من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
باب في ذكر محاسن جماعة من العلماء بدمشق ومن أهل القدس ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله
ابن عبد الله بن الحسين، الدمشقي الشافعي الحافظ، من أصحاب الحديث. لقيته بدمشق وسمعت عليه من التاريخ الذي صنّفه. واتفق لي أيضاً سماع شيء مما ألفه.
وذكر السمعاني أنه رفيقه، وقال: كان أبو القاسم بن أبي محمد من أهل دمشق، كثير العلم، غزير الفضل، حافظاً، متقناً، ثقة، ديناً، خيراً، حسن السمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، مثبتاً، محتاطاً، رحل في طلب الحديث. ورد بغداد سنة عشرين وخمسمائة ورجع إلى دمشق، ورحل إلى خراسان على طريق أذربيجان. ثم وافيت نيسابور سنة تسع وعشرين، وصادفته بها، وكنت أسمع بقراءته، واجتمعت معه ببغداد سنة ثلاث وثلاثين، وبدمشق سنة خمس وثلاثين، وسألته عن مولده فقال: في العشر الآخر من محرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة.
وأنشدني لنفسه بالمزة من أرض دمشق:
أَيا نفسُ ويْحكِ، جاء المشيبفماذا التَّصابي وماذا الغَزَلْ
تولّى شبابي كأَنْ لم يكنوجاءَ مشيبي كأَن لم يَزَلْ
فيا ليت شِعْريَ ممّن أَكونوما قدَّرَ اللهُ لي في الأَزَل!؟
قال السمعاني: وأنشدنا أبو القاسم الحافظ الدمشقي لنفسه ببغداد:
وصاحبٍ خان ما استودعتُه وأَتىما لا يليق بأَرباب الدِّياناتِ
وأَظهر السرَّ مُختاراً بلا سببوذاك والله من أَوفى الجنايات
أَما أَتاه عن المختار من خبرٍأَن المجالس تُغْشى بالأَمانات
وذكر أنه كتب إلى أصحابنا من دمشق، في ابتداء كتاب، يعاتبني على ترك إنفاذ كتاب دلائل النبوة لأحمد البيهقي وغيره من الكتب، وقد لزم فيها ما لا يلزم:
ما خلت حاجاتي إِليك وإِن نأَتْ داري مُضاعَهْ
وأَراك قد أهملتهاوأَضعتها كل الإِضاعه
أَنسيتَ ثَدْيَ مودّةٍبيني وبينك وارتضاعه
ولقد عهِدتُك في الوفاءِ أَخا تميم لا قُضاعه
وأَراك بكراً ما تخاف على الصّداقة والبضاعه
فلما وصلت إلى الشام، وأقمت بدمشق، ترددت إليه، ورأيته قد صنف تاريخ دمشق. وذكر أنه في سبعمائة كراسة، كل كراسة عشرون ورقة. وسمعت بعضه منه. وأورد من شعره فيه.
ودخل إلي بكرة يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين فعرضت عليه ما أورده السمعاني في حقه، والآن أنت قد سمعته مني. ووعدني أن يكتب لي من شعره ما أورده في هذا الكتاب.
وهو الحافظ الذي قد تفرد بعلم الحديث، والاعتقاد الصحيح، المنزه عن التشبيه، المحلى بالتنزيه، المتوحد بالتوحيد، المظهر شعار الأشعري بالحد والحديد، والجد الجديد، والأيد الشديد.
ومما أنشدنيه لنفسه، وقد أعفى الملك نور الدين قدس الله روحه، أهل دمشق من المطالبة بالخشب، فورد الخبر باستيلاء عسكره على مصر، فكتبه إليه يهنيه، وأملاه علي في الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمسمائة:
لمّا سمحتَ لأَهلِ الشّام بالخشبِعُوّضتَ مصر بما فيها من النَّشَبِ
وإِن بذلتَ لفتح القدس مُحْتَسِباًللأَجر، جوزيت خيراً غير محتسَب
والأَجْرُ في ذاك عند الله مرتٌََبٌفيما يُثيب عليه خيرُ مرتقِب
والذّكر بالخير بين الناس تكسِبهخيرٌ من الفضّة البيضاء والذهب
ولستَ تُعْذَرُ في تَرك الجهاد وقدأَصبحتَ تملِكُ من مصرٍ إِلى حلب
وصاحب المَوْصِل الفيحاء مُمْتَثِلٌلما تُريد فبادرْ فَجْأَة النُّوَب
فأَحزَمُ الناس من قوّى عزيمتَهحتى ينالَ بها العالي من القُرَب
فالجَدّ والجِدّ مقرونان في قَرَنٍوالحزم في العزم والإِدْراك في الطلب
وطهِّرِ المسجدَ الأَقصى وحَوْزَنَهُمن النَّجاسات والإشراك والصُّلُب
عساك تظفر في الدُّنْيا بحسن ثَناوفي القِيامة تلقى حُسنَ مُنقَلَب
وتوفي ﵀ بدمشق، بين العشائين، ليلة الأحد حادي عشر رجب سنة إحدى وسبعين، ودفن بمقبرة باب الصغير. وصلى عليه الملك الناصر صلاح الدين في ميدان الحصا، وكان الغيث قد احتبس في هذه السنة، فدر وسح عند ارتفاع نعشه، فكأن السماء بكت عليه بدمع وبله وطشه، بلت الأرض برشه. ورثاه جماعة من الفضلاء.
أنشدني فتيان بن علي الأسدي الدمشقي المعلم الأديب لنفسه. وهذه القصيدة مشتملة على حقيقته وطريقته ووفائه ووفاته:
أَيُّ ركنٍ وَهى من العلماءأَيُّ نجمٍ هوى من العَلْياءِ
إِنّ رُزْءَ الإِسلام بالحافظ العالم أَمسى من أَعظم الأَرزاء
أَقفرتْ بعده رُبوعُ الأَحاديث وأَقوتْ معالمُ الأنباء
أَيُّها المبتغى له الدهرَ مِثْلاًأَتُرجّي تَعانق العَنْقاء
كان ناديه كالرّياض إِذا ماضحك النَّوْر عن بُكا الأَنْداء
كان حِبْراً يَقْري مسامعنا منأَسود الحِبْر أَبيضَ الآلاء
كان من أَعلم الأَنام بأَسماءِ رجال الحديث والعلماء
فهي من بعدُ في المَهارق كالأَفْعال إِذا عُرِّيَتْ من الأَسماء
كان من وَصْمة التغيّر والتَصحيف أَمْناً لخابط العَشْواء
كان في دينه قويّاً قويماًثابتاص في الضرّاء والسرّاء
كان علاّمةً ونسّابةً لميخْفَ عنه شيءٌ من الأَشياء
يا لَها من مُصيبةٍ صمّاءِلم يَحِدْ سهمها عن الإِصماء
هَدمت ذروة المعالي ووارتْجسد المجد في ثَرى الغَبراء
قد أَرانا سريرُه كيف كانتقبلُ تُجْلى أَسرّةُ الأَنبياء
سيّرتْ نعشَه الملوكُ وأَملاكُ السّموات بالبُكا والدُّعاء
وامترى حزنُه مدامعَ أَهل الأَرض حتى جرتْ دُموع السّماء
حَسْبُه أَنّه بهِ استُسْقِيَ الغيثُ فجادتْ به يدُ الأَنواء
نَعَش الله نعشه وسقاهرحمةً، بالغمامة الوَطفاء
قد وددنا أَنّ العيون استَهلَّتْعِوَض الدمع بعده بالدماء
وَلتلك الدموع كانت نجيعاًقَصَرَتْه حرارةُ الأَحشاء
ولقد قرّت الأَعادي عُيوناًطالما أُغضِيت على الأَقْذاء
كم به جُرّع العدوّ ذُعافاًمن أَفاويق البُؤْس والبأْساء
لم يزل يرغَم العدوَّ ويسعىرافلاً في مطارف النَّعماء
من يكن شامتاً فللموت بأْسٌليس يُثْنى بالعِزّة القعساء
وله وثبةٌ تذِلّ لها أُسْدُ الشَّرى والجيوش في الهيجاء
من يمت فَلْيمت مَمات أَبي القاسم عن عِفّةٍ وطيبِ ثناء
كم حوى لحدُه من العلم والحلم وكم ضمّ من سناً وسناءِ
إِن يكن في الموتى يُعَدّ فقد خلّف علماً أَبقاه في الأَحياء
مودَعٌ في سَوادِ كلّ فؤادٍبتصانيفه بياض وَلاءِ
وإِليه تُنْمى بنوه وطيب الأَصل مستأْزرٌ بطيب الجَناء
لكُمُ يا بني عساكر بيْتٌسامِقٌ في ذُرى العُلى والعَلاء
لم يزل مُنْجِباً أَبوكم فما بُشّر إِلاّ بالسادة النُّجباء
ولكُم في الأَنام صيتٌ رفيعمُشرِفٌ فوق قِمّة الجوزاء
فتعَزّوْا عنه بصبرٍ وإِن كان مضى باصطبارنا والعزاء
نحن نبكي عليه حُزناً وكم قدصافحته في اللَّحد من حَوْراء
يا أَبا عُذْرِ كل مَعنىً دقيقٍجَلَّ قدراً كالدُّرَّة العذراء
صَبْرُنا يا ابن بَجْدة العلم أَمسىعنك مستصعِباً شديد الإِباء
علماءُ البلاد حلّتْ حُباهالك يا مَنْ عمّ الورى بالحِباء
ما عسى أَن نقول فيك وقد فاتت أَياديك جُملة الإِحصاء
أَنت أَعلى من أَن تُحَدَّ بوصفٍبلغتْه بلاغةُ البلغاء
أَنت أَولى بأَن تُرَثّيك حتّىيُبْعَثَ الخلقُ، أَلسنُ الشعراء
فعليك السلامُ ما لاح وجه الصّبح من تحت طرَّةٍ سوداء
وسقى التربةَ التي غبتَ فيهاكلُّ جَوْنٍ ودِيمةٍ هَطْلاء
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع