تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الرافلين في حلل الجلاله، المقتفين أوصافه الحميدة وخلاله، الوارثين (٤)

من رحمة الله تعالى وعهاد، وبقايا السلف بالأرض التي فتحوا فيها هذا الوطن، وألقوا فيها العطن، فإلى أين يذهب حسن الظن بأديانكم، وصحّة إيمانكم، وتساوي إسراركم وإعلانكم

اللهمّ إنّا قد خرجنا لك فيهم عن العهدة المتحمّلة، وبلّغناهم نصيحتك المكملة، ووعدناهم مع الامتثال رحمتك المؤملة، فيسّرنا وإياهم لليسرى، وعرّفنا لطائفك التي خفي فيها المسرى، ولا تجعلنا ممّن صمّ عن النداء، وأصبح شماتة الأعداء، فما ذلّ من استنصر بجنابك، ولا ضل من استبصر بسنّتك وكتابك، ولا انقطع من توسّل بأسبابك، والله سبحانه يصل لكم عوائد الصنع الجميل، ويحملكم وإيانا من التوفيق على أوضح سبيل، ويصل سعدكم، ويحرس مجدكم، والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله تعالى وبركاته. انتهى.

ومن ذلك قوله رحمه الله تعالى على لسان السلطان بعد كلام:

الله الله في الهمم فقد خمدت ريحها، والله الله في العقائد فقد خفيت مصابيحها، والله الله في الرجولية فقد فلّ حدّها، والله الله في الغيرة فقد تعسّر جدّها، والله الله في الدين فقد طمع الكفر في تحويله، والله الله في الحريم فقد مدّ إلى استرقاقه يد تأميله، والله الله في الملّة التي يريد إطفاء سناها، وقد كمل فضلها وتناهى، والله الله في الحريم، والله الله في الدين الكريم، والله الله في القرآن، والله الله في الجيران، والله الله في الطارف والتالد، والله الله في الوطن الذي توارثه الولد عن الوالد، اليوم تستأسد النفوس المهينة، اليوم يستنصر الصبر والسكينة، اليوم ترعى لهذه المساجد الكرام الّمم، اليوم يسلك سبيل العزم والحزم والشدّة والشّمم، اليوم يرجع إلى الله المصرّون، اليوم يفيق من نوم الغفلة المغترّون، قبل أن يتفاقم الهول، ويحق القول، ويسد الباب، ويحيق

العذاب، ويسترق الكفر الرقاب، فالنساء تقي بأنفسهن أولادهن الصغار، والطيور ترفرف لتحمي الأوكار، إذا أحست العيث بأفراخها والإضرار، تمر الأيام عليكم مرّ السحاب، وذهاب اللّيالي لكم ذهاب، فلا خبر يفضي إلى العين، ولا حديث في الله تعالى يسمع بين اثنين، ولا كد إلا لزينة يحلّى بها نحر وجيد، ولا سعي إلا لمتاع لا يغني في الشدائد ولا يفيد، وبالأمس ندبتم إلى التماس رحمى مسخّر السحاب، واستقالة كاشف العذاب، وسؤال مرسل الديمة، ومحيي البشر والبهيمة، وقد أمسكت عليكم رحمة السماء، واغبرّت جوانبكم المخضرة احتياجاً إلى بلالة الماء " وفي السّماء رزقكم وما توعدون " الذاريات: وإليها الأكف تمدون، وأبوابها بالدعاء تقصدون، فلم يصحر منكم عدد معتبر، ولا ظهر للإنابة ولا الصّدقة خبر، وتثوقل عن إعادة الرغبة إلى الولي الحميد، والغني الذي " إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد " إبراهيم: وايم الله لو كان لهواً لارتقبت الساعات، وضاقت المتسعات، وتزاحمت على أنديته الجماعات.

أتعززاًعلى الله وهو القوي العزيز أتلبيساً على الله وهو الذي يميز الخبيث من الطيب والشّبه من الإبريز أمعاندة والنواصي في يديه أغروراً بالأمل والرجوع بعد إليه من يبدأ الخلق ثم يعيده من ينزل الرزق ويفيده من يرجع إليه في الملمات من يرجّى في الشدائد والأزمات من يوجد في المحيا والممات أفي الله شك يختلج القلوب أثمّ غير الله يدفع المكروه وييسّر المطلوب تفضلون على اللجإ إليه عوائد الفضل، ونزه الجهل، وطائفة منكم قد برزت إلى استسقاء رحمته تمد إليه الأيدي والرقاب، وتستكشف بالخضوع لعظمته العقاب، وتستعجل إلى مواعيد إجابته الارتقاب، وكأنّكم عن كرمه

قد استغنيتم، أو على الامتناع من الرجوع إليه ينيتم.

أما تعلمون كيف كان نبيّكم صلوات الله عليه من التبلّغ باليسير، والاستعداد للرحيل إلى دار الحق والمسير، ومداومة الجوع، وهجر الهجوع، والعمل على الإياب إلى الله تعالى والرجوع: دخلت فاطمة رض الله تعالى عنها وبيدها كسرة شعير فقال: ما هذا يا فاطمة فقالت: يا رسول الله خبزت قرصة وأحببت أن تأكل منها، فقال: يا فاطمة أما إنّه أول طعام دخل جوف أبيك منذ ثلاث. وكان ﷺ يستغفر في اليوم سبعين مرّة يلتمس رحماه، ويقوم وهو مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر حتى ورمت قدماه، وكان شأنه الجهاد، ودأبه الجد والاجتهاد، ومواقف صبره تعرفها الرّبى والوهاد، ومقامات رفقه تحوم على مراتبها الزهاد، فإذا لم تقتدوا به فبمن تقتدون وإذا لم تهتدوا به فبمن تهتدون وإذا لم ترضوه باتباعكم فكيف تعتزون إليه وتنتسبون وإذا لم ترغبوا في الاتصاف بصفاته غضباً لله تعالى وجهاداً، وتقللاً من العرض الأدنى وسهاداً، ففيم ترغبون

فابتروا حبال الآمال فكل آت قريب، واعتبروا بمثلات من تقدّم من أهل البلاد والقواعد فذهولكم عنها غريب، وتفكروا في منابرها التي يعلو عليها واعظ وخطيب، ومطيل ومطيب، ومساجدها المتعددة الصفوف والجماعة، المعمورة بأنواع الطاعة، وكيف أخذ الله تعالى فيها بذنب المترفين من دونهم، وعاقب الجمهور بما أغضوا عنه عيونهم، وساءت بالغفلة عن الله تعالى عقبى جميعهم، وذهبت النقمات بعاصيهم ومن داهن في أمره من مطيعهم، وأصبحت مساجدهم مناصب للصلبان، واستبدلت مآذنهم بالنواقيس من الأذان، هذا والناس ناس والزمان زمان.

فما هذه الغفلة عمن إليه الرجعى وإليه المصير وإلى متى التساهل في حقوقه

وهو السميع البصير وحتى متى مد الأمل في الزمن القصير وإلى متى نسيان اللجإ إلى الولي النصير قد تداعت الصلبان مجلبة عليكم، وتحركت الطواغيت من كل جهة إليكم، أفيخلكم الشيطان وكتاب الله قائم فيكم وألسنة الآيات تناديكم، لم تمتح سطورها، ولا احتجب نورها، وأنتم بقايا من فتحها من عدد قليل، وصابر فيها كل خطب جليل، فوالله لو تمحض الإيمان، ورضي الرحمن، ما ظهر التثليث في هذه الجزيرة على التوحيد، ولا عدم الإسلام فيها عادة التأييد، لكن شمل الداء، وصم النداء، وعميت الأبصار فكيف الاهتداء والباب مفتوح، والفضل ممنوح، فتعالوا نستغفر الله جميعاً فهو الغفور الرحيم، ونستقل مقيل العثار فهو الرؤوف الحليم، ونصرف الوجوه إلى الاعتراف بما قدمت أيدينا فقبول المعاذير من شأن الكريم، سدت الأبواب، وضعفت الأسباب، وانقطعت الآمال إلا منك يا فتّاح يا وهّاب " يا أيّها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم، ويثبّت أقدامكم " محمد: " يا أيّها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفّار وليجدوا فيكم غلظةً والعموا أنّ الله مع المتّقين، ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " آل عمران: " يا أيّها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتّقوا الله لعلّكم تفلحون " آل عمران: أعدوا الخيل وارتبطوها، وروضوا النفوس على الشهادة وغبطوها، فمن خاف الموت رضي بالدنية، ولا بد على كلّ حال من المنيّة، والحياة مع الذلّ ليست من شيم النفوس السنية، واقتنوا السلاح والعدة، وتعرفوا إلى الله تعالى في الرخاء يعرفكم في الشدّة، واستشعروا القوة بالله تعالى على أعدائه وأعدائكم، واستميتوا من دون أبنائكم، وكونوا كالبناء المرصوص لحملات هذا العدو النازل بفنائكم، وحوطوا بالتعويل على الله تعالى وحده بلادكم، واشتروا من الله ﷻ أولادكم. ذكروا أن امرأة

احتمل السبع ولدها وشكت إلى بعض الصالحين، فأشار عليها بالصدقة، فتصدقت برغيف، فأطلق السبع ولدها، وسمعت النداء: يا هذه لقمة بلقمة، وإنا لما استودعناه لحافظون.

واهجروا الشهوات، واستدركوا البقية من بعد الفوات، وأفضلوا لمساكينكم من الأقوات، واخشعوا لما أنزل الله تعالى من الآيات، وخذوا نفوسكم بالصبر على الأزمات، والمواساة في المهمات، وأيقظوا جفونكم من السّنات، واعلموا أنّكم رضعاء ثدي كلمة التوحيد، وجيران البلد الغريب والدين الوحيد، وحزب التمحيص، ونفر المرام العويص، فتفقدوا معاملاتكم مع الله تعالى، ومهما رأيتم الصدق غالباً، والقلب للمولى الكريم مراقباً، وشهاب اليقين ثاقباً، فثقوا بعناية الله التي لا يعلبكم معها غالب، ولا ينالكم لأجلها عدو مطالب، فإنكم في الستر الكثيف، وكنف الخبير اللّطيف، ومهما رأيتم الخواطر متبدّدة، والظنون في الله مترددة، والجهات التي تخاف وترجى متعددة، والغفلة عن الله ملامسها متجددة، وعادة دواعي الخذلان دائمة، وأسواق الشهوات قائمة، فاعلموا أن الله تعالى منفذ فيكم وعده ووعيده في الأمم الغافلين، وأنّكم قد ظلمتم أنفسكم ولا عدوان إلاّ على الظالمين، والتوبة تردّ الشادر إلى الله تعالى والله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وهو القائل " إنّ الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين " هود:.

وما أقرب صلاح الأحوال مع الله تعالى إذا صحّت العزائم، وتوالت على حزب الشيطان الهزائم، وخملت الدنيا لاغريبة في العيون، وصدقت فيها عند الله الظنون " يا أيّها النّاس إنّ وعد الله حقّ فلا تغرّنّكم الحياة الدنيا ولا يغرّنّكم بالله الغرور " فاطر: وثوبوا سراعاً إلى طهارة الثوب، وإزالة

الشّوب، واقصدوا أبواب غافر الذنب وقابل التوب، واعلموا أن سوء الأدب مع الله تعالى يفتح أبواب الشدائد، ويسد طرق العوائد، فلا تمطلوا بالتوبة أزمانكم، ولا تأمنوا مكر الله فتغشوا إيمانكم، ولا تعلقوا متابكم بالضّرائر، فهو علاّم السرائر، وإنما علينا أن ننصحكم وإن كنّا أولى بالنصيحة، ونعتمدكم بالموعظة الصريحة، الصادرة - علم الله تعالى - عن صدق القريحة، وإن شاركناكم في الغفلة فقد سبقناكم إلى الاسترجاع والاستغفار، وإنّما لكم لدينا نفس مبذولة في جهاد الكفار، وتقدم قبلكم إلى مواقف الصبر التي لا ترضى بالفرار، واجتهاد فيما يعود بالحسنى وعقبى الدار، والاختيار لله ولي الاختيار، ومصرّف الأقدار، وها نحن نسرع في الخروج إلى مدافعة هذا العدو ونفدي بنفوسنا البلاد والعباد، والحريم المستضعف والأولاد، ونصلى من دونهم نار الجلاد، ونستوهب منكم الدعاء لمن وعد بإجابته، فإنّه يقبل من صرف إليه وجه إنابته، اللهم كن لنا في هذا الاهتمام نصيراً، وعلى أعدائك ظهيراً، ومن انتقام عبدة الأوثان كفيلاً، اللهم قوّ من ضعفت حيلته فأنت القوي المعين، وانصر من لا نصير له إلاّ أنت فإيّاك نعبد وإيّاك نستعين، اللهم ثبّت أقدامنا وانصرنا عند تزلزل الأقدام، ولا تسلمنا عند لقاء عدو الإسلام، فقد ألقينا إليك يد الاستسلام، اللهم دافع بملائكتك المسوّمين، اللهم اجعلنا على تيقّظ وتذكر من " قال لهم النّاس إنّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتّبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم " آل عمران:.

وقد وردت علينا المخاطبات من إخواننا المسلمين الذين عرفنا في القديم والحديث اجتهادهم، وشكرنا في ذات الله تعالى جهادهم، بني مرين أولي الامتعاض لله تعالى والحميّة، والمخصوصين بين القبائل الكريمة بهذه المزية، بعزمهم على الامتعاض لحقّ الجوار، والمصارخة التي تليق بالأحرار، والنفرة

لانهتاك ذمار نبيّهم المختار، وحركة سلطانهم بتلك الأقطار والأمصار، ومدافعة أحزاب الشيطان وأهل النار، فاسألوا الله تعالى إعانتهم على هذا المقصد الكريم الآثار، والسعي الضمين للعزّ والأجر والفخار، والسلام الكريم يخصّكم أيها الأولياء ورحمة الله وبركاته؛ انتهى.

وممّا كتبه ابن لسان الدين رحمه الله تعالى على لسان سلطانه الغني بالله تعالى والنظر إليهم بعين الشفقة ما صورته:

هذا كتاب كريم أصدرناه بتوفيق الله تعالى شارحاً للصدور، مصلحاً بإعانة الله تعالى للأمور، ملحفاً العدل والإحسان الخاصة والجمهور، يعلم من يسمعه أو يقف عليه، ومن يقرؤه ويتدبر ما لديه، ما عاهدنا الله تعالى عليه من تأمين النفوس وحقن الدماء، والسير في التجافي عنها على السّنن السّواء، ورفع التناوب عن البعيد منها والقريب، والمساواة في العفو والغفران بين البريء منها والمريب، وحمل من ينظر بعين العداوة في باطن الأمر محمل الحبيب، وترك ما يتوجّه بأمر المطالبات، ورفض التبعات، ممّا لا يعارض حكماً شرعياً، ولا يناقض سنناً في الدين مرعيّاً، فمن كان رهن تبعة أو طريد تهمه، أو منبوزاً في الطاعة بريبة توجب أن نريق دمه، فقد سحبنا عليه ظلال الأمان وألحفناه أثواب العفو والغفران، ووعدناه من نفسنا مواعد الرفق والإحسان، حكماً عامّاً، وعفواً تامّاً، فاشياً في جميع الطبقات، منسحباً على الأصناف المختلفات، عاملنا في ذلك من يتقبل الأعمال، ولا يضيع السؤال، واستغفرنا عن نفسنا وعمن أخطأ علينا من رعيتنا ممن يدرأ الشرع غلطته،

ويقبل الحق فيأته " ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثمّ يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً " النساء: لما رأينا من وجوب اتفاق الأهواء والضمائر، وخلوص القلوب والسرائر، في هذا الوطن الذي أحاط به العدو والبحر، ومسّه بتقدم الفتنة الضر، وصلة لما أجراه الله تعالى على أيدينا، وهيأه بنا في نادينا، فلم يخف ما سكن بنا من نار الفتنة، ورفع من بأس وإحنة، وكشف من ظلمة، وسدل من نعمة، وأصفى من مورد عافية، وأولى من عصمة كافية، بعدما تخربت الثغور، وفسدت الأمور، واهتضم الدين، واشتد على العباد كلب الكافرين المعتدين " ذلك من فضل الله علينا وعلى النّاس " يوسف: فله الحمد دائباً، والشكر واجباً، ومن الله نسأل أن يتمم نعمته علينا كما أتمها على أبوينا من قبل إن ربّك حكيم عليم.

ونحن قد شرعنا في تعيين من ينوب عنّا من أهل العلم والعدالة، والدين والجلالة، للتطوّف في البلاد الأندلسية، ومباشرة الأمور بالبلاد النّصرية، ينهون إلينا ما يستطلعونه، ويبلغون من المصالح ما يتعرفونه، ويقيدون ما تحتاج إليه الثغور، وتستوجبه المصلحة الجهادية من الأمور، ونحن نستعين بفضلاء رعيتنا وخيارهم، والمراقبين الله تعالى منهم في إيرادهم وإصدارهم، على إنهاء ما يخفى عنّا من ظلامة تقع، أو حادث يبتدع، ومن اتخذت بجواره خمر فاشية، أو نشأت في جهته للمنكر ناشية، فنحن نقلده العهد، وتطوّقه القلادة، ووراء تنبيهنا على ما خفي من الشكر لمن أهداه، وإحماد سعي من أبلغه وأداه، ما نرجو ثواب الله تعالى عليه، والتقرب به إليه، فمن أهدى لنا شيئاً من ذلك فهو شريك في أجره، ومقاسم في مثوبته يوم ربح تجره، وحسبنا الله ونعم الوكيل انتهى.

[وصية لسان الدين لأبنائه]

وإذ أجرينا طرف القلم ملء عنانه فيما للسان الدين رحمه الله تعالى من

النصائح والمواعظ والوصايا، وما يرجع بالنفع على الخاصة وجمهور الرعايا، كلّ دون شأوه، وقصر عن أمده مديد خطوه، وقد تقدم في هذا الكتاب من ذلك جملة وافرة، فلتراجع في محالها المتكاثرة، وقد آن أن نسرد في هذا المحل الوصية التي أوصى لسان الدين رحمه الله تعالى بها أولاده، وهي وصية جامعة نافعة، يحصل بها انتعاش، لاشتمالها على ما لا بد منه في المعاد والمعاش، ونصّها:

الحمد لله الذي لا يروعه الحمام المرقوب، إذا شيم نجمه المثقوب، ولا يبغته الأجل المكتوب، ولا يفجؤه الفراق المعتوب، ملهم الهدى الذي تطمئن به القلوب، وموضح السبيل المطلوب، وجاعل النصيحة الصريحة في قسم الوجوب، لا سيما للولي المحبوب، والولد المنسوب، القائل في الكتاب المعجز الأسلوب " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب " البقرة: " ووصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب " البقرة: والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله أكرم من زرّت على نوره جيوب الغيوب، وأشرف من خلعت عليه حلل المهابة والعصمة فلا تقتحمه العيون ولا تصمه العيوب، والرضى عن آله وأصحابه المثابرين على سبيل الاستقامة بالهوى المغلوب، والأمل المسلوب، والاقتداء الموصل للمرغوب، والعز والأمن من اللغوب.

وبعد، فإنّي لما علاني المشيب بقمته، وقادني الكبر في رمّته، وادكرت الشباب بعد أمته، أسفت لما أضعت، وندمت بعد الفطام على ما رضعت، وتأكّد وجوب نصحي لمن لزمني رعيه، وتعلّق بعيني سعيه، وأمّلت أن

تتعدى إليّ ثمرة استقامته وأنا رهين فوات، وفي برزخ أموات، ويأمن العثور في الطريق التي اقتضت عثاري، إن سلك - وعسى أن لا يكون ذلك - على آثاري، فقلت أخاطب الثلاثة الولد، وثمرات الخلد، بعد الضراعة إلى الله تعالى في توفيقهم، وإيضاح طريقهم، وجمع تفريقهم، وأن يمن عليّ منهم بحسن الخلف، والتلافي من قبل التلف، وأن يرزق خلفهم التمسك بهدي السلف، فهو ولي ذلك، والهادي إلى خير المسالك:

اعلموا هداكم الله تعالى الذي بأنواره تهتدي الضّلاّل، وبرضاه ترفع الأغلال، وبالتماس قربه يحصل الكمال، إذا ذهب المال، وأخلفت الآمال، وتبرأت من يمينها الشمال - أنّي مودعكم وإن سالمني الردى، ومفارقكم وإن طال المدى، وما عدا ممّا بدا، فكيف وأدوات السفر تجمع، ومنادي الرحيل يسمع، ولا أقل للحبيب المودع من وصية محتضر، وعجالة مقتصر، ورتيمة تعقد في خنصر، ونصيحة تكون نشيدة واع مبصر، تتكفّل لكم بحسن العواقب من بعدي، وتوضح لكم من الشفقة والحنّو قصدي، حسبما تضمّن وعد الله من قبل وعدي، فهي أربكم الذي لا يتغير وقفه، ولا ينالكم المكروه ما رفّ عليكم سقفه، وكأنّي بشبابكم قد شاخ، وبراحلكم قد أناخ، وبناشطكم قد كسل، واستبدل الصاب من العسل، ونصول الشيب تروع بأسل، لا بل السام من كل حدب قد نسل، والمعاد اللحد ولا تسل، فبالأمس كنتم فراخ حجر، واليوم أبناء عسكر مجر، وغداً شيوخ مضيعة وهجر، والقبور فاغرة، والنفوس عن المألوفات صاغرة، والدنيا بأهلها ساخرة، والأولى تعقبها

الآخرة، والحازم من لم يتّعظ به في أمر، وقال: بيدي لا بيد عمرو، فاقتنوها من وصية، ومرام في النصح قصية، وخصّوا بها أولادكم إذا عقلوا، ليجدوا زادها إذا انتقلوا، وحسبي وحسبكم الله الذي لم يخلق الخلق هملاً، ولكن ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، ولا رضي الدنيا منزلاً، ولا لطف بمن أصبح عن فئة الخير منعزلاً.

ولتلقنوا تلقيناً، وتعلموا علماً يقيناً، أنكم لن تجدوا بعد أن أنفرد بذنبي، ويفترش التراب جنبي، ويسح انسكابي، وتهرول عن المصلّى ركابي، أحرص مني على سعادة إليكم تجلب، أو غاية كمال بسببكم ترتاد وتطلب، حتى لا يكون في الدين والدنيا أورف منكم ظلاً، ولا أشرف محلاً، ولا إبط نهلاً وعلاًّ، وأقل ما يوجب ذلك عليكم أن تصيخوا إلى قولي الآذان، وتستلمحوا صبح نصحي فقد بان، وسأعيد عليكم وصية لقمان: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بنيّ لا تشرك بالله إنّ الشّرك لظلم عظيم، يا بنيّ أقم الصّلاة، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك، إنّ ذلك من عزم الأمور، ولا تصعّر خدّك للنّاس، ولا تمش في الأرض مرحاً، إنّ الله لا يحبّ كلّ مختال فخور، واقصد في مشيك، واغضض من صوتك، إنّ أنكر الأصوات لصوت الحمير " لقمان: وأعيد وصية خليل الله وإسرائيله، حكم ما تضمنه حكم تنزيله " يا بنيّ إنّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون " البقرة: والدين الذي ارتضاه واصطفاه، وأكمله ووفّاه، وقرّره مصطفاه، من قبل أن يتوفّاه، إذا أعمل فيه انتقاد، فهو عمل واعتقاد، وكلاهما مقرر، ومستمد من عقل أو نقل محرر، والعقل متقدم، وبناؤه مع رفض أخيه متهدم، فالله واحد أحد، فرد صمد، ليس له والد ولا ولد،

تنزه عن الزمان والمكان، وسبق وجوده وجود الأكوان، خالق الخلق وما يعملون، الذي لا يسأل عن شيء وهم يسألون، الحي العليم المدبّر القدير:ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير " (الشورى:) أرسل الرسل رحمة لتدعو الناس إلى النجاة من الشقاء، وتوجّه الحجّة في مصيرهم إلى دار البقاء، مؤيدة بالمعجزات التي لا تتصف أنوارها بالاختفاء، ولا يجوز على تواترها دعوى الانتفاء، ثمّ ختم ديوانهم بنبي ملّتنا المرعيّة الهمل، الشاهدة على الملل، فتلخصت الطاعة، وتعيّنت الإمرة المطاعة، ولم يبق بعده إلا ارتقاب الساعة، ثمّ إن الله تعالى قبضه إذ كان بشراً، وترك دينه يضم من الأمة نشراً، فمن تبعه لحق به، ومن تركه تورّط عنه في منتشبه، وكانت نجاته على قدر سببه، روي عنه ﵊ أنّه قال " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا بعدي: كتاب الله، وسنّتي، فعضوا عليهما بالنواجذ ".

فاعملوا يا بني بوصية من ناصح جاهد، ومشفق شفقة والد، واستشعروا حبه الذي توفّرت دواعيه، وعوا مراشد هديه فيا فوز واعيه، وصلوا السبب بسببه، وآمنوا بكل ما جاء به مجملاً أو مفصّلاً على حسبه، وأوجبوا التجلة لصحبه الذي اختارهم الله تعالى لصحبته، واجعلوا محبتكم إياهم من توابع محبته، واشملوهم بالتوقير، وفضلوا منهم أولي الفضل الشهير، وتبرأوا من العصبية التي لم يدعكم إليها داع، ولا تع التشاجر بينهم أذن واع، فهو عنوان

السداد، وعلامة سلامة الاعتقاد، ثم اسحبوا فضل تعظيمهم على فقهاء الملّة، وأثمتها الجلّة، فهم صقلة نصولهم، وفروع نائشة من أصولهم، وورثتهم وورثة رسولهم.

واعلموا أنّني قطعت في البحث زماني، وجعلت النظر شاني، منذ براني الله تعالى وأنشاني، مع نبل يعترف به الشاني، وإدراك يسلّمه العقل الإنساني، فلم أجد خابط ورق، ولا مصيب عرق، ولا نازع خطام، ولا متكلّف فطام، ولا مقتحم بحر طام، إلاّ وغايته التي يقصدها قد نضلتها الشريعة وسبقتها، وفرعت ثنيتها وارتقتها، فعليكم بالتزام جادّتها السابلة، ومصاحبة رفقتها الكاملة، والاهتداء بأقمارها غير الآفلة، والله تعالى يقول وهو أصدق القائلين " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين " آل عمران: وقد علت شرائعه، وراع الشكوك رائعه، فلا تستنزلكم الدنيا عن الدين، وابذلوا دونه النفوس فعل المهتدين، فلن ينفع متاع بعد الخلود في النار أبد الآبدين، ولا يضر مفقود مع الفوز بالسعادة والله أصدق الواعدين، ومتاع الحياة الدنيا أخس ما ورث الأولاد عن الوالدين، اللهم قد بلّغت فأنت خير الشاهدين.

فاحذروا المعاطب التي توجب في الشقاء الخلود، وتستدعي شوه الوجوه ونضج الجلود، واستعيذوا برضى الله من سخطه، واربأوا بنفوسكم عن غمطه، وارفعوا آمالكم عن القنوع بغرور قد خدع أسلافكم، ولا تحمدوا على جيفة العرض الزائل ائتلافكم، واقتنعوا منه بما تيسر، ولا تأسوا على ما فات وتعذر، فإنّما هي دجنة ينسخها الصباح، وصفقة يتعاقبها الخسار والرباح، ودونكم عقيدة الإيمان فشدوا بالنواجذ عليها، وكفكفوا الشبه أن تدنوا إليها.

واعلموا أن الإخلال بشيء من ذلك خرق لا يرفؤه عمل، وكل ما سوى الراعي همل، وما بعد الرأس في صلاح الجسم الميت أمل، وتمسكوا بكتاب الله تعالى حفظاً وتلاوة، واجعلوا حمله على حمل التكليف علاوة، وتفكروا في آياته ومعانيه، وامتثلوا أوامره ونواهيه، ولا تتأولوه ولا تغلوا فيه، وأشربوا قلوبكم حب من أنزل على قلبه، وأكثروا من بواعث حبه، وصونوا شعائر الله صون المحترم، واحفظوا القواعد التي ينبني عليها الإسلام حتى لا ينخرم.

الله الله في الصلاة ذريعة التجلة، وخاصة الملّة، وحاقنة الدم، وغنى المستأجر المستخدم، وأم العبادة، وحافظة اسم المراقبة لعالم الغيب والشهادة، والناهية عن الفحشاء والمنكر وإن عرض الشيطان عرضهما، ووطّأ للنفس الأمّارة سماءهما وأرضهما، والوسيلة إلى بل الجوانح ببرود الذكر، وإيصال تحفة الله إلى مريض الفكر، وضامنة حسن العشرة من الجار، وداعية للمسالمة من الفجار، والواسمة بسمة السلامة، والشاهدة للعبد برفع الملامة، وغاسول الطبع إذا شانه طبع، والخير الذي كل ما سواه له تبع، فاصبروا النفس على وظائفها بين بدء وإعادة، فالخير عادة، ولا تفضلوا عليها الأشغال البدنية، وتؤثروا على العلية الدنية، فإن أوقاتها المعينة بالانفلات تنبس، والفلك بها من أجلكم لا يحبس، وإذا قورنت بالشواغل فلها الجاه الأصيل، والحكم الذي لا يغيره الغدو ولا الأصيل،

والوظائف بعد أدائها لا تفوت، وأين حق من يموت من حق الحي الذي لا يموت، وأحكموا أوضاعها إذا أقمتموها، وأتبعوها النوافل ما أطقتموها، فبالإتقان تفاضلت الأعمال، وبالمراعاة استحقت الكمال، ولا شكر مع الإهمال، ولا ربح مع إضاعة رأس المال، وذلك أحرى بإقامة الفرض، وأدعى إلى مساعدة البعض البعض.

والطهارة التي هي في تحصيلها سبب موصل، وشرط لمشروطها محصل، فاستوفوها، والأعضاء نظفوها، ومياهها بغير أوصافها الحميدة فلا تصفوها، والحجول والغرر فأطيلوها، والنيات في كل ذلك فلا تهملوها، فالبناء بأساسه، والسيف برئاسه. واعلموا أن هذه الوظيفة من صلاة وطهور، وذكر مجهور وغير مجهور، تستغرق الأوقات، وتنازع شتى الخواطر المفترقات، فلا يضبطها إلاّ من ضبط نفسه بعقال، وكان في درج الرجولية ذا انتقال، واشتقاض صدأه بصقال، وإن تراخى قهقر الباع، وسرقته الطباع، وكان لما سواها أضيع فشمل الضياع.

والزكاة أختها الحبيبة، ولدتها القريبة، مفتاح السماحة بالعرض الزائل، وشكران المسئول على الضدّ من درجة السائل، وحق الله تعالى في مال من أغناه، لمن أجهده في المعاش وعنّاه، من غير استحقاق ملأ يده وأخلى يد أخيه، ولا علّة إلاّ القدر الذي يخفيه، وما لم ينله حظ الله تعالى فلا خير فيه. فاسمحوا بتفريقها للحاضر لإخراجها، في اختيار عرضها ونتاجها، واستحيوا من الله تعالى أن تبخلوا عليه ببعض ما بذل، وخالفوا الشيطان كلّما عذل، واذكروا خروجكم إلى الوجود لا تملكون، ولا تدرون أين تسلكون، فوهب وأقدر، وأورد بفضله وأصدر، ليرتب بكرمه الوسائل، أو يقيم الحجج والدلائل،

فابتغوا إليه الوسيلة بماله، واغتنموا رضاه ببعض نواله.

وصيام رمضان عبادة السر المقربة إلى الله زلفى، الممحوضة لمن يعلم السر وأخفى، مؤكدة بصيام الجوارح عن الآثام، والقيام ببر القيام، والاجتهاد، وإيثار التهجد على المهاد، وإن وسع الاعتكاف فهو من سنته المرعية، ولواحقه الشرعية، فبذلك تحسن الوجوه، وتحصل من الرقة على ما ترجوه، وتذهب قسوة الطباع، ويمتدّ في ميدان الوسائل الباع.

والحج - مع الاستطاعة - الركن الواجب، والفرض على العين لا يحجبه الحاجب، وقد بين رسول الله ﷺ قدره فيما فرض عن ربّه وسنّه، وقال ليس له جزاء عند الله إلاّ الجنّة.

ويلحق بذلك الجهاد في سبيل الله تعالى إن كانت لكم قوّة عليه، وغنى لديه، فكونوا ممّن يسمع نفيره ويطيعه، وإن عجزتم فأعينوا من يستطيعه.

هذه عمد الإسلام وفروضه، ونقود مهره وعروضه، فحافظوا عليها تعيشوا مبرورين، وعلى من يناويكم ظاهرين، وتلقوا الله لا مبدّلين ولا مغيرين، ولا تضيعوا حقوق الله فتهلكوا مع الخاسرين.

واعلموا أن بالعلم تستكمل وظائف هذه الألقاب، وتجلى محاسنها من بعد الانتقاب، فعليكم بالعلم النافع، دليلاً بين يدي السامع، فالعلم مفتاح هذا الباب، والموصل إلى اللّباب، والله ﷿ يقول " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنّما يتذكّر أولو الألباب " الزمر: والعلم وسيلة النفوس الشريفة، إلى المطالب المنيفة، وشرطه الخشية لله تعالى والخيفة، وخاصة الملأ الأعلى، وصفة الله في كتبه التي تتلى، والسبيل في الآخرة إلى السعادة، وفي الدنيا إلى التجلّة عادة، والذخر الذي قليله ينفع،

وكثيره يشفع، لا يغلبه الغاصب، ولا يسلبه العدوّ المناصب، ولا يبتزّه الدهر إذا مال، ولا يستأثر به البحر إذا هال، من لم ينله فهو ذليل وإن كثرت آماله، وقليل وإن جم ماله، وإن كان وقته قد فات اكتسابكم، وتخطى حسابكم، فالتمسوه لبنيكم، واستدركوا منه ما خرج عن أيديكم، واحملوهم على جمعه ودرسه، واجعلوا طباعهم ثرىً لغرسه، واستسهلوا ما ينالهم من تعب من جرّاه، وسهر يهجر له الجفن كراه، تعقدوا لهم ولاية عزّ لا تعزل، وتحلّوهم مثابة رفعة لا يحطّ فارعها ولا يستنزل، واختاروا من العلوم التي ينفّقها الوقت، ما لا يناله في غيره المقت.

وخير العلوم علوم الشريعة، وما نجم بمنابتها المريعة، من علوم لسان لا تستغرق الأعمار فصولها، ولا يضايق ثمرات المعاد حصولها، فإنّما هي آلات لغير، وأسباب إلى خير منها وخير، فمن كان قابلاً لازدياد، وألفى فهمه ذا انقياد، فليخص تجويد القرآن بتقديمه، ثم حفظ الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه، ثم الشروع في أصول الفقه فهو العلم العظيم المنّة، المهدي كنوز الكتاب والسنّة، ثم المسائل المنقولة عن العلماء الجلة، والتدرّب في طرق النظر وتصحيح الأدلّة، وهذه هي الغاية القصوى في الملّة، ومن قصر إدراكه عن هذا المرمى، وتقاعد عن التي هي أسمى، فليرو الحديث بعد تجويد الكتاب وإحكامه، وليقرإ المسائل الفقهية على مذهب إمامه، وإياكم والعلوم القديمة، والفنون المهجورة الذميمة، فأكثرها لا يفيد إلا تشكيكاً، ورأياً ركيكاً، ولا يثمر في العاجلة إلا اقتحام العيون، وتطريق الظنون، وتطويق الاحتقار، وسمة الصّغار، وخمول الأقدار، والخسف من بعد الإبدار، وجادة الشريعة أعرق في الاعتدال، وأوفق من قطع العمر في الجدال، هذا ابن رشد

ومفتيه، وملتمس الرشد وموليه، عادت عليه بالسخطة الشنيعة، وهو إمام الشريعة، فلا سبيل إلى اقتحامها، والتورّط في ازدحامها، ولا تخلطوا سامكم بحامها، إلا ما كان من حساب ومساحة، وما يعود بجدوى فلاحة، وعلاج يرجع على النفس والجسم براحة، وما سوى ذلك فمحجور، وضرم مسجور، وممقوت مهجور.

وأمروا بالمعروف أمراً رفيقاً، وانهوا عن المنكر نهياً حريّاً بالاعتدال حقيقاً، واغبطوا من كان من سنة الغفلة مفيقاً، واجتنبوا ما تنهون عنه حتى لا تسلكوا منه طريقاً.

وأطيعوا أمر من ولاه الله تعالى من أموركم أمراً، ولا تقربوا من الفتنة جمراً، ولا تداخلوا في الخلاف زيداً ولا عمراً.

وعليكم بالصدق فهو شعار المؤمنين، وأهم ما أضى عليه الآباء ألسنة البنين، وأكرم منسوب إلى مذهبه، ومن أكثر من شيء عرف به. وإياكم والكذب فهو العورة التي لا توارى، والسوأة التي لا يرتاب في عارها ولا يتمارى، وأقل عقوبات الكذاب، بين يدي ما أعد الله له من العذاب، أن لا يقبل منه صدقة إذا صدق، ولا يعول عليه إن كان بالحق نطق.

وعليكم بالأمانة فالخيانة لوم، وفي وجه الديانة كلوم، ومن الشريعة التي لا يعذر بجهلها، أداء الأمانات إلى لأأهلها، وحافظوا على الحشمة والصّيانة، ولا تجزوا من أقرضكم دين الخيانة، ولا توجدوا للغدر قبولاً، ولا تقروا عليه طبعاً مجبولاً " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً " الإسراء: ولا تستأثروا بكنز ولا خزن، ولا تذهبوا لغير مناصحة المسلمين في سهل ولا حزن، ولا تبخسوا الناس أشياءهم في كل أو وزن، والله الله أن تعينوا في سفك الدماء ولو بالإشارة أو بالكلام، أو ما يرجع إلى وظيفة الأقلام، واعلموا أن الإنسان في

فسحة ممتدة، وسبل الله تعالى غير منسدة، ما لم ينبذ إلى الله تعالى بأمانه، ويغمس في الحرام بيده أو لسانه، قال الله تعالى في كتابه الذي هدى به سنناً قويماً، وجلى من الجهل والضلال ليلاً بهيماً " ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً " النساء: واجتناب الزنا وما تعلّق به من أخلاق من كرمت طباعه، وامتد في سبيل السعادة باعه، لو لم تتلقّ نور الله الذي لم يهد شعاعهه، فالحلال لم تضق عن الشهوات أنواعه، ولا عدم إقناعه، ومن غلبت عليه غرائز جهله، فلينظر هل يحب أن يزنى بأهله، والله قد أعدّ للزاني عذاباً وبيلاً، وقال " ولا تقربوا الزنا إنّه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً " النساء:.

والخمر أم الكبائر، ومفتاح الجرائم والجرائر، واللهو لم يجعله الله في الحياة شرطا، والمحرم قد أغنى عنه بالحلال الذي سوّغ وأعطى، وقد تركها في الجاهلية أقوام لم يرضوا لعقولهم بالفساد، ولا لنفوسهم بالمضرة في مرضاة الأجساد، والله تعالى قد جعلها رجساً محرماً على العباد، وقرنها بالأنصاب والأزلام في مباينة السّداد.

ولا تقربوا الربا فإنّه من مناهي الدين، والله تعالى يقول " وذروا ما بقي من الرّبا إن كنتم مؤمنين " البقرة: وقال: " فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله " البقرة: في الكتاب المبين، ولا تأكلوا مال أحد بغير حق يبيحه، وانزعوا الطمع عن ذلك حتى تذهب ريحه، والتمسوا الحلال يسعى فيه أحدكم على قدمه، ولا يكل اختياره إلا للثقة من خدمه، ولا تلجأوا إلى المتشابه إلاّ عند عدمه، فهو في السلوك إلى الله تعالى أصل مشروع، والمحافظ عليه مغبوط، وإياكم والظلم فالظالم ممقوت بكل لسان، مجاهر الله تعالى بصريح العصيان، والظلم ظلمات يوم القيامة كما ورد في الصحاح الحسان. والنميمة فساد وشتات، لا يبقى عليه متات، وفي الحديث " لا يدخل الجنّة قتّات ".

واطرحوا الحسد فما ساد حسود، وإياكم والغيبة فباب الخبر معها مسدود، والبخر فما رؤي البخيل وهو مودود. وإياكم وما يعتذر منه فمواقع الخزي لا تستقال عثراتها، ومظنّات الفضائح لا تؤمن غمراتها، وتفقّدوا أنفسكم مع الساعات، وأفشوا السلام في الطرقات والجماعاتن ورقوا على ذوي الزمانات والعاهات، وتاجروا مع الله بالصدقة يربحكم في البضاعات. وعوّلوا عليه وحده في الشدائد، واذكروا ما ورد في ذلك من الآثار، وتعاهدوا أولي الأرحام، والوشائج البادية الالتحام، واحذروا شهادة الزور فإنّها تقطع الظهر، وتفسد السرّ والجهر؛ والرّشا فإنّها تحط الأقدار، وتستدعي المذلّة والصّغار، ولا تسامحوا في لعبة قمر، ولا تشاركوا أهل البطالة في أمر. وصونوا المواعيد من الإخلاف، والأيمان من حنث الأوغاد والأجلاف، وحقوق الله تعالى من الإزراء والاعتساف، ولا تلهجوا بالآمال العجاف، ولا تكلفوا بالكهانة والإرجاف. واجعلوا العمر بين معاش ومعاد، وخصوصية وابتعاد. واعلموا أن الله سبحانه بالمرصاد، وأن الخلق زرع وحصاد، وأقلوا بغير الحالة الباقية الهموم، واحذروا القواطع عن السعادة كما تحذر السموم. واعلموا أن الخير أو الشر في الدنيا محال أن يدوم، وقابلوا بالصبر أذاية المؤذين، ولا تقارضوا مقالات الظالمين، فالله لمن بغي عليه خير الناصرين، ولا تستعظموا حوادث الأيام كلّما نزلت، ولا تضجوا للأمراض إذا أعضلت، فكل منقرض حقير، وكل منقض وإن طال قصير، وانتظروا الفرج، وانتشقوا من جناب الله تعالى الأرج، وأوسعوا بالرجاء الجوانح، [واجنحوا إلى الخوف من الله تعالى فطوبى لعبد إليه جانح]، وتضرعوا إلى الله تعالى بالدعاء، والجأوا إليه في البأساء والضّرّاء،

وقابلوا نعم الله تعالى بالشكر الذي يقيد به الشارد، ويعذب الوارد، وأسهموا منها للمساكين وافضلوا عليهم، وعيّنوا الحظوظ منها لديهم، فمن الآثار " يا عائشة، أحسني جوار نعم الله، فإنّها قلّما زالت عن قوم فعادت إليهم ". ولا تطغوا في النعم فتقصروا عن شكرها، وتلفّكم الجهالة بسكرها، وتتوهموا أن سعيكم جلبها، وجدّكم حلبها، فالله خير الرازقين، والعاقبة للمتّقين، ولا فعل إلا لله إذا نظر بعين اليقين، والله الله لا تنسوا الفضل بينكم، ولا تذهبوا بذهابه زينكم، وليلتزم كل منكم لأخيه، ما يشتد به تواخيه، بما أمكنه من إخلاص وبر، ومراعاة في علانية وسر، وللإنسان مزية لا تجهل، وحق لا يهمل. وأظهروا التعاضد والتناصر، وصلوا التعاهد والتزاور، ترغموا بذلك الأعداء، وتستكثروا الأوداء، ولا تتنافسوا في الحظوظ السخيفة، ولا تتهارشوا تهارش السباع على الجيفة، واعلموا أن المعروف يكدر بالامتنان، وطاعة النساء شرّ ما أفسد بين الإخوان، فإذا أسديتم معروفاً فلا تذكروه، وإذا برز قبيح فاستروه، وإذا أعظم النساء أمراً فاحقروه.

والله الله لا تنسوا مقارضة سجلي، وبروا أهل مودّتي من أجلي، ومن رزق منكم مالاً بهذا الوطن القلق المهاد، الذي لا يصلح لغير الجهاد، فلا يستهلكه أجمع في العقار، فيصبح عرضة للمذلّة والاحتقار، وساعياً لنفسه إن تغلب العدوّ على بلده في الافتضاح والافتقار، ومعوقاً عن الانتقال، أمام النّوب الثقال، وإذا كان رزق العبد على المولى، فالإجمال في الطلب أولى، وازهدوا جهدكم في مصاحبة أهل الدنيا فخيرها لا يقوم بشرّها، ونفعها لا يقوم بضرّها، وأعقاب من تقدّم شاهدة، والتواريخ لهذه الدعوى عاضدة، ومن بلي بها منكم فليستظهر بسعة الاحتمال، والتقلل من المال، وليحذر معاداة الرجال، ومزلات الإدلال، وفساد الخيال، ومداخلة العيال، وإفشاء السر، وسكر الاغترار، وليصن الديانة، ويؤثر الصمت ويلازم الأمانة، ويسر من رضى

الله على أوضح الطرق، ومهما اشتبه عليه أمران قصد أقربهما إلى الحق، وليقف في التماس أسباب الجلال دون اعلكمال غير النقصان، والزعازع تسالم اللّدن اللطيف من الأغصان، وإياكم وطلب الولايات رغبة واستجلاباً، واستظهاراً على الحظوظ وغلاباً، فذلك ضرر بالمروءات والأقدار، داع إلى الفضيحة والعار، ومن امتحن بها منكم اختياراً، أو جبر عليها إكراهاً وإيثاراً، فليتلقّ وظائفها بسعة صدره، ويبذل من الخير فيها ما يشهد أن قدرها دون قدره، فالولايات فتنة ومحنة، وأسر وإحنة، وهي بين إخطاء سعادة، وإخلال بعبادة، وتوقع عزل، وإدالة بإزاء بيع جد من الدنيا بهزل، ومزلّة قدم، واستتباع ندم، ومآل العمر كلّه موت ومعاد، واقتراب من الله وابتعاد، جعلكم الله ممّن نفعه بالتبصير والتنبيه، وممّن لا ينقطع بسببه عمل أبيه.

هذه أسعدكم الله وصيتي التي أصدرتها، وتجارتي التي لربحكم أدرتها، فتلقوها بالقبول لنصحها، والاهتداء بضوء صبحها، وبقدر ما أمضيتم من فروعها، واستغشيتم من دروعها، اقتنيتم من المناقب الفاخرة، وحصلتم على سعادة الدنيا والآخرة، وبقدر ما أضعتم لآليها النفيسة القيم، استكثرتم من بواعث الندم. ومهما سئمتم إطالتها، واستغزرتم مقالتها، فاعلموا أن تقوى الله فذلكة الحساب، وضابط هذا الباب، كان الله خليفتي عليكم في كل حال، فالدنيا مناخ ارتحال، وتأميل الإقامة فرض محال، فالموعد للالتقاء، دار البقاء، جعلها الله من وراء خطة النجاة، ونفّق بضائعها المزجاة، بلطائفه المرتجاة، والسلام عليكم من حبيبكم المودع، والله سبحانه يلأمه حيث شاء من شمل متصدع، والدكم محمد بن عبد الله بن الخطيب، ورحمة الله وبركاته.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.