من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
ولنرجع إلى ما كنا فيه من نثر لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى
عنه، فنقول:
ومن كلام لسان الدين رحمه الله تعالى في كتابه أعمال الأعلام ما صورته:
" وفي غرضي إذا من الله تعالى بانفراج الضيقة الوقتية، ومعاودة الأزمان الهنية، والنصبة النقية، أن نصنف في التايخ كتاباً مبنياً على التطويل، مستوعباً
للكثير والقليل، نسميه بضاعة المهولين في أساطير الأولين، يكون هذا الكتاب بالنسبة إليه الحصاة من الرمال، والقطرة نم الغيث المنثال، بإعانة ذي القدرة والجلال؛ انتهى.
ومن كلامه رحمه الله تعالى: فما استبعد المرام، من قصد الكرام، وما فقد الإيناس، من أمل الناس؛ انتهى.
وقد سلك لسان الدين رحمه الله تعالى ف كثير من كتبه ك الكتيبة الكامنة والتاج المحلي والإكليل الزاهر وغيرها تحلية الأعلام من حملة السيوف والأقلام، بالكلام السمجع الآخذ بحظه من الإتقان على طريقة صاحب القلائد والمطمح أبي نصر الفتح بن عبيد الله المدعوبابن خاقان بليغ الأندلس غير مدافع وعلى نهج مباريه ابن بسام صاحب " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة " وهو كتاب نيبغي أن يراجع، وقد رأيت أن آتي بشيء من كلام لسان الدين فيما ذكر، ونلم بعد تحليته بالتعريف بحال من حلاه من الأعلام، بحسب ما من به ويسيره لي الملك العلام، ﷾، فنقول:
قال لسان الدين رحمه الله تعالى في بعض في وصف بعض من عرف به ما نصه: أني نفس صافية من الكدر، وصدر طيب الورد والصدر، ودوحة عهد تندى أرواقها، ومشكاة فضل يستطلع إشراقها، تمسك برضاع الكأس، يرى ذلك من حسن عهده، وقسم لحظاته بين آس الرياض وورده، فلما حوم حمامه للوقوع، وكاد يقوض رحله عن الربوع، وشعر بحبائل المنية تعتلقه، وسرعان خيل الأجل تزهقه، أقلع عن فنه، وأمر بسفك دنه، ولجأ إلى الله تعالى بأوبته، وضرع إلى الله تعالى في قبول توبته وغفران حوبته، فكان ذلك عنوان الرضى، وعلامة عفوالله تعالى عما مضى، دخلت عليه في مرضه، وأشرت باستعمال الدواء المسمى بلحية التيس عند الأطباء، فاستعمله، فوجد بعض خفة.
وقال في آخر: كثيف الحاشية، معدود في جنس السائمة والماشية، تليت على العمال به سورة الغاشية، تولى الأشغال السلطانية فذعرت الجباة لولايته، وقامت قيامتهم لطلوع آيته، وقنطوا كل القنوط، وقالوا: جاءت الدابة تكلمنا وهي إحدى الشروط، من رجل صائم الحشوة، بعيد من المصانعة والرشوة، يتجنب الناس، ويقول عند المخاطبة: لا مساس، وعلى مسافة نجه، وتجهم وجهه، فكان خالطاً إساءته بإحسانه، مشتغلاً بشانه، غاضاً من عنان لسانه، عهدي به في الأعمال يقدر فيها ويدبر، ويرجح ويعبر، ويحبط وينبر، وهومع ذلك يكبر، ويحسن من الأزمنة ويقبح، وهويسبح، ولما شرع في البحث والتنقير، والمحاسبة على القطمير والنقير، أتاه قاطع الأجل، فحن ركابه فأقضى العجل، وصدرت عنه أبيات خضم فيها وقضم، وحصل تحت القدر المشترك مع من نظم.
وقال في آخر: كودن حلبة الآداب، وسنور عبد الله بيع بقيراط لما شاب، هام بوادي الشعر مع من هام، واستمطر منها الجهام، فجاء بأبيات أوهى من بيت العنكبوت نسجاً، ومقاصد لا تبين قصداً ولا نهجاً، وله بيت معمور بقضاة أكابر، فرسان أقلام ومحابر، وعمال قادوا الدهر بأزمة أزمتهم، وفرعوا الزهر بهمتهم، وتكاثرت عليه ﵀ الإحن، وتعاورته المحن، وتصرف آخر عمره في بعض الأعمال المخزنية فتعلل بنزر القوت، إلى الأجل الموقوت.
وقال في آخر: معدود في وقته من أدبائه، ومحسوب في أعيان بلده وحسبانه، كان رحمه الله تعالى من أهل العدالة والخير، سائراً على منهج الاستقامة
أحسن السير، وله أدب لا يقصر عن السداد، وإن لم يكن بطلاً فمن يكثر السواد، قد أثبت له ما عثرت عليه، مما ينسب الناس إليه.
وقال في آخر: معتر غير قانع، ومنجع كل شهم وخانع، نشأ بلده مالقة أبرع من أورد اليراعة في نقس، وهز غصنها في روضة طرس، إلا ما كان سخافة عقله، وقعوده تحت المثل اخبر تقلة، لا يرتبط إلى رتبة، ولا ينتمي إلى عصبة، ولا يتلبس بسمت، ولا يستقيم من أمت، أخبرني من عني بخبره، وذكر عبره، من صباه إلى كبره، أنه رشح في بعض الدول، وعرض لاكتساب الخيل والخول، وخلعت عليه كسوة فاخرة، وشارة بزهر الرياض ساخرة، فانقاد طوع حومانه، ونبذ صفقة زمانه، وحمله فرط النهم، على ا، ابتاع في حجره طعاماً كثير الدسم، وأقبل وأذياله منه تقطر، كما اختلفت باللبن الأشطر، فطرد ونبذ، وطرح بعدما جبذ، لقيته بمالقة وقد قلب له زمانه عينيه، وسقط في يديه، فانتابني بأمداحه، وتعاورني بأجاجه وقراحه.
وقال في آخر: أديب نار فكره تتوقد، وأري لا يعترض كلامه ولا ينقد، أما الهزل فهوطريقته المثلى، ركض في ميدانها وجلى، وطلع في أفقها وتجلى، فأصبح علم أعلامها، وعابر أحلامها، إن أخذ بها في وصف الكاس، وذكر الورد والآس، والم بالربيع وفصله، والحبيب ووصله؛ والروض وطيبه، والغمام وتقطيبه، شق الجيوب طرباً، وعلى النفوس شرباً وضرباً، وإن ابتغى لاعتلال العشية، في فرش الربيع الموشية، ثم تعداها إلى وصف الصبوح، وأجهز على الزق المجروح، وأشار إلى نغمات الورق، يرفلن في الحلل الزرق، وقد اشتعلت في عنبر الليل نار البرق، وطلعت بنود الصباح في
شرفات الشرق، سلب الحليم وقاره، وذكر الخليع وعقاره، وحرك الأشواق بعد سكونا، وأخرجها من وكونها، بلسان يتزاحم على موارد الخيال، ويتدفق من حافاته الأدب السيال، وبيان يقيم أود المعاني، ويشيد مصانع اللفظ محكمة المباني، ويكسوحلل الإحسان جسوم المثالث والمثاني، إلى ناردة لمثلها يشار، ومحاضرة يجنى بها الشهد ويشار، وقد أثبت من شعره المعرب وإن كان لا يتعاطاه إلا قليلاً، ولا يجاور إلا تعليلاً، أبياتاً لا تخلوعن مسحة جمال على صفحاتها، وهبة طيب ينم في نفحاتها.
وقال أيضاً في آخر: ظريف السجية، كثير الأريحية، ارتحل من لورقة فتحها الله تعالى، واتخذ المرة داراً، وألف بها استقراراً، إلى أ، دعاه بها داعية، وقام فيها ناعيه.
وقال في وصف آخر: شيخ أخلاقه لينة - ونفسه - كما قيل في نفس المؤمن - هينة، ينظم الشعر عذباً مساقه، محكما اتساقه، على فاقة، وحال ما لها من إفاقة، أنشد المقام الكيرم بظاهر بلده قصيدة استغرب منه منزعها، واستعذب من مثله مشرعها.
وقال في آخر: من أئمة أهل الزمام، خليق برعي المتات والذمام، ذوخط كما تفتح زهر الكمام، وأخلاق أعذب من ماء الغمام، كان ببلده رحمه الله تعالى بدار إشرافه محاسباً، ودرة في لجة الإغفال راسباً، صحيح العمل، يلبس الطروس من براعته حسن الحلل، وله شعر لا باس به، ولا خفاء بفضل مذهبه.
وقال في آخر: خير من استبق إلى داعي الفلاح استباقاً، وانتمى إلى القوم الذين هم في الآخرة أطول أعناقاً، وإن كانوا في الدنيا أضيق أرزاقاً، مردد أذكار، ومسبح أسحار، وعامر مئذنة ومنار، كان ببلده مؤذناً بجامعها
ومؤقتاً بأم صوامعها، ومعتبراً فيمن كان بها بمن السدنة، ومن مثله قوله: فكأنما قرب بدنة، وله لسان مخيف، وشعر سخيف، توشح بحليته، وجعله وسيلة كديته.
وقال في آخر: عظيم الهيئة حسن اللقاء، أغرب في حسن المداراة من النقاء، استمر عمره للحكم، وصبر على حجج الصم والبكم، وأفرط في هشته وهزته، وتنزل عن نخوة القضاء وعزته، وله سلف في القضاء عالي المراقب، مزاحم للنجم الثاقب، وقد أثبت من شعره ما تيسر إثباته، ونجح بوض هذا المجموع نباته.
وقال في آخر: قاض توارث كل جلالة، عن كلالة، وجمع في العلم الحسب، بين الموروث والمكتسب، أشرق يجيد معم في العشيرة مخول، وألقت عليه مقاليدها من منقول ومتأول، إلى نزاهة لا تغرها البيضاء ولا الصفراء، وحلم لا تستهويه السعاية ولا يستفزه الإغراء، ووقار يستخف الجبال الراسية، ونظر ينظر الظلم الغاشية، تولى قضاء الحضرة فأنفذ الأحكام وأمضاها، وشام سيوف الجزالة وانتضاها، ولبس أثواب النزاهة والانقباض فما نضاها، وسلك الطريق التي اختارها وارتضاها، فاجتمعت الأهوال المفترقة علي، وصرف الثناء أعنة الألسن إليه، ثم كر إلى بلده، واستقر خطيباً بقرارة أهله وولده.
وقال في آخر: منتم إلى معرفة، متصف من الذكاء بأحسن صفة، أقرأ ببلده علم اللسان، وما حاد عن الإحسان، وعانى الشعر فنظم قوافيه، وما تكلف فيه، وعلى غزارة مادته، ووضوح جادته، فشعره قليل البشاشة، ذاهب الحشاشة، وذوالإكثار، كمثل العثار، وله سلف يخوض في الحقائق، وينتحل بعض الكلام الرائق.
وقال في آخر: منتم لدين وعفة، وإلى نفس بالعرض الأدنى
مستخفة، ممن نزع إلى سلوك ورياضة، ويفيض في طريق القوم بعض إفاضة.
وقال في آخر: ممن يتشوق إلى المعارف والمقالات، ويرتاح إلى الحقائق والمحالات، ويشتمل على نفس رقيقة، ويسير من تعليم القرآن على خير طريقة، ويعاني من الشعر ما يشهد بنبله، ويستظرف من مثله.
وقال في آخر: مشمر في الطلب عن ساق، مثابر على اللحاق بدرجات الحذاق، منتحل للعربية جاد في إحصاء خلافها، ومعاطاة سلافها، وربما شرست في المذاكرة أخلاقه، إذا بهرجت أعلاقه، ونوزع تمسكه بالحجة واعتلاقه، ورحل إلى المغرب فاستجدى بالشعر سلطانه، ثم راجع أوطانه.
وقال في آخر: منتم إلى زهد، باذل في التماس الخير الحهد، نظمه لا يخلومن حلاوة، ومعانيه في طريقه عليها بعض طلاوة.
وقال في آخر: كاتب سجلات لا يساجل في صحة فصولها، وتوقيع فروعها على أصولها، وكلما طلب بالنظم القريحة، وأعمل الفكرة الصريحة، مع إقلاقه، وعدم استعماله، أجابت ولبت، وتنسمت رياحها وهبت.
وقال رحمه الله تعالى وسامحه في بعض العدول الصوفية الأخيار، الذين وحدوا الله وفنوا عن سائر الأغيار: خير عدل، وممن له وقار وفضل، متسم بخير، معرض عن غير، مستمل بصفات مرضية، ملم بالنظم في الطريقة الصوفية.
ولسان الدين رحمه الله تعالى ركض في هذا الميدان لا يجاري فيه، وثبوت فضل لا يستند إلى دليل جاحده ونافيه.
وقال رحمه الله تعالى في كتابه التاج المحلي في مساجلة القدح:
المعلى في ترجمة محمد بن عبد اللهبن محمد بن لب الأمي المربي، ما صورته لج معرفة لا يغيض، وصاحب فنون يأخذ فيها ويفيض، نشأ ببلده مشمراً عن ساعد اجتهاده، وسائراً في قنن العلم ووهاده، حتى أينع روضه، وفهق حوضه، ثم أخذ في راحة ذاته، وشام بارق لذاته، ثم سار في البطالة سير الجموح، وواصل الغبوق بالصبوح، حتى قضى وطره، وسئم بطره، وركب الفلك، وخاض اللجج الحلك، واستقر بمصر على النعمة العريضة، على شك في قضاء حجة الفريضة، وهواليوم بمدرستها الصالحية نبيه المكانة، معدود في أهل العلم والديانة؛ انتهى.
وقال في " الإحاطة " في حق المذكور ما نصه: من خط شيخنا أبي البركات في الكتاب " المؤتمن على أنباء أبناء الزمن ": كان سهلاً سلس القياد، لذيذ العشرة، دمث الأخلاق، ميالاً إلى الدعة، نفوراً عن النصب، يركن إلى فضل نباهة وذكاء يحاسب بهما عند التحصيل والدراسة والدؤوب على الطلب؛ من رجل يجري من الألحان على مضمار لطيف، ولم يكن له صوت رخيم يساوق انطباعه في التلحين، فجبر ذلك بالأوتار، وحاول من ذلك بيده مع أصحابهما لاذ به الظرفاء منهم، واستعمل بدار الأشراف بالمرية، فاحكم تلك الطريقة في أقرب زمان، وجاء زمامه يروق نم ذلك العمل من شأنه، ثم نهضت به همته إلى أرفع من ذلك، فسار إلى غرناطة، فقرأ بها العربية وغيرها، وانخرط في سلك نبهاء الطلبة لأدنى مدة، ثم رحل إلى بلاد المشرق في حدود العشرين وسبعمائة فلم يتجاوز القاهرة لموافقة هوائها علة كان يشكوها، وأخذ في إقراء العربية بها، وعرف بها إلى أن صار يدعى بأبي عبد الله النحوي. قال شيخنا المذكور: ورأى في صغره فارة أنثى فقال: هذه قرينة، فلقب بذلك، وصار هذا اللقب أغلب
عليه من اسمه ومعرفته.
ثم قال لسان الدين في حق المذكور ما ملخصه: إنه قرأ بالحضرة على الخطيب أبي علي القيجاطي وطبقته، وأخذ بالقاهرة عن الأستاذ أبي حيان، وانتفع بجاهه، نقل إلينا الحاج الحافظ أبوجعفر ابن غصن من شعره حسبما قيده عنه بمصر:
بعد المزار ولوعة الأشواقحكما بفيض مدامع الآماق
وخفوق نجدي النسيم إذا سرىأذكى لهيب فؤادي الخفاق
أمعللي أن التواصل في غدمن ذا الذي لغد فديتك باقي
إن الليالي سبق إن أقبلتوإذا تولت لم تنل بلحاق
عج بالمطي على الحمى، سقي الحمىصوب الغمام الواكف الرقراق
فيه لذي القلب السليم ودادةقلب سليم ما له من واق
قلب غداة فراقهم فارقتهلا كان في الأيام يوم فراق
يا سارياً واليل ساج عاكفيفري الفلا بنجائب ونياق
عرج على مثوى النبي محمدخير البرية ذي المقام الراق
ورسول رب العالمين ومن لهحفظ العهود وصحة الميثاق
الظاهر الآيات قام دليلهاوالطاهر الأخلاق والأعراق
بدر الهدى وهو الذي آياتهوجبينه كالشمس في الإشراق
الشافع المقبول من عم الورىبالجود والإرفاد والإرفاق
الصادق المأمون أكرم مرسلسارت رسالته إلى الآفاق
أعلى الكرام ندىً وأبسطهم يداًقبضت عنان المجد باستحقاق
وأشد خلق الله إقداماً إذاجمي الوطيس وشمرت عن ساق
أمضاهم والخيل تعثر في الوغىوتجول سبحاً في الدم المهراق
من صير الأديان ديناً واحداًمن بعد إشراك مضى ونفاق
وأحلنا من حرمة الإسلام فيظل ظليل زارف الأوراق
لو أن لبدر المنير كمالهما ناله كسف ونكس محاق
لو أن للبحرين جود يمينهأمن السفين غوائل الإيساق
لو أن للآساد شدة بأسهلثنت عن الإنجاد والإعراق
لو أن للآباء رحمة قلبهذابت نفوسهم من الإشفاق
ذو العلم والحلم الخفي المنجليوالجاه والشرف القديم الباقي
آياته شهب وغر بنانهسحب النوال تدر بالأرزاق
ماجت فتوح الأرض وهو غياثهاوربت ربى الإيمان وهو الساقي
ذو رأفة بالمؤمنين ورحمةوهدىً وتأديب بحسن سياق
وخصال مجد أفردت بالخصل فيمرمى الفخار وغاية السباق
ذو المعجزات الغر والآي التيكم آية فقدت وهن بواقي
ثنت المعارض حائراً لما حكتفلق الصباح وكان ذا إفلاق
يقظ الفؤاد سرى وقد هجع الورىلمقام صدق فوق ظهر براق
وسما وأملاك السماء تحفهحتى تجاوزهن سبع طباق ومنها:
يا ذا الذي اتصل الرجاء بحبلهوانبت من هذا الورى بطلاق
حبي إليك وسيلتي وذخيرتيإني من الأعمال ذو إملاق
وإليك أعملت الرواحل ضمراًتختال بين الوخد والإعناق
نجباً إذا نشدت حلى تلك العلاتطوي الفلا ممتدة الأعناق
يحدو بهن من النجيب مرددوتقودهن أزمة الأشواق
غرض إليه فوقتنا أسهماًوهي القسي برين كالأفواق
فأنختها بفنائك الرحب الذيوسع الورى بالنائل الدفاق
وقرى مؤملك الشفاعة في غدوكفى بها هبة من الرزاق
وعليك يا خير الأنام تحيةتحيي النفوس بنشرها الفتاق
تتأرج الأرجاء من نفحاتهاأرج الندي بمدحك المصداق ومنها:
قسماً بطيب تراب طيبة؛ إنهمسك الأنوف وإثمد الاحداق
وبشأن مسجدها الذي يرجى بهلمعامل الرحمن أي نفاق
لأجود فيه بأدمع أسلاكهامنظومة بترائب وتراق
أغدو بتقبيل على حصبائهوعلى كراثم جدره بعناق ومنها:
وعليك ذا النورين تسليم لهنور يلوح بصفحة المهراق
كفؤ النبي وكفؤ أعلى جنةحيزت له بشهادة وصداق
وكفاه ما في الفتح جاء ومصحففي الفتح يحمده وفي الإطباق
وعلى أبي السبطين من سبق الألىسبقوا إلى الإسلام يوم سباق
الطاهر الطهر ابن عم المصطفىشرف على التخصيص والإطلاق
مبدي القضايا من وراء حجابهاومفتح الأكمام عن أعلاق
يغزو العداة بغلظة فيهدهمبصوارم تفري الفقار رقاق
راياته لا شيء من عقبانهابمطا يوم وغىً ولا بمطاق
وعلى كرام ستة عشرت بهمعند النظام لآلئ النساق
ما بين أروع ماجد نيرانهجنح الظلام تشب للطراق
وأخي حروب صده رشق القناعما قدود مثلهن رقاق
ما غردت شجواً مطوقة وماشقت كمام الروض عن أطواق
وعلى القرابة والصحابة كلهموالتابعين لهم ليوم تلاق
وذكر في الإحاطة غير هذه.
وقال لسان الدين في التاج في ترجمة محمد بن عبد الرحيم الوادي آشي ما صورته: ناظم أبيات، وموضح غرر وشيات، وصاحب توقيعات وقيعات، وإشارات ذوات شارات، وكان شاعراً مكثاراً، وجواداً لا يخاف عثاراً، دخل على أمير بلده المخلوع عن ملكه، بعد انتثار سلكه، وخروج الحضرة عن ملكه، واستقراره آش مروع البال، متعلااً بالآمال، وقد بلغه دخول طبرنش في طاعته، فأنشده من ساعته:
خذها إليك طبرنشاشفع بها وادي الأشا
والأم تأتي بنتها ... والله يفعل ما يشا ومن نوادره العذبة، كا متبه غليه يطلب منه الحسبة:
أنلني أيا خير البرية خطةترفعني قدراً وتكسبني عزا
فأغتر في أهلي كما اعتز بيدق ... على سفرة الشطرنج لما انثنى فرزا فوقع له بما ثبت في ترجمته؛ انتهى.
وقال في " الإكليل " في ترجمة أبي عبد الله بن العطار المزني ما صورته: ممن نبغ ونجب، وحق له البر بذاته ووجب، تحلى بوقار، وشعشع للأدب كأس عقار، إلا أنه احرم في اقتباس، وأصيب للأجل بنبال، انتهى.
وقال في " الإكليل " في ترجمة أبي عبد الله بن محمد بن علي بن محمد ابن علي بن يحيى بن خاتمة الأنصاري المزني، ما صورته: ممن ثكلته البراعة، وفقدته البراعة، تأدب بأخيه وتهذب، وأراه في النظم المذهب، وكساه من التفهم والتعليم الرداء المذهب، فاقتفى واقتدى، وراح في الحلبة واغتدى، حتى
نبل وشا، ولوأمهله الدهر لبلغ المدى، وأما خطه فقيد الأبصار، وطرفة من طرف الأمصار، واعتبط يانع الشبيبة، مخضر الكتيبة، مات عام خمسين وسبعمائة.
وأورد له في " الإحاطة " قوله:
ومض البرق فثار القلقومضى النوم وحل الأرق
مذ تذكرت لأيام خلتضمنا فيها الحمى والأبرق
وعشيات تقضت باللوىفي محيا الدهر منها رونق
إذ شبابي والتصابي جمعاورياض الأنس غض مورق
شت يوم البين شملي ليت ماخلق البين لقلب يعشق
آه من يوم قضى لي فرقةشاب مني يوم حلت مفرق وقوله:
الرفع نعتكم لا خانكم أملوالخفض شيمة مثلي والهوى دول
هل منكم لي عف بعد بعدكم ... إذ ليس لي منكم يا سادتي بدل قلت: البيت الثاني غاية في معناه، وأما الأول فسافل وإن أسس على الرفع مبناه، والله اعلم.
وقال في " الإكليل " في ترجمة أبي عبد الله محمد بن محمد بن إبراهيم ابن عيسى بن داود الحميري المالقي ما صورته: علم من أعلام هذا الفن، ومشعشع راح هذا الدن، مجموع أدوات، وفارس براعة ودواة، ظريف المنزع، أنيق المرأى والمسمع، اختص بالرياسة فأدار فلك إمارتها، واتسم
باسم كتابتها ووزاراتها، ناهضاً بالأعباء، صاعداً في درج التقريب والاجتباء، مصانعاً دهره في راح وراحة، آوياً إلى فضل وسماحة، وخضب ساحة، كلما فرغ من شأن خدمته، وانصرف عن رب نعمته، عقد شرباً، وأطفأ من الاهتمام بغير الأيام حرباً، وعكف على صوت يستعيده، وظرف يبديه ويعيده، فلما تقلبت بالرياسة الحال، وقوضت منها الرحال، استقر بالمغرب غريباً، يقلب طرفاً مستريباً، ويلحظ الدنيا تبعة عليه وتثريباً، وإن كان لم يعدم من أمرائه حظوة وتقريباً، وما يبوح بشجنه، ويرتاح إلى عهود وطنه، ومما أعرب به، عن براعة أدبه، قوله:
يا نازحين ولم أفارق منهمشوقاً تأجج في الضلوع ضرامه
غيبتم عن ناظري وشخصكمحيث استقر من الضلوع مقامه
رمت النوى شملي فشتت نظمهوالبين رام لا تطيش سهامه
وقد اعتدى فينا وجد مبالغاًوجرت بمحكم جوره أحكامه
أترى الزمان مؤخراً في مدتي ... حتى أراه قد انقضت أيامه تحملها يا نسيم نجدية النفحات، وجدية اللفحات، تؤدي عني إلى الأحبة نفحها سلاماً وتورد عليهم لفحها برداً وسلاماً، ولا تقل كيف تحملني ناراً، وترسل على الأحبة مني إعصاراً، كلا إذا أهديتهم تحية إيناسي، وآنسوا من جانب هبوبك نار ضرام أنفاسي، وارتاحوا إلى هبوبك، واهتزوا في كف مسرى جنوبك، وتعللوا بك تعليلاً، وأوسعوا آثار مهبك تقبيلاً، أرسلها عليهم بليلاً، وخاطبهم بلطافة تلطفك تعلياً، ألم تروني كيف جئتكم بما حملني عليلاً:
كذاك تركته ملقىً بأرضله فيها التعلل بالرياح
إذا هبت إليه صبا إليهاوإن جاءته من كل النواحي
تساعده الجمائم حين يبكيفما ينفك موصول النواح
يخاطبهن مهما طرن شوقاً ... أما فيكن واهبة الجناح ولولا تعلله بالأماني، وتحدث نفسه بزمان التداني، لكان قد قضى نحبه، ولم أبلغكم إلا نعيه أوندبه، لكنه يتعلل من الآمال بالوعد الممطول، ويتطارح باقتراحاته على الزمن المجهول، ويحدث نفسه وقد قنعت من بروق الآمال بالخلب، ووثقت بمواعيد الدهر القلب، يناجيها بوحي ضميره، وإيماء تصويره: كيف أجدك يوم الالتقاء بالأحباب، والتخلص من ربقة الاغتراب، أبائنه الحضور أم بادية الاضطراب، كأني بك وقد استفزك وله السرور، فصرفك عن مشاهدة الحضور، وعاتك غشاوة الاستعبار للاستبشار، عن اجتلاء محيا ذلك النهار:
يوم يداوي زماناتي من أزمانيأزال تنغيص أحياني فأحياني
جعلت لله نذراً صومه أبداًأفي به وأوفي شرط إيماني
إذا ارتفعنا وزال البعد وانقطعتأشطان دهر قد التفت بأشطاني
أعده خير أعياد الزمان إذا ... أوطاني السعد فيه ترب أوطاني أرأيت كيف ارتياحي إلى التذكار، وانقيادي إلى معللات توهمات الافكار كأن البعد باستغراقها قد طويت شقته، وذهبت عني مشقته، وكأني بالتخيل بين تلك الخمائل أتنسم صباها، وأتسم رباها، وأجتني أزهارها، وأجتلي أنوارها، وأجول في خمائلها، وأتنعم ببكرها وأصائلها، وأطوف بمعالمها، وأنتشق
أزهار كمائمها، وأصيخ بأذن الشوق إلى سجع حمائمها، وقد داخلتني الأفراح ونالت مني نشوة الارتياح، ودنا السرور لوهم ذهاب الأتراح، فلما أفقت من غمرات سكري، ووثبت من هفوات فكري، وجدت مرارة ما شابه لي في استغراق دهري، وكأني من حينئذ علجت وقفة الفراق، وابتدأت منازعة الأشواق، وكأنما أغمضني النوم، وسمح لي بتلك الفكرة الحلم:
ذكر الديار فهاجه تذكارهوسرت به من حينه أفكاره
فاتل منها حيث كان حلولهبالوهم منها واستقر قراره
ما أقرب الآمال من غفواته ... لو أنها قضيت بها أوطاره فإذا جئتها أيها القادم والأصيل قد خلع برداً مورساً، والربيع قد مد على القيعان منها سندساً، فاتخها - فديتك - معرساً، واجرر ذيولك فيها متبختراً، وبث فيها من طيب نفحاتك عنبراً، وافتق عليها من نوافج أنفاسك مسكاً أذفراً، واعطف معاطف بأنها، وأرقص قضب ريحانها، وصافح صفحات نهرها، ونافح نفحات زهرها، هذه كلها إمارات، وعن أسرار مقاصدي عبارات، هنالك تنتعش بها صبابات، تعالج صابات، تتعلل بإقبالك، وتعكف على لثم أذيالك، وتبدولك في صفة الفاني امتهالك، لاطفها بلطافة اعتلالك، وترفق بها ترفق أمثالك، فإذا مالت بهم إلى هواك الأشواق، ولووا إليك الأرؤس والأعناق، وسألوك عن اضطرابي في الآفاق، وتقلبي بين الإشآم والإعراق، فقل لهم: عرض له في أسفاره، ما يعرض للبدر في سراره، من سرار السرار، ولحاق المحاق، وقد تركته وهويسامر الفرقدين، ويساير النيرين، وينشد إذا راعه البين:
وقد نكون وما يخشى تفرقنا ... فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا لم يفارق وعثاء الأسفار، ولا ألقى من يدع عصا التسيار، يتهاداه الغور والنجد
ويتداوله الإرقال والوخد، وقد لفحته الرمضاء، وسئمه الإنضاء، فالجهات تلفظه، والآكام تبهظه، يحمل همومه الرواسم، وتحياته البواسم:
لا يستقر بأرض حين يبلغها ... ولا له غير حدو العيس إيناس ثم إذا استوفوا سؤالك عن حالي، وتقلبي بين حلي وترحالي، وبلغت القلوب منهم الحناجر، وملأت الدموع المحاجر، وابتلت ذيولك بمائها، لا بل تضرجت بدمائها، فحيهم عني تحية منفصل، ووداع مرتحل، ثم اعطف عليك ركابك، ومهد لهم جنابك، وقل لهم إذا سألني عن المنازل بعد سكانها، والربوع بعد ظعن أظعانها، بماذا أجيبه وبماذا يسكن وجيبه، فسيقولون لك هي البلاقع المقفرات، والمعارف التي أصبحت نكرات:
صم صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل قل لهم: كيف الروض وآسه وعم تتأرجح أنفاسه عهدي به والحمام يردد به أسجاعه، والذباب يغني هـ هزجاً فيحك بذراعه ذراعه، وغصونه تعتنق، وأحشاء جداوله تصطفق، وأسحاره تنتسم، وآصاله تتوسم، كما كانت بقية نضرته، وكما عهدته أنيقة خضرته، وكيف التفاته عن أزرق نهره، وتأنقه في تكليل إكليله بيانع زهره، وهل رق نسيم أصائله، وصفت موارد جداوله وكيف انفساح ساحاته، والتفات دوحاته وهل تمتد كما كانت مع العشي فينانة سرحاته، وعهدي بها المديدة الظلال، المزعفرة السربال وهل تحدق الآن به عيون نرجسه، ويمد بساط سندسه وأنى منه مجالس لداتي، ومعاهد غدواتي وروحاتي، إذ أباري في المجون لمن أباري، وأسابق إلى اللذات كل من اجاري، فسيقولون لك: ذوت أفنانه، وانقصفت أغصانه، وتكدرت غدرانه، وتغير روحه وريحانه، وأقفرت معالمه، وأخرست حمائمه، واستحالت حلل خمائله، وتغيرت وجوه بكره وأصائله، فإن صلصل حنين رعد فعن قلبي
لفراقه خفق، وإن تلألأ برق فعن حر حشاي ائتلق، وإن سحت السحب فمساعدة لجفني، وإن طال بكاؤها فغني، حياها الله تعالى منازل، لم تزل بمنظوم الشمل أواهل، وحين انتثرت نثرت أزهارها أسفاً، ولم تثن الريح من أغصانها معطفاً، أعاد الله تعالى الشمل فيها إلى محكم نظامه، وجعل الدهر الذي فرقه يتأنق في إحكامه، وهوسبحانه يجبر الصدع، ويعجل الجمع، إنه بالإجابة جدير، وعلى ما يشاء قدير.
إنه بني كيف حال من استودعتهم أمانتك، وألزمتهم صونك وصيانتك، وألبستهم نسبك، ومهدت لهم حسبك، الله في حفظهم فهواللائق لفعالك، المناسب لشرف خلالك، أرع لهم الاغتراب لديك، والانقطاع إليك، فهم أمانة الله تعالى في يديك، وهوسبحانه يحفظك بحفظهم، ويوالي بلحظك أساب حظهم، وإن ذهبتم إلى معرفة الأحوال، فنعم الله تعالى ممتدة الظلاك، وخيراته وارفة السربال، لولا الشوق الملازم، والوجد الذي سكن الحيازم.
وقال في الإكليل في ترجمة أبي بكر محمد بن محمد بن عبد الله ابن مقاتل المالقي، ما نصه: نابغة مالقية، وخلف وبقية، ومغربي الوطن أخلاقه مشرقيه، أزمع الرحيل إلى المشرق، مع اخضرار العود وسواد المفرق، فلما توسطت السفينة اللجج، وقارعت الثبج، هال عليها البحر فسقاها كأس الحمام، وأولدها قبل التمام، وكان فيمن اشتملت عليه أعوادها، وانضم على نوره سوادها، من جملة الطلبة والأدباء، وأبناء السراة الحسباء، أصبح كل منهم مطيعاً، لداعي الردى وسميعاً، وأحيوا فرادى وماتوا جميعاً، فاجروا الدموع حزناً، وأرسلوا العبرات عليهم مزناً، وكأن البحر لما كمس سبيل خلاصهم وسدها، وأهال هضبة سفينتهم وهدها، غار على نفوسهم النفيسة فاستردها، والفقيه أبوبكر مع إكثاره، وانقياد نظامه ونثاره، لم أظفر من أدبه
إلا بالقليل التافه، بعد وداعه وانصرافه، فمن ذلك قوله وقد أبصر فتىً عائراً:
ومهفهف هافي المعاطف أحورفضحت أشعة نوره الأقمارا
زلت له قدم فأصبح عاثراًبين الأنام لعاً لذاك عثارا
لو كنت أعلم ما يكون فرشت فيذاك المكان الحد والأشفارا وقال:
أيا لبني الرفاء تنضي ظاؤهمجفون ظباهم فالفؤاد كليم
لقد قطع الأحشاء منهم مهفهفله التبر خد واللجين أديم
يسدد إذ يرمي قسي حواجبوأسهمها من مقلتيه تسوم
وتسقمني عيناه وهي سقيمةومن عجب سقم جناه سقيم
ويذبل جسمي في هواه صبابة ... وفي وصله للعاشقين نعيم كان غرقه في أخريات عام تسعة وثلاثين وسبعمائة؛ انتهى.
وقال في الإكليل في ترجمة أبي عبد الله محمد بن محمد الشديد المالقي ما نصه: شاعر مجيد حوك الكلام، ولا يقصر فيه عن درجة الأعلام، رحل إلى الحجاز لأول أمره فطال بالبلاد المشرقية ثواؤه، وعميت أنباؤه، وعلى هذا العهد وقفت له على قصيدة بخطه غرضها نبيل، ومرعاها غير وبيل، تدل على نفس ونفس، وإضاءة قبس، وهي:
لنا في كل مكرمة مقامومن فوق النجوم لنا مقام ومنها:
روينا من مياه المجد لماوردناها وقد كثر الزحام
فنحن هم، وقل لي من سوانالنا التقديم قدماً والكلام
لنا الأيدي الطوال بكل صوبيهز به لدى الروع الحسام
ونحن اللابسون لكل درعيصيب السمر منهن انثلام
بأندلس لنا أيام حربمواقفهن في الدنيا عظام
ثوى منها قلوب الروم خوفيخوف منه في المهد الغلام
حمينا جانب الدين احتساباًفها هو لا يهان ولا يضام
وتحت الراية الحمراء مناكتائب لا تطاق ولا ترام
بنو نصر وما أدراك ما همأسود الحرب والقوم الكرام
لهم في حربهم فتكات عمروفلأعمار عندهم انصرام
يقول عداتهم مهما ألمواأتونا ما من الموت اعتصام
إذا شرعوا الأسنة يوم حربفحقق أن ذاك هو الحمام
كأن رماحهم فيها نجومإذا ما أشبه الليل القتام
أناس تخلف الأيام ميتاًبحي منهم فلهم دوام
رأينا من أبي الحجاج شخصاًعلى تلك الصفات له قيام
موقى العرض محمود السجاياكريم الكف مقدام همام
يجول بذهنه في كل شيءفيدركه وإن عز المرام
قويم الرأي في نوب اللياليإذا ما الرأي فارقه القوام
له في كل معضلة مضاءمضاء الكف ساعدها الحسام
رؤوف قادر يغضي ويعفووإن عظم اجتناء واجترام
تطوف ببيت سؤده القوافيكما قد طاف بالبيت الأنام
وتسجد في مقام علاه شكراًونعم الركن ذلك والمقام
أفارسها إذا ما الحرب أخنتعلى أبطالها ودنا الحمام
وممطرها إذا ما السحب كفتوكف أخي الندى أبداً غمام
لك الذكر الجميل بكل قطرلك الشرف الأصيل المستدام
لقد جبنا البلاد فحيث سرنارأينا أن ملكك لا يرام
فضلت ملوكها شرقاً وغرباًوبت لملكها يقظاً وناموا
فأنت لكل معلوة مداروأنت لكل مكرمة إمام
جعلت بلاد أندلس إذا ماذكرت تغار مصر والشآم
مكان أنت فيه مكان عزوأوطان حللت بها كرام
وهبتك من بنات الفكر بكراًلها من حسن لقياك ابتسام
فنزه طرف مجدك في حلاها ... فلمجد الأصيل بها اهتمام وقال في الإكليل في ترجمة الشريف محمد بن الحسن العمراني من أهل فاس ما صورته: كريم الانتماء، متظلل بأغصان الشجرة الشماء، من رجل سليم الضمير، ذي باطن أصفى من الماء النمير، له في الشعر طبع يشهد بعروبية أصوله، ومضاء نصوله.
وذكر في " الإحاطة " أن الشريف المذكور توفي في حدود ثمانية وثلاثين وسبعمائة.
وقال في " الإكليل " في ترجمة محمد بن أحمد بن إبراهيم المرادي العشاب، وهوقرطبي الأصل تونسي المولد والمنشأ، ما صورته: جواد لا يتعاطى طلقه، وصبح فضل لا يماثل فلقه، كانت لأبيه رحمه الله تعالى من الدول الحفصية منزلة لطيفة المحل، ومفاوضة في العقد والحل، ولم يزل تسموبه قدم النجابة، من العمل إلى الحجابة، ونشأ ابنه هذا مقضي الديون، مفدى بالأنفس والعيون، والدهر ذوألوان، ومارق حرب عوان، والأيام كات تتلقف وأحوال لا تتوقف، فألوى بهم الدهر وأنحى، وأغام جوهم بعقب ما أصحى، وفشملهم الاعتقال، وتعاورتهم النوب الثقال، واستقرت بالمشرق ركابه، وحطت به أقتابه، فحج واعتمر، واستوطن تلك المعاهد وعمر، وعكف على كتاب الله تعالى فجود الحروف، وقرأ المعروف، وقيد وأسند، وتكرر إلى دور الحديث وتردد، وقدم على هذا الوطن قدوم النسيم البليل، على كبد العليل، ولما استقر به قراره، واشتمل على جفنه غراره، بادرت إلى مؤانسته، وثابرت على مجالسته، فاجتليت لسر شخصاً، وطالعت ديوان الوفاء مستقصى،
وشعره ليس بحائد عن الإحسان، ولا غفل عن النكت الحسان؛ انتهى.
وقال في الإكليل في ترجمة أبي عبد الله محمد بن عمر بن علي ابن إبراهيم المليكشي ما صورته: كاتب الخلافة، ومشعشع الأدب الذي يزري بالسلافة، كان بطل مجال، ورب روية وارتجال، قدم على هذه البالد وقد نبا به وطنه، وضاق ببعض الحوادث عطنه، فتلوم تلوم النسيم بين الخمائل، وحل منها محل الطيف من الوشاح الجائل، ولبث مدة إقامته تحت جراية واسعة، وميرة يانعة، ثم آثر قطره، فولى وجهه شطره، واستقبله دهره بالإنابة، وقلده خطة الكتابة، فاستقامت حاله، وحطت رحاله، وله شعر أنيق، وتصوف وتحقيق، ورحلة إلى الحجاز سعيها في الخير وثيق، ونسبها في الصالحات عريق، ومن شعره قوله:
رضىً نلت ما ترضين من كل ما يهوىفلا توقفيني موقف الذل والشكوى
وصفحاً عن الجاني المسيء لنفسهكفاه الذي يلقاه من شدة البلوى
بما بيننا من خلوة معنويةأرق من النجوى وأحلى نم السلوى
قفي أتشكى لوعة البين ساعةولا يك هذا آخر العهد بالنجوى
قفي ساعة في عرصة الدار وانظريإلى عاشق ما يستفيق من البلوى
وكم قد سألت الريح شوقاً إليكمفما حن مسراها علي ولا ألوى
فيا ريح حتى أنت ممن يغار بيويا نجد حتى أنت تهوى الذي أهوى
خلقت ولي قلب جليد على النوى ... ولكن على فقد الأحبة لا يقوى وحدث بعض من عني بأخباره، أيام مقامه بمالقة واستقراره، انه لقي بباب الملعب من أبوابها من ظبيات الإنس، وقينة من قينات هذا الجنس، فخطب وصالها، واتقى بفؤاده نصالها، حتى همت بالانقياد، وانعطفت الغصن
المياد، فأبقى على نفسه وأمسك، وأنف من خلع العذار بعدما تنسك، وقال:
لم أنس وقفتنا بباب الملعببين الرجا واليأس من متجنب
وعدت فكنت مراقباً لحديثهايا ذل وقفة خائف مترقب
وتدللت فذللت بعد تعززيأتي الغرام ك أمر معجب
بدوية أبدى الجمال بوجههاما شئت من خد شريق مذهب
تدنو وتبعد نفرة وتجنياًفتكاد تحسبها مهاة الربرب
ورنت بلحظ فاتن لك فاترأنضى وأمضى من حسام المضرب
وأرتك بابل سحرها بجفونهافست، وحق لمثلها أن تستبي
وتضاحكت فحكت بنير ثغرهالمعان نور ضياء برق خلب
بمنظم في عقد سمطي جوهرعن شبه نور الأقحوان الأشنب
وتمايلت كالغصن أخضله الندىريان من ماء الشبيبة مخصب
تثنيه أرواح الصبابة والصبافتراه بين مشرق ومغرب
أبت الروادف أن تميل بميلهفرست وجال كأنه في لولب
متتوجاً بهلال وجه لاح فيخلل السحاب لحاجب ومحجب
يا من رأى فيها محباً مغرماًلم ينقلب إلا بقلب قلب
ما زال مذ ولى يحاول حيلةتدنيه من نيل المنى والمطلب
فأجال نار الفكر حتى أوقدتفي القلب نار تشوق وتلهب
فتلاقت الأرواح قبل جسومهاوكذا البسيط يكون قبل مركب وقال:
أرى لك يا قلبي بقلبي محبةبعثت بها سري إليك رسولا
فقابله بالبشرى، وأقبل عشيةفقد هب مسكي النسيم عليلا
ولا تعتذر بالقطر أوبلل الندىفأحسن ما يأتي النسيم بليلا
توفي عام أربعين وسبعمائة بتونس، رحمه الله تعالى؛ انتهى.
وقال في الإكليل في ترجمة أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر العبدري التونسي الشاطبي الأصل، ما نصه:
غذي نعمة هامية، وقريع رتبة سامية، صرفت إلى سلفه الوجوه، ولم يبق من إفريقية إلا من يخافه ويرجوه، وبلغ هومدة ذلك الشرف، الغاية من الترف، ثم قلب الدهر هـ ظهر المجن، واشتد به الخمار عند فراغ الدن، ولحق صاحبنا هذا بالمشرق بعد خطوب مبيرة، وشدة كبيرة، فامتزج بسكانه وقطانه، ونال من اللذات به ما لم ينله في أوطانه، واكتسب الشمائل العذاب، وكان كابن الجهم بعث إلى الرصافة ليرق فذاب، ثم حوم على وطنه تحويم الطائر، وألم بهذه البلاد إلمام الخيال الزائر، فاغتنمت صفقة وده لحين وروده، وخطبت موالاته على انقباضه وشروده، فحصلت منه على درة تقتنى، وحديقة طيبة الجنى، أنشدني في أصحاب له بمصر قاموا ببره:
لكل أناس مذهب وسجيةومذهب أولاد النظام المكارم
إذا كنت فيهم ثاوياً كنت سيداًوإن غبت عنهم لم تنلك المظالم
أولئك صحبي لا عدمت حياتهم،ولا عدموا السعد الذي هو دائم
أغني بذكراهم وطيب حديثهمكما غردت فوق الغصون الحمائم وقال:
أحبتنا بمصر لو رأيتمبكائي عند أطراف النهار
أكنتم تشفقون لفرط وجدي ... وما ألقاه من بعد الديار وقال في " الإكليل " في ترجمة أبي القاسم محمد بن أبي زكريا يحيى ابن أبي طالب عبد الله بن محمد بن أحمد العزفي السبتي ما صورته: فرع تأود من الرياسة في دوحة، وتردد بين غدوة في المجد وروحة، نشأ والرياسة العزفية
تعله وتنهله، والدهر ييسر أمله الأقصى ويسهله، حتى اتسقت أسباب سعده، وانتهت إليه رياسة سلفه من بعده، فألقت إليه رحالها وحطت، ومتعته بقربها بعدما شطت، ثم كلح هـ الدهر بعدما تبسم، وعاد زعزعاً نسيمه الذي كان يتنسم، وعاق هلاله عن تمه، ما كان من تغلب ابن عمه، واستقر بهذه البلاد نازح الدار، بحكم الأقدار، وإن كان نبيه المكانة والمقدار، وجرت عليه جرارية واسعة، ورعاية متتابعة، وله أدب كالروض باكرته الغمائم، والزهر تفتحت عنه الكمائم، رفع منه راية خافقة، وأقام له سوقاً نافقة، وعلى تدفق أنهاره، وكثرة نظمه وشاتهاره، فلم أظفر منه إلا باليسير التافه، بد انصرافه؛ انتهى.
وقال في " الإكليل " في ترجمة أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المكودي الفاسي ما نصه: شاعر لا يتقاصى ميدانه، ومرعى بيان رف غضاه وأينع سعدانه، يدعوالكلام فيهطع لداعيه، ويسعى في اجتلاب المعاني فتنجح مساعيه، غير انه أفرط في الانهماك، وهوى إلى السمكة من أوج السماك، قدم على هذه البلاد مفلتاً من رهق تلمسان حين الحصار، صفر اليمين واليسار من اليسار، فل هوى أنحى على طريفه وتلاده، وأخرجه من بالده، ولما جد به البين، وحل هذه البلدة بحال تقتحمها العين، والسيف بهزته لا بحسن بزته، دعوناه إلى ملس أعاره البدر هالته، وخلع عليه الأصيل غلالته، وروض تفتح كمامه، وهمى عليه غمامه، وكاس أنس تدور، فتتلقى نجومها البدور، فلما ذهبت المؤانسة بخجله، وتذكر هواه ويوم نواه حتى خفنا حلول أجله، جذبنا للمؤانسة زمامه، واستسقينا منه غمامه، فامتع واحسب، ونظر ونسب، وتكلم في المسائل، وحاضر بطرف الأبيات وعيون الرسائل، حتى نشر الصباح رايته، وأطلع النهار آيته، فمما نسبه إلى نفسه وأنشدناه قوله:
غرامي جل عن القياسوقد سقيتينيه بكل كاس
ولا أنسى هواك ولو جفانيعليك أقاربي طراً وناسي
ولا أدري لنفسي من كمالسوى أني لعهدك غير ناسي وقال:
بعثت بخمر فيه ماء وإنمابعثت بماء فيه رائحة الخمر
فقل عليه الشكر إذ قل سكرنا ... فنحن بلا سكر، وأنت بلا شكر وقال لسان الدين رحمه الله تعالى في ترجمة أبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن بيبش العبدري الغرناطي ما صورته: معلم مدرب، مسهل مقرب، له في صنعة العربية باع مديد، وفي هدفها سهم سديد، ومشاركة في الأدب لا يفارقها تسديد، خاصي المنازع مختصرها، مرتب الأحوال مقررها، تميز أول وقته بالتجارة في الكتب فسلطت منه عليها أرضة آكلة، وسهم أصاب من رميتها الشاكلة، أثرى بسببها وأترب، وأغنى جهة وأفقر أخرى، وانتقل لهذا العهد الأخير إلى سكنى مسقط رأسه، ومنبت غرسه، وجرت عليه جراية من أحباسها، ووقع قبول من ناسها، وبها تلاحق به الحمام، فكان من ترابها البداية وإليها التمام، وله شعر لم يقصر فيه عن المدى، وأدب توشح بالإجادة وارتدى، أنشدني بسبتة تاسع جمادى الأولى عام اثنين وخمسين وسبعمائة يجيب عن بيتي ابن العفيف التلمساني:
يا ساكناً قلبي المعنىوليس فيه سواك ثاني
لأي معنىً كسرت قلبيوما التقى فيه ساكنان فقال:
نحلتني طائعاً فؤاداًفصار إذ حزته مكاني
لا غروإذ كان لي مضافاًأني على الكسر فيه باني وقال يخاطب الشريف أبا العباس وأهدى أقلاماً:
أناملك الغر التي سيب جودهايفيض كفيض المزن بالصيب القطر
أتتني منها تحفة مثل حدهاإذا انتضيت كانت كمرهفة السمر
هي الصفر لكن تعلم البيض أنهامحكمة فيها على النفع والضر
مهذبة الأوصال ممشوقة كماتصوغ سهام الرمي من خالص التبر
فقبلتها عشراً ومثلت أننيظفرت بلثم في أناملك العشر وقال في ترتيب حروف الصحاح:
أساجعة بالواديين تبوئيثماراً جنتها حاليات خواضب
دعي ذكر روض زاره سقي شربهصباح ضحى طير ظماء عواصب
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع