من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس في إيراد جملة من نثره الذي عبق أريج البلاغة من نفحاته، ونظمه الذي تألق
نور البراعة من لمحاته وصفحاته، وما يتصل به من أزجاله وموشحاته،
ومناسبات رائقة فيفنون الأدب ومصطلحاته
اعلم - سلك الله تعالى بي وبك أوضح محجه، وجعلنا ممن انتحى صوب الصواب ونهجه - أن هذا الباب، هوالمقصود بتأليف هذا الكتاب، وغيره كالتبغ له، وها أنا أذكر ما حضرني الآن من بنات أفكار لسان الدين التي هي بالمحاسن متقنعة، ولبدائع منتعلة، فأقول:
أما نثره فهوالبحر الزخار، بل الدر الذي به الافتخار، وناهيك أن كتبه الآن في المغرب قبلة أرباب الإنشاء التي إليها يصلون، وسوق دررهم النفسيسة التي يزينون بها صدور طروسهم ويحلون، وخصوصاً كتابه ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب، فإنه، وإن تعددت مجلداته، على فن الإنشاء والكتابة مقصور، وقد اشتمل على السلطايات وغيرها ومخاطباته لأهل المشرق والمغرب على لسان ملوك الأندلس الذين علم بلاغتهم منصور، وقد تركت نسختي منه في المغرب، ولوحضرتني لكفتني عن هذه الفوائد التي أتعبت خاطري في جمعها من مقيداتي التي صبتها معي، وهي قليلة.
وقد مر في هذا الكتاب جملة من نثره ونظمه، والذي نجلبه هنا زيادة على ما سبق.
وقال رحمه الله تعالى في " الإحاطة " عند ترجمة نثره ما صورته: وأما النثر
فبحر زاخر، ومدى طوله مستاخر، وإنك لميفخر عليك كفاخر، وقد مر منه في تضاعيف هذا الديوان كثير، ونحن نجلب منه ما يشير إليه مشير؛ انتهى.
فمن ذلك قوله في غرض التحميد مما افتتح به الكتاب في التاريخ المتضمن دولة بني نصر: الحمد لله الذي جعل الأزمنة كالأفلاك، ودول الأملاك كأنجم الأحلاك، تطلعها من المشارق نيرة، وتلعب بها مستقيمة أومتحيرة، ثم تذهب بها غائرة متغيرة، السائق عجل، وطبع الوجود مرتجل، والحي من الموت وجل، والدهر لا معتذر ولا خجل، بينما ترى الدست عظيم الزحام، والموكب شديد الالتحام، والوزعة تشير، والأبواب يقرعها البشير، والسرور قد شمل الأهل والعشير، والأطراف تلثمها الأشراف، والطاعة يشهرها الاعتراف، والأموال يحوطها العدل أويبيحها الإسراف، والرايات تعقد، والاعطيات تنقد، إذ رأيت الأبواب مهجورة، والدسوت لا مؤملة ولا مزورة، والحركات قد سكنت، وأيدي الإدالة قد تمكنت، فكأنما لم يسمر سامر، ولا نهي ناه، ولا أمر آمر، ما أشبه الليلة بالبارحة، والغادية بالرائحة ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح﴾ (الكهف:).
ومن نثره قوله في استدعاء إمداد وحض على الجهاد: " أيها الناس رحمكم اله تعالى، إخوانكم المسلمون بالأندلس قد دهم العدوقصمه الله تعالى ساحتهم، ورام الكفر خذله الله تعالى استباحتهم، وزحفت أحزاب الطواغيت إليهم، ومد الصليب ذراعيه عليهم، وأيديكم بعزة الله تعالى أقوى، وأنتم المؤمنون أهل البر والتقوى، وهودينكم فانصروه، وجواركم الغريب فلا تحفزوه، وسبيل الرشد قد وضح فلتبصروه، الجهاد الجهاد فقد تعين،
الجار الجار فقد قرر الشرع حقه وبين، الله الله في الإسلام، الله الله في أمة محمد ﵊، الله الله في المساجد المعمورة بذكر الله، الله اله في وطن الجهاد في سبيل الله، قد استغاث بكم الدين فأغيثوه، قد تأكد عهد الله وحاشاكم أن تنكثوه، أعينوا إخوانكم بما أمكن من الإعانة أعانكم الله تعالى عند الشدائد، جددوا عوائد الخير يصل الله تعالى لكم جميل العوائد، صلوا رحم الكلمة، واسوا أنفسكم وأموالكم تلك الطوائف المسلمة، كتاب الله بين أيديكم، وألسنة الآيات تناديكم، وسنة رسول الله ﷺ قائمة فيكم، والله سبحانه يقول له " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم " الصف:.
ومما صح عنه قوله من اغبرت قدماه في سبيل الل حرمهما الله على النار لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، أدركوا رمق الدين قبل أ، يفوت، بادروا عليل الإسلام قبل أن يموت، احفظوا وجوهكم مع الله تعالى يوم يسألكم عن عباده، جاهدوا في الله بالألسن والأقوال حق جهاده:
ماذا يكون جوابكم لنبيكموطريق هذا العذر غير ممهد
إن قال لم فرطتم في أمتيوتركتموهم للعدوالمعتدي
تالله لو أن العقوبة لم تخف ... لكفى الحيا من وجه ذاك السيد اللهم اعطف علينا قلوب العباد، اللهم بث لنا الحمية في البلاد، اللهم دافع عن الحريم والضعيف والأولاد، اللهم انصرنا على أعدائك، بأحبابك وأوليائك، يا خير الناصرين، اللهم أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. انتهى.
ومن ذلك قوله في صداق أمره السلطان بإنشائه لكبير الشرفاء بفاس في فصل منه تضمن ذكر أوليتهم واستيطانهم لتلك المدينة ما صورته.
فضرب بفاس - عمرها الله تعالى - حلته، وأورث منها بالبقعة الزكية
الرفيعة وجلته، فتبوأوا من ذلك الغور، المعشب الروض الأرج النور، هالة سعد، وأفق برق ورعد، ودست وعيد ووعد، يتناقلون رتب الشرف الصريح كابراً عن كابر، ويروي مسلسل المجد عن بيتهم الرفيع الجد كل حريص على عوالي المعالي مثابر:
فالكف عن صلة، والأذن عن حسن ... والعين عن قرة، والقلب عن جابر حيث الأنوف الشم والوجوه الغر، والعزة القعساء والنسب الحر، والفواطم في صدف الصون من لدن الكون كأنهن الدر، آل رسول الله ونعم الآل، والموارد الصادقة إذا كذب الآل، ون إذا لم يصل عليهم في الصلاة حبطت منها الأعمال، طلبة الراكب، ونشدة الطالب، وسراة لؤي بن غالب، وملتقى نور الله تعالى ما بين فاطمة الزهراء وعلي بن أبي طالب. انتهى، وهوطويل لم يحضرني منه الآن سوى ما ذكرته.
ومن ذلك قوله رحمه الله تعالى: كتبت إلى بعض السادة الفضلاء، وقد بلغني مرضه أيام كان الانزعاج عن الأندلس إلى الإيالة المرينية:
وردت علي فئتي التي إليها في معركة الدهر أتحيز، وبفصل فضلها في الأقدار المشتركة اتميز، سحاءة سرت وساءت، وبلغت من القصدين ما شاءت، أطلع بها سيدي صنيعة وده من شكواه على كل عابث في السويداء، موجب اقتحام البيداء، مضرم نار الشفقة في فؤاد لم يبق من صبره إلا القليل، ولا من إفصاح لسانه إلا الأنين والأليل، ونوى مدت لغير ضرورة يرضاها الخليل، فلا تسأل عن ضنين تطرقت اليد إلى رأس ماله، أوعابد نوزع في تقبل أعماله، أوآمل ضويق في فذلكة آماله، لكني رجحت دليل المفهوم على دليل المنطوق، وعارضت القواعد الموحشة بالفروق، ورأيت الخط يبهر والحمد لله تعالى ويروق،
واللفظ الحسن تومض في حبره للمعنى الأصيل بروق، فقلت: ارتفع الوصب، ورد من الصحة المغتصب، وآلة الحس والحركة هي العصب، وإذا أشرق سراج الإدراك دل على سلامة سليطه، والروح خليط البدن والمرء بخليطه، وعلى ذلك فبليد احتياطي لا يقنعه إلا الشرح، فيه يسكن الظمأ البرح، وعذراً عن التكليف فهومحل الاستقصاء والاستفسار، والإطناب والإكثار، وزند الفلق في مثلها أورى، والشفيق بسوء الظن مغري، والسلام.
ومن نثر لسان الدين ما ذكره في " الإحاطة " في ترجمة أبي عبد الله الشديد وهومحمد بن قاسم بن أحمد بن إبراهيم الأنصاري الجياني الأصل ثم المالقي إذ قال ما صورته:
" جملة جمال من خط حسن واضطلاع بحمل كتاب الله، بلبل دوح السبع المثاني، ومائطة عروس أبي الفرج ابن الجوزي، وآية صقعه ونسيج وحده في حسن الصوت وطيب النغمة، اقتحم لذلك دسوت الملوك، وجر أذيال الشهرة، عذب الفكاهة، ظريف المجالسة، قادراً على المحاكاة، متسوراً حمى الوقار، ملبياً داعي الانبساط، قلد شهادة الديوان بمالقة فكان مغار حيل الأمانة، شامخ مارن النزاهة، لوحاً للألقاب، وعززت ولايته ببعض الألقاب النبيهة، وهوالآن الناظر في أمور الحسبة ببلده، ولذلك خاطبته برقعة أداعبه بها وأشير إلى أضداده بما نصه:
يا أيها المحتسب الجزلومن لديه الجد والهزل
يهنيك والشكر لمولى الورى ... ولاية ليس لها عزل كتبت أيها المحتسب، المنتمي إلى النزاهة المنتسب، أهنيك ببلوغ تمنيك، وأحذرك
من طمع نفس بالغرور تمنيك، فكأنني بك وقد طافت بركابك الباعة، ولزم أمرك السمع والطاعة، وارتفعت في مصانعتك الطماعة، وأخذت أهل الريب بغتة كما تقوم الساعة، ونهضت تقعد وتقيم، وسطوتك الريح العقيم، وين يديك القسطاس المستقيم، ولا بد من شرك ينصب، وجماعة على ذي جاه تعصب، ودالة يمت بها الجناب الأخصب، فإن غضضت طرفك، أمنت على الولاية صرفك، وإن ملأت ظرفك، رحلت عنها حرفك، وإن كففت فيها كفك، حفك العز فيمن حفك، فكن لقالي المجبنة قالياً، ولحوت السلة سالياً، وأبد لدقيق الحواري زهد حواري، وازهد فيما بأيدي الناس من العواري، وسر في اجتناب الحلواء، على السبيل السواء، وارفض في الشواء، دواعي الأهواء، وكن على الهراس وصاحب ثريد الراس شديد المراس، وثب على طبيخ الأعراس ليثاً مرهوب الافتراس، وأدب أطفال الفسوق في السوق، لا سيما من كان قبل البلوغ والبسوق، وصمم على استخراج الحقوق، والناس أصناف فمنهم خسيس يطمع منك في ألة، ومستعد عليك بوكزة أوركلة، وحاسد في مطية تركب وعطية تسكب، فاخفض للحاسد جناحك، وسدد إلى حربه رماحك، واشبع الخسيس منهم مرقة فإنه حنق، ودس له فيها عظماً لعله يختنق، واحفر لشريرهم حفرة عميقة، فإنه العدوحقيقة، حتى إذا حصل، وعلمت أن وقت الانتصار قد اتصل، فأوقع وأوجع ولا ترجع، وأولياءه من الشياطين فافجع، والحق أقوى، وأن تعفوأقرب لتقوى، سددك اله تعالى إلى غرض التوفيق، وأعلقك
من الحق بالسبب الوثيق، وجعل قدومك مقروناً برخص اللحم والزيت والدقيق؛ انتهى.
ومما كتب به لسان الدين إلى علي بن بدر الدين الطوسي بن موسى ابن رحوبن عبد الله بن عبد الحق من مدينة سلا ما نصه:
يا جملة الفضل والوفاءما بمعاليك من خفاء
عندي بالود فيك عقدحفه الدهر باكتفاء
ما كنت أقضي حلاك حقاًلو جئت مدحاً بكل فاء
فأول وجه القبول عذري ... وحسبك الشك في صفاء سيدي الذي هوفصل جنسه، ومزية يومه على أمسه، فإن افتخر الدين من أبيك بدره افتخر منك بشمسه، رحلت على المنشا والقرارة، ومحل الصبوة والفرارة، فلم تتعلق نفسي بذخيرة، ولا عهد جيرة خيرة، كتعلقها بتلك الذات التي لطفت لطافة الراح، واشتملت بالمجد الصراح، شفقة أن تصيبها معرة والله تعالى يقيها، ويحفظها ويبقيها، إذ الفضائل في الأزمان الرذلة غوائل، والضد عن ضده منحرف بالطبع ومائل، فلما تعرفت خلاص سيدي من ذلك الوطن، وإلقاءه وراء الفرضة بالعطن، لم تبق لي تعلة، ولا أحرضتني له علة، ولا أوتي جمعي من قلة، فكتبت أهنئ نفسي الثانية بعد هناء نفسي الأولى، وأعترف للزمان باليد الطولى، فالحمد لله الذي جمع الشمل بعد شتاته، وأحيا الأنس بعد مماته، سبحانه لا مبدل لكلماته، وإياه أسأل أن يجعل العصمة حظ سيدي ونصيبه، فلا يستطيع حادث أن يصيبه، وأنا أخرج له عن بث كمين، ونصح أنا به قمين،
بعد أن أسبر غوره، وأخبر طوره، وأرصد دوره، فإن كان له في التشريق أمل، وفي ركب الحجاز ناقة وجمل، والرأي فيه قد نجحت منه نية وعمل، فقد غني عن عرف البقرات، بأزكى الثمرات، وأطفأ هذه الجمرات، برمي الجمرات، وتأنس بوصل السرى ووصال السراة، وأنا به إن رضيتني أرضى مرافق، ولواء عزي به خافق، وإن كان على السكون بناؤه، وانصرف إلى الإقامة اعتناؤه، فأمر له ما بعده، والله يحفظ من الغير سعده، والحق أن تحذف الأبهة وتختصر، ويحفظ اللسان ويغض البصر، وينخرط في الغمار، ويخلي عن المضمار، ويجعل من المحظور مداخلة من لا خلاق له، ممن لا يقبل الله تعالى قوله ولا عمله، فلا يكتم سراً، ولا يتطوق من الرجولة زراً، ويرفض زمام السلامة، وترك العلامة على النجاة علامة، وأما حالي فكما علمتم ملازم كن، ومهبط تجربة وسن، أزجي الأيام، وأروم بعد التفرق الالتئام، خالي اليد، مليء القلب والخلد، بفضل الواحد الصمد، عامل على الرحلة الحجازية التي أختارها لكم ولنفسي، واصل في التماس الإعانة عليها يومي بأمسي، أوجب ما قررته لكم ما أنتم أعلم به من ود قررته الأيام والشهور، والخلوص المشهور، وما أطلت في شيء عند قدومي على هذا الباب الكريم إطالتي فيما يختص بكم من موالاته، وبذل مجهود القول والعمل في مرضاته، وأما ذكركم في هذه الأوضاع فهومما يقر عين المجادة، والوظيفة التي ينافس فيها أولوالسادة، والله يصل بقاءكم، وييسر لقاءكم، والسلام " انتهى.
ومن نثر لسان الدين ما أثبته في الإحاطة في ترجمة ابن خلدون صاحب التاريخ الذي تكرر نقلنا منه في هذا التأليف:
ولنذكر الترجمة بجملتها فنقول: قال رحمه الله تعالى في " الإحاطة " ما نصه: " عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن
إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي، من ذرية عثمان أخي كريب المذكور في نبهاء ثوار الأندلس، وينسب سلفهم إلى وائل بن حجر، وحاله عند القدوم على رسول الله ﷺ معروفة، انتقل سلفه من مدينة إشبيلية عن نباهة وتعين وشهرة عند الحادثة بها أوقبل ذلك، فاستقر بتونس منهم ثاني المحمدين محمد بن الحسن، وتناسلوا على حشمة وسراوة ورسوم حسنة، وتصرف جد المترجم به في القيادة. وأما المترجم به فهورجل فاضل، حسن الخلق، جم الفضائل، باهر الخصل، رفيع القدر، ظاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، خاصي الزي، عالي الهمة، عزوف عن الضيم، صعب المقادة، قوي الجأش، طامح لقنن الرياسة، خاطب للحظ، متقدم في فنون عقلية ونقلية، متعدد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التصور، بارع الخط، مغري بالتجلة، جواد حسن العشرة، مبذول المشاركة، مقيم لرسم التعيين، عاكف على رعي خلال الأصالة، مفخر من مفاخر التخوم المغربية. قرأ القرآن ببلده على المكتب ابن برال، والعربية على المقرئ الزواوي وغيره، وتأدب بأبيه، وأخذ عن المحدث أبي عبد الله ابن جابر الوادي آشي، وحضر مجلس القاضي أبي عبد الله ابن عبد السلام، وروى عن الحافظ أبي عبد الله السطي، والرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي، ولازم العالم الشهير أبا عبد الله الآبلي وانتفع به، انصرف من إفريقية منشئه بعد أ، تعلق بالخدمة السلطانية على الحداثة، وإقامته لرسم العلامة بحكم الاستنابة، عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، وعرف فضله، وخطبه السلطان منفق سوق العلم والأدب أبوعنان فارس بن علي بن عثمان، واستحضره بمجلس المذاكرة فعرف حقه وأوجب فضله، واستعمله على الكتابة أوائل عام ستة وخمسين، ثم عظم عليه حمل الخاصة من طلبة الحضرة لبعده عن حسن التأتي، وشفوفه بثقوب الفهم وجودة الإدراك، فأغروا به
السلطان إغراء عضده ما جبل عليه عهدئذ من إغفال التحفظ مما يريب ليده، فأصابته شدة تخلصه منها أجله، كانت مغربة في جفاء ذلك الملك وهناة جواره، وإحدى العوازل لأولي الهوى في القول بفضله وعدم الخشوع وإهمال التوسل وإبادة المكسوب في سبيل النفقة والإرضاخ على زمن المحنة وجار المنزل الخشن، إلى أ، أفضى الأمر إلى السعيد ولده، فأعتبه قيم الملك لحينه، وأعاده إلى رسمه، ودالت الدولة إلى السلطان أبي سالم، وكان له به الاتصال قبل تسوغ المحنة بما أكد حظوته، فقلده ديوان الإنشاء مطلق الجرايات محرر السهام نبيه الرتبة، إلى آخر أيامه. ولما ألقت الدولة مقادها بعده إلى الوزير عمر بن عبد الله مدبر الأمر، وله إليه وسيلة وفي حيله شركة وعنده حق، رابه تقصيره عما ارتمى إليه أمله، فساء ما بينهما بما آل انفصاله عن الباب المريني، وورد على الأندلس في أول ربيع الأول عام أربعة وستين وسبعمائة، واهتز له السلطان، وأركب خاصته لتقليه، وأكرم وفادته، وخلع عليه وأجلسه بمجلسه، ولم يدخر عنه براً ومؤاكلة ومطايبة وفكاهة.
وخاطبني لما حل بظاهر الحضرة مخاطبة لم تحضرني الآن، فأجبته عنها بقولي:
حللت حلول الغيث في البلد المحلعلى الطائر الميمون والرحب والسهل
يميناً بمن تعنو الوجوه لوجههمن الشيخ والطفل المهدإ والكهل
لقد نشأت عندي للقياك غبطة ... تنسي اغتباطي بالشبيبة والأهل أقسمت بمن حجت قريش لبيته، وقبر صرفت أزمة الأحياء لميته، ونور ضربت الأمثال بمشكاته وزيته، لوخيرت أيها الحبيب الذي زيارته الأمنية السنية، والعارفة
الوارفة، واللطيفة المطيفة، بين رجع الشباب يقطر ماء ويرف نماء، ويغاز عيون الكواكب فضلاً عن الكواعب إشارة وإيماء، بحيث لا الوخط يلم بسياج لكته، أويقدح ذبالة في ظلمته، أويقوم حواريه في ملته، من الأحابش وامته، وزمانه روح وراح، ومغدى في النعيم ومراح، وقصف صراح، ورقى وجراح، وانتحاب واقتراح، وصدور ما بها إلا انشراح، ومسرات تردفها أفراح، وبين قدومك خليع الرسن، ممتعاً والحمد لله باليقظة والوسن، محكماً في نسك الجنيد أوفتك الحسن، ممتعاً بظرف المعارف، مالئاً أكف الصيارف، ماحياً بأنوار البراهين شبه الزخارف، لما اخترت الشباب وإن راقني زمنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سحائب دمعي دمنه، فالحمد لله الذي رقى جنون اغترابي، وملكني أزمة آرابي، وغبطني بمائي وترابي، ومألف أترابي، وقد أغصني بلذيذ شرابي، ووقع على سطوره المعتبرة إضرابي، وعجلت هذه مغبطة بمناخ المطية، ومنتهى الطية، وملتقى السعود غير البطية، وتهني الآمال الوثيرة الوطية، فما شئت من نفوس عاطشة إلى ربك، متجملة بزيك، عاقلة خطى مهريك، ومولى مكارمه نشيدة أمثالك، ومظان مثالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع فضل مجدك في التخلف عن الإصحار، لا بل اللقاء من وراء البحار، والسلام.
ولما استقر بالحضرة جرت بيني وبينه مكاتبات أقطعها الظرف جانبه، وأوضح الأدب مذاهبه، فمن ذلك ما خاطبته به وقد تسري جارية رومية اسمها هند صبيحة الابتناء بها:
أوصيك بالشيخ أبي بكرهلا تأمنن في حالة مكره
واجتنب الشك إذا جئتهجنبك الرحمن ما تكره
سيدي لا زلت تتصف بالوالج، بين الخلاخل والدمالج، وتركض فوقها ركض الهمالج، أخبرني كيف كانت الحال، وهل حطت بالقاع من خير البقاع الرحال، واحكم بمرود المراودة الاكتحال، وارتفع بالسقيا الإمحال، وصح الانتحال، وحصحص الحق وذهب المحال، وقد طولعت بكل بشرى وبشر، وزفت هند منك إلى بشر، فلله من عشية، تمتعت من الربيع بفرش موشية، وأبدلت منها أي آساد حشية، وقد أقبل ظبي الكناس، من الديماس، ومطوق الحمام، من الحمام، وقد حسنت الوجه الجميل التطرية، وأزيلت عن الفرع الأثيث الأبرية، وصقلت الخدود فكأنها الأمرية، وسلط الدلك على الجلود، وأغريت النورة بالشعر المولود، وعادت الأعضاء يزلق عنها اللمس، ولا تنالها البنان الخمس، والسحنة يجول في صفحتها الفضية ماء النعيم، والمسواك يلبي من ثنية التنعيم، والقلب يرمي من الكف الرقيم بالمقعد المقيم، وينظر إلى نجوم الوشوم فيقول: إني سقيم، وقد تفتح ورد الخفر، وحكم لزنجي الضفيرة بالظفر، واتصف أمير الحسن بالصدود المغتفر، ورش بماء الطيب، ثم أعلق بباله دخان العود الرطيب، وأقبلت الغادة، يهديها اليمن وتزفها السعادة، فهي تمشي على استحيا، وقد ذاع طيب الريا وراق حسن المحيا، حتى إذا نزع الخف، وقبلت الأكف، وصخب المزمار وتجاوب الدف، وذاع الأرج، وارتفع الحرج، وتجوز اللوى والمنعرج، ونزل على بشر بزيارة هند الفرج، اهتزت الأرض وربت، وعوصيت الطباع البشرية فأبت، ولله در القائل:
ومرت فقالت: متى نلتقيفهش اشتياقاً إليها الخبيث
وكاد يمزق سربالهفقلت: إليك يساق الحديث
فلما انسدل جنح الظلام، وانتصفت من غريم العشاء الأخيرة فريضة السلام، وخاطب خيوط المنام عيون الأنام، تأتى دنوالجلسة، ومسارقة الخلسة، ثم عضة النهد، وقبلة الفم والخد، وإرسال اليد من النجد إلى الوهد، وكانت الإمالة القليلة قبل المد، ثم الإفاضة فيما يغبط ويرغب، ثم الإماطة لما يشوش ويشغب، ثم إعمال المسير، إلى السرير:
وصرنا إلى الحسنى، ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال وهذا بعد منازعة للأطواق يسيرة، يراها الغيد من حسن السيرة، ثم شرع في التكة، ونرع الشكة، وتهيئة الأرض العزاز عمل السكة، ثم كان الوحي والاستعجال، وحمي الوطيس والمجال، وعلا الجزء الخفيف، وتضافرت الخصور الهيف، وتشاطر الطبع العفيف، وتواتر التقبيل، وكان الأخذ الوبيل، وامتاز الانوك من النبيل، ومنها جاشر وعلى الله قصد السبيل، فيا لها من نعم متداركة، ونفوس في سبيل القحة متهالكة، ونفس يقطع حروف الحلق، وسبحان الذي يزيد في الخلق، وعظمت الممانعة، وكثرت باليد المصانعة، وطال التراوغ والتزاور، وشكي التحاور، وهناكل تختلف الأحوال، وتعظم الأهوال، وتخسر أوتربح الأموال، فمن عصاً تنقلب ثعباناً مبيناً، ونونة تصير تنيناً، وبطل لم يهمله المعترك الهائل، والوهم الزائل، ولا حال بينه وبين قرنه الحائل، فتعدى فتكة السليك إلى فتكة البراض، وتقلد مذهب الأزارقة من الخوارج في الاعتراض، ثم شق الصف، وقد خضبت الكف، بعد أن كان يصيب البوسى
بطعنته، ويبوء بمقت الله ولعنته:
طعنت ابن عبد الله طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها وهناك هدأ القتال، وسكن الخبال، ووقع المتوقع فاستراح البا، وتشوف إلى مذهب الثنوية من لم يكن للتوحيد بمبال، وكثر السؤال عن المبال، بما بال، وجعل الجريح يقول وقد نظر إلى دمه، يسيل على قدمه:
إني له عن دمي المسفوك معتذر ... أقول حملته في سفكه تعبا ومن سنان عاد عناناً، وشجاع صار جباناً، كلما شابته شائبة ريبه، أدخل يده في جيبه، فانجحرت الحية، وماتت الغريزة الحية، وهناك يزيغ البصر، ويخذل المنتصر، ويسلم الأشر، ويغلب الحصر، ويجف اللعاب، ويظهر العاب، ويخفق الفؤاد، ويكبوالجواد، ويسيل العرق، ويشتد الكرب والأرق، وينشأ في محل الأمن الفرق، ويدرك فرعون الغرق، ويقوي اللجاج ويعظم الخرق، فلا تزيد الحال إلا شدة، ولا تعرف تلك الحائجة المؤمنة إلا ردة:
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده فكم مغرى بطول البث، وهومن الخبث، يؤمل الكرة، ليزيل المعرة، ويستنصر الخيال، ويعمل باليد الاحتيال:
إنك لا تشكو إلى مصمتفاصبر على الحمل الثقيل أو مت
ومعتذر بمرض أصابه، جرعه أوصابه، ووجع طرقه، جلب أرقه، وخطيب أرتج عليه أحياناً، فقال: سيحدث الله بعد عسر يسراً وبعد عي بياناً؛ اللهم إنا تعوذ بك من فضائح الفروج إذا استغفلت أقفالها، ولم تتسم بالنجيع أغفالها، ومن معرات الأقذار، والنكول عن الأبكار، ومن النزول عن البطون والسرر، والجوارح الحسنة الغرر، قبل ثقب الدرر، ولا تجعلنا ممن يستحيي من البكر بالغداة، وتعلم منه كلال الأداة، وهو مجال فضحت فيه رجال، وفراش شكيت فيه أوجال، وأعملت رواية وارتجال، فمن قائل:
أرفعه طوراً على إصبعيورأسه مضطرب أسفله
كالحنش المقتول يلقى علىعود لكي يطرح في مزبله وقائل:
عدمت من أيري قوى حسهيا حسرة المرء على نفسه
تراه قد مال على أصلهكحائط خر على أسه وقائل:
أيحسدني إبليس داءين أصبحابرجلي وراسي دملاً وزكاما
فليتهما كانا به وأزيدهرخاوة أير لا يطيق قياما
إذا نهضت للنيك أزباب معشرتوسد إحدى خصيتيه وناما وقائل:
أقول لأيري وهو يرقب فتكةبه: خبت من أير وعالتك داهية
إذا لم يكن للأير بخت تعذرتعليه وجوه النيك من كل ناحية وقائل:
تعقف فوق الخصيتين كأنهرشاء إلى جنب الركية ملتف
كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسهإلى أبويه ثم يدركه الضعف وقائل:
تكرش أيري بعدما كان املساوكان غنياً من قواه فأفلسا
وصار جوابي للمها إن مررن بيمضى الوصل إلا منية تبعث الأسر وقائل:
بنفسي من حييته فاستخف بيولم يخطر الهجران يوماً على بالي
وقابلني بالغور والنجد بعدماحططت به رحلي وجردت سربالي
وما أرتجي من موسر فوق تكة ... عرضت له شيئاً من الحشف البالي هموم لا تزال تبكى، وعلل الدهر تشكى، وأحاديث تقص وتحكى، فإن كنت أعزك الله سبحانه من النمط الأول، ولم تقل:
وهل عند رسم دارس من معول ... فقد جنيت الثمر، واستطبت السمر، فاستدع الأبواق من أقصى المدينة، واخرج على قومك في ثياب الزينة واستبشر بالوفود، وعرف المسمع عازفة الجود، وتبجح بصلابة العود، وإنجاز الوعود، واجن رمان النهود، من أغصان القدود، واقطف ببنان اللثم أقاح الثغور وورد الخدود، وإن كانت الأخرى فأخف الكمد، وارض الثمد، وانتظر الأمد، وأكذب التوسم، واستعمل التبسم، واستكتم النسوة، وأفض فيهن الرشوة، وتقلد المغالطة وارتكب، وجئ على قميصه بدم كذب، واستنجد الرحمن، واستعن على أمرك بالكتمان:
لا تظهرن لعاذل أوعاذرحاليك في الضراء والسراء
فلرحمة المتفجعين حرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء وانتشق الأرج، وارتقب الفرج، فكم غمام طما " ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " الأنفال: واملك بعدها عنان نفسك حتى تمكنك الفرصة، وترفع إليك القصة، ولا تشره إلى عمل لا تفيء منه بتمام، وخذ عن إمام، ولله در الحارث بن هشام:
الله يعلم ما تركت قتالهمحتى رموا مهري بأشقر مزبد
وعلمت أني أقاتل دونهمأقتل، ولم يضرر عدوي مشهدي
ففررت منهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد واللبانات تلين وتجمح، والمآرب تدنو وتنزح، وتحرن ثم تسمح، وكم من شجاع خام، ويقظ نام، ودليل أخطأ الطريق، وأضل الفريق، والله ﷿ يجعلها خلة موصولة، وشملاً اكنافه بالخير مشمولة، وبنية أركانها لركائب اليمن مأمولة، حتى تكثر خدم سيدي وجواريه، وأسرته وسراريه، وتصفوعليه نعم باريه، ما طورد قنيص، واقتحم عيص، وأدرك مرام عويص، وأعطي زاهد وحرم حريص؛ والسلام.
[بقية ترجمة ابن خلدون عن الإحاطة]
تواليفه - شرح البردة شرحاً بديعاً دل به على انفساح ذرعه، وتفنن إدراكه
وغزارة حفظه، ولخص كثيراً من كتب ابن رشد، وعلق للسلطان أيام نظره في العقليات تقييداً مفيداً في المنطق، ولخص محصل الإمام فخر الدين الرازي، وبه داعبته أول لقيه، فقلت له: لي عليك مطالبة فإنك لخصت محصلي، وألف كتاباً في الحساب، وشرع في هذه الأيام في شرح الرجز الصادر عني في أصول الفقه بشيء لا غاية فوقه في الكمال.
وأما نثره وسلطانياته السجعية فخلج بلاغة، ورياض فنون، ومعادن إبداع، يفرغ عنها يراعه الجريء، شبيهة البداءات بالخواتم، في نداوة الحروف، وقرب العهد بجرية المداد، ونفوذ أمر القريحة، واسترسال الطبع.
وأما نظمه فنهض لهذا العهد قدماً في ميدان الشعر، ونقده باعتبار أساليبه فانثال عليه جوه، وهان عليه صعبه، فأتى منه بكل غريبة.
خاطب السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الكريم عام اثنين وستين وسبعمائة بقصيدة طويلة أولها:
أسرفن في هجري وفي تعذيبيوأطلن موقف عبرتي ونحيبي
وأبين يوم البين وقفة ساعةلوداع مشغوف الفؤاد كئيب
لله عهد الظاعنين وغادرواقلبي رهين صبابة ووجيب
غربت ركائبهم ودمعي سافحفشرقت بعدهم بماء غروبي
يا ناقعاً بالعتب غلة شوقهمرحماك في عذلي وفي تأنيبي
يستعذب الصب الملام وإننيماء الملام لدي غير شريب
ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوىلولا تذكر منزل وحبيب
أهفو إلى الأطلال كانت مطلعاًللبدر منهم أوكناس ربيب
عبثت بها أيدي البلى وترددتفي عطفهها للدهر آي خطوب
تبلى معاهدها وإن عهودهاليجدها وصفي وحسن نسيبي
وإذا الديار تعرضت لمتيمهزته ذكراها إلى التشبيب
إيه على الصبر الجميل فإنهألوى بدين فؤادي المنهوب
لم أنسها والدهر يثني صرفهويغض طرفي حاسد ورقيب
والدار مونقة محاسنها بمالبست من الأيام كل قشيب
يا سائق الأظعان تعتسف الفلاوتواصل الإساد بالتأويب
متهافتاً عن رحل كل مذللنشوان من أين ومس لغوب
تتجاذب النفحات فضل ردائهفي ملتقاها من صباً وجنوب
إن هام من ظمإ الصبابة صحبهنهلوا بمورد دمعه المسكوب
أو تعترض مسراهم سدف الدجىصدعوا الدجى بغرامه المشبوب
في كل شعب منية من دونهاهجر الأماني أولقاء شعوب
هلا عطفت صدورهن إلى التيفيها لبانة أعين وقلوب
فتؤم من أكناف يثرب مأمناًتتلو من الآثار كل غريب
سر غريب لم يحجبه الثرىما كان سر الله بالمحجوب ومنها بعد تعديد معجزاته ﷺ:
يا سيد الرسل الكرام ضراعةتقضي مني نفسي وتذهب حوبي
عاقت ذنوبي عن جنابك والمنىفيها تعللني بكل كذوب
لا كالألى صرفوا العزائم للتقىفاستأثروا منها بخير نصيب
لم يخلصوا لله حتى فرقوافي الله بين مضاجع وجنوب
هب لي شفاعتك التي أرجو بهاصفحاً جميلاً عن قبيح ذنوبي
إن النجاة وإن أتيحت لامرئفبفضل جاهك ليس بالتسبيب
إني دعوتك واثقاً بإجابتييا خير مدعووخير مجيب
قصرت في مدحي فإن يك طيباًفبما فذكرك من أريج الطيب
ماذا عسى يبغي المطيل وقد حوىفي مدحك القرآن كل مطيب
يا هل تبلغني الليالي زورةتدني إلي الفوز بالمرغوب
أمحو خطيئاتي بإخلاصي بهاوأحط أوزاري وإصر ذنوبي
في فتية هجروا المنى وتعودواإنضاء كل نجيبة ونجيب
يطوي صحائف ليلهم فوق الفلاما شئت من خبب ومن تقريب
إن رنم الحادي بذكرك رددواأنفاس مشتاق إليك طروب
أو غرد الركب الخلي بطيبةحنوا لمغناها حنين النيب
ورثوا اعتساف البيد عن آبائهمإرث الخلافة في بني يعقوب
الطاعنون الخيل وهي عوابسيغشى مثار النقع كل سبيب
والواهبون المقربات صوافناًمن كل خوار العنان لعوب
والمانعون الجار حتى عرضهمفي منتدى الأعداء غير معيب
تخشى بوادرهم ويرجى حلمهموالعز شيمة مرتجى ومهيب ومنها:
سائل به طامي العباب وقد سرىتزجى بريح العزم ذات هبوب
تهديه شهب أسنة وعزائميصد عن ليل الحادث المرهوب
حتى انجلت ظلم الضلال بسعيهوسطا الهدى بفريقها المغلوب
يا ابن الألى شادوا الخلافة بالتقىواستأثروك بتاجها المعصوب
جمعوا بحفظ الدين آي مناقبكرموا بها في مشهد ومغيب
لله مجدك طارفاً أو تالداًفلقد شهدنا منه كل عجيب
كم رهبة أورغبة لك والعلاتقتاد بالترغيب والترهيب
لا زلت مسروراً بأشرف دولةيبدو الهدى من أفقها المرقوب
تحيي المعالي غادياً اورائحاً ... وجديد سعدك ضامن المطلوب وقال من قصيدة خاطبه بها عند وصول هدية ملك السودان إليه وفيها الزرافة:
قدحت يد الأشواق من زنديوهفت بقلبي زفرة الوجد
ونبذت سلواني على ثقةبالقرب فاستبدلت بالبعد
ولرب وصل كنت آملهفاغتصب منه مؤلم الصد
لا عهد عند الصبر أطلبهإن الغرام أضاع من عهدي
يلحى العذول فما أعنفهوأقول ضل فأبتغي رشدي
وأعارض النفحات أسألهابرد الجوى فتزيد في الوقد
يهدي الغرام إلى مسالكهالتعللي بضعيف ما تهدي
يا سائق الوجناء معتسفاًطي الفلاة لطية الوجد
أرح الركاب ففي الصبا نبأيغني عن المستنة الجرد
وسل الربوع برامة خبراًعن ساكني نجد وعن نجد
ما لي تلام على الهوى خلقيوهي التي تأبى سوى الحمد
لأبيت إلا الرشد مذ وضحتبالمستعين معالم الرشد
نعم الخليفة في هدى وتقىًوبناء عز شامخ الطود
نجل السراة الغر شأنهمكسب العلا بمواهب الوجد ومنها:
لله مني إذ تأوبنيذكره وهوبشاهق فرد
شهم يفل بواتراً قضباًوجموع أقيال أولي أيد
أوريت زند العزم في طلبيوقضيت حق المجد من صدي
ووردت عن ظمإ مناهلهفرويت من عز ومن رفد
هي جنة المأوى لمن كفلتآماله بمطالب المجد
لو لم أعل بورد كوثرهاما قلت هذي جنة الخلد
من مبلغ قومي ودونهمقذف النوى وتنوفة البعد
أني أنفت على رجائهموملكت عز جميعهم وحدي ومنها:
ورقيمة الأعطاف حاليةموشية بوشائع البرد
وحشية الأنساب ما أنستفي موحش البيداء بالقرد
تسمو بجيد بالغ صعداًشرف الصروح بغير ما جهد
طالت رؤوس الشامخات بهولربما قصرت عن الوهد
قطعت إليك تنائفاً وصلتإسآدها بالنص والوخد
تخدي على استصعابها ذللاًوتبيت طوع القن والقد
بسعودك اللائي ضمن لناطول الحياة بعيشة رغد
جاءتك في وفد الأحابش لايرجون غيرك مكرم الوفد
وافوك أنضاءً تقلبهمأيدي السرى بالغور والنجد
كالطيف يستقري مضاجعهأو كالحسام يسل من غمد
يثنون بالحسنى التي سبقتمن غير إنكار ولا جحد
ويرون لحظك من وفادتهمفخراً على الأتراك والهند
يا مستعيناً جل في شرفعن رتبة المنصور والمهدي
جازاك ربك عن خليقتهخير الجزاء فنعم ما تسدي
وبقيت للدنيا وساكنها ... في عزة أبداً وفي سعد وقال يخاطب عمر بن عبد الله مدير ملك المغرب:
يا سيد الفضلاء دعوة مشفقنادى لشكوى البث خير سميع
ما لي وللإقصاء بعد تعلةبالقرب كنت لها أجل شفيع
وأرى الليالي رنقت لي صافياًمنها فأصبح في الأجاج شروعي
ولقد خلصت إليك بالقرب التيليس الزمان لشملها بصدوع
ووثقت منك بأي وعد صادقأني المصون وأنت غير مضيع
وسما بنفسي للخليفة طاعةدون الأنام هواك قبل نزوع
حتى انتحاني الكاشحون بسعيهمفصددتهم عني وكنت منيعي
رعمت أنوفهم بنجح وسائليوتقطعت أنفاسهم بصنيعي
وبغوا بما نقموا علي خلائقيحسداً فراموني بكل شنيع
لا تطمعنهم ببذل في التيقد صنتها عنهم بفضل قنوعي
أني أضام وفي يدي القلم الذيما كان طيعه لهم بمطيع
ولي الخصائص ليس تأبى رتبةحسبي بعلمي ذاك من تفريعي
قسماً بمجدك وهوخير أليةأعتدها لفؤادي المصدوع
إني لتصطحب الهموم بمضجعيفتحول ما بيني وبين هجوعي
عطفاً علي بوحدتي عن معشرنفث الإباء صدودهم في روعي
أغدو إذا باكرتهم متجلداًوأروح أعثر في فضول دموعي
حيران أوجس عند نفسي خيفةفتسر في الأوهام كل مروع
أطوي على الزفرات قلباً آدهجمل الهموم تجول بين ضلوعي
ولقد أقول لصرف دهر رابنيبحوادث جاءت على تنويع
مهلاً عليك فليس خطبك ضائريفلقد لبست له اجن دروع
إني ظفرت بعصمة من أوحدبذ الجميع بفضله المجموع وقال يخاطب بعض الوزراء في حال وحشة:
هنيئاً بصوم لا عداه قبولوبشرى بعيد أنت فيه منيل
وهنيتها من عزة وسعادةتتابع أعوام بها وفصول
سقى الله دهراً أنت إنسان عينهولا مس ربعاً في حماك محول
فعصرك ما بين الليالي مواسملها غرر وضاحة وحجول
وجانبك المأمول للجود مشرعيحوم عليه عالم وجهول
عساك وإن ضن الزمان منوليفرسم الأماني من سواك محيل
أجرني وليس الدهر لي بمسالمإذا لم يكن في ذراك مقيل
وأوليتني الحسنى بما أنا آملفمثلك يولي راجياً وينيل
ووالله ما رمت الترحل عن قلىولا سخط للعيش فهو جزيل
ولا رغبة عن هذه الدار إنهالظل على هذا الأنام ظليل
ولكن نأى بالشعب عني حبائبدعاهن خطب للفراق طويل
يهيج بهن الوجد أني نازحوأن فؤادي حيث هن حلول
عزيز عليهن الذي قد لقيتهوأن اغترابي في البلاد يطول
توارت بأنبائي البقاع كأننيتخطفت أو غالت ركابي غول
ذكرتك يا معنى الأحبة والهوىفطارت بقلبي أنه وعويل
وحييت عن شوق رباك كأنمايمثل لي نؤي بها وطلول
أأحبابنا والعهد بيني وبينكمكريم، وما عهد الكريم يحول
إذا أنا لم ترض الحمول مدامعيفلا قربتني للقاء حمول
إلام مقامي حيث لم ترد العلامرادي ولم تعط القياد ذلول
أجاذب فضل العمر يوماً وليلةوساء صباح بينها وأصيل
ويذهب فيما بين يأس ومطمعزمان بنيل المعلوات بخيل
تعللني منه أمان خوادعويؤيسني ليان منه مطول
أما لليال لا ترد خطوبهاففي كبدي من وقعهن فلول
يروعني من صرفها كل حادثتكاد له صم الجبال تزول
أداري على رغم العدا لا لريبةيصانع واش خوفها وعذول
وأغدو بأشجاني عليلاً كأنماتجود بنفسي زفرة وغليل
وإني وإن أصبحت في دار غربةتحيل الليالي سلوتي وتزيل
وصدتني الأيام عن خير منزلعهدت به أن لا يضام نزيل
لأعلم أن الخير والشر ينتهيمداه وان الله سوف يديل
وأني عزيز بابن ماساي مكثروإن هان أنصار وبان خليل وقال يمدح:
هل غير بابك للغريب مؤملأو عن جنابك للأماني معدل
هي همة بعثت إليك على النوىعزماً كما شحذ الحسام الصقيل
متبوأ الدنيا ومنتجع المنىوالغيث حيث العارض المتهلل
حيث القصور الزاهرات منيفةتعنى بها زهر النجوم وتحفل
حيث الخيام البيض يرفع لعلاوالمكرمات طرافها المتهدل
حيث الحمى للعز دون مجالهظل أفاءته الوشيج الذبل
حيث الكرام ينوب عن نار القرىعرف الكباء بحيهم والمندل
حيث الجياد أملهن بنو الوغىمما أطالوا في المغار وأوغلوا
حيث الوجوه الغر قنعها الحياوالبشر فوق جبينها يتهل
حيث الملوك الصيد والنفر الألى ... عز الجوار لديهم والمنزل وأنشد السلطان ابن عبد الله ابن الحجاج لأول قدومه ليلة الميلاد الكريم عام أربعة وستين وسبعمائة هذه القصيدة:
حي المعاهد كانت قبل تحيينيبواكف الدمع يرويها ويظميني
إن الألى نزحت داري ودارهمتحملوا القلب في آثارهم دوني
وقفت أنشد صبراً ضاع بعدهمفيهم وأسأل رسماً لا يناجيني
أمثل الربع من شوق وألثمهوكيف والفكر يدنيه ويقصيني
وينهب الوجد مني كل لؤلؤةما زال جفني عليها غير مأمون
شقت جفوني مغاني الربع بعدهمفالدمع وقف على أطلاله الجون
قد كان للقلب عن داعي الهوى شغللو أن قلبي إلى السلوان يدعوني
أحبابنا هل لعهد الوصل مدكرمنكم وهل نسمة منكم تحييني
ما لي وللطيف لا يعتاد زائرهوللنسيم عليلاً لا يداويني
يا أهل نجد وما نجد وساكنهاحسناً سوى جنة الفردوس والعين
أعندكم أنني ما مر ذكركمإلا انثنيت كأن الراح تثنيني
أصبو إلى البرق من أنحاء أرضكمشوقاً، ولولاكم ما كان يصبيني
يا نازحاً والمنى تدنيه من خلديحتى لأحسبه قرباً يناجيني
أسلي هواك فؤادي عن سواك وماسواك يوماً بحال عنك يسليني
ترى الليالي أنستك ادكاري يامن لم يكن ذكره الأيام تنسيني ومنها:
أبعد مر الثلاثين التي ذهبتأولى الشباب بإحساني وتحسيني
أضعت فيها نفيساً ما وردت بهإلا سراب غرور لا يرويني
واحسرتي من أمان كلها خدعتريش غيي ومر الدهر يبريني ومنها في وصف المشور المبني لهذا العهد:
يا مصنعاً شيدت منه السعود حمىلا يطرق الدهر مبناه بتوهين
صرح يحار لديه الطرف مفتتناًفيما يروقك من شكل وتكوين
بعداً لإيوان كسرى إن مشورك السامي لأعظم من تلك الأواوين
ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا ... " أشهى إلى القلب من أبواب جيرون " ومنها في التعريض بالوزير الذي كان انصرافه بسببه:
من مبلغ عني الصحب الألى جهلواودي وضاع حماهم إذ أضاعوني
أني أويت من العليا إلى حرمكادت مغانيه بالبشرى تحييني
وأنني ظاعناً لم ألق بعدهمدهراً أشاكي ولا خصماً يشاكيني
لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذأقلب الطرف بين الخوف والهون
سقياً ورعياً لأيامي التي ظفرتيداي منها بحظ غير مغبون
أرتاد منها ملياً لا يماطلنيوعداً وأرجو كريماً لا يعنيني
ومنها:
وهاك منها قواف طيها حكممثل الأزاهر في طي الرياحين
تلوح إن جليت دراً، وإن تليتتثني عليك بأنفاس البساتين
عانيت منها بجهدي كل شاردةلولا سعودك ما كانت تواتيني
يمانع الفكر عنها ما تقسمهمن كل حزن بطي الصدر مكنون
لكن بسعدك ذلت لي شواردهافرضت منها بتحبير وتزيين
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع