تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الرافلين في حلل الجلاله، المقتفين أوصافه الحميدة وخلاله، الوارثين (٥)

انتهت الوصية الفريدة في حسنها، الغريبة في فنها، المبلغة نفوس الناظرين

فيها فوق ظنّها، ولأجل ذلك كان شيخ سيوخنا المؤلف الكبير الفقيه الإمام قاضي القضاة العلامة سيدي الشيخ عبد الواحد ابن الشيخ الإمام عالم المالكية صاحب التآليف العديدة كالمعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب - وهو في ست مجلدات [ولو لم يكن له غيره] لكان كافياً، وله مصنّفات كثيرة غيره أكثرها في مذهب مالك، ولم يؤلف في المذهب مثلها -[كثيراً ما يدخل منها في خطبه].

[وصية لابن الجنان على لسان ابن هود]

رجع إلى ما كنا فيه:

أقول: لم تزل عادة الأكابر من العلماء والملوك الوصية لأولادهم وعمالهم باقتفاء النهج الذي يرون فيه السلوك، وقد وقفت للفقيه الكاتب أبي عبد الله محمد ابن الجنّان المرسي الأندلسي رحمه الله تعالى لى وصية ضمن رسالة كتبها عن ابن هود ملك الأندلس إلى أخيه اشمتملت على ما لا بدّ منه، فرأيت أن أذكرها هنا تتميماً للفائدة، ونصها بعد الصدر:

من مجاهد الدين، وسيف أمير المؤمنين، عبد الله المتوكّل عليه أمير المسلمين محمد بن يوسف بن هود، أيده الله تعالى بنصره، وأمدّه بتمكينه، وأعانه على ما ينويه من إحياء معالم دينه، إلى صنونا المبارك، وقسيمنا وأخينا المخصوص بتبجيلنا وتكريمنا، وحسامنا المنتضى المرتضى لإمضاء عزمنا وتصميمنا، الأمير الأعلى، الموقّر الأسمى، الميمون النقيبة المحمود السجيّة، الأحب النيّة، الأعز علينا، المتمم بمساعيه الصالحة كل ما نوينا، أدام الله تعالى تظفيره وإسعاده، وأمضى في الحق قواضبه وصعاده، ووالى معونته وإنجاده، وتولى توقيفه

وإرشاده، سلام طيب كريم زاك يخصكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أمّا بعد - فالحمد لله الذي أوضح للحق سبيلاً، ومد ظل رحمته على الخلق ظليلاً، وجعل العدل بحفظ نظام الإسلام كفيلاً، ونزّل الأحكام على قدر المصالح تنزيلاً، ونصب معالم الهدى علماً لمن اقتدى ودليلاً، وألهم إلىما يرضاه عملاً ومعتقداً وقيلاً، وصلواته الطيبة، وبركاته الصّيّبة، على سيد العالمين، وخاتم النبيين، محمد رسوله الذي فضّله بخلته واصطفاه تفضيلاً، وبعثه بالحنيفية السمحة فبينها تبييناً وفصّلها تفصيلاً، ورتبها كما أمره ربّه إباحة وندباً وتحريماً وتحليلاً، حتى ثبتت سنة الله " فلن تجد لسنّة الله تبديلاً، ولن تجد لسنّة الله تحويلاً " (فاطر:) وعلى آله وصحبه الذين فهموا ما جاءهم به ﵊ نصّاً وتأويلاً، وأبقوا من سيرتهم الفاضلة، وأحكامهم العادلة، أساساً للمتقين جليلاً، ومآثر للمقتفين تسبح الأفهام والأقلام في بحارها سبحاً طويلاً، وأمضوا عزائمهم تنسخ بالحق باطلاً وبالهدى تضليلاً، ورضوان الله تعالى يتوالى على خليفته، وحامل أمانته إلى خليقته، الذي كمل الله تعالى له موجبات الإمامة تكميلاً، وأناله من هدي النبوّة أفضل ما كان للهداة منيلاً، سيدنا ومولانا الإمام المنتصر بالله تعالى أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين المتبوّىء من ساحة الشرف والجلالة محلاً شريفاً جليلاً، والمنتخب من بحبوحة بيت الرسالة الذي وجد الوحي عنده معرّساً ومقيلاً، والدعاء له من لدن العزيز القوي بنصر يأتي لإمداده بمدد الملائكة قبيلاً، وفتح يؤتي الإيمان من الظهور بغية وتأميلاً -.

فإنّا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لكم عزماً لا يزال عضبه صقيلاً، وعزّاً يروق بإظهار الحق غرّة وتحجيلاً، ورأياً لقداح السداد والنجاح مجيلاً، وسعداً يوصل إلى الإسعاد برضاه توصيلاً، من حضرتنا بمرسية حرسها الله تعالى، ونحن نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على فضله الذي أناله جسيماً جزيلاً، ونتوكل عليه، توكل من يلجأ في كل أحواله إليه، وكفى بالله وكيلاً، ونستعينه على أمور

المسلمين التي حملنا منها أمانة كبيرة وعبئاً ثقيلاً، ونقف بالضراعة بين يديه، طلباً لما يخلصنا لديه، عساه أن يجعل لرغبتنا قبولاً وتوسيلاً، ونعوذ به من كل عمل لا يكون حاصله إلا مآلاً وبيلاً، وعرضاً من الدنيا قريباً ومتاعاً قليلاً.

إنّا - والله المرشد - لنعلم أن هذا الأمر الذي قلدنا الله تعالى منه ما قلّده، وأسنده إلينا من أمور خلقه فيما أسنده، قد ألزمنا من حقوقه الواجبة، وفروضه الراتبة، ما لا يستطاع إلاّ بمعونته أداؤه، ولا يستتبّ إلاّ بتوفيق الله تعالى انتهاؤه وابتداؤه، فهو المشكور عزّ وجهه على نعمته، والمستعان على ما يدني من رضاه ويقرب من رحمته، وأن كل امرىء بشأنه مشغول، وعن خويّصة نفسه مسؤول، ونحن بما استرعانا الله تعالى مشغولون، وعن الكبير والصغير مسؤولون، وعلينا النصيحة لله في عباده وبلاده، والنظر لهم بمنتهى جدّ المجتهد واجتهاده، ولا قوّة إلا بالله عليه توكلنا، وبه إليه توسّلنا، فعيننا تسهر لتنام للرعية عيونهم، وتحركنا يتصل ليحصل لهم سكونهم، وأملنا أن لا نقر فيهم بحول الله تعالى ظلماص ولا هضماً، ولا نخرم لهم في إقامة حقوق الله ما استطعنا نظماً، وأنّى ينصرف عن هذا القصد بعمله ونيته، من يعرف أن الله ﷻ لا يجوّز ظلم ظالم في بريته، ولعل الله الذي حملنا ما حملنا، واستعملنا بمشيئته فيما استعملنا، أن يهب لنا توفيقه، ويسلك بنا إلى هداه طريقه.

ألا وإن من ولّيناه أمراً من أمور المسلمين فهو مطلوب به، وموقوف عليه عند ربه، فلينظر امرؤ في جزئية ما نيط به وكليته، وليراقب فيما لديه عالم خفيته وجليته، ألا وكلكم راعٍ وكلّ راع مسؤول عن رعيته، فمن حفظ الله حفظه الله في نفسه وآله، وقضى له بالسعادة في حاله ومآله، وأنجاه يوم عرضه وسؤاله، والخلق عيال الله فأحبهم إليه أحبهم لعياله. العدل العدل فبه قامت السموات والأرض، وبإقامته أقيمت السنّة والفرض " اعدلوا هو أقرب للتّقوى " المائدة: وأقوى ما تشتد به أركان الدين وتقوى، أما إن الحق في أن لا تتعدى

أساليب الشرع وقوانينه، وأن لا يتجاوز في قضية من القضايا إفصاحه وتبيينه، وأن يجازى بحكمه المسيئون والمحسنون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون.

ألا وإنّا قد عثرنا لبعض قوّاد الجهات وحكامها على أمور أنكرنا معرفاتها، واستقبحنا مستوصفاتها، وبرئنا إلى الله ته من متغيراتها ومحرفاتها، وعلمنا أن منهم أقواماً لا يتورّعون عن الأموال والدماء، ولا يحذرون فيما يأتون ويذرون جبّار الأرض والسماء، فأزلنا بحمد الله ذلك ونحوه، وعجلنا ابتغاء رضاه محقه ومحوه، وانبعثنا لنظر جديد، واستئناف لإصلاح أحوال وتسديد، وتغليظ في المحرمات وتشديد، واستقبلنا ما يسوسع الأمور ربطاً وضبطاً، ويفيض على الأمّة بعون الله تعالى عدلاً وقسطاً، وتعين علينا فيما رأيناه إنفاذ الخطاب إلى كل من استكفيناه بالبلاد، ووليناه النظر عنّا في مصالح العباد، بما يكون إن شاء الله تعالى الاعتماد على فصوله، والاستناد إلى محصوله، والاجتهاد بحسب فروعه وأصوله:

فأوّل ما نوصيكم به وأنفسنا تقوى الله في كل حال، ومراقبة أوامره ونواهيه عند كل انتحاء وانتحال، والوقوف عند حدود الله التي حدها، وأرصدها بإزاء موجباته وعدها، فإنّه لا يتعداها إلاّ من رام تعفّي رسمها وطمسه " ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه " الطلاق: والمحافظة على ما به تحفظ الشريعة، والملاحظة لما يضم الرعايا من حوزة أولي الحياطة المنيعة، والمثابرة على ما تكف به أكف الاعتداء، والمبادرة إلى الاهتمام بالسلف الصالح والاقتداء، والطريقة المثلى، وآيات الله التي تتلى، وهداياته التي لأبصار البصائر تجلى، وخفض الجناح، والأخذ بالرفق والإنجاح، وتوخي الحق الذي هو أوضح انبلاجاً من فلق الإصباح، والحلم والأناة، والمذاهب المستحسنات، والأمور البيّنات.

والله الله في الدماء فإنّها أوّل ما يقضى بين الناس يوم القيامة فيها، ولا سبيل لاستحلالها إلا بعد ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل المسلم

لأخيه، وقد قال مالك الأمر والخلق " ولا تقتلوا النّفس التي حرّم الله إلا بالحقّ " الأنعام: فتثبتوا فيها فأمرها جليل، وتحريمها لا يدخله تحليل، وإياكم أن تجعلوا فيها لأحد من ولاة الجهاد حكماً أو نظراً، أو تكلوا إليهم منها مستكثراً أو مستنزراً، فإنّه إذا استبدّ بالقضاء فيها كل وال ذهبت هدراً، واستباحها الجاهل والجائر أشراً وبطراً، وربما كان فيهم من في طباعه سبعية فيقتل بها الناس قتلاً ذريعاً، ويتسهّل بذلك من جوره صعباً ويرتكب بجهله شنيعاً، ويذهل عن قول الله تعالى " من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً، ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعاً " (المائدة:) فأنّى تحل المسامحة في هذا الشان، أو يحكم به كل إنسان في نفوس أهل الإيمان معاذ الله أن يكون هذا ونحن نعرفه، أو ينصرف إليه نظرنا فلا نزيله ولا نصرفه، فسدّوا هذا الباب سدّاً، وصدوا عنه من أمّه صدّاً، وكفوا كل ما كان من الأيدي للدماء ممتدّاً، ومن وجب عليه القتل شرعاً وتعين، واتضح موجب القصاص فيه وتبين، فليس لكم إلا القاعدة الكبرى، تتحرّى فيها الأحكام عليه بمحضر القاضي والشهود كما يجب أن يتحرّى، بعد أن يتثبت في نازلته لديكم ويستجلى ويستبرا، فلا تحل القضية إلا على بصيرة، وحقيقة مستنيرة، فقد يلوح في اليوم ما خفي بالأمس، ويتعذر بعد الإقادة إعادة النفس.

وملاك الأمر في انتقاء من يتصرف، وتولية من لا يضيم ولا يتحيف، فتخيروا للأنظار والجهات، من ترتضى سيرته من الولاة، ولا تستعملوا أهل الفظاظة والجهالة، والمصرين على الراحة والبطالة، فإنذهم إذا استرعوا أضاعوا، وإذا دعاهم شيطان الهوى أطاعوا، وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا، وميلوا باختياركم إلى المتّسمين بالصلاح، المرتسمين في ديوان الكفاة النصاح،

وأطيلوا مع ذلك التنقير عنهم والتنقيب، ولا تغفلوا عن التعهد بالبحث البعيد منهم والقريب، ومن عثرتم له على منكر من استباحة دم أو مال، وإضاعة للحقوق وإهمال، فخذلوا على يده، وجازوه بفاسد مقصده، وأنزلوه بالمنزل الأقصى، وعاملوه معاملة من أوصيَ بتقوى الله فما استوصى.

واصرفوا نظركم إلى القضاة فإن مدار الشريعة إنّما هو على ما يستند إليهم، ويقصر من الأحكام عليهم، فإذا كانوا من أهل العلم والديانة، وذوي النزاهة والصيانة، أمسكهم الورع بزمامه، وبلغ العهد بهم غاية تمامه، وإذا كانوا بضدّ هذا قبلوا الرشوة، وأوطأوا العشوة، وأطالوا النشوة، وأحلّوا من الدماء والفروج محرمها، وطمسوا من السنّة بالميل والمين معلمها، وحكموا بالهوادة والهوى، وطووا من الحق ما انتشر ونشروا من الباطل ما انطوى، فانتقوهم فهم أولى بالانتقاء، وشرّ جاسرهم وجاهلهم أحق بالاتقاء، ولا تقدموهم ولا غيرهم بالشفاعات والوسائل، ولكن قدموهم بتورعهم في القضايا وعلمهم بالمسائل.

وممّا نؤكد عليهم فيه أمر الشهود؛ فإن شهادة الزور هي الداء العضال، والظلمة التي يتستر بها الظّلمة والضّلاّل، والحجة الداحضة التي بها يحلّل الحرام ويحرم الحلال، وقد كثر في هذا الزمان أهل الشهادة الفاسدة، ونفقت بهم سوق الأباطيل الكاسدة، فتقدموا إلى القضاة وفقهم الله تعالى أن لا يقبلوا إلاّ مشهوراً بزكاء وعدل، موفوراً حظّه من رجاحة وعقل، ومن كان مغموزاً عليه في أحواله، منبوزاً بالاسترابة في شهادته وأقواله، فلتردّ شهادته على أدراجها، وليبطل ما يكون من حجاجها. وأكدوا عليهم عند تعارض العقود في الترجيح، والنظر في التعديل والتجريح، لتجري أمور المسلمين على مستوى الحقّ المستبين، وتبدو المعدلة مشرقة الغرّة مؤتلفة الجبين.

وممّا نأمركم به أن تبحصوا عن العمال، ولا تولّوا منهم إلا الحسن الطريقة المرضيّ الأعمال، ومن لم يكن منهم جارياً على القوانين المرعية، ناصحاً لبيت المال

رفيقاً بالرعية، وكان في أمانته حائداً عن الجادة السوية، قائلاً كما قال قبله ابن اللتبية، فليعوّض منه غيره، وليرفع عن الجانبين ضيره، فإنّه ما كانت الخيانة قط في شيء إلا أهلكته، ولا وضعت في إنسان طبيعة سوء إلا ملكته.

وإنّما هو مال الله تعالى الذي يرزق منه الحماة، وبه تسد الثغور المهمات، فينبغي أن يختار له محتاط في اقتضائه وقبضه، حافظ لدينه ومروءته في كلّه وبعضه، فخذوا في انتقاء هذه الأصناف المسمين، واطلبوا بهذه الأوصاف المصرفين والمولين، واجمعوا من الاجتهاد الحميد والقصد والاعتماد الأثر والعين، وأنصفوا منهم إن تظلّم من أحدهم متظلم، واشفوا شكوى كل متشك وألم كل متألم، واعلموا أن حرمة الأموال بحرمة الدماء لاحقة، وأن إحدى القضيتين للأخرى مساوية ولاحقة، ومن أكبر ما ورد في ذلك وأعظمه، قول رسول الله ﷺ: " حرمة مال المسلم كحرمة دمه ".

وليكن الناس في الحق سواء لا محاباة ولا مفاضلة، ولا مجاوزة في تغليب قوي على ضعيف ولا محاولة، إن هذه أمتكم أمّة واحدة، وإن دلائل الشرع بمراد الله ﷾ لشاهدة، ولا يؤخذن أحد بجريرة أحد، ولا يجني ولد على والد ولا والد على ولد، فكتاب الله تعالى أولى بالاتباع وأحرى، لقول الله ﷿ " ولا تزر وازرة وزر أخرى " (الأنعام:) اللهم إلاّ من آوى محدثاً فإنه مأخوذ بما أجرم، ومعلون على لسان رسول الله ﷺ.

فارفعوا - أعاننا الله تعالى وإياكم - للعدل بكل علم مناراً، واتخذوا الرفق بالإمامة شعاراً، فقد قال: قال رسول الله ﷺ " إن الرفق لا يكون

في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلاّ شانه " وقد نصّ الكتاب والسنّة على مواضع اللين والاشتداد، ونبها على منازع المقاربة والسّداد، فلا غضب لأمر إلاّ بما غضب له الله ﷿، ولا رضىً به إلا إذا استقر فيه رضى الله تعالى وحل، قال رسول الله ﷺ " الذي يجلد فوق ما أمر الله تعالى به يقول له الله ﷿: عبدي، لم جلدت فوق ما أمرتك به فيقول: رب غضبت لغضبك، فيقول: أكان ينبغي لغضبك أن يكون أشد من غضبي ثم يؤتى بالمقصر فيقول: عبدي، لم قصرت عمّا أمرتك به فيقول: ربّ رحمتهن فيقول: أكان ينبغي لرحمتك أن تكون أوسع من رحمتي " قال: فيأمر فيهما بشيء قد ذكره لم يحفظه الراوي، إلا أنّه قال: صيروهما إلى النّار، أعاذنا الله تعالى منها بفضله ورحمته! فليوقف بالقضايا حيث وقف بها الشرع، ويحفظ الأصل من هذه الوصايا والفرع، واحتاطوا في الرعية فإنّه رأس المال، والأمانة التي لا ينبغي أن يكون فيها شيء من الإهمال، ومع توفيقكم لما سطرناه، في هذا الكتاب وشرحناه، من أبواب الخير المسعد في المآب والمآل، فاستوفوا ضروب الصالحات واستقصوها، واعملوا أعمال البر وخصوها، واذكروا آلاء الله وقصوها، " وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها " إبراهيم: واشتدوا في تغيير المنكرات كلّها، واحسموا أدواءها من أصلها، ورغّبوا الناس في الطاعات واندبوهم إليها، ووضحوا لهم أعمالهم وحرّضوهم عليها، وانتهوا في كل سعي ناجح، ورأي راجح، إلى أفضل ما ينتهي إليه المنتصحون، " ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون " آل عمران:.

وخذوا بعمارة مساجد الله التي هي بيوت الأتقياء، ومحلّ مناجاة ذي العظمة والكبرياء، إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين.

ومروهم بأن يعلّموا أولادهم كتاب الله تعالى فإن تعليمه للصغار يطفىء غضب

الرّب، ونعم الشفيع يوم القيامة، والمتوسل فيما يتوج القارىء وأباه تاج الكرامة، وأرشدوا للخير ما استطعتم، واتبعوا سبيله فهو أشرف ما اتبعتم، والله ولي التوفيق والإرشاد، والملجىء بالهداية إلى طريق الفوز والسداد.

وهذه أوامرنا إليكم امتثلنا أمر الله تعالى فامتثلوها، وأحضروها في خواطركم مع كل لحظة ومثلوها، وإنّا لما يكون منكم فيها لمستمعون، ولآثاركم فيما يوفيها لمتطلعون، وقد خرجنا لكم عن عهدة لزمتنا في التذكير، ونهجنا لكم منها التقديم والتأخير، والله تعالى يعلم أنّا إنّما قصدنا ما نرجو الخلاص به يوم الحساب، وأردنا رضاه فيما أوردناه من هذا الحظر والإيجاب، لنرعى حقّه سبحانه فيمن استرعانا، ونسعى في صلاح الأمّة عسى الله تعالى أن ينجح فيه مسعانا.

اللهم عبدك يضرع إليك، ويخضع بين يديك، في أن تلهمه إلى ما يجمل قصداً ومعتمداً، وتهب له من لدنك رحمة وتهيىء له من أمره رشداً، اللهم منك المعونة على ما وليت، ولك الشكر على ما أوليت، فالمهديّ من هديت، والخير كلّه فيما قضيت. اللهم من أعاننا على مرضاتك فكن له معيناً، وأورده من توفيقك عذباً معيناً، إنّك الولي النصير، العلي الكبير.

وإذا وصلكم كتابنا هذا فقصّوه على الناس مفصلاً ومجملاً، وأظهروا مضمونه لهم قولاً وعملاً، واسلكوا بهم من مراشده سنناً مستجملاً، إن شاء الله تعالى، والله سبحانه يديم علاكم، ويصل إادتكم في كل محمد وإبداكم، ويجزل حظوظكم من السعادة وأنصباكم، بمنّه وكرمه لا ربّ سواه. والسّلام الأكرم الأزكى يخصّكم، ورحمة الله تعالى وبركاته.

وكتب في الرابع والعشرين لجمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ انتهى.

[ترجمة ابن الجنان]

وهذا ابن الجنان له الباع المديد في النظم والنثر، ومن شعره رحمه الله تعالى في مرضه الذي توفي فيه، وهو آخر كلامه:

جهل الطبيب شكايتي، وشكايتيأنّ الطبيب هو الذي هو ممرضي
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «جهل الطبيب شكايتي وشكايتي»
فإن ارتضى برئي تدارك فضلهوإن ارتضى سقمي رضيت بما رضي
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «جهل الطبيب شكايتي وشكايتي»
ما لي اعتراض في الذي يقضي بهلكن لرحمته جعلت تعرضي ومن نظمه رحمه الله تعالى ملغزاً في بطيخة:
وحبلى بأبناء لها قد تمخّضوابأحشائها من بعد ما ولدوها
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «وحبلى بأبناء لها قد تمخضوا»
كسوها غداة الطلق برداً معصفراًعلى يقق أزرارها عقدوها
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «وحبلى بأبناء لها قد تمخضوا»
ولمّا رأوها قد تكامل حسنهاوأبدر منها طالع حسدوها
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «وحبلى بأبناء لها قد تمخضوا»
فقدّوا قميص البدر بالبرق واجتلواأهلّتها من بعد ما فقدوها
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «وحبلى بأبناء لها قد تمخضوا»
ولو أنصفوا ما أنصفوا بدر تمّهاولا أعدموا الحسناء إذ وجدوها وقال أيضاً ملغزاً في الميل، وهو المرود:
مسترخص السوم غالعال له أيّ حظوه
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «مسترخص السوم غال»

ما جاوز الشبر قدراً ... لكنّه ألف خطوه وهذا استخدام ما به باس، لأنّه اكتسى من الحسن خير لباس، وكم لهذا

الكاتب من محاسن، ماؤها غير آسن.

وقد عرّف لسان الدين في الإحاطة بابن الجنان، وأطال في ترجمته، ونشير إلى بعض ذلك باختصار.

وهو محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري من أهل مرسية، أبو عبد الله ابن الجنان.

كان محدثاً راوية ضابطاً، كاتباً بليغاً شاعراً بارعاً، رائق الخط، ديناً فاضلاً، خيراً ذكيّاً، استكتبه بعض أمراء الأندلس فكان يتبرم من ذلك ويقلق منه، ثم خلصه الله تعالى منه، وكان من أعاجيب الزمان في إفراط القماءة، حتى يظن رائيه الذي استدبره أنّه طفل ابن ثمانية أعوام أو نحوها، متناسب الخلقة، لطيف الشمائل وقوراً، خرج من بلده حين تمكن العدوّ من قبضته سنة، فاستقرّ بأربولة إلى أن دعاه إلى سبتة الرئيس أبو علي ابن خلاص، فوفد عليه، فأجلّ وفادته، وأجزل إفادته، وحظي عنده حظوة تامّة، ثم توجّه إلى إفريقية، فاستقر ببجاية، وكانت بينه وبين كتّاب عصره مكاتبات ظهرت فيها براعته، وروى ببلده وغيره عن أبي بكر ابن خطاب وأبي الحسن سهل بن مالك وابن قطرال وأبي الربيع ابن سالم وأبي عيسى ابن أبي السداد وأبي علي الشلوبين وغيرهم، وكان له في الزهد ومدح النبي ﷺ بدائع، ونظم في المواعظ للمذكرين كثيراً؛ انتهى مختصراً، وإلا فترجمته في الإحاطة متسعة، رحمه الله تعالى.

ولمّا كتب له أبو المطرف ابن عميرة برسالته الشهيرة التي أوّلها تحييك الأقلام تحية كسرى، وتقف دون مداك حسرى وهي طويلة، أجابه بما

نصّه: ما هذه التحية الكسروية وما هذا الرأي وهذه الروية أتنكيت من الأقلام أو تبكيت من الأعلام أو كلا الأمرين توجّه القصد إليه، وهو الحق مصدقاً لما بين يديه وإلاّ فعهدي بالقلم يتسامى عن عكسه، ويترامى للغاية البعيدة بنفسه، فمتى لانت أنابيبه للعاجم، ودانت أعاريبه للأعاجم واعجبا لقد استنوق الجمل، واختلف القول والعمل، لأمر ما جدع أنفه قصير، وارتد على عقبه الأعمى أبو بصير، أمس أستسقي من سحابه فلا يسقيني، وأستشفي بأسمائه فلا يشفيني، واليوم يحلّني محلّ أنوشروان، ويشكو مني شكوى الزيدية من بني مروان، ويزعم أنّي أبطلت سحره ببئر ذروان، ويخفي في نفسه ما الله مبديه، ويستجدي بالأثر ما عند مستجديه، فمن أين جاءت هذه الطريقة المتبعة، والشريعة المبتدعة أيظن أن معمّاه لا ينفك، وأنّه لا ينجلي هذا الشك هل ذلك منه إلا إمحاض التّيه، وإحماض تفتّيه، ونشوة من خمر الهزل، ونخوة من ذي ولاية آمن من العزل تالله لولا محلّه من القسم، وفضله في تعليم النّسم، لأسمعته ما ينقطع به صلفه، وأودعته ما ينصدع به صدفه، وأشرت بطرف المشرفي وحدّه، وأشرت إلى تعاليه عن اللعب بجدّه، ولكن هو القلم الأوّل، فقوله على أحسن الوجوه يتأوّل، ومعدود في تهذيبه، كل ما لسانه يهذي به، وما أنساني إلا الشيطان أياديه أن أذكرها، وإنّما أقول:

ليت التحية كانت لي فأشكرها ... ولا عتب إلاّ على الحاء، المبرحة بالبرحاء، فهي التي أقامت قيامتي في الأندية، وقامت عليّ قيام المتعدية، يتظلم وهو عين الظالم، ويلين القول وتحته سم الأراقم، ولعمر اليراعة وما رضعت، والبراعة وما صنعت، ما خامرني هواها، ولا كلفت بها دون سواها، ولقد عرضت نفسها عليّ مراراً، فأعرضت عنها اوزراراً، ودفعتها عني بكل وجه، تارة بلطف وأخرى بنجه، وخفت منها السآمة، وقلت: انكحي أسامة، فرضيت مني بأبي جهم وسوء ملكته، وابن أبي سفيان وصعلكته، وكانت أسرع من أم خارجة للخطبة، وأسمع من سجاح في استنجاح تلك الخطبة.

ولقد كنت أخاف من انتقال الطباع في عشرتها، واستثقال الاجتماع من عترتها، وأرى من الغبن والسفاه، أخذها وترك بنات الأفواه والشفاه، إذ هي أيسر مؤونة، وأكثر معونة، فغلطني فيها أن كانت بمنزل تتوارى صوناً عن الشمس، ومن نسوة خفرات لا ينطقن إلا بالهمس، ووجدتها أطوع من البنان للكف، والعنان للكفّ، والمعنى للاسم، والمغنى للرسم، والظل للشخص، والمستدل للنص، فما عرفت منها إلاّ خيراً أرضاه، وحسبتها من الحافظات

للغيب بما حفظ هـ، فعجبت لها الآن كيف زلت نعلها، ونشزت فنسرت ما استكتمها بعلها، واضطربت في رأيها اضطراب المختار بين أبي عبيد، وضربت في الأرض تسعى عليّ بكل مكر وكيد، وزعمت أن الجيم خدعها، وألان أخدعها، وأخبرها أن سيبلغ بخبرها الخابور، وأحضرها لصاحبها كما أحضر بين يدي قيصر سابور.

فقد جاءت إفكاً وزوراً، وكثرت من أمرها منزوراً، وكانت كالقوس أرنّت وقد أصمت القنيص، والمراودة قالت " ما جزاء " وهي التي قدّت القميص، وربما يظن بها الصدق وظن الغيب ترجيم، ويقال: لقد خفضت الحاء بالجوار لهذا الجيم، وتنتصر لها التي خيمت بين النرجسة والريحانة، وختمت السورة باسم جعلت ثانيه أكرم نبي على الله سبحانه، فإن امتعضت لهذه التكلمة، تلك التي سبقت بكلمتها بشارة الكلمة، فأنا ألوذ بعدلها، وأعوذ بفضلها، وأسألها أن تقضي قضاء مثلها، وتعمل بمقتضى " فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها " النساء:.

على أن هذه التي قد أبدت مينها، ونسيت الفضل بيني وبينها، إن قال الحكمان: منها كان النشوز، عادت حرورية العجوز، وقالت التحكيم في دين الله تعالى لا يجوز، فعند ذلك يحصحص الحق، ويعلم من الأولى بالحكم والأحق، ويصيبها ما أصاب أروى، من دعوة سعدية حين الدعوى، ويا ويحها أرادت أن تجني عليّ فجنت لي، وأناخت لي مركب السعادة وما ابتغت إلا ختلي، فأتى شرها بالخير، وجاء النفع من طريق ذلك الضير، أتراها علمت

بما يثيره اعوجاجها، وينجلي عنه عجاجها، فقد أفادت عظيم الفوائد، ونظيم الفرائد، ونفس الفخر، ونفيس الدر، وهي لا تشكر أن كانت من الأسباب، ولا تذكر إلا يوم الملاحاة والسباب.

وإنّما يستوجب الشكر جسيماً، والثناء الذي يتضوع نسيماً، الذي شرف إذ أهدى أشرف السحاءات، وعرف بما كان من انتحاء تلك الحاء المذمومة في الحاءات، فإنّه وإن ألمّ بالفكاهة، بما أملّ من البداهة، وسمّى باسم السابق السّكيت، وكان من أمر مداعبته كيت وكيت، وتلاعب في الصفات تلاعب الصفاح والصّبا بالبانة، والصّبا بالعاشق ذي اللّبانة، فقد أغرب بفنونه، وأغرى القلوب بفتونه، ونفث بخفية الأطراف، وعبث من الكلام المشقّق بالأطراف، وعلم كيف يمحض البيان، ويخلص العقيان، فمن الحق شكره على أياديه البيض، وإن أخذ لفظة من معناه في طرف النقيض.

" تالله أيها الإمام الأكبر، والغمام المستمطر، والحبر الذي يشفى سائله، والبحر الذي لا يرى ساحله، ما أنا المراد بهذا المسلك، ومن أين حصل ذلك النور لهذا الحلك، وصح أن يقاس بين الحداد والملك إنّه لتواضع الأعزّة، وما يكون عند الكرام من الهزّة، وتحريض الشيخ للتلميذ، وترخيص في إجازة الوضوء بالنبيذ، لو حضر الذي قضي له بجانب الغربيّ أمر البلاغة، وارتضى ما له في هذه الصناعة، من حسن السبك لحليها والصياغة، وأطاعته فيما أطلعته طاعة القوافي الحسان، واتبعته فيما جمعته لكن بغير إحسان، لأذعن كما أذعنت، وظعن عن محل الإجادة كما ظعنت، وأنّى يضاهى لفرات بالنغبة، ويباهى بالفلوس من أوتي من الكنوز ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة، وأي حظ للكلالة بالنشب، وقد اتصل للورثة عمود النسب، هيهات والله المطلب، وشتان الدر والمخشلب، وقد سيم الغلب، ورجع إلى قياده السلب.

" وإن كنّا ممّن تقدّم لشدة الظمإ إلى المنهل، كمن أقدم إلى عين تبوك بعد النهي للعلل والنهل، فقد ظهرت بعد ذلك المعجزة عياناً، وملأ ما هنالك جناناً

وما تعرضنا بإساءة الأدب واللوم، ولكن علمنا أن آخر الشّرب ساقي القوم، وإن أسهبنا فما نلنا رتبة ذلك الإيجاز، وإن أعرقنا فهوانا في الحجاز، فلكم قصيرات الحجال، ولنا قصيرات الخطا في هذا المجال، وإكثارنا في قلّة، وجارنا من الفقر في فقر وذلة، ومن لنا بواحدة يشرق ضياؤها، ويخفي النّجوم خجلها منها وحياؤها إن لم تطل فلأنّها للفروع كالأصل، وفي الجموع كليلة الوصل، فلو سطع نورها الزاهر، ونورها الذي تطيب منه الأنوار الأزاهر، لسجدت النيران ليوسف ذلك الجمال، ووجدت نفحات ريّاها في أعطاف الجنوب والشمال، وأسرعت نحوها النفوس إسراع الحجيج يوم النّفر. وسار خبرها وسرى فصار حديث المقيمين والسّفر، وما ضرّ تلك الساخرة في تجليها، الساحرة بتجنيها، أن كانت بمنزلة ربيبتها بل ربيئتها، هذه التي سبقتني لما سقتني بسيئتها، ووجدت ريحها لما فصلت من مصر عيرها، وحين وصلت لم يدلني على ساريها إلا عبيرها، وكم رامت أن تستتر عني بليل حبرها في هذه المغاني، فأغراني بهاؤها وكل مغرم مغرى ببياض صبح الألفاظ والمعاني، وهل كان ينفعها، تلفحها بمرطها وتلفعها إذ نادتها المودة، قد عرفناك يا سودة، فأقبلت على شم نشرها وعرفها، ولثم سطرها وحرفها، وقريتها الثناء الحافل، وقرأتها فزينت بها المحافل، ورمت أمر الجواب، فعزني في الخطاب، لكن رسمت هذه الرقعة التي هي لديكم بعجزي واشية، وإليكم مني على استحياء ماشية، وإن رقّ وجهها فما رقت لها حاشية، فمنوا بقبولها على عللها، وانقعوا بماء سماحتكم حرّ غللها، فإنّها وافدة من استقر قلبه عندكم وثوى، وأقر بأنّه يلقط في هذه الصناعة ما يلقى للمساكين من النوى، بقيتم سيدي للفضل والإغضاء، ودمتم غرة في جبين السمحة البيضاء، واقتضيتم السعادة

المتصلة مدة الاقتضاء، بيمن الله سبحانه انتهى.

ومن نثر ابن الجنان رحمه الله تعالى في شرف المصطفى ﷺ: لمحمد خير الأنام، ولبنة التمام، عليه أفضل الصّلاة والسلام، خيرة المفاخر، يتضاءل لعظمتها المفاخر، والمعالي، يتصاغر لعزّتها المعالي، والمكارم، يعجز عن مساجلتها المكارم، والمناقب، لا تضاهي سناها النجوم الثواقب، والمحامد، لا يبلغ مداها الحامد، والمماجد، لا يتعاطى رتبهن المماجد، والمناسب، سمت بجلالهن المناصب، والعناصر، طيّبها الشرف المتناصر، والفضائل، تفجرت في أرجائهن الفواضل، والشمائل، تأرّجت بعرفهن الجنائب والشمائل، فلا مجاري لسيد البشر، الآتي بالنذارات والبشر، فيما حباه الله تعالى به وخصّه، وقصّه علينا من خلقه العظيم ونصّه، عند رسم مدائحه يوجد المعوّل، وفي الثناء عليه يستقصر الكلام المطوّل، هو الآخر في ديوان الرسالة والأوّل، وله في الفضيلة، وقبول الوسيلة، النص الذي لا يؤوّل، نوره صدع الظلم، وظهوره رفع لدين الله تعالى العلم، بدأه الوحي وهو بحراء، وأسرّ إليه سر تقدم الإسراء، حتى إذا نصب له المعراج، وتوقد في منارة السماء ذاك السراج، ناجى الحبيب حبيبه، وجلا عن وجه الجلاء جلابيبه، فتلقى ما تلقى، لما علا وترقى، ثم صدر عن حضرة القدس، وجبين هدايته يبهر سنا الشمس، فشق لمعجزاته القمر، ونهى بأمر ربّه وأمر، وأزال الجهالة، وأزاح الضلالة، وكسر منصوب الأوثان، ونصر من قال واحد أ؛ د على من قال ثالث ثلاثة أوثان، وبنى الملّة على قواعدها الخمس، وأحيا دين إبراهيم وكان رفاتاً بالرمس، فرفلت الحنيفية البيضاء في بردة الجدّة، وبيضت بيضاء غرتها أوجه الأيام المسودّة، وانتشرت الرحمة بنبيها، ومطرت المرحمة من سحب حيها، وافتنت الآيات الباقيات البينات في مساقها واتساقها، وإشراقها في آفاقها وائتلاقها.

وشهد الحجر والشجر، والماء من بين البنان يتفجر، والظبية والضب، والجذع المشاق الصب، والشاة والبعير، والليث إذ هدأ أو سمع من الزئير

والحي والجماد، والقصعة والزاد، بأن محمداً رسول الملك الحق، والمبلغ عنه بواسطة الملك إلى الخلق، وصاحب اللواء المعقود، والمقام المحمود، والحوض المورود، والقول المسموع، والذكر المرفوع، والصدر المشروح، والفخر الباهر الوضوح، والأنوار المتناقلة، والآثار المتداولة، والنبوّة التي عهدها تقادم، من قبل خلق آدم، والمزية المعروف قدرها الجليل، المقبول فيها ما دعا به الخليل، والرتبة التي استشرف إليها الكليم، حتى قال له " وكن من الشاكرين " الأعراف: ربّه الكريم، والبشارة التي كان بها يصيح حين يسيح، روح الله تعالى وكلمته عيسى المسيح، والشفاعة التي يرجوها الرسل والأمم، ويقرع بها الباب المرتج المبهم، فما لنبينا المختار، من علوّ المقدار، واصطفاء الجبار، والاختصاص بالأثرة، والاستخلاص للحضرة، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً.

" وحسب هذا الوجود من الفضل الرباني والجود الذي لم يزل عظيماً، أن بعث الله تعالى فيه رسولاً رؤوفاً بالمؤمنين رحيماً، عزيزاً على ربّه الكريم كريماً، بسرّه سجدت الملائكة لآدم تعظيماً، وبذكره بنظم سلك المادح لحضرته العلية تنظيماً، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً صلاة تتصل ما دار كأس محبته على أحبّته فكان مزاجه تسنيماً، وسلاماً ينزل دار دارين فيرسل ببضائعها إلى روضة الرضى نسيماً ".

ومن خطبه المرتجلة قوله سامحه الله تعالى:

" الحمد لله الذي حمده من نعمائه، وشكره على آلائه من آلائه، أحمده حمد عارف بحق سنائه، واقف عند غاية العجز عن إحصاء ثنائه، عاكف على رسم الإقرار بالافتقار إليه والاستغناء به في كل آنائه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتوحّد بعظمته وكبريائه، المتقدس عمّا يقوله الملحدون في أسمائه. وأصلي على سيد ولد آدم ونخبة أنبيائه، محمد المفضل على العالمين باجتبائه

واصطفائه، المنتقى من صميم الصميم وصريح الصريح بجملة آبائه، المرتضى الأمانة والمكانة بإبلاغ أمر الله وأدائه، أرسله الله للناس كافة عموماً لا يتخصص باستثنائه، وفضّله بالآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة على أمثاله من المرسلين ونظرائه، ورقّاه إلى الدرجات العلا وأنهاه إلى سدرة المنتهى ليلة إسرائه، وحباه بالخصائص التي لا يضاهى بها بهاء كمله وكمال بهائه، وردّاه رداء العصمة فكانت عناية الله تكنفه عن يمينه وشماله وأمامه وورائه، ووفاه من حظوظ البأس والندى ما شهد بمزيته على الليث والغيث في إبائه وانهمائه، صلى الله عليه وعلى آله مصابيح الهدى ونجوم سمائه، صلاة تتصل ما سمح البدر بائتلاق أنواره والقطر باندفاق أنوائه، وسلّم تسليماً ".

ومن نثره رحمه الله تعالى رسالة كتب بها من الأندلس إلى سيد الكونين ﷺ، وهي:

السلام العميم الكريم، والرحمة التي لا تبرح ولا تريم، والبركة التي أوّلها الصلاة وآخرها التسليم، على حضرة الرسالة العامة الدعوة والنبوة، المؤيدة بالعصمة والأيد والقوة، ومثابة البر والتقوى فهي لقلوب الطيبين صفاً ومروة، مقام سيد العالمين طرّاً، وهاديهم عبداً وحرّاً، ومنقذهم من أشراك الهلاك وقد طالما ألفوا العيش ضنكاً والدهر مرّاً، ومقر الأنوار المحمدية، والبركات السرمدية، أمتع الله تعالى الإسلام والمسلمين بحراسة أضوائها، وكلاءة ظلالها العلية وأفيائها، وأقر عين عبدها بلثم ثراها، والانخراط في سلك من يراها.

" السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا أبا القاسم، سلام من يمدّ إليك يد الغريق، ويرجو الإنقاذ ببركتك من نكد المضيق، ويتقطع أسفاً ويتنفس صعداً كلّما ازدلف إليك فريق، وعمرت نحوك طريق،

ولا يفتر صلاة عليك له لسان ولا يجف ريق.

كتبته يا رسول الله وقد رحل المجدون وأقمت، واستقام المستعدون وما استقمت، وبيني وبين لثم ثراك النبوي، ولمح سناك المحمدي، مفاوز لا يفوز بقطعها إلا من طهر دنس ثوبه، بماء توبه، وستر وصم عيبه، بظهر غيبه، فكلّما رمت المتاب رددت، وكلّما يممت الباب صددت، وقد أمرنا الله تعالى بالمجيء إليك، والوفادة عليك، ومن لي بذلك يا رسول الله والآثام تنئي وتبعد، والأيام لا تدني ولا تسعد، وبين جنبي أشواق لا يزال يهزني منها المقيم المقعد، ولئن كنت ممّن خلّفته عيوبه، وأوبقته ذنوبه، ولم يرض للوفادة وهو مدنس، على ذلك المقام وهو المطهر المقدس، فعندي من صدق محبتك، وحبّ صحبتك، والاعتلاق بذمتك، ما يقدمني وإن كنت مبطئاً، ويقربني وإن كنت مخطئاً.

" فاشفع لي يا رسول الله في زيارتك فهي أفضل المنى، وتوسل لي إلى مولىً بيّن فضيلتك، وتقبّل وسيلتك، في النقلة من هناك إلى هنا، واقبلني وإن كنت زائفاً، وأقبل عليّ وإن أصبحت إلى الإثم متجانفاً، فأنت عماد أمتك جميعاً وأشتاتاً، وشفيعهم أحياء وأمواتاً. ومن نأت به الدار، وقعدت بعزمه الأقدار، ثم زار خطّه ولفظه، فقد عظم نصيبه من الخير وحظّه، وإن لم أكن سابقاً فعسى أن أكون مصلّياً، وإن لم أعدّ مقبلاً فلعلي أعد مولياً، ووحقك وهو الحق الأكيد، والقسم الذي يبلغ به المقسم ما يريد، ما وخدت إليك ركاب، إلا وللقلب إثرها التهاب، وللدمع بعدها سحّ وانسكاب، ويا ليتني ممّن يزورك معها ولو على الوجننتين، ويحييك بين ركبها ولو على المقلتين، وما الغنى دونك إلا بؤس وإقلال، ولا الدنيا وإن طالت إلا سجون وأغلال، والله تعالى يمن على كتابي بالوصول والقبول، وعلي بلحاقي ببركتك ولو بعد طول.

ثم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته عليك يا سيد الخلق، وأقربهم من الحق، ولمولاه بإحراز قصب السّبق، ومن طهّر الله تعالى مثواه وقدّسه، وبناه على

التقوى والرضوان وأسسه، وآتاه من كل فضل نبوي أعلاه وأسناه وأنفسه، وعلى ضجيعيك السابقين لمهاجريك وأنصارك، الفائزين بصحبتك العلية وجوارك، وعلى أهل بيتك المطهرين أوائل وأواخر، الشهيرين مناقب ومفاخر، وصحابتك الذين عزروك ووقروك، وآووك ونصروك، وقدموك على الأنفس والأموال والأهل وآثروك، وأقرئك سلاماً تنال بركته من مضى من أمّتك وغبر، ويخص بفضل الله تعالى وجاهك من كتب وسطر، إن شاء الله تعالى.

كتبه عبدك المستمسك بعروتك الوثقى، اللائذ بحرمك الأمنع الأوقى، المتأخر جسماً المتقدم نطقاً، فلان، والسلام عليك يا رسول الله ﷺ تسليماً كثيراً ورحمة الله تعالى وبركاته ".

وله من خطبة طويلة: ونشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الصوفة المجتبى، الكريم أمّاً طاهرة وأبا، المختار من الطيبين مباركاً طيبا، المصطفى نبيّاً إذ كان آدم بين الماء والطين متقلّبا، المتقدم بمقام تأخّر عنه مقام الملائكة المقربين، انتخبه الله وانتجبه، وأظهره على غيب عن غيره حجبه، وشرفه في الملإ الأعلى وأعلى رتبه، وخطّ اسمه على العرش سطراً وكتبه، فهو وسيلة النبيين، والمرشّح أوّلاً لإمامة المرسلين، بعثه ربّه لختم الرسالة، ونعته بنعت الشرف والجلالة، وأيده بالحجّة البالغة والدلالة، وجعله نوراً صادعاً لظلام الضلالة، وأثنى في ذكره الحكيم، على خلقه العظيم، فما عسى أن يبلغ بعد ثناء المثنين، بفضله التصريح وإليه الإشارة، وبه سبقت من إبراهيم الدعوة ومن عيسى البشارة، وعليه راقت من صفة الرؤوف الرحيم الحلية والشارة، وهو المخيّر بين الملك والعبودية فاختار العبودية بعد الاستخارة والاستشارة، فبتواضعه حل بمكان عند ذي العرش مكين أسرى به ربه إليه، ووفد أكرم وفادة عليه، وأدناه قاب قوسين لديه، ووضع إمامة الرسالة العظمى في يديه، وقال له " اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين " الحجر: فصدع بأمر الله

صدعاً، وأوتي من المثاني سبعاً، ومن الآيات البينات آلافاً وإن كان أوتي موسى تسعاً.

فما مشي الشجر إليه يجر عروقه إلا كرجوع العصا حية تسعى، وما تفجر الحجر بالماء بأعجب من بنانه نبعت بالعذب الفرات نبعا، فارتوى منه خمسمائة وقد كان يكفي آلافاً فكيف المئين، وكم له ﵊ من معجزة تبهر، وآية هي من أختها أكبر، رجعت له الشمس وانشقّ القمر، وكلّمه الضب وأخبر به الذئب وسلّم عليه الشجر والحجر، وكان للجذع عند فراقه إعلاناً بوجده واشتياقه أنّة وحنين، أعطي من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر، وكانت له في الغار آيات بيّنات خفي بها على القوم الأثر، وارتج لمولده إيوان كسرى وخمدت نار فارس وكان ضرمها يتسعر، وأتته أخبار السماء فما عمي في الأرض الخبر، فحدث عن الغيوب وما هو على الغيب بضنين، وجعل له القرآن معجزة تتلى، يبلى الزمان وهي لا تبلى، وتعلو كلماتها على الكلم ولا تعلى، وتجلى آياتها في عين آيات الشمس حين تهجلى، فيتوارى منها بالحجاب حاجب وجبين، بهر إعجاز التنزيل العلي، وظهر به صدق النبي العربي، فكم نادى لسان عزّه في النّديّ، بأهل البديهة من الفصحاء والروي: قل فأتوا بسورة من مثله فلم يكونوا لها مستطيعين.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.