من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الثالث في ذكر مشايخه الجلة، هداة الناس ونجوم الملة، وما يتعلق بذلك من الأخبار (٨)
يمانية زارت يمانين فانثنت ... وقد جد فيها الزهو واستحكم الزمخ وقد بسط في الإحاطة ترجمة ابن خميس المذكور، ومما أنشد له قوله:
سل الريح إن لم تسعد السفن أنواءفعند صباها من تلمسان أنباء
وفي خفقان البرق منها إشارةإليك بما تنمي إليها وإيماء
تمر الليالي ليلة بعد ليلةوللأذن إصغاء وللعين إكلاء
وإني لأصبو للصبا كلما سرتوللنجم مهما كان للنجم إصباء
وأهدي إليها كل يوم تحيةوفي رد إهداء التحية إهداء
وأستجلب النوم الغرار ومضجعيقتاد كما شاءت نواها وسلاء
لعل خيالاً من لدنها يمر بيففي مره بي من جوى الشوق إبراء
وكيف خلوص الطيف منها ودونهاعيون لها في كل طالعة راء
وإني لمشتاق إليها ومنبئببعض اشتياقي لو تمكن إنباء
وكم قائل تفنى غراماً بحبهاوقد أخلقت منها ملاء وأملاء
لعشرة أعوام عليها تجرمتإذا ما مضى قيظ بها جاء إهراء
يطنب فيها عائثون وخربويرحل عنها قاطنون وأحياء
كأن رماح الناهبين لملكهاقداح، وأموال المنازل أبداء
فلا تبغين فيها مناخاً لراكبفقد قلصت منها ظلال وأفياء
ومن عجب أن طال سقمي ونزعهاوقسم إضناء علينا وإطناء
وكم أرجفوا غيظاً بها ثم أرجأوافيكذب إرجاف ويصدق إرجاء
يرددها عياب الدهر مثلمايردد حرف الفاء في النطق فأفاء
فيا منزلاً نال الردى منه ما اشتهىترى هل لعمر الأنس بعدك إنساء
وهل للظى الحرب التي فيك تلتظيإذا ما انقضت أيام بؤسك إطفاء
وهل لي زمان أرتجي به عودةإليك ووجه البشر أزهر وضاء ومنها:
أحن لها ما أطت النيب حولهاوما عاقها عن مورد الماء أظماء
فما فاتها مني نزاع على النوىولا فاتني منها على القرب إجشاء
كذلك جدي في صحابي وأسرتيومن لس بع في أهل ودي إن فاؤوا
ولولا جوار ابن الحكيم محمدلما فات نفسي من بني الدهر إقماء
حماني فلم تنتب محلي نوائببسوء ولم ترزأ فؤادي أرزاء
وأكفأ بيتي في كفالة جاههفصاروا عبيداً لي وهم لي أكفاء
يؤمون قصدي طاعة ومحبةفما عفته عافوا وما شئته شاؤوا
دعاني إلى المجد الذي كنت آملاًفلم يك لي عن دعوة المجد إبطاء
وبوأني من هضبة العز تلعةيناجي السها منها صعود وطأطاء
يشيعني منها إذا سرت حافظويكلؤني منها إذا نمت كلاء
ولا مثل نومي في كفالة غيرهوللذئب إلمام وللصل إيماء
بغيضه ليث أو بمرقب خالبتبز كساً فيه وتقطع أكساء
إذا كان لي من نائب الملك كافلففي حيثما هومت كن وإدماء
وإخوان صدق من صنائع جاههيبادرني منهم قيام وإيلاء
سراع لما يرجى من الخير عندهمومن كل ما يخشى الشر أبراء
إليك أبا عبد الإله صنعتهالزومية فيها لوجدي إفشاء
مبرأة مما يعيب لزومهاإذا عاب إكفاء سواها وإيطاء
أذعت بها السر الذي كان قبلهاعليه لأحناء الجوانح إضناء
وإن لم يكن كل الذي كنت آملاًوأعوز إكلاء فما عاز إكماء
ومن يتكلف مفحماً شكر منةفما لي إلى ذاك التكلف إلجاء
إذا منشد لم يكن عنك ومنشىءفلا كان إنشاد ولا كان إنشاء رجع إلى ترجمة ابن الفخار وفوائده:
قال الشاطبي: حدثنا الأستاذ الكبير أبو عبد الله ابن الفخار قال: جلس بعض الطلبة إلى بعض الشيوخ المقرئين، فأتى المقرئ بمسألة الزوائد الأربعة في أول الفعل المضارع، وقال: يجمعها قولك نأيت فقال له ذلك الطالب: لو جمعتها بقولك أنيت لكان أملح، ليكون كل حرف تضعيف ما قبله، فالهمزة لواحد وهو المتكلم، والنون لاثنين وهما: الواحد ومعه غيره، والواحد
المعظم نفسه، والياء لأربعة: للواحد الغائب، وللغائبين، وللغائبين، وللغائبات، والتاء لثمانية: للمخاطب، وللمخاطبين، وللمخاطبين، والمخاطبة، والمخاطبتين، والمخاطبات، وللغائب، وللغائبتين، فاستحسن الشيخ ذلك منه.
وحكى الشاطبي أيضاً أن شيخه ابن الفخار أورد عليهم سؤالاً، وهو: كيف يجمع بين مسألة رجل أوقع الصلاة بثوب حرير اختياراً وبين قوله:
جرى الدميان بالخبر اليقين ... فلم ينقدح لنا شيء، فقال: الجواب أن الأول ممنوع عند الفقهاء شرعاً، ورد اللام في دم في التثنية ممنوع عند النحاة قياساً، وكلاهما في حكم المعدوم حساً، وإذا كان كذلك كان الأول بمنزلة من صلى بادي العورة اختياراً، فتلزمه الإعادة، وكان الثاني بمنزلة ما باشر فيه عين دم علم التثنية، فتلزمه الفتحة، وإن كان أصلها السكون، قال: وهذه المسألة تشبه مسألة ابن جني في الخصائص، قال: ألقيت يوماً على بعض من كان يعتادني مسألة فقلت له: كيف تجمع بين قوله:
لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب وبين قوله اختصم زيد وعمرو فلم ينقدح له فيها شيء، وعاد مستفهماً، فقال له: اجتماعهما أن الواو اقتصر به على بعض ما وضع لنا من الصلاحية الملازمة مطلقاً، والطريق اقتصر به على بعض ما كان يصلح له.
قال الشاطبي: وحدثني أيضاً قال: كان لقاضي القضاة علماً وجزالة أبي جعفر ولد يقرأ علي بمالقة، وكان ابناً نبيهاً فهماً ونبلاً، فسأل مني يوماً مسألة
يذكرها لأقرانه، وكان معجباً بالغرائب، فجرى على لساني أن قلت له: بين على زيد فعل أمر وفاعل، والأصل ابأين على زيد، ثم سهل بالنقل والحذف، على قياس التسهيل، فصار بين كما ترى، فأعجب بالمسألة حتى ناظر فيها ليلة أباه، وكان أنحى نحاة أهل عصره، فأعجب مما يرى من ابنه من النبل والتحصيل، فبلغت المسألة الشيخ الأستاذ أبا بكر ابن الفخار رحمه الله تعالى، فاعتنى بها، وحاول في استخراج وجه من وجوه الاعتراض على عادة المصلحين من طلبة العلم، فوجد في مختصر العين أن الكلمة من ذوات الواو، ولم يذكر صاحب المختصر غير ذلك، ولم يكن رحمه الله تعالى رأى قول أبي الحسن اللحياني في نوادره: إنه مما يتعاقب على لامه الواو والياء فيقال: بأى يبأى بأواً وبأياً، كما يقال شأى يشأى شأواً وشأياً، فلم يقدم شيئاً على أن اجتمع بالقاضي المذكور فقال له: ألم تسمع ما قاله فلان بين على زيد وإنما هو بون على زيد؛ لأنه من ذوات الواو، ونص على ذلك صاحب المختصر، وحمله على أن يرسل إلي ويردني عن ذلك الذي قلته في المسألة، واجتمعت أنا معه، وحدثني بما جرى له مع الأستاذ ابن الفخار، فذكرت له ما حكاه أبو الحسن اللحياني في نوادره، وما قاله ابن جني في سر الصناعة فسر بذلك، وأرسل بعد إلى القاضي ابن الفخار، وذكر له نص اللحياني وقل ابن حني وجمع القاضي بيننا، وعقد في قلوبنا مودة، فكان الأستاذ ابن الفخار يومئذ يقصدني في منزلي وفي المواسم، ويستشيرني في أموره على سبيل التأنيس، رحمة الله عليه، فأواه على فقد الناس أمثاله.
وقال الشاطبي أيضاً: أنشدني الفقيه الأستاذ الكبير أبو عبد الله ابن الفخار رحمه الله تعالى، وقال: ألقي في سري بيت لم أسمعه قط في السادس عشر من شهر رجب عام ستة وخمسين وسبعمائة:
لتكن راجياً كما أنت ترجو ... ولأربى من الذي أنت راجي قال الشاطبي: وقرر لنا الأستاذ ابن الفخار المذكور يوماً توجيه قول أبي الحسن الأخفش في كسرة الذال من نحو يومئذ إنها إعرابية لا بنائية، إذ لم يذكر أحد وجه هذا المذهب من قبل، قال ابن جني: إن الفارسي اعتذر له بما يكاد يكون عذراً، فلما تم التوجيه قلت له وأنا حينئذ صغير السن: هب أن الأمر على ما قاله الأخفش من أن الكسرة إعرابية، فما يصنع ببناء الزمان المضاف إلى إذ في أحد الوجهين والإضافة إلى المفرد المعرب تقتضي الإعراب دون البناء فتعجب من صدور هذا السؤال مني لصغر سني، وأجاب عنه بأنه قد يذهب السبب ويبقى حكمه، كما قال ابن جني في اسم الإشارة في ترجمة سيبويه هذا علم ما الكلم من العربية على أن يكون سيبويه وضعه غير مشير به وتركه مبنياً، وأزال سبب البناء، ونظر ذلك بباب التسوية على ما هو مقرر في موضعه، قال: ونظير ذلك ما قرر من إضافة حيث إلى المفرد مع بقاء البناء فيما ذكره الزمخشري، وذلك قوله:
أما ترى حيث سهيل طالعاًوقوله أنشدنا ابن الأعرابي لبعض المحدثين:
ونحن سعينا بالبلايا لمعقل ... وقد كان منكم حيث لي العمائم وقد كان حقها أن تعرب لزوال سبب البناء، وهو الإضافة إلى جملة، وحصول سبب الإعراب وهو الإضافة إلى المفرد، ولكنه لم يعتبر النادر، وأبقى الحكم الشائع.
وقال الشاطبي أيضاً: كان شيخنا ابن الفخار يأمرنا بالوقف على قوله تعالى في سورة البقرة ﴿قالوا الآن﴾ ونبتدئ ﴿جئت بالحق﴾ وكان يفسر لنا معنى ذلك قولهم الآن أي فهمنا وحصل البيان، ثم قيل: جئت بالحق، يعني في كل
مرة، وعلى كل حال، وكان - رحمه الله تعالى - يرى هذا الوجه أولى من تفسير ابن عصفور له من أنه على حذف الصفة، أي: بالحق البين، وكان يحافظ عليه.
وقال الشاطبي: أنشدني صاحبنا الفقيه الأجل الأديب البارع أبو محمد ابن حذلم لنفسه أبياتا، أنشدنيها يوم عيد على قبر سيدنا الإمام الأستاذ الكبير الشهير أبي عبد الله ابن الفخار يرثيه بها:
أيا جدثاً قد أحرز الشرف المحضابأن صار مثوى السيد العالم الأرضى
عجبت لما أحرزته من معارفوشتى معال لم تزل تعمر الأرضا
طويت عليه وهو عين زمانهفيا جفن عين الدهر كم تؤثر الغمضا
فحياك من صوب الحيا كل ديمةتديم له في الجنة الرفع والخفضا
فها نحن في عيد الأسى حول قبرهوقوفاً لنقضي من عيادته الفرضا
كمثل الذي كنا وقوفاً ببابهبعيد الأماني زائرين له أيضا
ومنا سلام لا يزال يخصهيذكره من بعض أشواقنا البعضا [ترجمة ابن حذلم]
قلت: وابن حذلم المذكور له باع مديد في العلم والأدب، وهو أبو محمد عبد الله بن عبد الله بن حذلم، ومن نظمه قوله:
أبت المعارف أن تنال براحةإلا براحة ساعد الجد
فإذا ظفرت بها فلست بمدركأرباً بغير مساعدة الجد وقوله ﵀:
كم من صديق حال في ودهولم أزل أزويه عن محضه
حضوره عين على ودهوغيبه عين على بغضه
ولم أكن أجهل هذا ولاعجزت أن أجري على قرضه
لكن من قد سرني بعضه ... أحب أن أصفح عن بعضه وقوله ﵀ يوم عيد، وهو مما ألهج به أنا كثيراً:
يقولون لي خل عنك الأسىولذ بالسرور فذا يوم عيد
فقلت لهم والأسى غالبووجدي يحيى وشوقي يزيد
توعدني مالكي بالفراقفكيف أسر وعيدي وعيد وقوله ﵀:
حبيب زارني في الليل سراًفأحيا نفس مشتاق إليه
وعللني بنشر المسك منهوحياني بصفحة وجنتيه
وعانقني عناق الود صفحاً ... وفارقني فيا لهفي عليه رجع - وتوفي الأستاذ سيبويه زمانه أبو عبد الله محمد بن علي بن الفخار أستاذ الجماعة بغرناطة ليلة الاثنين ثاني عشر رجب علم أربعة وخمسين وسبعمائة رحمه الله تعالى.
