى في خدمتهم، أو كما قال.

ومنها أنه قال: حدثت أنه الفقيه أبا عبد الله ابن العواد العدل بتونس التقى يوماً مع القاضي أبي علي ابن قداح، وكان ابن العواد شيخاً، فقال له أبو علي: كبرت يا أبا عبد الله فصرت تمشي كل شبر بدينار، يوري بكثرة الفائدة في مشيه إلى الشهادة، فقال له: كنت إذا كنت في سنك أخرج رزقي من الحجر، يعرض لابن القداح بأنه جيار، وكذلك كان هو وأبوه، رحمهم الله تعالى جميعاً، وهذا من مزاح الأشراف، كما جرى بين معاوية والأحنف، انظر صدر أدب الكتاب.

ومنها أنه قال: قال لي الحاج أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الواحد الرباطي: كنا عند الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، ففقد أحدنا نعليه، فقال الشيخ: كنا عند العلم التبريزي فدخل عليه رجل يدعى بشيراً فكلمه ثم خرج فلم يجد نعليه، فرجع إلى العلم وأنشده:

دخلت إليك يا أملي بشيراًفلما أن خرجت خرجت بشرا
أعد يائي التي سقطت من اسميفيائي في الحساب تعد عشرا

وقال رحمه الله تعالى: لما سعى أولاد الشيخ أبي شعيب بالقاضي أبي الحجاج الطرطوشي إلى السلطان وأمر بإشخاصه وكثر إرجاف المتشيعين فيهم من بعده وخرج الأمر على خلاف ما أملوا منه قال في ذلك:

حمدت الله في قوم أثارواشروراً فاستحالت لي سرورا

وقالوا النار قد شبت فلما ... دنوت لها وجدت النار نورا ومنها: أنه حكى أن الشيخ أبا القاسم ابن محمد اليمني مدرس دمشق ومفتيها حكى له بدمشق أنه قال له شيخ صالح برباط الخليل ﵇: نزل بي مغربي فمرض حتى طال علي أمره، فدعوت الله أن يفرج عني وعنه بموت أو صحة، فرأيت النبي ﷺ في المنام فقال: أطعمه الكسكسون، قال: يقول هذا بالنون، فصنعته له، فكأنما جعلت له فيه الشفاء، وكان أبو القاسم يقول فيه كذلك، ويخالف الناس في حذف النون من هذا الاسم، ويقول: لا أعدل عن لفظ رسول الله ﷺ، ثم قال: قلت: ووجه هذا من الطب أن هذا الطعام مما يعتاده المغاربة ويشتهونه، على كثرة استعمالهم له، فربما نبه منه شهوة أو رده إلى عادة.

وقال الجد رحمه الله تعالى: رأيت بجامع الفسطاط من مصر فقيراً عليه قميص إلى جانبه دفاسة قائمة وبين يديه قلنسوة، فذكر لي هنالك أنهما محشوتان بالبرادة، وأن زنة الدفاسة أربعمائة رطل مصرية، وهي ثلاثمائة وخمسون مغربية، وزنة القلنسوة مائتا رطل مصرية، وهي مائة وخمسة وسبعون مغربية، فعمدت إلى الدفاسة فأخذتها إلى طوقها أنا ورجل آخر، فأملناها بالجهد، ثم أقمناها، ولم نصل بها إلى الأرض، وعدت إلى القلنسوة فأخذتها من إصبع كان

في رأسها فلم أطق حملها فتركتها، وكان يوم الجمعة، فلما قضيت الصلاة مررنا في جملة من أصحابنا بالفقير، فوجدناه لابساُ تلك الدفاسة في عنقه، واضعاُ تلك القلنسوة على رأسه، فقام إلينا وإلى غيرنا، ومشى بهما كما يمشي أحدنا بثيابه، فجعلنا نتعجب، ويشهد بعضنا بعضاً على ما رأى من ذلك، ولم يكن بالعظيم الخلقة.

وقال رحمه الله تعالى: كان الأستاذ ابن الحكم قد بعث إلي بمحرر لأبعث به إلى من يعرضه للبيع، ثم بلغه أن أحمالاُ من المتاع التونسي قد وصلت إلى البلد، فكتب إلي: الحمد لله الذي أمر عند كل مسجد بأخذ الخزينة، وصلواته الطيبة، وبركاته الصيبة، على من ختم به شريعته وأكمل دينه، وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه والذين يتبعونه، وبعد ما تعلق به الإعلام، أن تعوضوا المحرر بإحرام، لا يخفى على مثلكم جنسه ومجانسه، ومن كلام العرب: كل ثوب ولابسه، وإن أربى على ثمن الأول ثمن الثاني، فلست عن الزيادة والحمد لله بالواني.

ومن فوائده أنه قال: كتب في صدر رسالة إلى صاحبنا الشيخ الناسك أبي علي منصور ابن شيخ عصره وفريد دهره ناصر الدين المشدالي الشيخ الخاشع صاحبنا أبو الحسن علي ابن موسى البحيري يذكره شوقه إلى لقائه، لما كان يبلغه عنه، حتى قدر باجتماعهما بوهران أيام قضاء البحيري بها:

أوحشتني ولو طلعت على الذيلك في فؤادي لم تكن لي موحشا

يا محرقاً بالنار قلب محبه ... أنسيت أنك مستكن في الحشا وقال رحمه الله تعالى: أنشدني محمد البلفيقي قال: أنشدني ابن رشيد قال: أنشدني أبو حفص ابن الخيمي المصري لنفسه:

لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفاصلنا على وجه جميل وقال رحمه الله تعالى: قال لي محمد بن داود بن المكتب قال لي بلال الحبشي خادم الشيخ ابن مدين: كان الشيخ كثيراُ ما ينشد هذا البيت:

الله قل وذر الوجود وما حوى ... إن كنت مرتاداً بصدق مراد وقال رحمه الله تعالى: دخلت على عبد الرحمن بن عفان الجزولي، وهو يجود بنفسه، وكنت قد رأيته قبل ذلك معافى، فسألته عن السبب، فأخبرني أنه خرج إلى لقاء السلطان، فسقط عن دابته، فتداعت أركانه، فقلت: ما حملك أن تتكلف مثل هذا في ارتفاع سنك فقال: حب الرياسة آخر ما يخرج من قلوب الصديقين.

وقال رحمه الله تعالى: قال لي محمد بن مرزوق: قال لي بعض أصحاب أبي إسحاق الطيار دفين عباد تلمسان: إن أبا إسحاق أقام خمساً وعشرين سنة لا ينام إلا قاعداً، فسألت ابن مرزوق: لم لقب بالطيار فحدثني عن بعض أصحابه أنه نشر ذات يوم ثوبه في الشمس على بعض السطوح، ثم قعد هنالك، فمر به رجل فقال له: طر، فقال: أعن أمرك قال: نعم، فطار حتى وقع على الأرض وما به من باس، فقال الجد رحمه الله تعالى بعد هذا ما نصه: فقلت: إذا ما صار الحق للعبد سمعاً وبصراُ فسمع به وأبصر أصاخ إلى الأحوال، واجتلى المعاني، فيرى من غير مبصر، ويسمع من غبر ناطق، كما قال الشيخ أبو عبد الله الشوذي الحلوي دفين تلمسان:

إذا نطق الوجود أصاخ قومبآذان إلى نطق الوجود
وذاك النطق ليس به انعجامولكن دق عن فهم البليد

فكن فطناُ تنادى من قريب ... ولا تك من ينادى من بعيد وقال رحمه الله تعالى: حدثت بمصر أن الشيخ سيدي عمر بن الفارض ولع بجمل، فكان يستأجره من صاحبه ليتأنس به، فقيل له: لو اشتريته، فقال: المحبوب لا يملك، فسألت: في أي حال كان هذا منه فقيل لي: في ابتداء أمره، فقلت: وجد اعتبار ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل﴾ (الغاشية:) فوقفت به رؤية المعنى فيه عليه، فأحبه مدلاً، وطلبه مجلاُ.

وقال ﵁: حفظت من خط أبي زيد والد صاحبنا أبي الحسن: قيل للغزالي: ما تقول في الحلاج فقال: وما عسى أن أقول فيمن شرب بكأس الصفاء، على بسط الوفاء، فسكر وعربد، فاستوجب من الله الحد، فكان حده شهادته، ثم قال بعد هذا: قلت عربد الحلاج في الحضرة لما نسي بسكره أوامره، فانتصر الظاهر لنفسه لصحة تعلق اسمه، وسدل الباطن على عذره حجاب الغيرة من إفشاء سره:

على سمة الأسماء تجري أمورهم ... وحكمة وصف الذات للحكم أجرت وقال رحمه الله تعالى: سمعت شيخنا ببيت المقدس يقول: تجلى الله بالمسجد الأقصى بالجمال، وعلى المسجد الحرام بالجلال، وعلى مسجد الرسول ﷺ بالكمال، قلت: فذلك يوقف النواظر، وذاك يملأ الخواطر، وهذا يفتح البصائر.

وقال رحمه الله تعالى: أخبرني أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عنان فارس

نصره الله أن جده أمير المسلمين أبا سعيد سأل كاتبه عبد المهيمن الحضرمي عن تهادي أهل الحب التفاح دون الخوخ، وكلاهما حسن المنظر، طيب المخبر، شديد شبه بأخيه، سديد تشبيه الوجنات به لمتوخيه، فقال: ما عند مولانا فقال: أرى ذلك لاشتمال التفاح على الحب الذي يذكر بالحب والهوى، والخوخ على النوى الذي يذكر اسمه صفرة الجوى.

وقال رحمه الله تعالى: قال لي أبو حيان بالقاهرة: قال لي عمر بن الخيمي: تجاذبت أنا ونجم الدين بن إسرائيل هذا البيت:

يا بارقاُ بأعالي الرقمتين بدا ... لقد حكيت، ولكن فاتك الشنب فتحاكمنا إلى ابن فارض، فأشار بأن ننظم قصيدة نضمنها البيت، فنظم ونظمت:

يا مطلباً ليس لي في غيره أربإليك آلى التقضي وانتهى الطلب فقضى به لي

وقال رحمه الله تعالى: حدثت أن أبا زيد الهزميري بعث إلى أبي عمران التسولي، وكان كثير الصلاة، أنه لم يبق وبينك وبين الله حجاب إلا ركيعات، فرجع إليه ما معناه: إن الاتصال كان منها، فلا كان يوم الانفصال عنها، يعني من رزق من باب فليلزمه.

وقال رحمه الله تعالى: كنت بجامع تلمسان، وإلى جانبي رجل ينتمي إلى طريقة العرفان، فجعل سائل يشكو الجوع والألم، فتصدق ذلك الرجل عليه بدرهم، وقال: إياك أن تشكو الرحمن إلى من لا يرحم، فقلت: أمره أن

يسأل عزيزاُ بمولاه، ونهاه أن يشكو ذليلاً إلى سواه.

وكان الفارابي كثيراً ما يقول: يا رب إليك المشتكى، حتى إنه يوجد أثناء كلامه في غير موضعه، فيعجب به من لا علم عنده بمنزعه.

وقال رحمه الله تعالى: حدثت أن الفخر مر ببعض شيوخ الصوفية، فقيل للشيخ: هذا يقيم على الصنائع ألف دليل، فلو قمت عليه، فقال: وعزته لو عرفته ما استدل عليه، فباغ ذلك الإمام، فقال: نحن نعلم من وراء الحجاب، وهم ينظرون من غير حجاب.

وقال رحمه الله تعالى: حدثت أن رجلاُ كان يجلس إلى أبي الحسن الحرالي، وكان يشرب الخمر، فسكر ذات يوم، فسقط على زجاجة، فشج وجهه، فاختفى إلى أن برئ، ثم عاد إلى مجالسة الشيخ، فلما رآه أنشد:

أجريح كاسات أرقت نجيعهاطلب الترات يعز منه خلاص
لا تسفكن دم الزجاجة بعدهاإن الجروح كما علمت قصاص ففهمها الشاب، فتاب

وقال رحمه الله تعالى: كثيراُ ما كنت أسمع أبا محمد المجاصي ينشد هذا البيت:

هم الرجال وعيب أن يقال لمن ... لم يتصف بمعاني وصفهم رجل ثم يبكي، وكان أهل البلد يسمونه " البكاء " وبعضهم الخاشع.

ووجدت بخط مولاي الجد على ظهر كتابه " القواعد " ما نصه: الحمد لله تعالى جده، قرأت صدر الكتاب " زهرة البساتين " للقاسم بن الطيلسان، ثم سمعت ثلاثة أحاديث من أوله، بل حديثاُ وأثراُ وإنشاداُ من في الشيخ الخطيب الصالح أبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عياش الأنصاري، ثم تناولت منه جميع الكتاب المذكور، وأجازنيه بحق سماعه لبعضه، وتناوله لجميعه من جده

محمد المذكور، بحق أخذه له عن مؤلفه صهره القاسم المذكور، وذلك بالمسجد الجامع من مالقة المحروسة، قال ذلك وكتبه محمد بن محمد بن أحمد المقري في متم عشرين لشهر ربيع الآخر من عام سبعة وخمسين وسبعمائة.

وبخطه رحمه الله تعالى حيث ذكر ما نصه: الحمد لله، مخالف القواعد الشرعية للعوائد العرفية، كإنكار الحشر وفتنة القبر، ونهوهما من الأمر بالمعروف، للركون إلى المشهور المألوف، كالتقليد مع الدليل، الذي ذمه الشرع في محكم التنزيل.

وبخطه أيضاً: الحمد لله، قد تتابع صفات العام حتى يصير كأنه أشير به إلى شخص بعينه فيختص، ومن ثم قيل في قوله الله ﷿ ﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ (القلم:) إنه الأخنس بن شريق، وفي قوله تعالى ﴿وبل لكل همزة لمزة﴾ (الهمزة:) إنه أمية بن خلف، وفي قوله تعالى ﴿ذرني ومن خلقت وحيداً﴾ (المدثر:) إنه الوليد بن مغيرة، انتهى.

ووجدت بخطه أيضاً رحمه الله تعالى ما نصه: الحمد لله، قال لي المتوكل على الله أبو عنان أمير المؤمنين فارس بن علي: كان جدنا أبو يوسف يعقوب ابن عبد الحق يقول: الولايات ست: ثلاث وقفتها على اختياري: الحجابة، والقصبة، والشرطة، وثلاث موكولة إليكم: القضاء، والإمامة، والحسبة. ثم قال رحمه الله تعالى: وهذا تدبير حسن.

ومن فوائده: حدثني العدل أبو عبد الله محمد بن أبي زرع عن القاضي أبي عبد الله ابن أبي الصبر أنه أمر الوالي بفاس أن يبني فندق الشماعين، وكان قد خرب، فتوقف حتى يأذن السلطان، فقال له: أسلفني ما أبنيه به، فإن أجاز ذلك السلطان، وإلا رددته عليك، ففعل، فلما طولب ذكر ما قاله له القاضي،

فغضب السلطان وبعث فيه، فجعل المبعوثون يأتونه واحداً بعد واحد وهو متمهل في وضوئه وإصلاح بذته ومركوبه، ثم جعل يمشي الهوينا، فلقيه ابنه، فقال له: أسرع لقد أكثر السلطان من التوجيه إليك، وهو واجد عليك، فقال له: مسكين أبو يحيى خاف وثبت على حاله، فلما كان في الطريق لقي بعض العلماء فتعرض إليه فقال: قل بخفي لطفك، بلطيف صنعك، بجميل سترك، دخلت في كنفك، تشفعت بنبيك، فحفظه، ثم طلبه فلم يجده، فجعل يقول ذلك، فلما رآه السلطان سكن ما به، ثم سأل عن ذلك برفق، فقال له القاضي: كرهت الخراب بقرب القرويين وبالشماعين الذي هو عين فارس، فسألت الوالي ذلك على أني أغرم إن لم تجز، وقلت له: المرجو من السلطان أن يجعله حبساً، فقال: قد فعلت، ثم بعث إلى الشهود وحبسه على الجامع، وشكر القاضي صنيعه، وصرفه مغبوطاً.

وهذا السلطان هو أبو يعقوب يوسف بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني، وتوفي محاصراً لتلمسان في ذي القعدة من عام ستة وسبعمائة، وكان ابتداء حصاره إياها سنة ثمان وتسعين وستمائة، وكان جملة الحصار فيها حدثت ألف شهر؛ انتهى.

ومن فوائد مولاي الجد رحمه الله تعالى ما حكاه تلميذه أبو إسحاق الشاطبي في كتاب " الإنشادات والإفادات " ونصه: إفادة حضرت يوماً مجلساً في المسجد الجامع بغرناطة مقدم الأستاذ القاضي أبي عبد الله المقري، في أواخر ربيع الأول عام سبعة وخمسين وسبعمائة، وقد جمع ذلك المجلس القاضي أبا عبد الله والقاضي أبا القاسم الشريف شيخنا والأستاذ أبا سعيد ابن لب والأستاذ أبا عبد الله البلنسي وذا الوزارتين أبا عبد الله ابن الخطيب وجماعة من الطلبة،

فكان من جملة ما جرى أن قال القاضي أبا عبد الله المقري: سئلت في مسألة في الأصول لم أجد لأحد فيها نصاً، وهي تخصيص العام المؤكد بمنفصل، فأجبت بالجواز محتجاً بقول الله ﷿ " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن " فهذا عامل مؤكد، وقد قال رسول الله ﷺ، " ولم يحل الله من الفواحش إلا مسألة الناسي ". انتهى.

ومن الكتاب المذكور ما نصه: إفادة حدثني الشيخ الفقيه القاضي الجليل الشهير الخطير أبو عبد الله محمد بن أحمد المقري رحمه الله تعالى، وأملاه علينا، عن العالم الكبير أبي حيان ابن يوسف بن حيان أنه قال: ورد كتاب من الأستاذ أبي عبد الله ابن مثبت الغرناطي إلى صاحب له يدعى حمزة، وفيه: سئل الشيخ، قال أبو حيان: يعني وجدت على ظهر نسخة من المفصل بخط عتيق سئل ابن الأخضر بمحضر ابن الأبرش: علام انتصب قوله:

مقالة أن قد قلت سوف أنالهفقال:

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.