من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن بيتين أولهما: أرى مرهفا مدهش الصيقلين ... وبابة كل
أرى مرهفا مدهش الصيقلينوبابة كل غلامٍ عتا
وهما من المتقارب الثالث. الصيقلين: جمع صيقلٍ, وأكثر ما يستعمل الصياقل, قال خفاف بن ندبة:
جلاها الصيقلون فأخلصوهاخفافًا كلها يتقي بأثر
وقوله: بابة كلام غلامٍ: هذا كلمة قد ابتذلتها العامة حتى ظهر فيها ضعف, وقد تكلموا بها قديمًا, فيقولون: هذا بابة كذا؛ أي: يصلح له. والغلام: أصله أن يستعمل فيمن بلغ سبعًا أو ثمانيًا, ثم يقال له ذلك مادام شابا, واشتقاق الغلام في الحقيقة من الاغتلام, أي: إرادة النكاح, فكأنه يجب أن يقال لمن احتلم أو قارب الاحتلام, إلا أن الكلام قد كثر بقولهم للطفل المولود: غلام, فإنما ذلك على سبيل التقول؛ أي: أنه بمشيئة الله
يسلم ويبلغ الحلم, وقد جعلت الأخيلية الحجاج غلامًا, ولم يل إلا وهو مكتهل؛ وذلك قولها:
شفاها من الداء العقام الذي بهاغلام إذا هز القناة سقاها
ويجوز في القياس أن يسمى الشيخ غلامًا على معنى الذي كان مرةً غلامًا, كما أنك إذا رأيت طفلًا يلعب ثم رأيته بعد برهةٍ طويلةٍ وهو شيخ جاز أن تقول: هذا الطفل فلان.
ويقال: غلام وغلامة, قال الشاعر:
ومركضةٍ صريحي أبوهاتهان لها الغلامة والغلام
وعتا: من ذوات الواو, يقال: عتا يعتوا عتوا؛ إذا أبى الطاعة ولزم فعلًا غير جميلٍ. وقوله تعالى: ﴿أيهم أشد على الرحمن عتيّا﴾, يجوز أن يكون جمع عات مثل غاز وغزي, ويجوز أن تكون الواو قبلت ياءً في المصدر.
وإذا جعل هذا الشعر في حرف التاء؛ فالألف التي بعدها وصل, وقد يمكن أن يجعل الألف رويًا, ويكون الشاعر متبرعًا بلزوم التاء. وقد كثر في الشعر القديم مجيء فتى مع غيره من المقصورات؛ مثل: سرى ورحى, وغير ذلك. قال الراجز, ويروى للشماخ:
إنك يا بن جعفر نعم الفتىونعم مأوى طارق إذا أتى
ورب ضيفٍ طرق الحي سرىصادف زادًا وحديثًا ما اشتهى
إن الحديث طرف من القرى
وقال الراعي النميري:
عجبت من السارين والريح قرةإلى ضوء نارٍ بين فردة والرحى
وقال فيها:
فأومأت إيماءً خفيا لحبترٍفلله عينا حبترٍ أيما فتى
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع