من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو الحسن عليّ بن أبي الفُتوح بن أحمد ابن بكري الكاتب
من الحريم.
والده مستعمل السّقلاطون لدار الخِلافة. وكان هو كاتباً في ديوان المجلس سنين، ثم صرفه الوزير.
فيه فضل وأدب. وهو من طبقات الشَّطْرَنْجيين ببغداد.
أنشدني لنفسه - ببغدادَ - سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، بيتين له في سوداءَ، وهما:
يا مَنْ فؤادي فيهمُتيّمٌ ما يزالُ
إنْ كان للّيلِ بدرٌفأنتِ للصُبحِ خلُ
وأنشدني لنفسه يستعيرُ كتاباً ممّنْ ألزم نفسه ألا يُعير أحداً كتاباً:
يا مَنْ أنابَ وتاباألاّ يُعيرَ كتابا
قد رُمْتَ ذاك ولكنمحبّةُ الشُكْرِ تابى
وأنشدني أيضاً لنفسه أبياتاً، عمِلها ارتجالاً بحماة حين كان بالشّام، وكان على شاطئ النّهر المعروف بالعاصي:
قعَدْتُ على عاصي حماةَ وقد بكتنواعيرُه والماء يضحكُ فيه
فهاج لقلبي صبوةً لم أصِبْ لهاشبيهاً وهل يؤتى لها بشبيهِ
وما زال يهتاجُ الفتى كلّ رنّةٍإذا ما نوىً شطّت بدارِ أبيهِ
وأنشدني لنفسه في بعض الأكابر، وكان بيده بنفسج:
يا من عُلاه على السّماءِ مُطلّةٌوبفضله تتحدّثُ الأمصارُ
إن كان يظهَرُ للبنفسج خجلةٌمن طيب نشرِك راح وهْو بَهارُ
وأنشدني لنفسه، وذكر لي أنّها من قصيدة:
أمامكَ أوطارٌ وخلفَك أوطانُفعزمك ما بين البواعثِ حيْرانُ
إذا شمَلت هزّتْك للشّوقِ صبوةٌوإن جنَبَتْ هزّتْك للإلْفِ أشجانُ
وأنشدني لنفسه في الاشتياق، سنةَ إحدى وستّين وخمس مئة، قوله:
الشوقُ ألوانٌ وأوفاهُ ماكان الى أهلٍ وجيرانِ
لو قرّب الشّوقُ لإفراطهناء الى ناءٍ لأدناني
وقوله مما نظمه قديماً بدمشق:
فتى الصوفيّ ما كان امتداحيلمثلك أنّني أرجو ثَوابا
ولكني سخِطْتُ على القوافيفصيّرْتُ المديحَ لها عِقابا
وقوله في مرأة عجوز، ولِعَتْ بدولابْ الغزْل والغزْلِ:
قد ترك الدولابُ من حبّهسِتّ أبي بكرٍ بلا عقلِ
لو كن دولاباً على دِجلةٍيزرعُ زرعَ الهرْفِ والأفْلِ
ما جاز أن تعشَقَهُ هكذامحبّة الأولادِ والأهلِ
فكيفَ والدولاب من عتقهمكسّرُ الإجلِ والقتلِ
قد سئِمَ الخرّاطُ من مرّهإليه واستغنى عن الغزْلِ
وقوله في الأولاد:
أدعو إلهي أنْ يَقيمن فِتْنَتي في فِتيَتي
فلدى الحياةِ وفي المماتِ تقيّتي وبقيّتي
راحوا ثلاثةَ فِتيةٍسمعي فؤادي مُقلَتي
فهُمُ أصاغِرُ عِدّتيوهمُ أكابرُ عُدّتي
وقوله، مما يُطرّزُ على سستجه:
أنا في كفّ حامليزينةٌ للأناملِ
أنا في وقفةِ النّوىواشتكاءِ البلابِلِ
إن جرَتْ سُحبُ دمعةٍلحبيبٍ مُزايِلِ
صُنتَهُ عن وُشاتِهوعُيونِ العواذلِ
وله في تفاحة أُهديت له:
حيّا بتُفّاحةٍ فأحيانيمواصِلٌ بعدَ طولِ هِجران
كأنّما ريحُها تنفّسُهولونُها وردُ خدِّه القاني
وقوله في قوس البُندُق:
أنا في الكفّ هلالٌوعلى الطّيرِ هلاكُ
حركاتي تترُكُ الطّيْرَ وما فيهِ حراكُ
وقوله في الشّطرنْج:
أحَبُّ دعاباتِ الرّجالِ الى قلبيدُعابةُ شِطرَنجٍ أغادي بها صحبي
أُسالمُ فيها ثمّ أغدو محارباًفسلْمٌ بلا سِلمٍ وحربٌ بلا حربِ
وقوله في الشطرنج:
إنّما لعبُك بالشطرنْجِ للنّفسِ رياضهْ
فاهجُرِ الهُجرَ لديهِلا ترِدْ يوماً حِياضَهْ
وتجنّبْ صاحبَ الجهلِ ومَنْ فيه غضاضَهْ
لا تُجالِسْ غيرَ ندْبٍزانَهُ العقلُ وراضَهْ
وقوله من قصيدة، في مدح أمير المؤمنين المستنجد بالله، وقد خرج الى الصّيد:
في حفظِ ربِّك غادياً أو رائحاولك السّلامةُ دانياً أو نازحا
أنّى حللت فروضةٌ مخضرّةٌمما تُفيدُ نوافلاً ومنائحا
لمّا غدوتَ الصّيدَ في ملمومةٍملأ الفضاءَ قوانساً وسوابحا
جرتِ الظِّبا لك للعداة سوانحاًوجرت لأنفسها الظِّباء بوارحا
ما جارحٌ أرسلتَهُ إلا غدافي الصّيدِ إمّا قاتلاً أو جارحا
ماضي القوادم كاللهاذمِ لو بغَىسبْقَ الوَميضِ شأى الوميضَ اللائحا
أو كلّ ممشوق رشيقٍ لا ترىمنه الوحوشُ إذا رأته منادحا
يجري فلا يدري بوطأته الثّرىفتخالُه ريحاًعليه رائحا
متوسّعُ الشِدْقيْنِ ضاق بعدْوِهوُسْعُ الفَلاةِ جرى عليها جامحا
أصبحتَ في جِدِّ الحروبِ وهزلِهامتوحّدَ الإقدامِ فيه ناجحا
فاسْلَمْ أميرَ المؤمنين لأمّةٍأحييتَها عدلاً وفضلاً راجحا
وهو مقيم ببغدادَ، يتولّى بعض الأشغال للخليفة.
تمّ الجزء الأول بعون الله ومنّه من خريدة القصر وجريدة العصر للعماد الأصفهاني ﵀ يتلوه، في الجزِء الثاني، إن شاء الله تعالى باب في محاسن أهل العلم والأدب والفقه والشّعر، وأولهم الشيخ أبو محمد بن الخشّاب النحويّ، والحمد لله وحدَه، وصلواته على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلامه
﷽
وبه الإعانة
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع