تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

الشيخ عبد الرحمن الواعظ المعري

الملقّب بشمس الدين، من المعاصرين، يعرف في الشام بابن المنجِّم، وتوفي بدمشق بعد العَود إليها سنة ستين وخمسمائة، ذو البديهة المستجيبة، والقريحة العجيبة، والمنطق واللسن، والكلام الحسَن، والقالة والحالة، والتحقيق والتدقيق، والمنظر الصبيح، والمِقوَل الفصيح، اجتمعت له الصباحة والفصاحة، والبهجة واللهجة، مواعظه مبكية مضحكة، وكلماته بالوعيد منجية مهلكة، إذا وعظ كانت عباراته أرقّ من عبرات الباكين، وإذا انشد كانت غرره آنَقَ من درر الناظمين، وثغور الضاحكين. حضرت ببغداد مجالسه وشهدت محاسنه فألفيته جوهريّ الوقت، جهوريّ الصوت، وهو كما قال الحريريّ: بزواجر وعظه يقرع الأسماع، وبجواهر لفظه يطبع الأسْجاع، وبكلامه يأسو الكُلوم، ويجلو الهموم، وبنكته يَنكُتُ العقولَ ويَبهَتُ الحُلوم، فما رأيت في مجلسه إلاّ قلوباً ترقّ، ودموعاً تترقرق، وجيوباً تُشَقَّق، ونفوساً تكاد من وجدها تزهَق، وأنفاساً تتصاعد، وحُرَقاً تتزايد، وأيدياً إلى قابل التوب تُرفَعْ، وشعوراً لقِطْع الحَوب تُقطع. قال يوماً وقد قصَّ شعر شاب، من التوّاب. شابٌّ جفا، قصَّ شعره بمقصّ الوفا، وألبسه قميصاً كان عليه وقال: من وافقَ وفَّق، فقصَّ بقصصه وأشعاره شُعوراً، فكأنَّه بنغماته داوُدُ يتلو زَبورا، وخرج أعيان أهل من ثيابهم إليه، وخلعوها عليه، فقلتُ يجب أن نُسَمِّيَه المَعرّي المُعرّي، وأنا في حدود خمس عشرة سنة، وكان ذلك يوم عاشوراء بالمدرسة النظامية سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، ولم أزل إلى آخر سنة إحدى وخمسين ألقاه في محافل الأماثل، ومجالس الأفاضل، ولم يزل شحّاذاً أخّاذاً، فصّالاً قوّالاً، نتّاشاً حوّاشا، فاتقاً راتقا، ماهراً حاذقا، لا يخلو يوماً شرَكُه من صيد، لو رآه الحريريُّ لم يذكر أبا زيد، له في كلِّ حادثٍ حديث، وفي كلِّ خطبٍ خطبة، وفي كلِّ نائبٍ نوبة، وفي كلِّ ملِمٍّ إلمام، وفي كلِّ جمعة جمع، وفي كل سبت وقت، وفي كل نادٍ نداء، وفي كل ناشئٍ إنشاء، وفي كل فصلٍ فصل، وفي كلِّ سهم نصْل، وفي كل مدخَلٍ دُخول، وإلى كل مَحفِلٍ وصول، وإلى كل موردٍ ورود، وفي كل مشهَدٍ شهود، وفي كل مأتمٍ نِياحة، وفي كلِّ يَمٍّ سِباحة.

حضرت عند شيخ الشيوخ إسماعيل الصوفي ببغداد وهو قائم يورد فصلاً، ويملأ الجمع فضلاً، ومما أنشأه على البديهة وأنشده فيه بيتين علِقا بالحفظ، لرقة المعنى واللفظ، وهما:

يا أخلاّئي وحقِّكُمُما بقي من بعدِكم فَرَحُ
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة
أيُّ صَدرٍ في الزمان لنابعد صدر الدين ينشرحُ
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة

وسمعته يُنشد في سيدنا وأستاذنا شرف الدين يوسف الدمشقي المفتي ببغداذ:

مَن ذا يُباهي أو يُضاهي في الخليفة أو يُلاسنْ
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة
لفقيهها الشرفِ الذيجمع المكارمَ والمحاسنْ
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة

وكان له على الواعظ علي الغزنويّ، الملقب ببرهان الدين، رسمُ تعهُّدٍ، فسمعته يُنشده يوماً:

يا مَن يطوفُ بكعبة الإحسانِ منه المُستميحُ
للشاعر الشريف العقيلي، من قصيدة «يا من يطوف بكعبة »
إن طاف طوفانٌ بنامن عُسرةٍ فنَداكَ نوح
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة
أو ظَلَّ عازَرُ قصدِناميتاً فجَدواكَ المسيح
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة

وأثْرَتْ ببغداد حاله، ونمى مالُه، وحلَت عيشته، وحَلِيَت معيشته، وكان مولعاً بالاستكثار، من نكاح البكار، وهو ذو حظٍّ من النسوان، وقَبولٍ عند الحِسان، أنشدني له في بعضهنّ:

جارةٌ قد أجارها الْحُسْنُ من كلِّ جانب
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة
فهي بين النساء كالبدر بين الكواكب
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة

وأقام ببغداد حتى تبغدذ، وتمتع فيها وتلذّذ، وكان نظيفاً عفيفا، نظيفاً ظريفا، غلب على نظمه الإكثار، واستوى في نظمه الصُّفْر والنُّضار، قوّة إيراده وحسن إنشاده يُطَرِّقان بين يدي الضعيف من شعره، ويُنَفِّقان الزّيف من نظمه ونثره، وربما سمحت بديهته بما تضِنُّ به رَوِيَّة الفضلاء، من نوادر تبْهَر خواطر الشعراء، وتُفحِم شقاشق البلغاء. ومما أنشدنيه لنفسه ببغداذ سنة خمسين وخمسمائة بيتين في الطبقة العليا، في ذم الدنيا وهما:

أُفُِّ للدُّنيا وأُفُّكلُّ مَنْ فيها يلفُّ
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة
مثلُ خيّاطٍ حريصكلّما شلَّ يكُفُّ
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة

وآخران في وصف فرسٍ أدهم:

وأدهَمَ يستعيرُ الليلُ منهوتطلعُ بين عينيه الثَّريّا
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة
إذا لاح الصباحُ يطير طيراًوتُطوى دونه الأفلاكُ طَيّا
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة

وأنشد له من غزَلِ قصيدةٍ عمِلها في مدائح الإمام المقتفي لأمر الله ﵁:

يا ساهراً عبراتُه ذُرُفٌفي الخَدِّ إلاّ أنَّها علَقُ
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة
أتُقيمُ بعدَهُمُ وقد رحلواومطيّتاك الشوقُ والقلق
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة

وقال بديهاً وقد سمعني انشد بعض الأصدقاء قطعة سمعتها في الجرب من جملتها: دب في الجسم والتهب، فقطع علينا الإنشاد وأنشأ يقول:

دبَّ في الجسم والتهبْفهو كالنار في الحطبْ
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة
صِحْتُ من حَرِّ نارهِصيحةَ السُّخط والغضب
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة
مُتعِبٌ قلبيَ الجَرَبْومُطيلٌ ليَ النَّصَبْ
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة
فمتى يأمُلُ الخَلاصَ مُعنّىً به تعِب
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة
مطَرَتْ قلبَهُ الهمومُ فأودت به السُّحُب
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة
فهو ما فوق جسمهطافياتٌ من الحَبَب
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة

وأنشدني أيضاً لنفسه:

ولمّا أصبح الوصلُصحيحاً ما به داءُ
للشاعر الشريف العقيلي، من قصيدة «ولما أصبح الوصل»
أتى الهَجرُ فلا سِينٌولا هاءٌ ولا لاءُ
للشاعر الشريف العقيلي، من قصيدة «ولما أصبح الوصل»
ولا ميمُ ولا راءُولا حاءُ ولا باءُ
للشاعر الشريف العقيلي، من قصيدة «ولما أصبح الوصل»

يعني أتى الهجر فلا سهلاً ولا مرحبا.

واحسن ما أنشدنيه لنفسه في وصف الشارب والخال والوجنة:

وشاربٍ مثل نصفِ الصاد صادَ بهقلبي رشاً ثغرُه أنقى من البرَدِ
للشاعر الشريف العقيلي، من قصيدة «وشارب مثل نصف الصاد صاد به»
كأنَّما خالُه من فوق وجْنتِهسوادُ عينٍ بدا في حُمرَةِ الرَّمَدِ
للشاعر الشريف العقيلي، من قصيدة «وشارب مثل نصف الصاد صاد به»

وأنشدني لنفسه في تفاحةٍ ذات لونين حمرة وصفرة:

تفّاحةٌ ذكَّرني نصفُهاخدَّ حبيبي حين قبَّلْتُهُ
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة
ونصفُها الآخر شبَّهْتُهصفرةَ لوني حين ودَّعته
للشاعر ابن المنجم المعري الواعظ، اقرأ القصيدة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.