تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الثالث في ذكر مشايخه الجلة، هداة الناس ونجوم الملة، وما يتعلق بذلك من الأخبار (٤)

ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي ... فقال: سألتك عن إعراب كلمة، فأجبتني بشطر بيت، فقال ابن الأبرش: قد أجابك لو كنت تفهم، قال أبو حيان: فوقعت عليه للحين: إن هذا الشطر من قول النابغة:

أتاني أبيت اللعن أنك لمتنيوتلك التي تصطك منها المسامع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع يروى مقالة بالرفع، على أنه بدل من أنك لمتني الفاعل، وبالفتح على ذلك إلا أنه بناه لما أضافه إلى مبني.

ومنه: إفادة حدثني الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى قال: سئل أبو العباس ابن البناء رحمه الله تعالى، وكان رجلاً صالحاً، في قوله تعالى ﴿قالوا إن هذان لساحران﴾ (طه:) لم لم تعمل إن في هذان فقال: لما لم يؤثر في المقول لم يؤثر العامل في المعمول، فقال له: يا سيدي هذا لا ينهض جواباً، فإنه لا يلزم من بطلان قولهم بطلان عمل إن، فقال له: إن هذا الجواب نوارة لا تحتمل أن تحك بين الأكف؛ انتهى.

ومنه: إفادة قال لنا الشيخ الأستاذ القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى: إن أهل المنطق وغيره يزعمون أن الأسماء المعدولة لا تكاد توجد في كلام العرب، وهي موجودة في القرآن، وذلك قوله ﴿لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ (البقرة:) فإن زعم زاعم أن ذلك على حذف المبتدأ، ودخلت لا على الجملة، وتقديره لا هي فارض ولا هي بكر، قيل له: إن كان يسوغ لك ذلك في هذا الموضع فلا يسوغ في قوله تعالى ﴿لا شرقية ولا غربية﴾ (النور:) فصح أن الاسم المعدول موجود فصيح في كلام العرب.

ومنه: إفادة حدثنا الأستاذ أبو عبد الله المقري، قال: سئل عن قوله تعالى ﴿وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون﴾ (الأنبياء:) لم عاد ضمير من يعقل إلى ما لا يعقل فقال بعضهم: لما اشترك مع من يعقل في السباحة وهي العوم عومل لذلك معاملته، قال: وهذل لا ينهض جواباً، فإن السباحة لما لا يعقل كالحوت، وإنما لمن يعقل العوم، لا السباحة، وأيضاً فإلحاقه بما العوم له لازم كالحوت أولى من إلحاقه بما هو غير لازم له، قال: وأجاب الأستاذ أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي السبي بأن الشيء المعظم عند العرب تعامله معاملة العاقل، وإن لم يكن عاقلاً، أعظمه عندهم، وأجبت لأنا بأنه لما عوملت في غير هذا الموضع معاملة من يعقل في نحو قوله تعالى ﴿والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ (يوسف:) لصدور أفعال العقلاء عنها أجرى عليها هنا ذلك الحكم للأنس به في موضعه.

ومنه: إفادة لقمني الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى لقمة بيده المباركة، وقال: لقمني الشيخ أبو عبد الله المسفر قال: لقمني أبو زكريا المحياوي قال: لقمني أبو محمد صالح قال: لقمني الشيخ أبو مدين قال: لقمني أبو الحسن ابن حرزهم قال: لقمني ابن العربي قال: لقمني الغزالي قال: لقمني أبو المعالي قال: لقمني أبو طالب المكي قال: لقمني أبو محمد الجريري قال: لقمني الجنيد قال: لقمني السقطي قال: لقمني معروف الكرخي قال: لقمني داود الطائي قال: لقمني حبيب العجمي قال: لقمني الحسن البصري قال: لقمني علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: لقمني رسول الله ﷺ. قلت: وبهذا السند صافحته أيضاً رضي الله تعالى عنه؛ انتهى.

وللمحدثين في هذا السند كلام مشهور، وانتصر بعضهم للسادة الصوفية رضي الله تعالى عنهم.

ومنه: إنشادة أنشدني الشريشي الفقيه أبو عبد الله قال: أنشدني القاضي المقري قال: أنني الرباطي قال: أنشدني ابن دقيق العيد لنفسه من صدر رسالة كتب بها لبعض إخوانه بالحجاز:

يهيم قلبي طرباً عندماأستلمح البرق الحجازيا
ويستميل الوجد قلبي وقدأصبح لي ثوب الحجى زيا
يا هل أقضي من منى حاجتيفأنحر البدن المهاريا
وأرتوي من زمزم فهي ليألذ من ريق المها ريا

ومنه: إفادة حدثنا القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى قال: رأيت لبعض من ألف على كتاب الكشاف للزمخشري فائدة لم أرها لغيره في قوله تعالى " والراسخون في العلم " إذ الناس يختلفون في هذا الموضع اختلافاً كثيراً، فقال قوم: الراسخون في العلم يعلمون تأويله، والوقوف عند قوله " والراسخون في العلم " وقال قوم: أن الراسخون لا يعلمون تأويله، وإنما يوقف عند قوله " وما يعلم تأويله إلا الله " فقال هذا القائل: أن الآية من باب الجمع والتفريق والتقسيم، من أنواع البيان، وذلك لأن قوله تعالى " هو الذي نزل عليك الكتاب " هو جمع، وقوله " منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات " تفريق، وقوله تعالى " فأما الذين في قلوبهم زيغ - إلى قوله تعالى: وابتغاء تأويله " أحد طرفي التقسيم، وقوله تعالى " والراسخون في العلم " الطرف الثاني، وتقديره: وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به، وجاء قوله تعالى " وما يعلم تأويله إلا الله " اعتراضاً بين طرفي التقسيم، قال: وهذا مثل قوله تعالى " وأنا منا المسلمون " فقوله وأنا جمع، وقوله " منا المسلمون ومنا الساقطون " تفريق، وقوله فمن أسلم وأما الساقطون تقسيم، وهو من بديع التفسير، قلت: ومثله أيضاً قوله تعالى " يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه "؛ انتهى. ومنه: إنشادة أنشدنا الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله المقري في القول بالموجب لبعض العلماء في وديعة:

إن قال قد ضاعت فصدق أنهاضاعت، ولكن منك يعني لو تعي

أو قال قد وقعت فصدق أنها ... وقعت، ولكن منه أحسن موقع ومنه: إنشادة أيضاً من القول بالموجب لبعض الحنابلة:

يحجون بالمال الذي يجمعونهحراماً إلى البيت العتيق المحرم

ويزعم كل أن تحط ذنوبهم ... تحط ولكن فوقهم في جهنم ومنه: إفادة كتب لي بخطه شيخنا الفقيه القاضي الجليل أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى على ظهر التسهيل لابن مالك الذي كتبته بخطي بعدما كتب لي بخطه روايته فيه عن أبي الحسن ابن مزاحم عن بدر الدين ابن جماعة عن المؤلف فكتب بعد ذلك ما نصه: قال محمد بن محمد المقري: بدر الدين ابن جماعة المذكور يدعى بقاضي القضاة، على ما جرت به عوائد أهل المشرق في تسمية مثله، وأنا أكره هذا الاسم محتجاً بقول النبي ﷺ " أن أخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى بملك الملوك، لا ملك إلا الله "؛ انتهى ما انتقيته من كتاب الإنشادات والإفادات للشاطبي فيما يتعلق بجدي رحمه الله تعالى.

ومن فوائد مولاي الجد ﵀، مما لم يذكر فيما سبق أنه حكي أن ابن أمجوط الموله دخل في حلقة أبي عبد الله ابن رشيد بجامع القرويين، وبين رجليه قصبة كأنها فرس، وبيده أخرى كأنها رمح، فانتهره رجل، فضربه برمحه على رأسه، وقال له: اسكت يا ميت، فأبهت الناس لكلامه، فقال له الشيخ: يا فقير أنت في حال ونحن في مقال، وشأن أرباب الأحوال التسليم لأصحاب المقال، فنظر إليه الموله وانصرف، ثم لم ينشب المنتهر أن توفي بعد ذلك بأيام قلائل.

[أخبار للمقري عن ابن شاطر]

ومنها: قلت لابن شاطر يوماً: كيف حالك فقال: محبوس في الروح،

وصدق لأن الدنيا سجن المؤمن، ولا مخلص له من حبسه إلا بمفارقة نفسه.

وقال: سألت ابن شاطر عن معنى قول ابن الفارض:

فلم أله باللاهوت عن حكم مظهري ... ولم أنس بالناسوت موضع حكمتي فقال: يقول ما أنا بالحلاج ولا ببلعام، ثم قال مولاي الجد بعد هذا الكلام ما صورته: قلت: وهذا هو الإنسان على الكمال والتمام، ولقد سمعته يقول في الحلاج: نصف إنسان، يشير إلى البيت.

وقال أيضاً رحمه الله تعالى: سمع ابن شاطر إنساناً يقول: الجنة رخيصة، فقال: كيف تكون رخيصة والله ﷿ يقول " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " انتهى. ثم قال مولاي الجد بأثر هذا الكلام: قلت: ما الأنفس والأموال في جنب ما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر لا سيما وفوق هذه الحسنى زيادة الإكرام بالنظر والرضا.

وقال أيضاً: قيل لابن شاطر: صف لنا الدنيا، فقال: " كسراب بقيعة " الآيتين، فبلغ ذلك أبا زيد ابن الإمام، فأنكر عائباً لاستحسان سامعه، تالياً " يحرفون الكلم عن مواضعه " ولقد أصيب المتعسف بأدهى منها وأمر، فإنه أفحم يوماً ببعض أهل النظر فتلا عليه " فبهت الذي كفر " على أن له أن يقول: لم أخرج الآية عن مرادها، فالبهت من انقطاع المعاند، والكفر من جحد الجاحد، ولنا أن نقول: التحريف المذموم هو التحويل للإبطال وليس هذا في قصد الممثل الأول بالمثال؛ انتهى.

وهذا كله على مذهب جمهور المالكية في منع الاقتباس، وللكلام على ذلك موضع غير هذا، فليراجع في كتب البيان وغيرها.

وقال رحمه الله تعالى: حدثت أن المتوكل على الله أبا عنان رحمه الله تعالى أعطى ابن شاطر ألف دينار ليحج بها، فمر بها على تلمسان، فصار يدفع منها شيئاً فشيئاً للمتفرجين بغدير الوريط شرقي عباد تلمسان العلوي، إلى أن نفذت، فلما ورد السلطان أبو عنان تلمسان لقيه بسوق العطارين من منشر الجلد، فقال له: يا سيدي أبا عبد الله حج مبرور، فقال له: إذا جهلت أصل المال فانظر مصارفه، ويأبى الله إلا أن ينفق الخبيث في مثله، فضحك السلطان وانصرف؛ انتهى.

وكان لابن شاطر هذا عجائب، ولم يكن مخلاً بشيء من الحقوق الشرعية، وكان معتقداً عند أهل وقته، وكان السلطان أبو عنان على فقهه يعظمه ويصله ويسلم له، وبات عنده ليلة بقصره، وكان يدخل القصر، ولا تحتجب منه الجواري، وقال له: أتبول في قبة مولانا فقال لها: إن قبة مولانا الخضراء أعظم من هذه، وأنا أفعل تحتها ما هو أفظع من البول، وما انتهرني قط، فذكرت ذلك الجارية للسلطان، فضحك وعلم أنه يريد السماء. وكان يكتب القرآن والعمدة ولا يغلق حرفاً مجوفاً فإذا غلب على ذلك أصلحه، حتى حكي أنه سافر لإصلاح حرف مجوف أغلقه سهواً من نسخة كان باعها، ولم يتذكر ذلك حتى سافر مشتريها، فما رجع حتى جدده.

وحكى الشيخ أبو القاسم ابن داود الفخار السلوي أن الشيخ أبا عبد الله الشريف التلمساني صاحب " المفتاح في أصول الفقه " وشارح " الجمل الخونجية " المتوفى عام اثنين وسبعين وسبعمائة دفين المدرسة اليعقوبية من تلمسان المحروسة افتتح شرح العمدة بما نصه: اللهم احمد نفسك عمن أمرته أن يتخذك وكيلاً، حمداً عائداً منك إليك، متحداً بك، دائماً بدوام ملكك، لا منقطعاً ولا مفصولاً،

قال: فقال لي أبو عبد الله ابن شاطر: ما هو انفصال عالم الملك فقلت له: بالضرورية الوقتية، فقال لي: ما أجهلك! وأجهل سيدك أبا عبد الله! وأجهل ابن سودكين الذي أخذ من كتابه هذا الحمد! إذ قال لا منقطعاً ولا مفصولاً بعد قوله بدوام ملكك وهو بالضرورية الوقتية، وهي منقطعة، فهلا قال: دائماً بدوام قيوميتك، وعظيم قدرك، ومجدك الأعلى، وسبحات وجهك الأكرم، لا منقطعاً ولا مفصولاً، فبلغ ذلك أبا عبد الله الشريف، فبدله؛ انتهى. وأخبار ابن شاطر كثيرة، وقد مر ذكره في كلام مولاي الجد رحمه الله تعالى، وسيأتي ما ذكره لسان الدين به في الإحاطة.

[تتمة الفوائد على المقري]

ومن فوائد مولاي الجد رحمه الله تعالى ما قاله إثر قول الرازي في التفسير الحس أقوى من العقل ونصه: هذا على ما حكاه في المحصل من أن المعقولات فرع المحسوسات، قال: ولذلك من فقد حساً فقد فقد علماً كالأكمه والعنين، ومذهب جمهور الفلاسفة أن اليقينيات هي المعقولات لا المحسوسات، انظر المحصل؛ انتهى.

ومن فوائده رحمه الله تعالى أن قال: أنشدت يوماً الآبلي قول ابن الرومي:

أفنى وأعمى ذا الطبيب بطبهوبكحله الأحياء والبصراء

فإذا مررت رأيت من عميانه ... أمم على أمواته قراء فاستعادني حتى عجبت منه، مع ما أعرف من عدم ميله إلى الشعر، وانفعاله له، وظننت أنه أعجب مما تضمنه البيت الأول من غريب اللف والنشر المكرر الذي لا أعرف له ثانياً فيه، فقال: أظننت أني استحسنت الشعر فقلت: مثلك

يستحسن مثل هذا الشعر؛ فقال: إن ما تعرفت منه كون العميان كانوا في ذلك الزمان يقرؤن على المقابر، فإنني كنت أرى ذلك حديث العهد، فاستفدت التاريخ.

وقال مولاي الجد رحمه الله تعالى: حدثني الآبلي أن أبا عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن أبي العيش الخزرجي الخطيب بتلمسان كان يقول في خطبته: من يطع الله ورسوله فقد رشد، بالكسر، وكان الطلبة ينكرون عليه ذلك، فلما ورد عليهم الراوية الرحلة أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري سمعه يقول ذلك، فأنكر عليه في جملتهم، وبلغ الخطيب ذلك، فلم يرجع، فلما قفل ابن رشيد من وجهته تلك دخل على الأستاذ أبي الحسن ابن البيع بسبتة، فهنأه بالقدوم، وقال له فيما قال: رشدت - يا ابن رشيد - ورشدت لغتان صحيحتان، حكاهما يعقوب في " الإصلاح "، ثم قال مولاي الجد: قلت: هذه كرامة للرجلين أو للثلاثة.

وقال رحمه الله تعالى: قال طالب لشيخنا الآبلي يوماً: مفهوم اللقب صحيح أما أنا فلا أقول شيئاً، فعرف الطالب ما وقع فيه، فخجل.

وهذا الآبلي تقدم في كلام مولاي الجد رحمه الله تعالى أنه عالم الدنيا، وهو تلمساني كما تقدم، قال تلميذه أبو القاسم السلوي الفخار: دخل علي شيخنا الآبلي يوماً، وأنا أعجن طين الفخارة، فقال لي: ما علامة قبول هذه المادة أكمل صورة ترد عليها فقلت: أن تدفع عن نفسها ما هو من غير جنسها من حجر أو زبل أو غيره، فأدركه وجد عظيم، حتى إنه صاح وقام وقعد، وبقي هنية مطرقاً برأسه مفكراً، ثم قال: هكذا هي النفوس البشرية.

قال: وقال لي يوماً، وقد وجد الصبيان يصوبون بقصب رقاق على الذباب فإذا خرج قتلوه: الغلط الداخل عليه من أي نوع المغلطات هو فقلت له: من إيهام العكس، لما كان كل ذباب مصوتاً ظن أن كل مصوت ذباب، فاستحسن ذلك.

قلت: وحدثني مولاي العم الإمام شيخ الإسلام سيدي سعيد بن أحمد المقري رحمه الله تعالى، عن شيخه ابن جلال مفتي حضرتي فاس وتلمسان، أنه كان يحكي أن الغلط من عدم كلية كبرى في الشكل الأول، لأنه ركبه هكذا: هذا مصوت وكل مصوت ذباب، وقد علمت أنها هنا إنما تصدق جزئية لا كلية، وإذا كانت جزئية بطل الإنتاج، لأن ذلك من الضروب العقيمة؛ انتهى.

ومن فوائد مولاي الجد رحمه الله تعالى أنه قال: سمعت شيخنا الآبلي يقول: ما في الأمة المحمدية أشعر من ابن الفارض.

وقال أيضاً رحمه الله تعالى: سمعت شيخنا الآبلي يقول: إنما أفسد العلم كثرة التواليف، وإنما أذهبه بنيان المدارس، وكان ينتصف له من المؤلفين والبانين وإنه لكما قال، غير أن في شرح ذلك طولاً، وذلك أن التأليف نسخ الرحلة التي هي أصل جمع العلم، فكلن الرجل ينفق فيها المال الكثير، وقد لا يحصل له من العلم إلا النزر اليسير، لأن عنايته على قدر مشقته في طلبه، ثم صار يشتري أكبر ديوان بأبخس ثمن، فلا يقع منه أكثر من موقع ما عوض عنه، فلم يزل الأمر كذلك حتى نسي الأول بالآخر، وأفضى الأمر إلى ما يسخر منه الساخر؛ وأما البناء فلأنه يجذب الطلبة إلى ما يرتب فيه الجرايات، فيقبل بها على من

يعينه أهل الرياسة للأجراء والإقراء منهم أو ممن يرضى لنفسه الدخول في حكمهم، ويصرفونها عن أهل العلم حقيقة الذين لا يدعون إلى ذلك، وإن دعوا لم يجيبوا، وإن أجابوا لم يوفوا لهم بما يطلبون من غيرهم. ثم قال مولاي الجد رحمه الله تعالى: ولقد استباح الناس النقل من المختصرات الغربية أربابها، ونسبوا ظواهر ما فيها إلى أمهاتها، وقد نبه عبد الحق في تعقيب التهذيب على ما يمنع من ذلك لو كان من يسمع - وذيلت كتابه بمثل عدد مسائله أجمع - ثم تركوا الرواية فكثر التصحيف، وانقطعت سلسلة الاتصال، فصارت الفتاوى تنقل من كتب من لا يدري ما زيد فيها مما نقص منها، لعدم تصحيحها، وقلة الكشف عنها. ولقد كان أهل المائة السادسة وصدر السابعة لا يسوغون الفتوى من تبصرة الشيخ أبي الحسن اللخمي لكونه لم يصحح على مؤلفه ولم يؤخذ عنه، وأكثر ما يعتمد اليوم ما كان من هذا النمط. ثم انضاف إلى ذلك عدم الاعتبار بالناقلين، فصار يؤخذ من كتب المسخوطين كما يؤخذ من كتب المرضيين، بل لا تكاد تجد من يفرق بين الفريقين، ولم يكن هذا فيمن قبلنا، فلقد تركوا كتب البراذعي على نبلها، ولم يستعمل منها، على كره من كثير منهم، غير التهذيب الذي هو المدونة اليوم لشهرة مسائله وموافقته في أكثر ما خالف فيه المدونة لأبي محمد، ثم كل أهل هذه المائة عن حال من قبلهم من حفظ المختصرات وشق الشروح والأصول الكبار، فاقتصروا على حفظ ما قل لفظه، ونزر حظه، وأفنوا أعمارهم في فهم رموزه، وحل لغوزه، ولم يصلوا إلى رد ما فيه إلى أصوله بالتصحيح، فضلاً عن معرفة الضعيف من ذلك والصحيح، بل هو حل مقفل، وفهم أمر مجمل، ومطالعة تقييدات

زعموا أنها تستنهض النفوس، فبينا نحن نستكبر العدول عن كتب الأئمة إلى كتب الشيوخ، أتيحت لنا تقييدات للجهلة، بل مسودات المسوخ، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فهذه جملة تهديك إلى أصل العلم، وتريك ما غفل الناس عنه؛ انتهى.

ولنصلها بخاتمة تشير إلى حال العلماء أيضاً اعلم أن شر العلماء علماء السلاطين، وللعلماء معهم أحوال؛ فكان الصدر الأول يفرون منهم، وهم يطلبونهم، فإذا حضر واحد منهم أفرغوا عليه الدنيا إفراغاً ليقتنصوا بذلك غيره، ثم جاء أهل العصر الثاني، فطمحت أنفسهم إلى دنيا من حصل لهم، ومنعهم القليل، فانتقصوا مما كان لغيرهم بقدر ما نقصوا من منابذتهم، ثم كان فيمن بعدهم من يأتيهم بلا دعوة، وأكثرهم إن دعي أجاب، فانتقصوا بقدر ذلك أيضاً، ثم تطارح جمهور من بعدهم عليهم، فاستغنوا بهم عن دعاء غيرهم، لا على جهة الفضل أو محبة المدحة منهم، فلم يبقوا عليهم من ذلك إلا النزر اليسير، وصرفوهم في أنواع السخر والخدم إلا القليل، وهم ينتظرون صرفهم، والتصريح بالاستغناء عنهم، وعدم الحاجة إليهم، ولا تستعظم هذا، فلعله سبب إعادة الحال جذعة، عجب الله من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل، وهذا كله ليظهر لك سر قول النبي ﷺ " لتتبعن سنن من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه خلفهم "، قيل: اليهود والنصارى قال: فمن وقد قص علينا القرآن والأخبار من أمرهم ما شاهدناه أكثره أو أكثر منه فينا، سمعت العلامة الآبلي يقول: لولا انقطاع الوحي لنزل فينا أكثر مما نزل فيهم، لأنا أتينا أكثر مما أتوا، يشير

إلى افتراق هذه الأمة على أكثر مما افترقت عليه بنو إسرائيل، واشتهار بأسهم بينهم إلى يوم القيامة، حتى ضعفوا بذلك عن عدوهم، وتعدد ملوكهم لاتساع أقطارهم واختلاف أنسابهم وعوائدهم، حتى غلبوا بذلك على الخلافة، فنزعت من أيديهم، وساروا في الملك بسير من قبلهم، مع غلبة الهوى واندراس معالم التقوى، لكنا آخر الأمم، أطلعنا الله من غيرنا على أقل مما ستر منا، وهو المرجو أن يتم نعمته علينا، ولا يرفع ستره الجميل عنا. فمن أشد ذلك إتلافاً لغرضنا تحريف الكلم عن مواضعه الصحيحة أن ذلك لم يكن بتبديل اللفظ، إذ لا يمكن ذلك في المشهورات من كتب العلماء المستعملة، فكيف في الكتب الإلهية، وإنما كان ذلك بالتأويل كما قال ابن عباس وغيره، وأنت تبصر ما اشتملت عليه كتب التفسير من الخلاف، وما حملت الآي والأخبار من التأويلات الضعاف، قيل لمالك: لم اختلف الناس في تفسير القرآن فقال: قالوا بآرائهم فاختلفوا؛ أين هذه من قول الصديق " أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله ﷿ برأيي " كيف وبعض ذلك قد انحرف عن سبيل العدل إلى بعض الميل، وأقرب ما يحمل عليه جمهور اختلافهم أن يكون بعضهم قد علم بقصد إلى تحقيق نزول الآية من سبب أو حكم أو غيرهما، وآخرون لم يعلموا ذلك على التعيين، فلما طال بحثهم وظنوا عجزهم أرادوا تصوير الآية بما يسكن النفوس إلى فهمها في الجملة، ليخرجوا عن حد الإبهام المطلق، فذكروا ما ذكروه على جهة التمثيل، لا على سبيل القطع بالتعيين، بل منه ما لا يعلم أنه أريد لا عموماً ولا خصوصاً، لكنه يجوز أن يكون المراد، فإن لم يكن إياه فهو قريب من معناه، ومنه ما يعلم أنه مراد لكن بحسب الشركة والخصوصية مع جواز أن يكون هو المراد بحسب الخصوصية، ثم اختلط الأمران. والحق أن تفسير القرآن من أصعب الأمور، فالإقدام عليه جراءة، وقد قال الحسن

لابن سيرين: تعبر الرؤيا كأنك من آل يعقوب! فقال له: تفسر القرآن كأنك شهدت التنزيل! وقد صح أن رسول الله ﷺ لم يكن يفسر من القرآن إلا آيات معدودة، وكذلك أصحابه والتابعون بعدهم، وتكلم أهل النقل في صحة التفسير المنسوب لابن عباس إليه إلى غير ذلك، ولا رخصة في تعيين الأسباب والناسخ والمنسوخ إلا بنقل صحيح أو برهان صريح، وإنما الرخصة في تفهيم ما تفهمه العرب بطباعها من لغة وإعراب وبلاغة لبيان إعجاز ونحوها؛ انتهى.

[ترجمة المقري من نيل الابتهاج]

ولنرجع إلى بقية أنباء مولاي الجد ﵀، فنقول: قال صاحب نيل الابتهاج بتطريز الديباج ما صورته: محمد بن محمد بن أحمد القرشي التلمساني الشهير بالمقري بفتح الميم، وتشديد القاف المفتوحة كذا ضبطه الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في كتابه العلوم الفاخرة وضبطه ابن الأحمر في فهرسته وسيدي أحمد زروق بفتح الميم وسكون القاف الإمام العلامة النظار المحقق القدوة الحجة الجليل الرحلة، أحد فحول أكابر علماء المذهب المتأخرين الأثبات قاضي الجماعة بفاس، ذكره ابن فرحون في الأصل، يعني الديباج، وأثنى عليه؛ انتهى.

وقال الخطيب ابن مرزوق: كان صاحبنا المقري معلوم القدر، مشهور الذكر بالخير، تبعه بعد موته من حسن الثناء وصالح الدعاء، ما يرجى له النفع به يوم اللقاء، وعوارفه معلومة عند الفقهاء، ومشهورة بين الدهماء؛ انتهى.

وقال أبو العباس الونشريسي في بعض فوائده: ومقرة بفتح الميم بعدها قاف مفتوحة مشددة قرية من قرى بلاد الزاب من أعمال إفريقية، سكنها سلفه، ثم تحولوا إلى تلمسان، وبها ولد الفقيه المذكور، وبها نشأ، وقرأ وأقرأ، إلى أن خرج منها صحبة الركاب المتوكلي العناني أمير المؤمنين فارس عام تسعة وأربعين وسبعمائة إلى مدينة فاس المحروسة، فولاه القضاء، فنهض بأعباءه علماً وعملاً، وحمدت سيرته، ولم تأخذه في الله لومة لائم، إلى أن توفي بها إثر قدومه من بلاد الأندلس في غرض الرسالة لأبي عنان عام تسعة وخمسين وسبعمائة، ثم نقل إلى مسقط رأسه تلمسان.

وقال في موضع آخر: إنه توفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى عام تسعة وخمسين وسبعمائة، بمدينة فاس المحروسة، ثم نقل تلمسان محل ولادته ومقر أسلافه، ودفن بها في البستان الملاصق لقبلي داره الكائنة بباب الصرف من البلد المذكور، وهو الآن على ملك بعض ورثة الشيخ أبي يحيى الشريف؛ انتهى.

ومن أخبار مولاي الجد رحمه الله تعالى أنه قال: شهدت الوقفة سنة أربع وأربعين وسبعمائة، وكانت جمعة، وقام الخطيب في سابع ذي الحجة في الناس بالمسجد الحرام، وقال: إن جمعة وقفتكم هذه خاتمة مائة جمعة وقف بها من الجمعة التي وقف فيها رسول الله ﷺ في حجة الوداع آخر عشر من الهجرة، وشاع ذلك في الناس وذاع وكان علم ذلك مما تواتر عندهم، والله أعلم، وهم يزعمون أن الجمعة تدور على خمس سنين، وهذا مناف لذلك، ولكن كثير منهم ينكر اطراد هذا ويقول: إنها قد تكون على خلاف ذلك، فلا أدري.

ومنها أنه قال: شهدت شمس الدين بن قيم الجوزية قيم الحنابلة بدمشق، وقد سأله رجل عن قوله ﵊ " من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجاباً من النار " كيف إن أتى بعد ذلك بكبيرة فقال: موت الولد حجاب، والكبيرة خرق لذلك الحجاب، وإنما يكون الحجاب حجاباً ما لم يخرق فإذا خرق فقد زال عن أن يكون حجاباً، ألا ترى إلى قوله ﵊ " الصوم جنة " ما لم يخرقها، ثم قال: وهذا الرجل أكبر أصحاب تقي الدين ابن تيمية.

ومن أخبار مولاي الجد الدالة على صرامته ما حكاه ابن الأزرق عنه: أنه كان يحضر مجلس السلطان أبي عنان لبث العلم، وكان نقيب الشرفاء بفاس إذا دخل مجلس السلطان يقوم له السلطان وجميع من في المجلس إجلالاً له، إلا الشيخ المقري، فإنه كان لا يقوم في جملتهم، فأحس النقيب من ذلك، وشكاه إلى السلطان، فقال له السلطان: هذا رجل وارد علينا نتركه على حاله إلى أن ينصرف، فدخل النقيب في بعض الأيام على عادته، فقام له السلطان على العادة وأهل المجلس، فنظر إلى المقري، وقال له: أيها الفقيه، ما لك لا تقوم كما يفعل السلطان نصره الله وأهل مجلسه إكراماً لجدي ولشرفي ومن أنت حتى لا تقوم لي فنظر إليه المقري وقال له: أما شرفي فمحقق بالعلم الذي أنا أبثه ولا يرتاب فيه أحد، وأما شرفك فمظنون، ومن لنا بصحته منذ أزيد من سبعمائة سنة، ولو علمنا شرفك قطعاً لأقمنا هذا من هنا، وأشار إلى السلطان أبي عنان، وأجلسناك مجلسه، فسكت؛ انتهى.

قال ابن الأزرق: وعلى اعتذاره ذلك بأن الشرف الآن مظنون، فمن معنى ذلك أيضاً ما يحكى عنه أنه كان يقرأ بين يدي السلطان أبي عنان المذكور صحيح مسلم بحضرة أكابر فقهاء فاس وخاصتهم، فلما وصل إلى أحاديث الأئمة من قريش قال الناس: إن قال الشيخ الأئمة من قريش وأفصح بذلك استوغر قلب السلطان، وإن ورى وقع في محظور، فجعلوا يتوقعون له ذلك، فلما وصل إلى الأحاديث قال بحضرة السلطان: والجمهور أن الأئمة من قريش، ثلاثاً، ويقول بعد كل كلمة: وغيرهم متغلب، ثم نظر إلى السلطان وقال له: لا عليك، فإن القرشي اليوم مظنون، أنت أهل للخلافة، إذ بعض الشروط قد توفرت فيك والحمد لله، فلما انصرف إلى منزله بعث له السلطان بألف دينار؛ انتهى.

قال أبو عبد الله ابن الأزرق: قلت: ويلزم أيضاً من اعتذاره أن قيام السلطان لذي الشرف المحقق بالعلم أولى بالمحافظة على تعظيم حرمات الله، وقد روي عن بعض الأمراء أنه تكبر على ذلك، واستخف بمنزلة من عظم به غيره، فسلبه الله ملكه وملك بنيه من بعده؛ انتهى.

ومن أجوبة مولاي الجد رحمه اله تعالى قوله: سألني السلطان عمن لزمته يمين على نفي العلم فحلف جهلاً على البت، هل يعيد أم لا فأجبته بإعادتها، وقد كان من حضر من الفقهاء أفتوا بأن لا تعاد، لأنه أتى بأكثر مما أمر به على وجه يتضمنه، فقلت له: اليمين على وجه الشك غموس، قال ابن يونس: والغموس: الحلف على تعمد الكذب، أو على غير يقين، ولا شك أن الغموس محرمة منهي عنها، والنهي يدل على الفساد، ومعناه في العقود عدم ترتب أثره؛ فلا أثر لهذا اليمين، ويجب أن تعاد، وقد يكون من هذا اختلافهم فيمن إذنها

السكوت، فتكلمت هل يجتزأ بذلك والإجزاء هنا أقرب، لأنه الأصل، والصمات رخصة لغلبة الحياء، فإن قلت: البت أصل، ونفي العلم إنما يعتبر عند تعذره، قلت: ليس رخصة كالصمات.

ومنها أنه قال: سألني بعض الفقراء عن السبب في سوء بخت المسلمين في ملوكهم، إذ لم يل أمرهم من يسلك بهم الجادة ويحملهم على الواضحة، بل من يغتر في مصلحة دنياه، غافلاً عن عاقبة أخراه، فلا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، ولا يراعي عهداً ولا حرمة، فأجبته بأن ذلك لأن الملك ليس في شريعتنا وذلك أنه كان فيمن كان قبلنا شرعاً، قال الله تعالى ممتناً على بني إسرائيل " وجعلكم ملوكاً " ولم يكن ذلك في هذه الأمة، بل جعل لهم خلافة، قال الله تعالى " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض " وقال تعالى " وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً " وقال سليمان " رب اغفر لي وهب لي ملكاً " فجعلهم الله تعالى ملوكاً، ولم يجعل في شرعنا إلا الخلفاء، فكان أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ، وإن لم يستخلفه نصاً، لكن فهم الناس ذلك فهماً، وأجمعوا على تسميته بذلك، ثم استخلف أبو بكر عمر، فخرج بها عن سبيل الملك الذي يرثه الولد عن الوالد، إلى سبيل الخلافة الذي هو النظر والاختيار، ونص في ذلك على عهده، ثم اتفق أهل الشورى على عثمان، فإخراج عمر لها عن بنيه إلى الشورى دليل على أنها ليست ملكاً، ثم تعين علي بعد ذلك، إذ لم يبق مثله، فبايعه من آثر الحق على الهوى، واصطفى الآخرة على الدنيا، ثم الحسن كذلك، ثم كان معاوية أول من حول الخلافة ملكاً، والخشونة

ليناً، ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم، فجعلها ميراثاُ، فلما خرج بها عن وضعها لم يستقم ملك فيها، ألا ترى أن عمر بي عبد العزيز ﵁ كان خليفة لا ملكاً، لأن سليمان رحمه الله تعالى رغب عن بني أمية إيثار لحق المسلمين ولئلا يتقلدهم حياً وميتاً، وكان يعلم اجتماع الناس عليه فلم يسلك طريق الاستقامة بالناس قط إلا خليفة، وأما الملوك فعلى ما ذكرت إلا ما قل، وغالب أفعاله غير مرضية؛ انتهى.

وفوائد مولاي الجد وتحفه وطرفه ولطائفه ودقائقه يستدعي استقصاؤها مجلدات، فلنكتف بما قدمناه:

وفي الإشارة ما يغني عن الكلم[مؤلفات المقري الجد]

وأما تآليفه فكثيرة: منها كتاب " القواعد " اشتمل على ألف قاعدة ومائتي قاعدة، قال العلامة الونشريسي في حقه: إنه كتاب غزير العلم، كثير الفوائد، لم يسبق إلى مثله، بيد أنه يفتقر إلى عالم فتاح؛ انتهى.

وقد أشار إليه في مأخذ الأربعة، وهو قليل بهذه الديار المشرقية، ولم أر منه بمصر إلا نسخة عند بعض الأصحاب، وذكر أنها من أوقاف رواق المغاربة بالأزهر المعمور، وأما قول لسان الدين في الإحاطة عند تعرضه لذكر تأليف مولاي الجد ما صورته ألف كتاباً يشمل على أزيد من مائة مسألة فقهية، ضمنها كل أصل من الرأي والمباحثة فهو غير القواعد بلا مرية.

ومنها كتاب " الطرف والتحف " غاية في الحسن والظرف، قاله الونشريسي وقد وقفت على بعضه فرأيت العجب العجاب.

ومنها اختصار المحصل ولم يكمله، وشرحه لجمل الخونجي، كذلك، ومنها كتاب عمل من طب لمن حب وهو بديع في بابه، مشتمل على أنواع: الأول فيه أحاديث حكمية كأحاديث الشهاب وسراج المهتدين لابن العربي، والنوع الثاني منه الكليات الفقهية على جملة أبواب الفقه في غاية الإفادة، والثالث في قواعد وأصول، والرابع في اصطلاحات وألفاظ، قال الونشريسي: وقد أطلعني الفقيه أبو محمد عبد الله بن عبد الخالق على نسخة من هذا الكتاب، فتلطفت في استنساخها، فلم يسمح به؛ انتهى.

قلت: وقد رأيت هذا الكتاب بحضرة فاس عند بعض أولاد ملوك تلمسان وهو فوق ما يوصف، وفيه يقول مولاي الجد رحمه الله تعالى:

هذا كتاب بديع في محاسنهضمنته كل شيء خلته حسنا
فكل ما فيه إن مر اللبيب بهولم يشم عبيراً شام منه سنا

فخذه واشدد به كف الضنين وذد، ... حتى تحصله، عن جفنك الوسنا وهذه الأبيات كافية في وصف هذا الكتاب، إذ صاحب البيت أدرى بالذي فيه.

[نقول من كتاب المحاضرات للمقري الجد]

ومنها كتاب المحاضرات وفيه من الفوائد والحكايات والإرشادات كثير، وقد ملكت منه بالمغرب نسختين، فلنذكر منه بعض الفوائد، فنقول: قال رحمه الله تعالى: قيل لصوفي: لم تقول الله الله ولا تقول لا إله إلا الله فقال:

نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب، وهذا إن لم يكن في هذه الكلمة لأنها أفضل ما قالته الأنبياء فهو في كثير من التنزيه الذي يطلقه المتكلمون وغيرهم، حتى قال الشاشي عنهم: إنهم يتمندلون بأسماء الله ﷿، ما عرفه من كيفه، ولا وحده من مثله، ولا عبده من شبهه، المشبه أعشى، والمعطل أعمى، المشبه متلوث بفرث التجسيم والمعطل نجس بدم الجحود، ونصيب المحق لبن خالص وهو التنزيه، انزل من علو التشبيه، ولا تعل قلل أباطيل التعطيل، فالوادي المقدس بين الجبلين.

أبو المعالي: من اطمأن إلى موجود انتهى إليه فكره فهو مشبه، ومن سكن إلى النفي المحض فهو معطل، ومن قطع بموجود واعترف بالعجز عن إداراكه فهو موحد:

جل رب الأعراض والأجسامعن صفات الأعراض والأجسام
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
جل ربي عن كل ما اكتنفتهلحظات الأفكار والأوهام
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة

برئ الله من هشام وممن ... قال في الله مثل قول هشام الدقاق: المريد صاحب وله، لأن المراد بلا شبه، وقيل: مثله الأعلى ﴿ليس كمثله شيء﴾.

الجنيد: أشرف كلمة في التوحيد قول الصديق: الحمد لله الذي لم يجعل للخلق سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته.

القشيري: يعني أن العارف عاجز عن معرفته، والمعرفة موجودة فيه. غيره: ما عرف الله سوى الله، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك:

كل ما ترتقي إليه بوهممن جلال وقدرة وسناء
فالذي أبدع البرية أعلىمنه، سبحان مبدع الأشياء

سأل المريسي الشافعي عن التوحيد بحضرة الرشيد، فقال: أن لا تتوهمه ولا تتهمه، فأبهت بشر.

الشبلي: من توهم أنه واصل، فليس له حاصل، ومن رأى أنه قريب فهو بعيد، ومن تواجد فهو فاقد، ومن أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا نادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، وما تبرجت ظواهر المكونات إلا نادتك حقائقها: إنما نحن فتنة فلا تكفر:

ما ينتهي نظري منهم إلى رتب ... في الحسن إلا ولاحت فوقها رتب الجريري: ليس العلم التوحيد إلا لسان التوحيد.

الحسن: العجز عن درك الإدراك إدراك:

تبارك الله وارت غيبه حجب ... فليس يعرف إلا الله ما الله دعا نبي إلى الله ﷿ بحقيقة التوحيد، فلم يستجب له إلا الواحد بعد الواحد، فعجب من ذلك، فأوحى الله ﷿ إليه: تريد أن تستجيب لك العقول قال: نعم، قال: احجبني عنها، قال: كيف أحجبك وأنا أدعو إليك قال: تكلم في الأسباب، وفي أسباب الأسباب، فدعا الخلق من هذا الطريق، فاستجاب له الجم الغفير.

ومنه: سمه أعرابي اختلاف المتكلمين بمسجد البصرة في الإنسان وانتزاع كل واحد منهم الحجة على رأيه، فخرج وهو يقول:

إن كنت أدري فعلي بدنه ... من كثرة التخليط في من أنه ومن عجز عن أقرب الأشياء نسبة منه، فكيف يقدر على أبعد الأمور حقيقة عنه من عرف نفسه عرف ربه.

ومنه: دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره.

لما احتضر الوليد بن أبان، قال لبنيه: هل تعلمون أحداً هو أعلم بالكلام مني قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم بما عليه أهل الحديث، فإني رأيت الحق معهم، وعن أبي المعالي نحوه.

ومنه: هجر أحمد المحاسبي لما صنف في علم الكلام، فقال: إنما قصدت إلى نصر السنة، فقال: ألست تذكر البدعة وشبهة البدعة قلت: من تحقق كلام فخر الدين الرازي وجده في تقرير الشبه أشد منه في الانفصال عنها، وفي هذا ما لا يخفى.

ومنه: من آمن بالنظر إلى ظاهر الثعبان كفر بالاستماع إلى خوار العجل، ومن شاهد مجاوزة القدرة الإلهية لمنتهى وسع القوة البشرية لم يكترث بوعيد الدنيا ولم يؤثر الهوى على الهدى والتقوى.

ومنه: علي بن الحسين: من عرف الله بالأخبار، دون شواهد الاستبصار والاعتبار، اعتمد على ما تلحقه التهم.

ومنه: قيل لطبيب: بم عرفت ربك قال: بالأهليلج، يجفف الحلق، ويلين البطن. وقيل لأديب: بم عرفت ربك قال: بنحلة في أحد طرفيها عسل، وفي الآخر لسع، والعسل مقلوب اللسع. وسأل الدهرية الشافعي عن دليل الصانع، فقال: ورقة الفرصاد تأكلها دودة القز فيخرج منها الإبريسم، والنحل فيكون منها العسل، والظباء فينعقد في نوافجها المسك، والشاء فيكون منها البعر؛ فآمنوا كلهم، وكانوا سبعة عشر.

قيل لإعرابي: بم عرفت ربك قال: البعرة تدل على البعير، والروث يدل على الحمير، وآثار الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وبحار ذات أمواج، أما يدل ذلك على العليم القدير:

قد يستدل بظاهر عن باطن ... حيث الدخان يكون موقد نار قيل لإعرابي: بم عرفت الله قال: بنقد عزائم الصدور وسوق الاختيار إلى حبائل المقدور.

ومنه: الدقاق: لو كان إبليس بالحق عارفاً، ما كان لنفسه بالإضلال والإغواء واصفاً.

ومنه: التوحيد محو آثار البشرية، وتجديد صفات الألوهية. الحق واحد في ذاته لا ينقسم، واحد في صفاته لا يماثل، واحد في أفعاله لا يشارك. لو كان موجوداً عن عدم، ما كان موصوفاً بالقدم. الحياة شرط القدرة، دلت على ذلك الفطرة. لو لم يكن الصانع حياً، لاستحال أن يوجد شيئاً، لو لم يكن باقياً لكان للألوهية منافياً. لو كان الباري جسماً، ما استحق الإلهية اسماً. لو كان الباري جوهراً، لكان للحيز مفتقراً. العرض لا يبقى، والقديم لا يتغير ولا يفنى. لو لم يكن بصفة القدرة موصوفاً، لكان بسمة العجز معروفاً. لو لم يكن عالماً قادراً، لاستحال كونه خالقاً فاطراً. دلت الفطرة والعبرة، أن الحوادث لا تحصل إلا من ذي قدرة. لو لم يكن بالإرادة قاصداً، ما كان العقل بذلك شاهداً. من تنوع إيجاده، دل ذلك على أن الفعل مراده. لو لم يكن بالسمع والبصر موصوفاً، لكان لضديهما مألوفاً. لو جاز سامع لا سمع له، لجاز صانع لا صنع له، لو كان سمعه بأذن، لافتقرت ذاته إلى ركن. من صدرت عنه الشرائع والأحكام، كان موصوفاً بالكلام. ليس في الصفات

السبع ما لا يتعلق إلا الحياة، ولا ما يؤثر إلا القدرة والإرادة. كما جاز أن يأمر بما لا يريد جاز أن يريد ما لا يحب. لا يسأل عما يفعل. الواحد كاف، وما زاد عليه متكاف. ليس مع الله تعالى موجودات لأن الموجودات كلها كالظل. من نور القدرة له رتبة التبعية، لا رتبة المعية.

إن من أشرك باللهـ جهول بالمعاني

أحول العقل؛ لهذا ... ظن للواحد ثاني قال جعفر بن محمد: لو كان على شيء لكان محمولاً، ولو كان في شيء لكان محصوراً، ولو كان من شيء لكان محدثاً.

قيل لثمامة بن الأشرس: متى كان الله، فقال: ومتى لم يكن فقيل: فلم كفر الكافر فقال: الجواب عليه.

قال خادم أبي عثمان: قال لي مولاي: يا محمد، لو قيل لك أين معبودك ما كنت تجيب قال: أقول بحيث لم يزل، قال: فإن قيل لك فأين كان في الأزل فقال: أقول بحيث هو الآن، فنزع قميصه وأعطانيه.

قيل لصوفي: أين هو فقال: محقك الله! أيطلب مع العين أين

ومنه: سمعت شيخنا يقول: نقصنا صفة كمال له فينا، يعني إذا وجب له كل الكمال وجب لنا كل النقص، وهذا على أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وفيه كلام.

ومنه: بلغ أحمد أن أبا ثور قال في الحديث " خلق الله آدم على صورته "، إن الضمير لآدم، فهجره، فأتاه أبو ثور، فقال أحمد: أي صورة كانت لآدم يخلقه عليها كيف تصنع بقوله " خلق الله آدم على صورة الرحمن " فاعتذر إليه، وتاب بين يديه.

ومنه: أتى يهودي المسجد فقال: أيكم وصي محمد ﷺ فأشاروا إلى الصديق، فقال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.