رجع إلى مشايخ لسان الدين رحمه الله تعالى.
ومنهم الأستاذ ابن العواد، قال في " الإحاطة ": قرأت كتاب الله ﷿ على المكتب نسيج وحده، في تحمل المنزل حق حمله، تقوى وصلاحاً وخصوصية وإتقاناً ونغمة وعناية وحفظاً وتبحراً في هذا الفن،
واضطلاعاً بغرائبه، واستيعاباً لسقطات الأعلام، الأستاذ الصالح أبي عبد الله ابن عبد الولي العواد تكتيباً ثم حفظاً ثم تجويداً، على مقرإ أبي عمرو، ثم نقلني إلى أستاذ الجماعة، ومطية الفنون، ومفيد الطلبة، الشيخ الخطيب المتفنن أبي الحسن علي القيجاطي، فقرأت عليه القرآن والعربية، وهو أول من انتفعت به؛ انتهى.
ومن أشياخه ﵀ الشيخ العلامة أبو عبد الله ابن بيبش، وله رحمه الله تعالى نظم جيد، فمنه قوله ملغزاً في مسطرة الكتابة:
ومقصورة خلف الحجاب وسرهامضاع، فما يلقاك من دونها ستر
لها جثة بيضاء أسبل فوقهاذوائب زانتها، وليس لها شعر
إذا ألبست مثل الصباح وبرقعترأيت سواد الليل لم يمحه الفجر
عقيلة صون لا يفرق شملهاسوى من أهمته الخطابة والشعر وقوله في ترتيب حروف الصحاح:
أساجعة بالواديين تبوئيثماراً جنتها حاليات خواضب
دعي ذكر روض زاره سقي شربهصباح ضحى طير ظماء عواصب
غرام فؤادي قاذف كل ليلةمتى ما نأى وهناً هداه يراقب وله جواب عن البيتين المشهورين:
يا ساكناً قلبي المعنىوليس فيه سواك ثاني
لأي معنى كسرت قلبيوما التقى فيه ساكنان فقال:
نحلتني طائعاً فؤاداًفصار إذ حزته مكاني
لا غرو إذ كان لي مضافاًأني على الكسر فيه باني
وقد ذكرت ذلك في غير هذا الموضع مع زيادة بلفظ لسان الدين، فليراجع في الباب الخامس من هذا الكتاب.
ومن أشياخ لسان الدين رحمه الله تعالى قاضي الجماعة الصدر المتفنن أبو عبد الله ابن بكر، قال في الإحاطة: وقرأت على قاضي الجماعة أبي عبد الله ابن بكر رحمه الله تعالى؛ انتهى.
وقاضي الجماعة عند المغاربة هو بمعنى قاضي القضاة عند المشارقة، فليعلم ذلك. وابن بكر المذكور هو محمد بن يحيى بن محمد بن أحمد بن بكر بن سعيد الأشعري المالقي، من ذرية أبي موسى الأشعري، كان من صدور العلماء، وأعلام الفضلاء، سذاجه ونزاهة ومعرفة وتفنناً، فسيح الدرس، أصيل النظر، واضح المذهب، مؤثراً للإنصاف، عارفاً بالأحكام والقراءة، مبرزاً في الحديث تاريخاً وإسناداً وتعديلاً وجرحاً، حافظاً للأنساب والأسماء والكنى، قائماً على العربية، مشاركاً في الأصول والفروع واللغة والعروض والفرائض والحساب، مخفوض الجناح حسن الخلق عطوفاً على الطلبة، محباً في العلم والعلماء، مطرحاً للتصنع، عديم المبالاة بالملبس بادي الظاهر عزيز النفس نافذ الحكم، تقدم ببلده مالقة، ناظراً في أمور العقد والحل ومصالح الكافة، ثم ولي القضاء بها فأعز الخطة وترك الشوائب، وأنفذ الحق ملازماً للقراءة والإقراء، محافظاً
للأوقات، حريصاً على الإفادة، ثم ولي القضاء بغرناطة المحروسة سنة، فقام بالوظائف وصدع بالحق وبهرج الشهود فزيف منهم ما يزيد على سبعين، واستهدف بذلك إلى معاداة ومناضلة خاض ثبجها وصادم تياره، غير مبال بالمغبة ولا حافل بالتبعة، فناله لذلك من المشقة والكيد العظيم ما نال مثله، حتى كان لا يمشي إلى الصلاة ليلاً ولا يطمئن على حاله، وجرت له في ذلك حكايات، إلى أن عزم عليه الأمير أن يرد للعدالة بعض من أخره، فلم يجد في قناته مغمزاً ولا في عوده معجماً، وتصدر لبث العلم بالحضرة، يقرئ فنوناً جمة، فنفع وخرج وأقرأ القرآن ودرس الفقه والأصول والعربية والفرائض والحساب، وعقد مجالس الحديث شرحاً وسماعاً على انشراح صدره وحفظ تجمل وخفض جناح، قال القاضي ابن الحسن: إنه كان صاحب عزم ومضاء، وحكم صادع وقضاء أحرق قلوب الحسدة، وأعز الخطة بإزالة الشوائب، وذهب وفضض الحق بمعارفه، ونذف في المشكلات، وثبت في المعضلات، واحتج وبكت، وتفقه ونكت. وحدثنا صاحبنا أبو جعفر الشقوري قال: كنت جالساً بمجلس حكمه، فرفعت رقعة مضمنها أنها محبة في مطلقها، وتبتغي الشفاعة لها في ردها، فتناول الرقعة، ووقع على ظهرها بلا مهلة: الحمد لله، من وقف على ما بالقلوب فليصخ لسماعه إصاخة معيث، وليشفع للمرأة عند زوجها تأسياً بشفاعة الرسول ﷺ لبريرة في مغيث، والله يسلم لنا العقل والدي، ويسلك بنا سبيل المهتدين، والسلام من كاتبه.
قال الشقوري: قال لي بعض الأصحاب: هلا كان هو الشفيع لها، فقلت: الصحيح أن الحاكم لا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه على المنصوص.
قرأ ابن بكر المذكور على الأستاذ ابن أبي السداد الباهلي القرآن جمعاً وإفراداً والعربية والحديث، ولازمه وتأدب به، وعلى الشيخ الصالح أبي عبد الله ابن عياش كثيراً من كتب الحديث، وسمع عليه جميع صحيح مسلم إلا دولة واحدة، وأخذ عن الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير والخطيب ابن رشد والولي الصالح أبي الحسين ابن فضيلة والأستاذ أبي عبد الله ابن الكماد، وأجازه العدل الراوية أبو فارس عبد العزيز ابن الهواري وأبو إسحاق التلمساني؛ ومن أهل الدمياطي، وجماعة من أهل الشام والحجاز، فقد رحمه الله تعالى في المصاف يوم المناجزة بطريف، زعموا أنه وقع عن بغلة ركبها، وأشار عليه بعض المنهزمين بالركوب فلم يقدر، فقال له: انصرف هذا يوم الفرح، إشارة لقوله تعالى " فرحين بما آتاهم من فضله " وذلك ضحى يوم الاثنين جمادى الأولى سنة رحمه الله تعالى.
ومن أشياخ لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى الشيخ أبو إسحاق ابن أبي يحيى الشهير الذكر في المغرب، وقد عرف به في الإحاطة في اسم إبراهيم من ترجمة الغرباء بما نصه: إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر التسولي، من أهل تازى، يكنى أبا سالم، ويعرف بابن أبي يحيى.
حاله من الكتاب المؤتمن - كان هذا الرجل قيماً على التهذيب ورسالة ابن أبي زيد، حسن الإقراء لهما، وله عليهما تقييدان نبيلان قيدهما أيام قراءته إياهما على أبي الحسن الصغير، حضرت مجالسه بمدرسة عدوة الأندلس من فاس، ولم أر في متصدري بلده أحسن تدريساً منه، كان فصيح اللسان، سهل الألفاظ، موفياً حقوقها، وذلك لمشاركته الحضر فيما بأيديهم من الأدوات، وكان مجلسه وقفاً على التهذيب والرسالة، وكان مع ذلك سمحاً فاضلاً، حسن اللقاء، على خلق بائنة على أخلاق أهل مصره، امتحن بصحبة السلطان، فصار يستعمله في الرسائل، فمر في ذلك حظ كبير من عمره ضائعاً لا في راحة دنيا ولا في نصب آخرة، ثم قال: وهذه سنة الله فيمن خدم الملوك، ملتفتاً إلى ما يعطونه، لا إلى ما يأخذون من عمره، وراحته أن يبوء بالصفقة الخاسرة، لطف الله بمن ابتلي بذلك وخلصنا خلاصاً جميلاً.
ومن كتاب " عائد الصلة ": الشيخ الفقيه الحافظ القاضي، من صدور المغرب، مشاركة في العلم، وتبحراً في الفقه، كان وجيهاً عند الملوك، صحبهم وحضر مجالسهم واستعمل في السفارة، فلقيناه بغرناطة، وأخذنا بها عنه، تام السراوة حسن العهد مليح المجالس أنيق المحاضرة، كريم الطبع صحيح المذهب.
تصانيفه - قيد على المدونة بمجلس شيخه أبي الحسن كتاباً مفيداً، وضم أجوبته على المسائل في سفر، وشرح كتاب الرسالة شرحاً عظيم الإفادة.
مشيخته - لازم أبا الحسن الصغير، وهو كان قارئ كتب الفقه عليه، وجل انتفاعه في التفقه به، وروى عن أبي زكريا ابن يس، قرأ عليه كتاب
" الموطأ " إلا كتاب المكاتب وكتاب المدبر فإنه سمعه بقراءة الغير، وعن أبي عبد الله ابن رشد، قرأ عليه الموطأ وشفاء عياض، وعن أبي الحسن ابن عبد الجليل السدراتي، قرأ عليه الأحكام الصغرى لعبد الحق، وأبي الحسن ابن سليمان، قرأ عليه رسالة ابن أبي زيد، وعن غيرهم.
وفاته - فلج بأخرة فالتزم منزله بفاس يزوره السلطان ومن دونه، وتوفي بعد عام ثمانية وأربعين وسبعمائة؛ انتهى.
وقال ابن الخطيب القسمطيني: إن أبي يحيى المذكور توفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة؛ انتهى.
ومن أشياخ لسان الدين الطنجالي الهاشمي، وهو محمد بن أحمد. قال في عائد الصلة: كان على سنن سلفه كثرة حياء وسمة صلاح وشدة انقباض وإفراط وقار وحشمة، بذ الكهولة على حداثة سنه في باب الورع والدين والإغراق في الصلاح والخير، وتقدم خطيباً ثم قاضياً ببلده، فأظهر من النزاهة والعدالة ما يناسب منصبه، ففزع الناس إليه من كائنة الوباء العظيم بأموالهم، وقلدوه عهود صدقاتهم، فاستقر في يده المال الصامت والحلى والذخيرة والعدة ما تضيق بيوت أموال الملك عنه وصرف ذلك مصارفه، ووضعه وفق عهوده، فلم يتلبس منه بنقير ولا قطمير، وكان مدركاً أصيل الرأي، قائماً على الفرائض والحساب، ثم تحرج وطلب الإعفاء فأسعف به على حال ضنانة، وفي ذلك يقول قريبه صاحبنا الفقيه القاضي أبو الحسن ابن الحسن يخاطبه:
لك الله يا بدر السماحة والبشررفعت بأعلى رتبة راية الفخر
ولا سيما لما وليت أمورهافرويتها من عذب نائلك الغمر
ودارت قضاياها عليك بأسرهاعلى حين لا بر يعين ولا بر
فقمت بها خير القيام مصمماًعلى الحق تصميم المهندة البتر
فسر بك الإسلام يا ابن حمامةوأمست بك الأيام باسمة الثغر
تعيد عليك الحمد ألسن حالهاوتتلو لما يرضيك من سور الشكر
لذاك أمير المسلمين بعدلهأقامك تقضي في الزمان على جبر
فأحييت رسم العلم بعد مماتهوغادرت وجه الحكم أسنى من البدر
ولكنك استعفيت عنه تورعاًوتلك سبيل الصالحين كما تدري
فكم من ولي فر عنه لعلمهبه كأبي الحجاج جدك من ذخر
فزاد اتصالاً عزه باجتنابهله وسما قدراً على قنة النسر
جريت على نهج السلامة في الذيتبعت له فابشر بأمنك في الحشر
وأرضاك مولاك الإمام بفضلهوأعفاك إعفاء الكرامة والبر
فأنت على الحالين أفضل من قضىوأشرف من يعفى إلى آخر الدهر
لما حزت من شتى المعالي التي بهاتحليت عن أسلافك السادة الغر
صدور مقامات المعارف كلهابحور النوال الجم في اليسر والعسر
هم النفر الأعلون من آل هاشموناهيك من مجد أثيل ومن فخر وهي طويلة؛ انتهى
من أشياخ لسان الدين رحمه الله تعالى الشيخ الإمام الخطيب الرئيس سيدي أبو عبد الله ابن مرزوق، ولنلخص ترجمته من " الإحاطة " وغيرها،
فنقول: هو محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي التلمساني، يكنى أبا عبد الله، ويلقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين.
قال أبو الحسن على ابن لسان الدين ابن الخطيب في حقه: سيدي وسند أبي، فخر المغرب، وبركة الدول وعلم الأعلام، ومستخدم السيوف والأقلام، ومولى أهل المغرب على الإطلاق، أبقاه الله تعالى وأمتع بحياته وأعانني على ما يجب في حقه، قاله تربيته وولده علي ابن المؤلف، انتهى، يعني ابن الخطيب.
وقال لسان الدين: هذا الرجل من طرق دهره ظرفاً وخصوصية ولطافة، مليح التوسل، حسن اللقاء، مبذول البشر، كثير التودد، نظيف البزة، لطيف التأني، خير البيت، طلق الوجه، خلوب اللسان، طيب الحديث، مقدر الألفاظ، عارف بالأبواب، درب على صحبة الملوك والأشراف، متقاض لإيثار السلاطين والأمراء يسحرهم بخلابة لفظه، ويفتلهم في الذروة والغارب بتنزله، ويهتدي إلى أغراضهم الكمينة بحذقه، ويصطنع غاشيتهم بتلطفه ممزوج الدعابة بالوقار والفكاهة بالنسك والحشمة بالبسط، عظيم المشاركة لأهل وده والتعصب لإخوانه، آلف مألوف كثير الأتباع والعلق، يسخر الرقاع في سبيل الوساطة، مجدي الجاه، غاص المنزل بالطلبة، منقاد للدعوة، بارع الخط أنيقه، عذب التلاوة متسع الرواية، مشارك في فنون من أصول وفروع وتفسير، يكتب ويشعر ويقيد ويؤلف، فلا يعدو السداد في ذلك، فارس منبر غير جزوع ولا هلوع، رحل إلى المشرق في كنف حشمة من جناب والده رحمه الله تعالى فحج وجاور ولقي الجلة، ثم فارقه وقد عرف بالمشرق حقه، وصرف وجهه إلى المغرب، فاشتمل عليه السلطان أبو الحسن أميره اشتمالاً خلطه بنفسه، وجعله مفضى سره وإمام جمعه وخطيب منبره وأمين رسالته، فقدم في غرضها على الأندلس أواخر عام ثمانية وأربعين
وسبعمائة، ولما حالت بالأمير المذكور الحال استقر بالأندلس مفلتاً من النكبة، في وسط عام اثنين وخمسين وسبعمائة، فاجتذبه سلطانها ﵀ وأجراه على تلك الوتيرة فقلده الخطبة بمسجده في السادس لصفر عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، وأقعده للإقراء بالمدرسة من حضرته، وفي أخريات عام أربعة وخمسين صرف عنه جفن بره في أسلوب طماح ودالة وسبيل هوى وقحة، فاغتنم الفترة وانتهز الفرصة، وأنفذ في الرحيل العزمة وانصرف عزيز الرحلة مغبوط المنقلب، فاستقر بباب ملك المغرب أمير المؤمنين أبي عنان فارس في محل تجلة وبساط قرب، مشترك الجاه مجدي التوسط ناجع الشفاعة، والله يتولاه ويزيده من فضله.
مشيخته - من كتابه المسمى عجالة المستوفز المستجاز في ذكر من استجازني من المشايخ دون من أجاز من أثمة المغرب والشام والحجاز: فممن لقيه بالمدينة المشرفة على ساكنها الصلاة والسلام الإمام العالم العلامة عز الدين أبو محمد الحسن بن علي بن إسماعيل الواسطي، صاحب خطتي الإمامة والخطابة بالمسجد الكريم النبوي، وأفرد جزءاً في مناقبه. والشيخ الإمام جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى الخزرجي السعدي العبادي، تحمل عن عفيف الدين أبي محمد عبد السلام بن مزروع وأبي اليمن وغيره. والشيخ الإمام خادم الوقت بالمسجد الكريم، ونائب الإمامة والخطابة به، ومنشد الأمداح النبوية هنالك. والشيخ الصالح الثقة المعمر محيي الدين أبو زكريا يحيى بن محمد المغراوي التونسي سمع ابن حامل والتوزري. والشيخ نور الدين أبو الحسن علي بن محمد الحجار الفراش بحرم رسول الله والوقاد به، وكان مقصوداً من كل قطر. والشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الصنعاني نائب القضاء بالمدينة. والشيخ الإمام
قاضي القضاة بالمدينة شرف الدين بن محرز الإخميمي بن الأسيوطي. والشيخ الصالح عز الدين خالد بن عبد الله الطواشي. والشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله المعيشي، سمع ابن مزروع البصري وغيره. والشيخ بهاء الدين موسى بن سلامة الشافعي المصري، الخطيب بالمسجد الكريم بها. والشيخ الخطيب أبو طلحة الزبير بن أبي صعصعة الأسواني. والشيخ عفيف الدين المطري، والشيخ الأديب أبو البركات أيمن بن محمد بن محمد إلى أربعة عشر ابن أيمن التونسي المجاور، والشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن فرحون اليعمري التونسي المجاور. والشيخ أبو فارس عبد العزيز بن عبد الواحد بن أبي ركبون التونسي، وقرأ بها على أبيه القرآن العظيم، قال: وكانت قراءتي عليه بالمدينة عند قبره ﵊.
وبمكة شرفها الله تعالى الشيخ المعمر الثقة شرف الدين أبو عبد الله عيسى بن عبد الله الحجبي المكي، المتوفى وقد قارب المائة، والشيخ زين الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الطبري المكي. والشيخ الصالح شرف الدين خضر بن عبد الرحمن العجمي، وشيخ شيوخ رباط الأعجام حيدر بن عبد الله المقرئ. والشيخ مقرئ الحرم برهان الدين إبراهيم بن مسعود الأيلي المصري. والشيخ مصلح الدين الحسن بن عبد الله العجمي. والشيخ مصلح الدين الحسن بن عبد الله العجمي. والإمام الصالح أبو الصفاء خليل بن عبد الله القسطلاني التوزري. والشيخ الإمام الصالح أبو محمد عبد الله بن أسعد الشافعي الحجة، انتهت إليه الرياسة العلمية والخطط الشرعية بالحرم. والشيخ فخر الدين عثمان بن أبي بكر النويري المالكي. والشيخ الإمام المدرس بالحرم شهاب الدين أحمد بن الحرازي اليمني. والشيخ قاضي القضاة نجم الدين محمد بن جمال الدين بن عبد الله بن المحب الطبري، والشيخ جلال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن براجين، القشيري التلمساني، وقرأ بها على أبيه وألبسه بها الخرقة، والشيخ الملك شرف الدين عيسى بن محمد بن أبي بكر بن أيوب، والشيخة فاطمة بنت محمد ابن محمد بن أبي بكر بن أيوب، والشيخة فاطمة بني محمد بن محمد بن أبي بكر بن
محمد بن إبراهيم الطبري المكية، والشيخ أبو الربيع سليمان بن يحيى بن سلمان، المراكشي السفاح، والشيخ قاضي القضاة وخطيب الخطباء عز الدين أبو عمر عبد العزيز ابن محمد ابن جماعة الكناني قاضي القضاة بالديار المصرية.
وبمصر الشيخ علاء الدين القونوي، والتقي السعدي، وقاضي القضاة القزويني وهو شهير الذكر رفيع القدر، وقاضي القضاة البرهان الحنفي، والشرف أقضى القضاة الإخميمي، والشيخ المحدث المسند البدر محمد بن محمد الفارقي، والقطب الحافظ أبو محمد ابن منير، والشهاب أحمد الجوهري الحلبي، والمعمر الشرف يحيى المقدسي بن المصري، والشيخ محسن القرشي، والشهاب الحنبلي، وفتح الدين محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس اليعمري، والشيخ المسند شمس الدين أبو بكر بن سيد الناس أخوه، والإمام أبو حيان، والحافظ النسابة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن طي ابن حاتم بن شيخ الزبيري المصري، يبلغ شيوخه نحواً من ألفي شيخ، والشيخ الشمس بن عدلان، والشهاب البوشي المالكي، والشيخ المتصوف تاج الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن ثعلب المصري مدرس المالكية، والشمس ابن كتشغري الخطاب الصيرفي، والعماد ابن النجم الدمياطي، والتاج الأشعري، والتقي الثعلبي، والفتح بن عبد القوي، والشمس الورجمي، والتقي الأشموني، والعلامة التقي السبكي، والمعروف ابن بني الشاذلي، وأبو الحسن التميمي، والبرهان الخيمي، والشمس الأسواني، والبرهان الحكري، والشمس ابن جابر الوادي آشي، وأبو محمد عبد الكريم الطوسي، وأبو فارس الزروالي التونسي، وصالح بن عبد العظيم بن يونس، وأبو عبد الله ابن القماح، والتاج التبريزي، والشيخ محمود الأصبهاني، والشرف المغيلي، والبرهان والسفاقسي.
ومن النساء الشيخة المسندة ست الفقهاء فاطمة بنت محمد الفيومي البكري، وببلبيس أسد الدين يوسف ابن داود الأيوبي بن أبناء الملوك.
ومن الشاميين بالقدس علاء الدين أبو الحسن علي بن أيوب، وخطيب
القدس النور ابن الصائغ المقدسي، ومحمد بن علي بن مثبت الأندلسي، والبرهان الجعبري إمام الخليلي.
ومن أهل دمشق البرهان ابن الفركاح، والشمس ابن مسلم قاضي الحنابلة.
وبالإسكندرية أحمد المرادي بن العشاب، وأبو القاسم ابن علي بن البراء، والناصر بن المنير.
وبطرابلس الخطيب أبو محمد جابر بن عبد الغفار.
وبتونس الزبيدي، والقاضي ابن عبد الرفيع، والقاضي ابن عبد السلام، وابن راشد، وأبو موسى هارون، والمحدث أبو عبد الله التلمساني، والحافظ أبو زكريا يحيى بن عصفور التلمساني نزيل تونس، وأبو محمد بن سعد الله بن أبي القاسم بن البراء.
وببلاد الجريد الشيخ الخطيب أبو عبد الملك ابن حيون.
وبالزاب ابن أبي، والشيخ أبو محمد بن راشد.
وببجاية الإمام النظار المجتهد أبو علي ناصر الدين المشدالي، والحافظ فقيه زمانه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن يللبخت الزواوي، والشيخ الفقيه أبو عبد الله الخطيب المسفر.
وبتلمسان الشيخان الإمامان ابنا الإمام، وقاضي القضاة بها أبو عبد الله ابن هدية، والخطيب أبو محمد المجاصي، والشريف أبو علي حسن بن يوسف بن يحيى الحسني، والشيخ أبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن علي المعروف بابن إسحاق الخياط وغيرهم.
محنته - اقتضى الخوض الواقع بين يدي تأميل الأمير أبي الحسن ﵀
تعالى عودة الأمر إليه وقد ألقاه اليم إلى الساحل بمدينة الجزائر أن قبض عليه بتلمسان أمراؤها المتوثبون علها في هذه الفترة من بني زيان، إرضاء لقبيلهم المتهم بمداخلته، وقد رحل عنهم دسيساً من أميرهم عثمان بن يحيى، فصرف مأخوذاً عليه طريقه، منتهباً رحله، منتهكة حرمته، وأسكن قرارة مطبق عميق القعر مقفل المسلك حريز القفل، ثني اثنين؛ انتهى ملخصاً.
ورأيت بخط ابن مرزوق على قوله وقد رحل عنهم دسيساً إلى آخره ما نصه: لم أرحل عنهم إلا بإذنهم، واقتراحهم علي في الإصلاح بينهم، لكنهم غدروا تقية على أنفسهم، قاله ابن مرزوق، انتهى، وكتب تحته ولد ابن الخطيب ما صورته: نعم ما ترى.
وعند الله تجتمع الخصومانتهى
رجع إلى كلام لسان الدين في حقه: قال بعد الكلام السابق ما ملخصه: ولأيام قتل ثانيه ذبحاً بمقربة من شفا تلك الركية، وانقطع أثره وأيقن الناس بفوات الأمر فيه، ولزمان من محنته ظهرت عليه بركة سلفه في خبر ينظر بطرفه إلى الكرامة فنجا ولا تسل كيف، وخلصه الله خلاصاً جميلاً، وقدم على الأندلس، والله ينفعه بنيته؛ انتهى.
وكتب ابن مرزوق على هذا المحل ما نصه: لم يكن المقتول حين قتل معي، ولا قتل ذبحاً، قاله ابن مرزوق، انتهى.
وكتب بعض علماء مصر تحته ما نصه: هذه دعوى، والمؤرخ أعرف، انتهى، فكتب آخر بعد هذا ما نصه: أتخبرني عني انتهى.
رجع - ثم قال لسان الدين في ترجمة شعره ما صورته: ركب مع السلطان
بخارج الحمراء أيام ضربت اللوز قبابها البيض وزينت الفحص العريضة، والروض الأريض، فارتجل في ذلك:
انظر إلى النوار في أغصانهيحكي النجوم إذا تبدت في الحلك
حيا أمير المسلمين وقال: قدعميت بصيرة من بغيرك مثلك
يا يوسفاً حزت الجمال بأسرهفمحاسن الأيام تومي هيت لك
أنت الذي صعدت به أوصافه ... فيقال فيه: ذا مليك أو ملك إلى أن قال: ومن الشعر المنسوب إلى محاسنه ما أنشد عنه وبين يديه ليلة الميلاد المعظم عام ثلاثة وستين وسبعمائة:
قل لنسيم السحرلله بلغ خبري
إن أنت يوماً بالحمىجررت فضل المئزر
ثم حثثت الخطو منفوق الكثيب الأعفر
مستقرياً في عشبهمخفي وطء المطر
تروي عن الضحاك في الروض حديث الزهر
مخلق الأذيال بالعبير أو بالعنبر
وصف لجيران الحمىوجدي بهم وسهري
وحقهم ما غيرتودي صروف الغير
لله عهد فيه قضيت حميد الأثر
أيامه هي التيأحسبها من عمري
ويا لليل فيه ماعيد بغير القصر
العمر فينان ووجهـ الدهر طلق الغرر
والشمل بالأحباب منظوم كنظم الدرر
صفو من العيش بلاشائبة من كدر
ما بين أهل تقطف الأنس جني الثمر
وبين آمال تبيح القرب صافي الغدر
يا شجرات الحي حياك الحيا من شجر
إذا أجال الشوق فيتلك المغاني فكري
خرجت من خدي حديث الدمع فوق الطرر
وقلت يا خد آرو مندمعي صحاح الجوهري
عهدي بحاد الركب كالورقاء عند السحر
والعيس تجتاب الفلاواليعملات تنبري
تخبط بالأخفاف مظلوم البرى وهو بري
قد عطفت عن ميدوالتفتت عن حور
قسي سير ما سوى العزم لها من وتر
حتى إذا الأعلام حلت لحفي البشر
واستبشر النازح بالقرب ونيل الوطر
وعين الميقات للسفر نجاح السفر
فالناس بين محرمبالحج أو معتمر
لبيك لبيك إلهـ الخلق باري الصور
ولاحت الكعبة بيت الله ذات الأثر
مقام إبراهيم والمأمن عند الذعر
واغتنم القوم طواف القادم المبتدر
وأعقبوا ركعتي السعي استلام الحجر
وعرفوا في عرفات كل عرف أذفر
ثم أفاض الناس سعياً في غد للمشعر
فوقفوا وكبرواقبل الصباح المسفر
وفي منى نالوا المنىوأيقنوا بالظفر
وبعد رمي الجمرات كان حلق الشعر
أكرم بذلك السفر والله وذاك السفر
يا فوزه من موقفيا ربحه من متجر
حتى إذا كان الوداع وطواف الصدر
فأي صبر لم يخنأو جلد لم يغدر
وأي وجد لم يطروسلوة لم تهجر
ما أفجع البيت لقلب الواله المستعبر
ثم ثنوا نحو رسول الله سير الضمر
فيعانوا في طيبةلألاء نور نير
رأوا رسول الله واستشفوا بلثم اجذر
نالوا به ما أملواوعرجوا في الأثر
على الضجعين أبيبكر الرضى وعمر
زيارة الهادي الشفيع جنة في المحشر
فأحسن الله عزاء قاصد لم يزر
ربع ترى مستنزل الآي به والسور
وملتقى جبريل بالهادي الزكي العنصر
وروضة الجنة بين روضة ومنبر
منتخب الله ومختار الورى من مضر
والمنتقى وكون منملابس الخلق عري
إذا لم يكن في أفقمن زحل ومشتري
ذو المعجزات الغر أمثال النجوم الزهر
يشهد بالصدق لهمنها انشقاق القمر
والضب والظبي إلىنطق الحصى والشجر
من أطعم الألف بصاع في صحيح الخبر
والجيش رواه بماء الراحة المنهمر
يا نكتة الكون التيفاتت المنال الفكر
يا حجة الله على الرائح والمبتكر
يا أكرم الرسل على الله وخير البشر
يا من له التقدم الحق على التأخر
يا من لدى مولدهالمقدس المطهر
إيوان كسرى ارتج إذضاءت قصور قيصر
وموقد النار طفيشطركأن لم يسعر
يا عمدتي يا ملجئييا مفزعي يا وزري
يا من له اللواء والحوض وورد الكوثر
يا منقذ الغرقى وهمرهن العذاب الأكبر
إن لم تحقق أمليبؤت بسعي المخسر
صلى عليك الله ياثمال كل معسر
صلى عليك الله يانور الدجى المعتكر
يا ويح نفسي كم أرىفي غفلة من عمري
واحسرتي من قلة الزاد وبعد السفر
يحجني والله بالبرهان وعظ المنبر
يا حسنها من خطبلو حركت من نظري
يا حسنها من شجرلو أورقت من ثمر
أؤمل الأوبة والأمر بكف القدر
أسوف العزم بهمن شهر لشهر
من صفر لرجبمن رجب لصفر
ضيعت في الكبرة ماأعددته في صغري
وليس ما مر من الأيام بالمنتظر
وقلما أن حمدتسلامة في غرر
ولي غريم لا ينيفي طلب المنكسر
يا نفس جدي قد بداالصبح ألا فاعتبري
واتعظي بمن مضىوارتدعي وازدجري
ما بعد شيب فود منمرتقب فشمري
أنت وإن طال المدىفي قلعة وسفر
وليس من عذر يقيم حجة المعتذر
يا ليت شعري والمنىتسرق طيب العمر
هل ارتجي من عودةأو رجعة أو صدر
فأبرد الغلة منذاك الزلال الخصر
مقتدياً بمن مضىمن سلف ومعشر
نالوا جوار الله وهوالفخر للمفتخر
أرجو بإبراهيم مولانا بلوغ الوطر
فوعده لا يمتريفي الصدق منه ممتري
وهو الإمام المرتضىوالخير ابن الخير
أكرم من نال العلابالمرهفات البتر
ممهد الملك وسيف الحق والليث الجري
خليفة الله الذيفاق بحسن السير
وكان منه الخبر في العلياء وفق الخبر
فصدق التصديق منمرآه للتصور
ومستعين الله فيورد له وصدر
فاق الملوك الصيد بالمجد الرفيع الخطر
فأصبحت ألقابهممنسية لم تذكر
وحاز منه أوحدوصف العديد الأكثر
برأيه المأمون أوعسكره المظفر
بسيفه السفاح أوبعزمه المقتدر
بالعلم المنصور أوبالذابل المنتصر
يا ابن الإمام الطاهر البر الزكي السير
مدحك قد علم نظم الشعر لم يشعر
جهد المقل اليوم منمثلي كوسع المكثر
فإن يقصر ظاهري ... فلم يقصر مضمري قلت: قول لسان الدين في حق هذه القصيدة إنها من الشعر المنسوب إلى محاسنه فيه تعريض خفيف بأن هذه القصيدة يحتمل أن تكون قيلت على لسانه حسبما جرت بذلك عادة الأكابر والرؤساء أن ينسب إليهم ما ليس من كلامهم في نفس الأمر، وليس الواقع عندي كذلك، لأن باع ابن مرزوق في النظم والنثر مديد، فأنى يقصر عن هذا القصيد ومن يصدر منه على البديهة قوله:
انظر إلى النوار في أغصانه ... الأبيات السابقة في اللوز - لا يستغرب منه مثل هذا، ولذا كتب ابن لسان الدين على قول والده من الشعر المنسوب إلى محاسنه ما صورته: حضرت إنشاءها وإنشادها ليلة الميلاد الشريف في التاريخ المذكور، واستحسنها شعراء العدوتين، وهي مما لا ينكر على مدارك سيدي أبي عبد الله ورسوخه في علم
النظم والنثر، قاله علي بن الخطيب؛ انتهى.
وكتب بعضهم على قوله في هذه القصيدة:
أيامه هي التي ... أعدها من عمري ما نصه: ولت والله، انتهى؛ فكتب ابن مرزوق بعده ما نصه: لكنها بدلت بخير منها والحمد لله، وحسنت الخاتمة ببركة رسول الله ﷺ تسليماً؛ انتهى.
وكتب ابن لسان الدين على قوله:
قلما أن حمدت ... سلامة في غرر ما نصه: كذلك كان، وليت والدي رحمه الله تعالى كذلك؛ انتهى.
وكتب على قوله " برأيه المأمون - إلخ ما نصه: لو كان له رأي مأمون ما نزل على قلعة الملك لسكنى القصبة بدخيلة طلب الراحة، فضربت عنقه، وكانت الراحة منه؛ انتهى.
وكتب بعض اثر هذا ما صورته: القدر لا يبالغ، الحذر ينفع ما لم يأتك القدر، فإذا أتى قدر، لم ينفع حذر؛ انتهى.
ثم قال لسان الدين: ووردت باب السلطان الكبير العالم أبي عنان فبلوت من مشاركته وحميد سعيه ما يليق بمثله، ولما نكبه لم أقصر عن ممكن حيلة في أمره، فلما ملك السلطان أبو عنان وصار الأمر لأخيه المتلاحق من الأندلسي أبي سالم بعد
الولد المسمى بالسعيد كان ممن دانت له الطاعة، وأناخ راحلة الملك، وحلب ضرع الدولة، وخطب عروس الموهبة، فأنسب ظفره في متات معقود من لدن الأب، مشدود من لدن القرابة، فاستحكم عن قرب، واستغلظ عن كثب، فاستولى على أمره وخلقه بنفسه ولم يستأثر عنه ببثه، ولا انفرد بما سوى بضع أهله، بحيث لا يقطع في شيء إلا [به و] عن رأيه، ولا يمحو ويثبت إلا واقفاً عند حده، فغشيت بابه الوفود وصرفت إليه الوجوه ووقفت عليه الآمال، وخدمته الأشراف وجلبت إلى سدته بضائع العقول والأموال، وهادته الملوك فلا تحدوا الحداة إليه، ولا تحط الرحال لديه، إن حضر أجرى الرسم وأنفذ الأمر والنهي لحظاً أو سراراً أو مكاتبة، وإن غاب ترددت الرقاع واختلفت الرسل، ثم انفرد أخيراً ببيت الخلوة ومنتبذ المناجاة من دونه معصب الوزراء وغايات الحجاب، فإذا انصرف تبعته الدنيا وسارت بين يديه الوزراء ووقفت ببابه الأمراء، قد وسع الكل لحظه وشملهم بحسب الرتب والأحوال ورعيه، ووسم أفذاذهم تسويده، وعقدت ببنان عليتهم بنانه، لكن رضى الناس الغاية التي لا تدرك، والحسد بين آدم قديم، وقبيل الملك مباين لمثله، فطويت الجوانح على سل، وحنيت الضلوع على بث، وأغضيت الجفون على قذى، إلى أن كان من نكبته الثالثة ما هو معروف، جعلها الله له طهوراً. ولم جرت الحادثة على الدولة بالأندلس وكان لحاق جميعنا بالمغرب جنيت ثمرة ما أسلفته من وده، فوفى الكيل وأشرك في الجاه وأدر الرزق ورفع
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع