تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

غيرهم من الحلة والنيل والكوفة وأعمالها (٢)

وما أنت إلا الشَّمسُ، تبسطُ نورَهانهاراً، وتُلقيه ظلاماً على البدر

وكم ليَ في عَلْياك غُرَّة مدحةتَكَشَّفُ عن أوضاحها بُهَمُ الفكرِ
غرائب. لو يُلْقَى الظَّلامُ بذكرها،لأَغنت قوافيها عن الأنجم الزُّهْرِ
ولو فُصِّلت بالدُّرّ غُرُّ عقودِهاوخُيِّرْت، لاخترت القَريض إلى الدُّرِ
ومثليَ من أهدى لمثلك مثلَهافإِنّي رأيتُ الحمد أنْفَسَ للذُّخْرِ

وأنشدني أيضاً لوالده، رحمه الله تعالى، في عمي الصدر والشهيد عزيز الدين رحمه الله تعالى:

إِلامَ تَلَقّانا النَّوَى بعِنادِ؟وترمي الليالي قُربنا بِبِعادِ؟
وحَتّامَ يَقضي البينُ فيَّ مرادَهوتمنَعُني الأيّامُ كلَّ مُرادِ؟
وما أشتكي إلا فراقَك، إِنَّهوَهَى جَلَدي عنه وقلَّ جِلادي
ومثلُك مَن يَشْجَى الخليلُ ببَيْنِهوأكثرُ إخوانِ الزَّمان أعادي
وأنت الفتى كلُّ الفتى، لا مضيِّعٌلعهد، ولا ناسٍ لحفظ وِدادِ
ولا شامخٌ إن زادك الدَّهرُ رتبةًولا ضاربٌ دونَ النَّدَى بسِدادِ
كريمٌ وأخلاقُ الزَّمانِ لئيمةٌرَوِيٌّ وأخلافُ الغَمامِ صوادي
وإن هاجك الأعداءُ، أو هزَّك النَّدَىفأيّ حَيا نادٍ، وحَيَّةِ وادِ

وأنشدني أيضاً لوالده، كتبها إلى عمي العزيز: عز الدين، أحمد، بن حامد يستهدي منه فرساً، فنفذ له فرساً، يساوي خمسين ديناراً:

يا مَنْ ترى الغيب فينا أَلْمَعِيَّتُهُفالبعدُ في وَهْمه أدنى من الكَثَبِ
أما رأيت يدَ الدَّهْماء قاصرةًقد ناوشتْها فنالتها يدُ العَطَبِ
كأنّما يَدُها، عن رجلها خلَف،فكلَّما أقدمت، عادت على العَقِبِ
فما تَسير ببَرْحٍ غيرِ منقلِبفسيرُها راجع في كلّ منقَلَبِ
حتّى إذا هملجتْ بالقوم خيلُهُمُعدلت عجزاً إلى التَّقريب والخَبَبِ
سارت بهم أنجم تنقضُّ مسرعةًوسار تحتيَ ليل العاشق الوَصبِ
فجُدْ بأشهبَ، مثلِ النّجم مُتَّقداًأو أشقرٍ، كأُوار النّار، ملتهبِ
أو أحمرٍ، كارعٍ في ماء غُرَّتهكأنَّ كُمْتَتَهُ الإحراقُ في الذَّهَبِ
يبدو فيَكسِفُ من أنوار شُهْبِهِمُوالشَّمسُ إِن طلَعت غطَّت على الشُّهُبِ
مُجَنَّسٍ، مُعْلَمِ الجَدَّيْنِ، مفترععالي المَناسِب بين التُّرْك والعربِ
لا خالصٍ عربيٍّ في أَرُومَتِهِولا بليدٍ، لئيمِ النَّجْرِ، مُؤْتَشِبِ
قد أخلصته بنو ذُهْل، وهذَّبهأبناءُ ساسانَ، فاستولى على الأدبِ
تظَلُّ في حسنه الأبصارُ حائرةًفليس ينفكّ من عُجْب ومن عَجبِ
يَزِين راكبه يوماً ومهديهكالرّوض يُثني على الأَنواء والسُّحًبِ
هذا الجوادُ، الَّذي مَنَّ الجواد به،فافخَرْ بما شئت من مجد ومن حسبِ

وأنشدني لوالده أيضاً في مرثية الوزير السميرمي، وهو علي، بن أحمد، والاستطراد بمدح عمي العزيز، أحمد، بن حامد رحمه الله تعالى:

لقد هدَّ ركن الأرض فَقْدُ ابن أحمدٍوهيهاتَ ما خَلقٌ عليها بخالدِ
وما تُخْلف الأيّامُ مثلَ ابن أحمدعلى النّاس، إلا أن يكونَ ابن حامد
وهَبْنِيَ طال الدَّهرُ واعتضتُ غيرَهأليس من المعروف نشرُ المحامدِ

وأنشدني أيضاً لوالده، في التجنيس:

قالوا: نرى قوتة مصفَّرة،وما دَرَوْا ما بك يا قُوتَهْ
قد كنت بالأمس لنا دُرَّةًفصِرتِ فينا اليومَ ياقُوتَهْ
أنتِ حياةُ القلب، بل قُوتُهفكيف يسلو عنكِ يا قُوتَهْ

وأنشدني لوالده أيضاً:

ورُبَّ إِشارةٍ عُدَّت كلاماًوصوتٍ لا يُعَدّ من الكلامِ

وأنشدني له أيضاً:

لَئِن بسَطَ الزَّمانُ يَدَيْ لئيمٍفصبراً للذَّي صنَعَ الزَّمانُ
فكم في الأرض من عبدٍ هَجِينٍيقبِّل كفَّه حُرٌّ هِجانُ
وقد يعلو على الرّأس الذُّنابىكما يعلو على النّار الدُّخَانُ

وأنشدني لوالده أيضاً:

لَئِن غدوتُ مقيماً في رُبوعكمُوقد دعتني رُبوعُ المجد والشَّرَفِ
فالماءُ في حجر، والتِّبْرُ في تُرُب،والبدرُ في سَدَف، والدُّرُّ في صَدَفِ

وله:

ولقد نظَرت إلى الزَّمان بمُقْلَةنظري إلى أهل الزَّمان قَذاتُها
وعجِبت من أكل الحوادث للورىوهمُ بنو الدُّنيا، وهُنَّ بناتُها
تنشو جُسومُهمُ بلحم أخيهِمُمثل الرِّئال: غِذاؤها أخواتها

أبو العز نصر بن محمد بن مبادر النحوي النيلي ذكره السمعاني وقال: كان شيخاً فاضلاً، عارفاً بالنحو واللغة.

وأنشدني لنفسه على باب داره ب النيل:

هل الوَجدُ إلا أن ترى العين منزلاتحمَّملَ عنه أهلُه فتبدَّلا؟
عَقَلْنا به غُزْرَ الدُّموعِ، وطالماعهِدناه للغِيد الأَوانس مُعْقِلا
إذا نحن أَلمْمَنْا له، انبعث الجَوىيحمّلنا داءً من الهمّ مُعْضِلا
أقول لمسلوب الجَلادة، لم يَقُلْ:خلا قلبُه من لاعج الشَّوْق، أولا:
أظُنّك لو أشرفت ب النِّيل مائلاعلى سُبُل، أضحى بها الدّمع مُسْبَلا
وآنست من آثار آل مُعَيَّةمعاهدَ، كانت للمكارم منزلا،
لأَلْفيتَ ما بين الجوانح والحَشافؤاداً، بأسباب الغرام موكَّلا
وغاديتَ يوماً بالكآبة أَيْوَماً،وساريتَ ليلاً بالصَّبابة أَلْيَلا
ألا أيُّها اللاحي على ما أُجِنُّههل أنْتَ مُعيِرِي ناظراً متأمِّلا؟
أُريك محلاً، ما أحاطت رُبوعُهمن القوم إلا مُفْضِلاً أو مُفَضَّلا
من الفاطميّين الَّذينَ وَلاؤهمعُراً لذوي التَّقْوى، نَجاءً ومَوْئِلا
إلى الحسن، بن المصطفى طوَّحَتْ بهمعُلىً، شرُفت من أن تقاس بها عُلَى

ابن الشريف الجليل أبو القاسم، علي، بن محمد، بن يحيى بن عمر، الزيدي، الحسيني، الكوفي.

شيخ طويل، شريف جليل، نبيه نبيل.

كأن نظمه نسيم عليل، أو تسنيم وسلسبيل. أرق عبارةً من عبرة من أرقه الشوق، وأحسن حليةً من جيد ورقاء حلاها الطوق.

وفد على الديوان العزيز في صفر، سنة ست وخمسين وخمس مئة، يخاطب على ملك له قد انتزع، ورسمٍ له قد قطع.

وكنا نجتمع في دار المولى الوزير عون الدين بن هبيرة كل غدوة، وننتظر إذنه للخواص في اللقاء، وجلوسه لأهل الفضل وأبناء الرجاء. فاستأنس الشريف بمحاورتي، استئناسي بمحاورته، وأتحفني من رقيق عبارته، بيتين له في عمي العزيز ﵀، في نكبته. وهما:

بني حامد إن جارَ دهرٌ أو اعتدىعليكم، فكم للدّهر عندكمُ وِتْرُ
أجرتم عليه مَنْ أخافت صُروفُهفأصبح يستقضيكُمُ وله العذرُ

وذكر بعد ذلك أيادي عمي ونعماه، وما أولاه إليه وأسداه. ورق لفضلي وضياعه، وأشفق من اتضاعه، فذكرت له التفات الوزير إلي، وتحدثت بإنعامه علي. لولاه ذل أهل الفضل، وعز أولو الجهل، فهو الناقد البصير، العارف الخبير. عاش الفضلاء في ذراه، فيا ضيعة ذوي الأدب وأولي الحسب لولاه. رمقهم بعين القبول فحفظ رمقهم، وإن كان مقامهم - لولاه - ب العراق عرقهم، وخذل أهل الباطل بنصرة الحق وفرق فرقهم.

ولم يزل الشريف الجليل لي جليساً، يهدي إلي من أعلاقه نفيساً، إلى أن نجز توقيعاً بما توقعه، واستخلص ملكه ورجعه. فركب إلى الكوفة مطا التنوفة.

وعاد في سنة سبع وخمسين وخمس مئة إلى الوزير متظلماً، شاكياً متألماً، وأنشده - وأنا حاضر - قصيدةً مقتصدة في أسلوبها، مستجيراً به من الليالي وخطوبها، فيها بيتان جعلهما لتلك الكلمة مقطعاً، ما ألطفهما معاً وهما:

أجِرْني على الدَّهرِ فيما بقيبَقِيتَ. فما قد مضى، قد مضى
فلست أُبالي بسُخط الزَّمانِوأنت تراني بعين الرِّضَى

فاهتز الوزير لها اهتزاز مثله، وأثنى على الشريف وفضله، ووعده بقضاء شغله. ووددت لو أن لي مكنةً، أو أملك على إجازته وإجارته منةَ، فأتقلد له منةً.

ثم أخذت القصيدة، فاخترت منها هذه الأبيات:

أَمَا والقَنا شُرَّعاً، والظُّبَىتجور وقد حُكِّمت في الطُّلَى
وشُعثِ النَّواصي، إذا ما طلَعْنَعوابسَ، قُلْتَ ذِئاب الفلا
وتقصُرُ عنهنَّ هُوج الرِّياحإذا ما اصطخَبْنَ وطال المَدَى
عليها المَساعيرُ من هاشمتَخالُهم الأُسْدَ أُسْدَ الشَّرَى
لقد خصَّك الله بالمَأْثُراتِ دُونَ البَرِيَّة لمّا برا
فأعطاك، وَهْوَ الجزيلُ العطاءِ، لمّا رآك جزيلَ العطا
وقابلتَ إِحسانَه محسناً،فنِلْتَ المُنَى، وأنلتَ المُنَى

ومنها:

وكفُّك في الجود فوقَ الغَمامِوأرضُك في الفخر فوقَ السَّما

ومنها:

أما والعُلَى قَسَماً صادقاًلقد أنجبتْ بك أُمُّ العلى
هُمَاماٌ، إذا صالَ صلَّ الحديدُ،وإن قال أسمعَ صُمَّ القَنا

ومنها:

فتىً، يُرخصُ النَّفْسَ يومَ الهِياجِويَشري الثَّناءَ إذا ما غلا
أخو السَّيف والضّيف، من تَدْعُهُليومِ النِّزالِ ويومِ القِرَى
عظيمٌ، يهونُ عليه العظيمُمُرَجّىً يصدقُ فيه الرَّجا
تقلَّد بالمجد قبلَ النِّجاد،وقبلَ بلوغِ الأَشُدِّ استوى

ومنها:

أيا واهبَ الكُومِ تحتَ الرِّحالِ، والمُقْرباتِ عليها الحِلَى
سَوامي النَّواظر، قُبّ البطون،قِصار المُتون، طِوال الخُطا
ومُعطي السَّوابغِ موضونةًتَرَقْرَقُ مثلَ مُتونِ الأَضا
إلى كلّ مجدولةٍ كالعِنانِ، رَيّا الرَّوادفِ، ظَمْأَى الحَشا
تُرِيك القَضِيبَ إذا ما بدتتَميسُ دلالاً، وحِقْفَ النَّقا

ومنها، في صفة القصيدة:

إذا ما تغنَّى رُواة الثَّناءِبها، وسرى نَشْرُها في المَلا
تأَرَّجَ منها رِداءُ النَّسِيم طيباً، ورقّت حواشي الصَّبا

وبعدهما البيتان اللذان سبق ذكرهما.

وأنشد له الشريف قطب الدين، بن الأقساسي ابن أخته، رحمه الله تعالى:

حَبَتْهُ نِجادَ السَّيف قبلَ التَّمائمِفشبَّ عميداً بالعلى والمكارمِ
ضَرُوباً إذا حادَ الدَّنِيُّ عن الرَّدَىرَكُوباً لأَثْباج الأمور العظائمِ
مُطِلاً على الأعداء، أكثرُ هَمِّهوُلُوجُ الثَّنايا واطِّلاعُ المَخارمِ
ومَنْ طلَب العلياءَ، كلَّفَ هَمَّهُصدورَ العَوالي، أو شِفارَ الصَّوارمِ
وخاض الدًُّجَى، ما تَمَّ فيه سِنانُه،وقلقل أعناقَ المَطِّيِ الرَّواسمِ
إذا ما بناها النّيّ غِبَّ كَلالِهاقصوراً، رماها من سُراه بهادِمِ

ومنها:

من القوم، يَنْهَلُّ النَّدَى من أكُفّهمإذا بخِلت بالقَطْر غُزْرُ الغَمائم
وإن شمَّرُوا في ساحة الحرب، جَدَّعُوابأسيافهم، رُعباً، أُنُوفَ المَظالمِ
فما جارُهم في يوم حرب بمُسْلَمٍولا مالُهم في يومِ سلَمْ بسالمِ
أُولئك قومي، طأطَؤُوا كلَّ شامخإلى المجد، واعلَوْلَوْا على كلّ ناجمِ
إذا لبِسوا الزَّغْفَ الدِّلاصِ، حسِبتَهمأسودَ عَرِينٍ في جلودِ أَراقمِ

ومنها:

وقوم رموني عن قِسِيّ ضَغائنٍبأَسْهُمِ أحقادٍ وأَيْدٍ كَوالمِ
إذا ما رأوني، قطَّعوا اللحظَ، وانثنَوْامن الغيظ، فاعتاضُوا بعضّ الأباهِمِ
لهم عَلَمٌ يومَ النَّدَى غيرُ خافقوأَطلالُ مجدٍ دارساتُ المَعالمِ
وموقدُ نارٍ لا تُضيء لطارق،وبرقُ سَماحٍ لا يلوحُ لشائمِ

ولما أصلد زند رجائه، وأصلى جمر برحائه، وتبدد سلكه، ولم يعد ملكه، سافر إلى مصر، كأنما ساقه القدر بها إلى القبر. لكنه عاش فيها مديدةً قفي ظل الكرامة، وانتقل إلى دار الخلد والبقاء والسلامة.

الشريف الجليل الكامل أبو نزار، عبد الله، بن محمد، بن يحيى، بن عمر، الزيدي، الحسيني الكوفي.

هو أخو الشريف أبي القاسم. وكان كاسمه كاملاً، عالماً، فاضلاً.

أنشدني الشريف قطب الدين، محمد، بن الأقساسي، العلوي، الكوفي ب بغداد، سنة سبع وخمسين وخمس مئة، لخاله الشريف الكامل، أبي نزار ﵀، مما نظمه عند كونه ب الجبل في أيام السلطان مغيث الدين، محمود، بن محمد، بن ملك شاه، وهو:

وأرَّقَني بالدَّوْح نَوْحُ حمامةٍمفجَّعَةٍ محزونةٍ، بهَدِيلِها
تذكّرني داراً ب هَمْدانِ ناعطٍتَقِرُّ بعيني وقفةٌ بطُلولها
وقال رفيقي يومَ جُزْنا ب سَحْنَةوكان يرِجّي العَوْدَ عندَ وصولِها:
أما آنَ للرَّكْب المُغذِّيِن أَنْ تَنِيقَلائصُهم من نَصِهّا وذَميِلها؟
أرى الأَرضَ قد بُدِّلتُ ضَيْقاً بِفيحهاوبالوعر من بَطْحائها وسُهولها
واللُكَناءِ الغُتْمِ من فصحائهاوبالدُّلْبِ من رُمّانها ونخيلها

وأنشدني أيضاً الشريف ابن الأقساسي لخاله الشريف أبي نزار:

قَوِّض خِيامى عن ديار الهُونِفلست ممن يرتضي بالدُّونِ
واشدُدْ على ظهر الهَجِين رَحْلَهفقد شكاني غاربُ الهَجيِنِ
وقرِّبَنْ من الحِصان زُلْفَةًفالحُصْنُ أولى بي من الحُصونِ
فإِنْ أنا قصّرتُ عن شَأْو العلىفلا أقلَّتْ صارمي يمَيني
ولا أهَلَّتْ بالسُّعود أنجمُيولا أهَلَّتْ بالسُّعود أنجمي
إِن لم أَنُطْ بالمأثُرات همَّتيحتَّى أَحِلَّ رتبةً تُرضيني،
فهمَّتي لا ترتضي لي بعلىلأنّها ترى المَعالي دُوني
أحكامَ دهري. ما أراك تُنْصِفيقدَّمْتِ غيري وتؤخّريني
أنكرتِ منّي ما عَرَفتِ منهمُستعرِفيني حينَ تَسْبُرِيني
لانُوا، فنالُوا ما بَغَوْا بلينهم،وكنت لا أرضَى على بلِينِ
إِنّي، وإِنْ هان الكِرامُ، باخلٌبماءِ وجهٍ وافرٍ مصونِ
على تصاريفِ الليالي شَرِسٌلم تَزُلِ النَّخْوَةُ من عِرنيني
إنّيَ من قوم، إذا ما ذُكرواخَرَّ جميعُ النّاس للجَبِينِ
يُسجَدُ للمولود منهم هيبةًويوضع التّاجُ على الجَنيِنِ
من دَوْحَة ميمونة، طاهرة الأَعراق، تُؤتي الأُكْلَ كلَّ حينِ
محمّد جدّي. وقُربي في العلىمن النَّبيّ المصطفى يَكفيني
وكان من ذي العرش، جَلَّ ذِكرُه،كقابِ قوسِ العَينِ، أو من دُونِ
والمرتضَى أبي. وحسبي عقلةموصولة بالأَنْزَع البَطِينِ

وأنشدني له أيضاً:

أُنظُرْ إلى الرَّشَأ الغَرِير وَقِدّهِوسوادِ طُرَّتِه وحمرةِ خدّهِ
رَشأٌ، تكامل دَلُّه ودَلالُه،كالبدر أشرق طالعاً في سعدهِ
ألقَى الظّلام على الضّياء فزانهوالشيء يحسُنُ أَنْ يقاسَ بضدّهِ
لم أدرِ حينَ بدا، وبهجةُ خِدِّهِتُوفِي على لهب المُدامِ وحَدّهِ،
هل خدُّهُ متجسّمٌ في كأسه؟أم كأسُه متجسّمٌ في خدّهِ؟
لم يُبق من بُرْد الجمال بقيَّةللمكتسي فَضَلاتِه من بَعدِه

قال: وكان قد خرج يوماً إلى أراضي خفان للصيد، فأمسى وقد أوغل في البرية، فعدل إلى جانب ونزل، وأمر أصحابه فأوقدوا النار، وشووا لحم الصيد، ليأكلوه، فارتفعت نارهم لقوم من عرينة، فوافوها، فأضافهم، وسألهم عن مقصدهم، فذكروا أنهم سفرٌ يمتارون، فحملهم معه إلى الكوفة، ورفدهم، وقال في ذلك:

ومُدْلجِينّ مَقاوي، لا دليلَ لهمإلى مكان القِرى شيءٌ سِوى ناري
باتت تُضيءُ، وباتُوا عامدينَ لها،وإِنّما رُفِعت للمُدْلِجِ السّاري
لمّا أناخُوا بها، وَلَّى سُغُوبُهُمُوبُدِّلوا بعدَ إعسارٍ بإيسارِ

وأنشدني له أيضاً من قصيدته السينية السنية، التي هي في الذم على من هجاهم أمر من المنية، وفوت الأمنية، يعرض بسادات بني عمه من الكوفة والحلة. وهي في فنها مطبوعة، باللطف مشفوعة، مطلعها:

نادى عقيلُ بأعلنِ الجَرْسِ:كم ذا يلينُ لِلامسٍ لَمْسِي
مَنْ ذا يُناكحني، فينكحُنِي؟وَيْلاهُ من... ومن...؟
ومخلّصي من كلّ بائقةسَمْجِ الخلائق ناقصِ الحِسِّ
وله أَبٌّ. لو جاز بيعُ أَبٍ،لتركته في حُجرة النَّخْسِ
مَلآْنُ من أكل الحرام، فماللخير في ناديه من حسِّ
والشَّيخ عزّ الدِّين حجَّتُهُضاعت ضَياعَ الشَّمعِ في الشَّمسِ
قلَعَ الرَّواسيَ من عَشيرتهحرصاً على التَّحويل والغرسِ
وفتى المُعَمَّرِ لا يجود لمَنْيرجو نَدَى كفَّيْه بالفَلْسِ

يعني نقيب الطالبيين، والد النقيب الآن.

ولهِ خُوَانٌ، ما عليه من الإِدامِ غيرُ الخَلِّ والدِّبْسِ
والشَّنْفقيّ، ثَكِلْت طلعته،في غاية الإِدبار والنَّحْسِ

هو النقيب العمري ب سوراء.

فكأنَّه، في لبس مِمْطَرِهوالعِمَّةِ الصَّفراءِ كالوَرْسِ،
شيخُ الْمَثِيبة في اليهود، ومابين النَّصارى موضع القَسِّ
وفتى مُعَيَّةَ لو بَصُرتَ بهلوجدتَه ذئباً من الطُّلْسِ

هو الشريف أبو منصور بن معية، وزير دبيس المزيدي.

هو في التَّذلُّل من سَلُولَ، وفي الأَطماع والغارات من عَبْسِ
متفنِّنٌ في الخُبث منه، فماكذَب الَّذي سمّاه بالنِّمْسِ
والأَنكدُ المشؤومُ طلعتُهأدهى من الضًّرَبان في الضّرِسِ
وأبو الحسين فكلُّه مَلَقٌمَبْنَى عقيدتهِ بلا أُسِّ

هو جال الدين، بن عز الدين بن أبي نزار.

فكأنَّه دارٌ مجصَّصَةٌ،بيضاءُ، خاليةٌ من الإِنسِ

وأنشدني له في جارية، كانت تسكن في جوار الجامع، بديها:

نشَدْتُكِ يا جارةَ الجامعِأهَلْ من قِرىً للفتى القانعِ؟
بعيشِكِ لا تَحْرِميهِ القِرى،فما دُونَ وصلكِ من مانعِ
وَعَدْتِ ثلاثاً فأخْلَفْتِها،وحاشاكِ من موعد رابعِ
يجوز الخلاف لرَبِّ الخلاف،فما العُذرُ للسّامع الطّائعِ؟

الشريف علم الدين بن الأقساسي من الكوفة.

أبو محمد، الحسن، بن علي، بن حمزة أبي الحسين، بن أبي يعلى محمد، بن أبي القاسم الحسن، بن كمال الشرف أبي الحسن محمد، بن الحسن بن محمد، بن علي، بن محمد، بن يحيى، بن الحسين، بن زيد، بن علي، بن الحسين، بن علي، بن أبي طالب ﵈.

استكتبت هذا النسب من أخيه الأكبر قطب الدين، أبي يعلى، محمد، بن الأقساسي. وكانا قد وصلا، في سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، من الكوفة إلى ديوان الخلافة، يسألان إعادة الأملاك التي أخذت.

وسمعت ابن الأقساسي الأصغر، وهو كهل، ينشد الوزير عون الدين بن هبيرة، غير مرة، من قصائده التي نظم فيه.

وهو شاعر مجيد، حسن الأسلوب، متين النظم، سليم المغزى، قويم اللفظ والمعنى. ينطق شعره بحسبه، وشرف نسبه، وتعبر ألفاظه عن غزارة علمه وكمال أدبه.

وللشريف أبي محمد، بن الأقساسي، العلوي، الكوفي يرثي الإمام المستنجد بالله، ويهنىء الإمام المستضيء بالله بالخلافة:

رُزءٌ، تعاظمَ عن حدّ وعن أَمَدِكادت تزول له الأفلاك من زُؤُدِ
عمَّ الورى، فوَهَى حِلمُ الحليم به،وظلَّ مستضعَفاً عنه أخو الجَلَدِ
ومارَتِ الأرضُ، إِعظاماً لموقعه،مَوْراً غدا راجفاً بالسَّهْل والجَلَدِ
وأضحت الشَّمسُ منه وَهْيَ كاسفةٌكأنّما طَرْفها مُغْضٍ على رمدِ
بيومِ أعظمِ خلقِ اللهِ منزلةً،وخيرِ منفردٍ، بالعزّ مُتَّحِدِ
من الرِّعان التّي لولا شوامخُهاما كان للأرض من صدف ولا وَتِدِ
القائمين بأمر الله، دَأْبُهُمُحياطةُ الدّين، كالحاني على الولدِ
الآخذين من الأيّام ما احتكمواوالنّائلي أَمَداً يُغنيك عن أَمَدِ
هم الأئمَّةُ، ما إنْ زال مدحُهمُدَأْبي، وحبُّهمُ ديني ومعتَقَدي
آهاً لِداعي الرَّدَى، لو أَمَّ عَقْوَتَهفي جَحْفَل حَرِجِ الأحشاء محتشدِ،
له وَجِيفٌ على الثَّرْيا، يُظَلِّلُهابمثلها من صَفِيق النَّقْع منعقدِ،
إِذَنْ لَلاَقى طِعاناً دُونَ بِغْيتِهِمُواشِكاً، وضِراباً هاتِكَ الزَّرَدِ
وكلَّ ذِمْرٍ غَداةَ الرَّوْع تُعْظِمهإذا تنكَّر للأقران عن أسد
يرى الحِمام حياةً في مُنازَلةبينَ الرِّقاق المَواضي والقَنا القِصَدِ
لكنّه القَدَرُ الحتمُ الَّذي خَنَعَتله الملوك أُولوا الأَعدادِ والعُدَدِ
فإِنْ تعاظمَ رُزْءاً يومُ مصرعهِفقد أتانا من النُّعمى بأيّ غدِ
وما نقولُ، وقد قامت سعادتُهلنا عن الوالد المحمود بالوَلَدِ؟
المستضيء الَّذي قد قام معتمداًعلى إِبالته بالواحد الصَّمَدِ
هو الإمام الَّذي مَدَّت لبيعتهقلوبُنا طاعةً من قبلِ مِدّ يَدِ
مؤَيَّدٌ، ملَكَ الأهواءَ، فَهْيَ لهتسعَى إليه، إذا نادَى، على جَدَدِ
صحَّت عزائم أهل الأرض، واجتمعتعلى إِمامته في القُرب والبُعُدِ
فما يقوم له داعٍ على بلدإلا وقد سبقته طاعة البلدِ
وكيف لا تمِلكُ الدُّنيا، وأنت لهايا ابن الخلائفِ مثلُ الرُّوحِ في الجسدِ
فقُم بها، يا أميرَ المؤمنينَ، ونَلْما شئتَ، وابْقَ على الأيّامِ والأَبَدِ

وله فيه من قصيدة، يهنئه بالخلافة، ويطلب الشريف:

تبسَّمَ الدَّهرُ عن ثَغْر الرِّضَى جَذِلاطَلْقاً، وأهدى إلينا السُّول والأَمَلا
فقم لنفرحَ، وأعلم أَنَّ فرحتَناما قام يوماً بها أمرٌ ولا عَدَلا
وجاءنا بالأمَاني غَضَّةً جُدُداًبِيضاً، وجادَ بها من بعدِ أَنْ مَطَلا
وقام معتذراً ممّا أَلَمَّ بهيُبدي حياءً، ويُخفي تارةً خَجَلا
وأقبل الجودُ والإحسانُ في طرببادٍ، وقد نَبُها من بعدِ ما خَمَلا
واهتزّت الأرضُ، واخضرَّت هَوامدُهاوأصبح الرَّوضُ فيها نابهاً خَضِلا
واستبشر المجدُ والعلياء، فابتهجاحُسناً، وقد حَلِيا من بعدِما عَطِلا
وحالَ لونُ الليالي فَهْيَ مشرقةٌكأنَّما صِبغُها المعهود قد نَصَلا
وأقشع الظُّلمُ عنّا والظَّلامُ، كماوَلَّى جَهامٌ، حَدَتْه الرِّيحُ فانجفلا
ب المستضيء بأمر الله إِنّ بهتُجلى الخطوب إذا ما ليلها اتَّصلا
الكاشف الكُرَب الجُلَّى وقد عظُمتوالفاعل الفعلَ في الأيّام ما فُعِلا
خليفة، قيَّدَ الأَلحاظ يومَ بداإلى مُنير، يضمّ البدر قد كمَلا

أي: قيد نوره الألحظا عن النظر إليه.

كأنّما قابل الرّاؤون غُرَّتَهشمساً، بدت طلعةً تستوقف المُقَلا
يَوَدُّ مَنْ غاب عن مرهوب موقفهلو أنّه بالثَّرَى من تُربه اكتحلا

ثَرىً، ترى بثُغور النّاس كلهِمُ ممّا تقبّله أفواهُهم بلَلا

مَدَّت إليه قلوب النّاس طاعتهاقبلَ الأَكُفّ، ومَدَّتْها له نَفَلا
إلى يدٍ سَبْطَةٍ بالجود، مُنعِمةٍتُعطي، فيخجَلُ منها الغيثُ إن هطَلا
وما سمِعنا بغيث قبلَ نائلِهجادَ البلادَ، فأحيا السَّهلَ والجبلا
سيلٌ، طما، فوُجوهُ الأرضِ سائرُهاقَرارةٌ، ما علا منها وما سَفَلا
وكيف يَسْقِي حَيا الأمطارِ حيث سقىحَياه، أو يصِلُ المَغْنَى الَّذي وصَلا؟
أم كيف يُحسن وصلاً كل مقتدرله، وقد غمرَ الأقطارَ والمِلَلا؟
أدنى وإن كان لا أدنى نوافلهيستغرقُ القولَ، أو يستنفدُ المَثَلا
قد بثَّ عدلاً وجوداً، يُوضحانِ لناقصورَ مَن جادَ في الأزمان، أو عدَلا
نكاد نظلِمُ ما يأتيه من حسَنبقولنا: زاد عمّن كان، أو فضَلا
وأبلج من بني العبّاس أوسعَناجوداً، زَوَى وصفُه التَّشبيبَ والغَزَلا
فكلَّما خطَرت في خاطر كِلفٍحسناءُ، حايدَ عنها الشِّعرَ، فانعزلا
وكلَّما جاوز المنطيقُ غايتهفي القول، أيقن بالتَّقصير، فانخزلا
معظَّم، جازت الأهواءُ دولتَه،وأوضحت، لاِنقيادِ الأنفُس، السُّبُلا
فالأرض تعنو ومَن فيها لطاعتهوكلُّ جودٍ، يُلبّيه، وما حملا
لو استطاعت أقاصيها، إِذَنْ جمعتلوطئه خدَّها فخراً إذا انتعلا
يسنتشق التُّرْبَ ملذوذاً لعَقْوَتِهكأنَّما فُتَّ فيه المسكُ أو قُتِلا
إليك يا خيرَ مَنْ مُدَّت إِليه يَدٌ،يداً، لها شرف في مدّها وعُلَى
رأك باسطها الأَوْلَى بدعوتهحقّاً، فلم يَأْلُ إِذْ ناداك أو سألا
قد جُدتَ بالمال من قبلِ السُّؤال بلامَنٍ، فسنَّ عليه الفخر والحُلَلا
مَلابسٌ، تُبهجُ الدُّنيا، وسابغُهاعليه يبقى جديدَ الفخرِ لا سَمَلا
تظَلّ تعلو على الأعناق، من شرفبها، ويسمو إليه الطَّرْف إِنْ رَفَلا
من الحِسان اللواتي لا يفوزُ بهاإِلا الأفاضلُ، من جَدْواك، والنُّبَلا
ودُمْ، نهنّيك بالنًّعمى التّي سبغتعلى الورى، وتَلَقَّ العيشَ مقتبلا
فأنت للأرض ممَّنْ فاتَها بدلٌ،فلا رأتْ منك يا خيرَ الورى بدلا

وله مما أنشدني أخوه الشريف قطب الدين، أبو يعلى، بن الأقساسي رحمهما الله تعالى:

جاد الزمان، فلولا ما ابتدأتَ بهكنّا حِسبنا الَّذي جاؤوا هو الكرمُ
حتّى أتيتَ بمعنى غيرِ مُنْتَحَلٍفي الجود، لم يأتهِ عُربٌ ولا عجَمُ
لولا اقتفاؤك فيما جئتَ من كرملمَا علِمنا المعاني كيف تنتظم

ابن الناقة الكوفي أبو العباس، أحمد، بن يحيى، بن أحمد، بن زيد، بن الناقة. من أصحاب الحديث العالي. من أهل الكوفة. عاش من بعد سنة خمسين وخمس مئة.

وله شعر، قرأته من تاريخ السمعاني بخطه، قال: أنشدنا لنفسه ب الكوفة:

إِذا ما انتسبت إلى دِرْهَمفأنت المعظَّمُ بينَ الورى

وإِمّا فخَرتْ على معشرفبالمال إِن وهو علم العلم وعلامة الدهر، وذكاء الذكاء وذكي النشر. كنا نظمأ إلى سماع نظمه، ونؤثر تيمم مشرعه من يمه، إلى أن سمعنا مجد العرب، العامري يقول لقيته ب الأنبار في عنفوان شبابي، ولا يمكن أن يلحق أحد بطبقته. وأنشد لنفسه

أظما، وغُدرانُ المَواردِ جَمَّةٌحولي، وأسغَبُ، والمطاعمُ دوُني
وأعافُ أدوانَ الرِّجالِ، فإِنّهلا يرتضي بالدُّون غيرُ الدُّونِ
لا الفقرُ يَخفِضُ من تسامي ناظريفيَغُضُّ منه، ولا الغِنَى يُطغيني

هذا البيت، أنشدنيه ب بغداد الرئيس أبو الفتح، نصر الله، ابن أبي الفضل، بن الخازن.

وأنشدني الأديب مفلح، بن علي، وذكر أنه مطلع هذه القصيدة:

وهواكِ حِلفةَ مغرمٍ مفتونِوجفاك أصدق حالف ويمينِ
َلأُكَلِفَنَّ الوجدَ نقضَ جوانحيوأُكَلِّفَنَّ الدَّمعَ نفضَ جُفوني

ول أبي سعيد، أحمد، بن واثق، الأنباري، وقد أبدع فيهما:

شكَرَتْك عنّي كلُّ قافيةتختالُ بينَ المدحِ والغَزَلِ
للشاعر أبو سعد الأنباري، اقرأ القصيدة
فلقد ملأتَ بكلّ عارفةكفَّ الرِّجاءِ وناظرَ الأمَلِ

وله:

إِما ترى غَرْبي سِجالاً في الصِّبافِرشاؤها بيد العقاب متينُ
ولقد أُفلُّ الخَطْبَ وَهْوَ مُصَمِّموأُلِينَ عِطفَ الدَّهرِ وَهْوَ حَرُونُ
بمُسَلَّطِ السَّطَوات، حيثُ دعوتهخفَّتْ به العَزَماتُ وَهْوَ حَرُونُ
عرَّفْتَني عِزَّ الغِنى، فكأنَّنيلم أدرِ ذُلَّ الفقر كيف يكونُ

وله:

وقد زعَمُوا أَنّي وعدت بزَوْرةمن الطَّيْف تأتي والصَّباحَ على قَدْرِ
فقلت لهم: ما ذاك إلا بأَنْ نمىإلى علم لَيْلَى أَنَّ لَيْلِي بلا فجرِ

وله:

في كلّ مضطَرَب، للمرء مكتَسَبٌوللمطالب بابٌ غيرُ مسدودِ

ومنها:

جاورتُه، فازدريتُ الليثَ ممتنعاًببأسه، وذمَمْتُ الغيثَ في الجودِ
خلائقٌ منه، ما تنفكُّ طيّبةً،إِنَّ الخلائقَ عُنوانُ المواليدِ

وأنشدني الرئيس أبو القاسم، عبد الله، بن علي، بن ياسر، الأنباري قال: أنشدني ابن واثق لنفسه:

يُهدي الكَرى لعيون النّاس ليلُهمُوالليلُ يَنْفي الكَرى عنّي ويطرُدُهُ
إذا سُهادُ جُفوني باتَ يَبْعَثُهإلَيَّ ليلي، فقل لي كيف أرقُدُهُ؟

وأنشدني له:

لو كان غيرُ رُضابِه خمرييا عاذِلي لصحوتُ من سُكري

أبو طاهر بن أبي الصقر الأنباري من الطبقة الأولى في العصر: شيخ من أصحاب الحديث. روى عنه الحافظ أبو الفضل، بن ناصر. ومات سنة ست وسبعين وأربع مئة.

وله:

نفسُ، كوني ذات خوفٍواتِّقاءٍ واجتناب
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «نفس كوني ذات خوف»
لا تظُنّي النّاسَ ناساًأَيُّ أُسْدٍ في الثَّيابِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «نفس كوني ذات خوف»

أبو نصر مواهب بن يحيى بن المقلد الربعي الهيتي فاضل فقيه، نبيل نبيه، معروف وجيه.

ذكره السمعاني في تاريخه، وقال: كتب عنه رفيقنا أبو القاسم الدمشقي أبياتاً من شعره وقت انحداره إلى بغداد، ورواها لنا، وهي:

إذا ما هبَّ هِيتَ النَّسِيمُتذكَّر مغرم بكمُ يَهيمُ
وإنْ برقٌ تألَّق من ذَراهاتجدَّد عندَه العهدُ القديمُ
على مَنْ ب الفُرات أقام، منّيسلامٌ، ما تلألأت النُّجومُ
وما فارقتُها لِقِلىّ، ولكنْتأَوَّبَني بها الزَّمنُ الغَشُومُ
ولم أطلُب بها عِوَضاً، ولكنْإذا عُدِم الكَلا رُعِي الهَشيِمُ
سقى الله الفُراتَ وساكنيهوطيبَ ثَراه وَبْلاً لا يَرِيمُ
وحيّا حَيَّ بِسطامِ بْنِ قَيسففي أبياته قلبي مقيمُ
أَحِنُّ إلى التّي أَصْمَت فؤاديفأَصبحَ والغرامُ له غَرِيمُ
رمتني من لواحظها بسهمأُصيبَ به من لقلب الصَّميمُ
فما أنا، ما حَيِيتُ، لها بسالٍولا في التُّرْب إذْ عظمي رَميمُ

الأديب أبو الفرج محمد بن الحسين بن خليل الهيتي لقيته بباب دكان أبي المعالي الكتبي، في سنة خمسين وخمس مئة، وكان كهلاً، للثناء أهلاً. وذكر أنه أكثر من خمسة وعشرين ألف بيت، وأنه صنف مقاماتٍ. واستنبطته، فوجدت فيه أدباً وفضلا، وأنشدني مما نظمه أبياتاً، ومما نثره فصلا.

أنشدني لنفسه من قصيدة:

أمُغْرىً بالمَلال، دَعِ المًلالافمَنْ يُدِمِ السُّرَى يَجِدِ الكَلالا
وإن تَكُ غيرَ مَنّانٍ بوصلفزُرْ بخَيالك الدَّنِفَ الخَيالا

وله:

وحُرِمْتُ طِيبَ العيش يومَ سرت بهمخيلُ الصُّدورِ بنِيَّة الهجرِ
ولبِست ثوبَ تجلُّدي زمناًخوفَ الوُشاةِ، فخانني صبري

وله:

يا راقداً أَسهرَ لي مُقلةًعزيزةً عندي وأبكاها
ما آنَ للهِجْرانِ أن ينقضيمن مُهجةٍ هجرُك أضناها

إِن كنت لا ترحَمُني، فارتقبْ ...، يا قاتلي، في قتليَ، الله

وله:

إِذَنْ عَوِّضِي حُسنَ الثَّناء وأَجْمِليفذاك لَعَمْرِي فُرصةُ المتعوّضِ
وجُودي بموجود، فإنَّ قُصَارَهُإلى اَجَل يُفضي إليَّ وينقضي

أبو الخير المبارك بن نصر بن مسافر الحديثي أورده السمعاني في تاريخه، وقال: شيخ من أهل الحديثة. له معرفة بالأدب واللغة. ويقول الشعر. ورد علينا بغداد، وأنشدني لنفسه من قصيدة:

أنارَ نهارُ الشَّيب ليلَ شبابيوطيَّرَ بازيُّ المشيبِ غُرابي
وزايَلَني شَرْخُ الشَّباب وطِيبُه،وطاوعتُ عُذّال، وقلَّ عتابي

ومنها:

فيا رُبَّ يومٍ قد لَهَوْتُ بغادةمنعَّمةٍ، غَرْثَى الوِشاحِ، كَعابِ
أَناةٍ، يُضيءُ البيتَ لألاءُ وجهِهاولو سترت من دونه بنِقابِ
لها جِيدُ أَدْماءِ المُقَبَّلِ مُغْزِلٍووجهٌ كبدر التَّمِّ غيرُ مَعابِ
فيا لكَ لهواً في عَفاف لَهَوْتُهولم تُدنس الفحشاءُ طِيبَ ثيابي
ويا رُبَّ خَرْقٍ قد قطَعْتُ نِياطَهبوَغْلٍ جِيادٍ أو بِنَصِّ رِكابِ
وما شِبْت من عمر طويل، فهذهسِنِيَّ، وهذا إن شككتَ حسابي
ولكنْ رماني الدَّهرُ منه بأَسْهُمشقَقْنَ فؤادي قبل شَقِّ إِهابي
فقلتُ، وقد أَصْمَيْنَ رَشْقاً مَقاتلي:أَهذاك دابُ النّائباتِ ودابي؟

قال: وتوفي في شعبان سنة ثلاثين وخمس مئة، بعد أن كتبت عنه الأبيات بيسير.

ابن زكرويه الأنباري هو الحسن، بن محمد، بن زكرويه. من شعراء الأيام المقتدية.

قرأت في ذيل التاريخ ل ابن الهمذاني، في حوادث سنة ثمانين وأربع مئة، ل ابن زكرويه، الأنباري، يمدح نظام الملك، ويهنئه عند عوده في السنة المذكورة من زيارة المشهدين ب الكوفة والحائر على ساكنيهما السلام، قصيدة، منها:

زُرتَ المَشاهدَ زورةً مشهورةًأرضت مَضاجعَ مَنْ بها مدفونُ
فكأنّك الغيثُ استمدَّ بتُرْبهاوكأنّها بك روضةٌ ومَعِينُ
فازت قِداحُك بالثَّواب، وأنجحتولك الإِلهُ على النَّجاح ضَمينُ

وله في هذه السنة، وقد خلع الإمام المقتدي على السلطان ملك شاه، وتوجه للإمامة:

هنيئاً للإمامة ما أرتنامن الآيات في السُّوَر الفِصاحِ
وحسبُ جلالِ دولِتها جلالاًوشائحُ هذه الرُّتَبِ الفِساحِ
لقد توَّجْتَ مَفْرِقه بتاجيُقيم على الزَّمان بلا بَراحِ
فحلَّ نهايةَ الشَّرَف المُعَلَّىومازجَ صفوةَ الفخر الصُّراحِ

وقرأت في مجموع شعراء عميد الدولة، أبي منصور، محمد، بن محمد، بن جهير فيه، ويهنئه بالعود إلى الوزارة:

أبى الله إلا أن يُعِينَ بك الهدىوإنْ رُغم الحُسّادُ أو كرِه العِدا
سعدت، عميدَ الدَّوْلَتينِ، بأَوبةإلى رتبة، مَدَّتْ إلى يدك اليدا
ولو لم تكن موعودةً بك، غالَها اللإِراقُ، وأبلاخا الحنينُ وأكمدا
فدُونَكَها مسرورةً بك، أقبلتتَهادَى جلالاً لا يُبارَى وسوددا
وها هيَ قد ألقتْ مَقاليدَ أمرِهاإلى أمرك الأعلى، هَوىً وتَوَدُّدا
وكم كُلِّفتْ عنك السُّلُوَّ، فزادها اشْتِياقاً، وأذكى وجدَها فتوَقَّدا

ومنها:

ولمّا تبدَّت همّة تَغْلِبِيَّة،وعزم أقام الحادثات وأقعدا،
تشوّفتِ الأخبار عنك، مَشُوقةًإليك اشتياقَ الرَّوْضِ حَنَّ إلى النَّدَى
ومادت ب زَوْراء العِراقِ مَخاوِفٌإذا ما رآها الثّابتُ الجَأْشِ عَرَّدا
فلو لم تَصِلْها عائداً، لم تَجِدْ بهاسريعاً إلى الدّاعي ولا متأيّدا
قدِمتَ عليها، مستهّلاً بنائلنفى بنَدِاه جَدْبَها المتوقّدا

أبو الحسن علي بن جد الهيتي ﵀.

له في مدح الإمام المستضيء بأمر الله، ويصف هيت، ويشكو أهلها، ويذمهم:

مَنازلُ هِيتٍ لا يوافقُها العدلُإذا عدَل السُّلطانُ، جار بها الأهلُ
وما هيَ إلا بلدةٌ جاهليّةأَمَرَّت على مَرّ الزَّمانِ فما تحلو
تجمَّع أهلوها على الخُلْف والجَفاوبينَهما أخذُ الحرائبِ والقتلُ
قلوبُهمُ من جَنْدَلٍ وصفائحٍخُلِقن، وما في العالمين لهم شَكْلُ
وأَيمانُهمْ غدرٌ إذا حلفوا بها،وقولُهمُ نُكْرٌ، ووعدُهُمُ مَطْلُ
وإِن عُوتبوا فالعتبُ فيهم مضيَّعٌوإِن عُذِلوا يوماً فما ينفَعُ العَذْلُ
أرى شيمتي تأبى بلادي وأهلَهافيا ليتَ أَنّا لم يكن بينَنا وصلُ
وأُقسِمُ لولا بِنتُ عمٍّ شفيقةٌإذا غِبتْ عنها، نالها منهم ثِقْلُ،
لأَبْعدتُ أسفاري، وفارقتُ منزلي،ولم يَثْنِني كَرْمٌ بأرضي ولا نخلُ
وخُذْ بيميني، إِنّنا شَرُّ جَِبْلَةٍوما إِنْ لنا دِينٌ يَزينُ ولا عقلُ
خُلِقنا بلا حِلم، ولا علمَ عندَنا،وإِنّا أناسٌ قد أضَرَّ بنا الجهلُ
ولولا أميرُ المؤمنينَ وحلمُهُلَحَلَّ بنا من قبحِ أفعالِنا نكْلُ
ولكنّه عمَّ البَرايا بعدلهفأمسى له في كلّ مَكْرُمَة فعلُ
وأحيا به الأرضَ المَواتَ، وقد غدالكلّ أَخي عُدو بأرجائها أُكْلُ
وإنَّ الإِمامَ المستضيءَ فتى العلىهو الرُّكنُ للإسلام والفرعُ والأصلُ
إِمامٌ، به دَسْتُ الخِلافة مُشرقٌأضاءت به الآفاقُ والمُدْنُ والسُّبْلُ
مطيعٌ لأمر الله في الجهر والخَفاسميعٌ إذا ناداه عانٍ به كَبْلُ
تواضع للرَّحْمن خوفاً وخَشيةًوتابعَ ما قال النَّبِيُّونَ من قبلُ
حمى حَوْزَة الإسلامِ من كلّ ظالمفلا ناصرٌ يُجْبَى بأرض ولا جَفْلُ
هو العَلَمُ الفردُ الَّذي يُقْتَدى بهإذا اختلف الأقوامُ في الأمر أو ضَلُّوا
وقد سار فينا سِيرةً عُمَرِيَّةًفأربى على كِسرى، فسيرتُه عدلُ
وفاق على كلّ البَرِيَّة فعلُهفليس له فيهم نظيرٌ ولا مِثلُ
جَبَرْتَ البَرايا يا ابنَ عمِّ محمَّدوسِرت بإِنصاف كما سارت الرُّسْلُ
وكنتَ على الإسلام وجهاً مُبارَكاًوأضحى بأرضٍ أنت مالكها الوَبْلُ

الرئيس أبو علي يحيى بن محمد بن الشاطر الأنباري أنباريٌّ: أنبأ رائيه، أنه عز في زمانه من يباريه. إن باراه سحبان، قال: سبحان باريه.

مقصد مقصده سليم، ومنهجه قويم. مقطع كأنه مقطع ديوان المعاني، بل ناظم لعقود هي قلائد المعالي لا الغواني.

أسلوبه مطلوب، بالأرواح مسلوب. ومذهبه محبوب، بالقلوب منهوب. معناه شائق، ولفظه رائق، ونظمه فائق، ولفظه بالمعنى لائق.

أنشدني الرئيس أبو القاسم، عبد الله، بن علي، بن أبي ياسر، الأنباري، في الديوان العزيز - مجده الله - ب بغداد، في شهور سنة سبع وخمسين وخمس مئة، قال: أنشدني ابن الشاطر لنفسه، وهي كلمة خالية من النقط غير معجمة، مطرزة بالحكم حالية معلمة، سلمت من التكلف، وخلصت من التعسف، لا يتفق لأحد مثلها في فنها، وسلامتها وحسنها. وهي:

صارِمْ ملولاً كَدِراً وُدًّهُودُمْ لأهل الوُدِّ ما دامُوا
وأَعطِ أموالَك سُؤّالَهاولو لَحى الحُسّادُ أو لامُوا

وحَصِّل الحمدَ. ألا، كلُّ ماحُصِّل إلاّ الحمدَ، إِعدامُ

السُّؤدَدُ المالُ، ولولاه مارامَ أُولُو الأحوالِ ما رامُوا
أولادُ حَوّاءَ وِهادٌ، ولوسادُوا، وأهلُ العلمِ أَعلامُ
ما أمدح المرءَ، ولم أَدرِ ماأسرارُه، واللهُ علاّمُ
ما مَسَّ حُرَّ الأصلِ عارٌ، ولوعلاه أَسْمالٌ وأَهْدامُ
كم صارمٍ، محمُله دارسٌوهو حُسامُ الحدّ صَمْصامُ
كم وَرِعٍ، حَسَّر أَكمامَهللمكر، وَهْوَ الصّادُ واللام

وأنشدني له:

إذا ما ألَمَّتْ شِدَّة، فاصطبِرْ لهافخيرُ سلاحِ المرء في الشِّدَّة الصَّبْرُ
وإِنّي لأَستحيي من الله أَنْ أُرَىإلى غيره أشكو وإِنْ مَسَّني الضُّرُّ
عسى فَرَجٌ به الله. إِنَّهله كلَّ يوم في خَلِيقته أمرُ
للشاعر محمد بن أحمد بن رشيد مولى المهدي، من قصيدة «مَرِيضَة كرّ الطّرف مجدولة الحشا»

قال: وتوفي رجل من بلده، فكتب على تربته:

يا واقفين بنا، ألم تتَيقَّنُواأَنَّ الحِمامَ بكم علينا قادمُ؟
لا تستغرُّوا بالحياة، فإِنَّكمتبنونَ، والموتُ المفرِّقُ هادمُ
لو تَنزِلونَ بشِعبنا، لَعَرَفْتُمُأَنَّ المفرِّطَ في التَّزَوُّد نادمُ
ساوَى الرَّدَى ما بينَنا، فأحَلَّناحيثُ المُخَدَّمُ واحدٌ والخادمُ

الأديب أبو المظفر مفلح بن علي بن يحيى بن عباد الأنباري من شعراء الدولة المستنجدية. وقد مدح المقتفي أيضاً، رحمه الله تعالى.

ذكر أنه من كلاب، بن ربيعة، بن عامر، بن صعصعة، بن معاوية، بن بكر، بن هوازن.

وكان خصيصاً بالوزير عون الدين، بن هبيرة: يصلي به في السفر والحضر، ويتولى له أخذ الزكاة من غنم الخالدية، وهو عامل المنثر، وأكثر شعره فيه.

فلما توفي الوزير، ونكب جماعته، رقي عنه أنه نظم شعراً يعرض فيه ببعض الصدور، فأخذ وحبس في حبس الجرائم، وعوقب مراراً، وأخرج ميتاً بعد سنة من حبسه يوم الاثنين ثاني عشر شعبان سنة إحدى وستين وخمس مئة.

كان أديباً فصيح اللهجة، مليح العبارة، يتبادى في إنشاده وإيراده، ويسلك أسلوب العرب.

ذكر أنه كان معلماً للأدب قبل اختصاصه بالوزير.

فمما أنشدنيه لنفسه، من قصيدة يمدح فيها الوزير عون الدين، سمعته ينشد الوزير ثانياً سنة سبع وخمسين وخمس مئة:

أثَغْرُكِ ثغرُ الأُقْحُوانةِ، أم دُرّ؟ ُ؟وأَرْيٌ بفِيكِ الباردِ العَذْبِ، أم خمرُ؟
وصبحٌ بدا في جنْح ليلِ ذَوائبٍ،أمِ الشَّمسُ من تحت السِّجاف، أمِ البدرُ؟
وماذا الَّذي أدمى صحيفةَ خدِّها؟أَلَحِظْي بها، أم دَبَّ من فوقِها الذَّرُّ؟
وما أثَرٌ فوقَ التَّرائبِ بَيِّنٌ؟أَلِعقد لَمّا جال من فوقها إِثْرُ؟
أَناة من البِيض العِفاف، نِجارُهامن العُرب يَنْمِيها غَزِيَّةُ أو عَمْروُ

إذا الحَضَريّاتُ النَّواعمُ أشرقتبهِنّ وقد مِسْنَ الرُّصافةُ والحَسْرُ،

سَنَحْنَ لنا ما بينَ فَيْدَ وحاجِرظِباءَ نَقاً، يُزْهَى بها الضّالُ والسِّدْرُ
يَمِسْنَ كأغصان من البان هَزَّهانسيمُ الصَّباحِ فَهْيَ مَجّاجةٌ خُضْرُ
تقسَّم قلبي ب العُذَيْب وبانِهِكواعبُ، لا نهيٌ عليها ولا أمرُ
فلا أجرَ إلا في مُعاناة هَجرهاولا وِزْرَ إلاّ في الَّذي ضَمَّت الأزْرَ

ومنها:

ومَرْت، كظهر التُّرْس، زِيَزْاء مَجْهَلتَتِيهُ به، من دَرْس أعلامِها، السَّفْرُ

ومنها:

وليل، عَطَطْنا ثوبَه بقَلائصهِجانٍ، يُنَزِيّها التَّحَلْحُلُ والزَّجْرُ
إذا انقضَّ فيه النّجمُ، آنسَ قلبُهمن الفجر قُرباً، فاستطارَ به الذُّعْرُ
أكان له بالفجر أقربُ نسبةٍفصالَ عليه؟ أم له عندَه وِتْرُ؟
فلمّا نَزَلْ نَفْرِي حُشاشةَ قلبِهإذا ما خلا قفرٌ يعارضُنا قفرُ
إِلى أنْ سمت خيلُ الصَّباحِ، فكشَفتأَدانيه عن قُطر، ورِيعَ لها قُطرُ
كأنَّ ابيِضاضَ الفجرِ في أُخْرَياتهمواهبُ يَحْيى، أو خلائقُه الزُّهْرُ
فتى، أَنْشَرَ العلياءَ من بعدِ موتِهافعادَ لها من بعدِ ما طُوِيت نَشْرُ
وجدَّد أيّاماً من العدل أخلقتفعادَ لها من بعدِ نسيانها ذِكرُ
بطلعته تَثْني الخطوبُ نواكصاً،وتستبشرُ الدُّنيا، ويستنزلُ القَطْرُ
أغَرُّ، تخالُ البِشرَ في قَسَماتهوَمِيضَ حُسامٍ راق قي مَتْنه أَثْرُ
وأعنقَ في سُبْل العلى وأخافَهافمسلكها صعبٌ على غيره وَعْرُ

ومنها:

يجودُ بما تَحوِي يداه لوَفْدهويطلُبُ منهم أن يُقامَ له العذرُ
وما وَفَرت يوماً مَحامدُ سيّدٍمن النّاس حتى لا يكونَ له وَفْرُ

ومنها:

يَزِيدُ على كُثْر الوفودِ سماحةًفتىً، عُذرُه قُلٌّ، وأنعُمه كُثْرُ
يَبِيتُ، إذا ما نامَ ماليءُ بطنِه،أخا هِمَم يَسْري وصَيْقَلُها الفكرُ
لإِعمالِ رأيٍ صائبٍ غيرِ فائلٍفيُفْتَحُ فتح، أو يُسَدّ به ثَغْرُ
وإِمّا نَحَتْ أبناءُ فارِسَ أرضَناكتائبَ للهيجاء ضاق بها البَرُّ،
رماهم بآسادٍ، مَعاقلُها القَنا،وأَغيالُها البِيضُ اليَمانِيَةُ البُتْرُ
نَضاهُنَّ بِيضاً، أخلصتها قُيُونهاصِقالاً، وشِيمت وَهْيَ من عَلَق حُمْرُ
إذا ذمَّها قومٌ، لسوء صنيعِهابهم، فسِباعُ الوحشِ تَحْمَدُ والنَّسْرُ
وكانت طُلوعَ الشّمس بِيضاً وجوهُهمفما غَرَبَتْ إلا وأوجُههم صُفْرُ
فما انتظمت أشتاتُ عدل تفرَّقتإلى أن غدوا قَسْراً ونظمهمُ نثرُ
وما ابيضَّ وجهُ الحقّ بعدَ اسوِدادِهفأشرق، حتّى احمرَّتِ البِيضُ والسُّمْرُ
وما صحَّتِ العلياءُ بعد اعتلالِهاحَنانَيْكَ حتّى صارَ في الزَّمنِ الكسرُ
وما افترَّ ثَغْرُ الدِّين بعدَ بكائهإلى أن بكى من وجه أعدائه ثَغْرُ
وما مَلأَت أيدي الوفودِ رغائباًيمينُك إلا وَهْيَ ممّا حوت صِفرُ
أرى البحرَ ذا مَدٍّ وجزرٍ يَشِينُهفلِلّهِ بحرٌ لا يكونُ له جَزْرُ
فتىً، لو أصاب السَّدَّ صائبُ عَزْمِهدَحَاه، فلم يمنَع حديدٌ ولا قِطرُ
إذا ما جرى في حَلْبَة الفخر مُعْنِقٌجريتَ الهُوَيْنَى واقفاً ولك الفخرُ
فكان لك الباعُ الطَّويلُ إلى العلىبأيسرِ ما تسعى، وكان له شِبرُ

وأنشدني له من قصيدة فيه:

سُقم أجفانِك، والسِّحرُ الَّذيصحَّ منها، زادَ شَجْوِي وسَقامي
وفُتورُ العين، لمّا نظرتعَرَضاً، زادَ فتوراً في عِظامي
سارَ قلبي معها إذْ وَدَّعَتفعليها وعلى قلبي سلامي
ظَلَم الكاعبَ مَنْ قال لها،وَهْيَ بَرْدُ العيش: يا بدرَ التَّمامِ
كالَّذي قاسَ نَدَى يحيى، وقدشَمَلَ الخَلْقَ، بمُنْهَلِّ الغَمامِ
ملك. لوا هُداه في الورىخَبَط النّاسُ عَشاءً في ظلامِ

وأنشدني له قصيدة، نظمها فيه، وأنشده إياها في شوال سنة سبع وخمسين وخمس مئة. وهي:

أُخادعُ نفسيَ عن دارهاوقد عرفتْ بعدَ إِنكارِها
مخافةَ ذِكر النَّوَى فَجْأَةًفيَبْهَضُها حَمْلُ آصارِها
مضى الشَّكُّ، فاعترفي باليقينوعينَك سحّي بمِدرارها
فقد غلَبت سابقاتُ الدُّموعوجاشت غَواربُ تَيّارِها
فذَرْها، تَبُحْ بهَناتٍ لهاوتُبْدِ لهم بعضَ أسرارِها
أَأُبْدي التَّجَلُّدَ من بعدِ مارأيتُ مَعالمَ آثارِها؟
وما إِنْ أَرَى إِرَماً ماثلاًبها غيرَ موقدِ أحجارِها
وأقنَعُ بالعَرْف من بانِهاوسَوْفٍ، وبالسَّوْف من غارِها
وقوليَ: يا سعدُ عَلِّلْ بها،وزِدْنيَ من طِيب أخبارِها
ومَنْ لي بغفلة حُرّاسِها؟ومَنْ لي بهَجْعَة سُمّارِها؟
إذا ما بدت بينَ أَتْرابِهاويَعْقِدْنَ مُنْحَلَّ أَزْرارِها،
بدت شمسَ صحوٍ، سَنا نورِهارقيبٌ على هتك أَستارِها
كأنَّ لَطِيمةَ مِسكٍ، غدتتقلّبُها يدُ عَطّارِها
كأنَّ بِفيها، بُعَيْدَ المنام،خَلِيَّةَ شُهْدٍ لمُشتارِها
فيا عجبا من قُوَى قلبِهاومن ضَعفِ مَعْقِدِ زُنّارِها
تَحِلُّ ب فَيْد، وكم للنّوَىتقاضي الخطوبَ على ثارِها
وجاور أهلك أهل العِراقوشَتّانَ دارُك من دارِها
تقضَّى الشّبابُ وأَيّامُهوقلبي مُعَنّىً بتَذْكارِها
وإِنّي لأَرْجو، على نَأْيِهاوما فاتَ من رَجْع أَسمارِها،
أَمُرُّ طليقاً بوادي الحِمىوترمُقُ ناري سَنا نارِها
وكم من طروبٍ ب نجد. وماجَنَى من جَناها وأشجارِها،
ولا شمَّ نفحة جَثْجاثِها،ولا راقَه حسنُ أزهارِها،
فكيف بمَنْ قد قضَت نفسُهبأَرْبُعِها بعضَ أوطارِها؟
وكيف بمَنْ لم يَزَلْ قومُهحُماةَ رُباها وأَغوارِها؟
يظُنُّ الهَزار بأرض العِراقمُجاوبَ صوتِ خشنشارِها
قَمارِي النَّخيلِ وأَطيارُهيرنّحُها بَرْدُ أسحارِها
كأنَّ البلابلَ شَرْبٌ، حَسَتْدِهاقاً بكاساتِ خَمّارِها
إذا لم تكن زينب في زَرُودَفلا سُقِيَتْ صَوْبَ أَقطارِها
ولا عَمَرتْ أربُعٌ بالحِمىإذا فارقتُ أمُّ عمّارِها
ويَهْماءَ، ليس بها مَعْلَمٌ،يَتِيهُ الدَّليلُ بسُفّارِها
تجاوزتُها، ومعي فِتيةٌتُراعي النُّجومَ بأَبصارِها،
على ناجياتٍ، كمثل القِسِّيِ،يباشرُها طول تَسْيارِها
تُسابقُ فُرّاطَ كُدْرِيّهِافتحسو بقيَّة أسآرِها
تُخالُ، وقد طال إِسآدُنابها سُجَّداً فوقَ أكوارِها،
حَنايا، ونحن لها أسهمٌونجدٌ رَمِيَّةُ أوتارِها
فآضت وجوهٌ كمثل الوَذِيلِ،تُحاكي الحُلُوكةَ من قارِها
فآوت إلى ظِلّ مأوى الضَّرِيكِوحطَّتْ به ثِقْلَ أَوزارِها

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.