تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

أبو المواهيب المعري

عبد المحسن بن صدقة بن عبد الله بن حديد من شعراء المعرة المعروفين، وعاش بعد سنة خمسمائة، ووقعت إليّ له قصيدة في مدح القاضي أبي علي عمار بن محمد بن عمار، بطرابلس، فخر الملك ذي السعدين يهنئه فيها بعيد الفطر سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة وذلك قبل استيلاء الفرنج خذلهم الله عليها وهي نقلتها من خط ابن النقار الكاتب الدمشقي:

مُحِبٌّ من البَيْن المبرِّحِ مُشفِقُيكاد من التفريق في النوم يَفْرَقُ
إذا سَجَعَتْ وُرْقُ الحمام خوالياًشَجاه وإن هَوَّمْن فهو مُؤَرَّق
وغيرُ عجيبٍ أن ينوح مُقَيَّدٌإذا ما تغنّى في الأراك مُطوَّق
أَأَحبابَنا جُرْتُم مع البَيْنِ فاعدِلواوجُزْتُمْ مدى هِجرانكم فَتَرَفَّقوا
ففيكم على طبع الجفاء نواعمٌيُرِينَ لُباناتِ الهوى كيف تَعْلَق
سَدَلْنَ دُجى لَيْلِ الذّوائب واعتلتوجوهٌ بها مثل الأهلَّة تُشرقُ
فلا صبحَ إلاّ ما تنفّسَ مُسفِرٌولا ليلَ إلاّ ما يعسعسُ مَفرِقُ
ولا نارَ إلاّ ما تجُنُّ أَضالعيولا ماء إلاّ دمعيَ المُترقرق
ولمياءِ أطرار الظلال، تمايلتعلينا غصون بالنسيم وأَسْؤُقُ
تثنّى على شَدْو الحمام وإنَّهالتُصْبَحُ من كأس الجِمام وتُغْبَقُ
إذا ذَكَتِ الشِّعرى العَبورُ أَقالَنابها الحَرَّ دوحٌ ممطِرُ الظِّلِّ مُورِقُ
لجأْنا إليها عائذين ببانِهاوغدرانُها من تحتها تتدفّقُ
وقد رشفتنا الشمس حتى سيوفناعلى وَقدها لم يبق فيهنَّ رونق
إذا ورَدَ الظمآنُ صلَّ بغِمدهمَشوقاً إلى الماء الحسامُ المُذَلَّقُ
ولم يغنه شربٌ من الدم أحمرٌوقد شاقه وِردٌ من الماء أزرق
ورُبَّ فلاةٍ جبتُها وهو مؤنسيوخَيفانَةٍ تجري مِراراً وتُعنِق
إذا سابقتها الرّيح شدَّت بأربعٍفآلت وبَرَّت أنها ليس تُسبَق
قطوفٌ على جذب العِنان وإنَّهامن السهم ما بين الخميسين أَمرق
وردتُ بها في الشام ماءَ معاشرٍنداهم على وُسْعٍ من المال ضيِّق
مكارمهم وعدٌ ولا خيرَ خلفَهاوودّهمُ المصنوعُ منهم تملُّق
تمخَّضَ لي بالوعد عاماً أَكُفُّهموخلَّفتُها خلفي به وهي تُطلَقُ
يَمُنّونَ إن مَنَّوا ومَنُّوا بنَزرهولا خيرَ في طوقٍ من التبر يَخنُقُ
وظِلْتُ أُخَطِّيها البلادَ ودونَهاطرابُلُسٌ حيث الأماني وجِلّق
ورجَّحتُ ما بين الملوك فمال بيرجاءٌ بذي السَّعدين أوفى وأوفق
مليكٌ به الآمالًُ ألقَتْ عصا النّوىفقرَّتْ وفي اوصافه المدح يصدُق
زجرْتُ به طيرَ المُنى فسَنَحْنَ ليوطائرُه الميمونُ فيها مُحلِّق
وعرَّضَ لي غيثٌ على الشَّيْم مُرعِدٌمن الشام ثجَّاجُ السحائب مُغدِق
توالى فلولا رحمةٌ منه أقلعَتْلَخُيِّلَ أنّي فيه لا شكَّ أَغرَقُ
هو البحر إلاّ أنَّه غيرُ مالحٍهو البدرُ إلاّ أنَّه ليس يُمْحِقُ
له خُلُقٌ كالرّوضِ حُسناً وبهجةًهي السيف بل أمضى، ورأيٌ موفَّق
ومن ذا الذي يستصعبُ الرزقَ بعدمادرى أنَّ يُمناهُ عن الله تَرزُق
وَفَيْنَ الليالي خِيفةً عنه من فتىًيُصمِّم في أحداثها ويُطَبِّق
حمى الثَّغرَ من رشف المواضي فقد كفىتأَشُّبَ ما يحميه سورٌ وخندَق
لكم، آل عمّارٍ، على الجود مَسحَةٌسحابُ النّدى فيها من التِّبر مُغدِقُ
مُساويكُمُ في الدهر طَولاً برغمهجَهولٌ بما فيكم من المجد أحمق
فلا تشكر الأقدارَ يا بنَ محمدٍعلى الملك إنَّ الله فيك محقِّق
أَلاق عليٌّ شَمله وسما لهبه الدَّسْتُ إلاّ أنَّه بك أَلْيَق
فلا زلتَ فخرَ الملك، تؤمن خائفاًويخشاك حسّاد ويرجوك مُملِق
وهُنِّيتَ داراً وطَّد السَّعدُ أُسَّهافصار إلى النّجم البناءُ المُوَثَّق
تقابل فيها الحُسن من كلِّ وِجهةٍفأقطارُها من نور وجهكَ تُشرق
متمَّمَةُ الطّول الذي ليس يُرتَقىمُجدّدة السّعد الذي ليس يَخلُق
سمَتْ بك عن إيوان كسرى جلالةًفليس يدانيها على الأرض جَوسَق
ولا زلتَ تلقى العيدَ، جيشك وافرٌبه ولواء المجد فوقك يخفق
وقد رُفعتْ راياته فكأنّهامصوَّرةٌ، عن صدق بأسك تنطق
أَساودُها وثّابةٌ وأُسودهابِشَرْي مُجاجات الرّدى تتَمَطَّق
سواكن ما لم تقلَقِ الرّيحُ بُرهةًوتسكن فيها الريح طَوراً فتقلَق
فقل للعِدى آراؤه الدّهرُ فاحذرواسُطاه، ومن راياتِه الأُسْدُ فافرَقوا
فليثُ الشَّرى يُخشى على الأرض وَثْبُهفكيف به إن جاء وهو محلِّق
وقد رسَفَتْ في السّابِرِيِّ مَقودَةٌتهادَى بها خيلٌ حوالَيكَ سُبَّق
تَخالَجُ في الأبصار حُسناً كأنّماتَجافيفُها الضافي عليهنَّ زِئبق
تَزِلُّ بناتُ الدّهر عن صفَحاتهفليس به للحادثات تَعَلُّق
تَمطّى بها وَرْدٌ كُمَيْتٌ وأشهبٌوأحمرُ وضّاحٌ وجَوْنٌ وأبلق
ولمّا كبَت عن شأْوِها الرّيحُ وكَّلوابجامحِها مَقلاً عسى الريحُ تلحَق

المَقلَةُ حَصاةٌ تلقيها في الماء تعرف قدره وأظنُّها ثقلاً.

ولم يُعيِها ما حُمِّلَتْهُ كأنّهاهِضاب أقلّت ما تحوك الخدَرْنَق
لكَ الله مولىً، حيث مجتَمع المُنىمن الخَلق أضحى مالُك المُتفرِّق
فتحتَ يداً تُعطي الرّجاءَ ودونهاكما شئت بابٌ دون قذعِك مُغلَق
ومن مَزّقتْ كفاه في الحمد مالَهفليس له بالذمِّ عِرضٌ مُمَزَّق
إليكَ مديحاً راحَ فيك، ونشرُهمن الروض أذكى بل من الطّيب أعبق
أَسيرُ أياديك الجِسام مُقيَّدٌعليك ثناءً وهو في الأرض مُطلَق
يَضوع به النادي نشيداً كأنّماصفاتُك فيه فأْرُ مِسكٍ تفتَّق
ويشدو به الحادي فيرتاح نحوهمُصيخاً إلى ذِكراك غربٌ ومشرق
وفيك أطاعتني القوافي كأنّهالمدحك تهوى أو لنظمي تعشق
وقد كسُدَت هذي البضاعةُ برهةًولم تك إلاّ في زمانك تَنفُق
فلا قلَصَ الظلُّ الذي قد مددتَهولا انجاب هذا البارقُ المتأَلِّق

وكان هذا الممدوح قد أمر بمدِّ مرَسٍ طويلٍ من أعلى داره الجديدة إلى ظاهر البلد وفيه هياكل من الوحش والخيل يتبع بعضها بعضاً على ما جرت به العادة من قبل في قلعة حلب في الميلاد وكان ذلك مقاماً مشهوداً، ومن العجائب معدودا.

فقال يصف الحال ويمدحه:

لك أوَّلٌ وَجْداً ولي بك ثانِيا رَبعُ بعدَ تحمُّل الأظعانِ
فامْزُجْ بلَدْنِ ثراكَ دمعي مُبدِياًلك منه نَوْرَ معالمٍ ومَغان
من أسودٍ جَوْنٍ وأصفرَ فاقعٍمن أبيضٍ يقَقٍ وأحمرَ قانِ
لو مسَّ تُربَك قبل مَنشَر آدمٍلغدَوْتَ أوَّلَ نشأةِ الحيوان
لَيُساجِلَنَّ الغيثَ دمعي حِقبةًلأَعَزِّ صَحبٍ في أعزِّ مكان
يا لَلهوى كم لَجَّ فيه مُواصِلاًقلبي لِمَنْ قد لَجَّ في هِجراني
قرَنَ التّدَلُّلَ بالتّذَلُّلِ، والرِّضابالسُّخط منه، وشِدَّةً بلَيان
شِبه الأُسود خلائقاً وبدائهاًللناس في خَلْقٍ من الغِزلان
فتراه يَحرُن بعد ما ينقاد لِلْعُشّاق أو ينقادُ بعدَ حِرانِ
فكأنه أحوال إخواني بهعند التقلُّب أو صروف زماني
يتخلَّقون الوُدَّ إلاّ أنَّهمخُلقوا من البغضاءِ والشَّنآن
قد أجلبوا غيظاً عليَّ ولم أُبَلْبدراً طلعتُ لحاسدي فعواني
فهُمُ الكتابُ لبعضِ ما في طيِّهِما يُستدَلُّ عليه بالعنوان
ولقد أمِنتُهمُ بواحد عصره الطائيّ في بذل السماح الثاني
خِفتُ الزّمان فمُذْ حلَلْتُ ببابهجاءت إليَّ صروفه بأمان
أبدى مناقبه لأُحسن وصفَهافكفيته وأنالني فكفاني
وثنى مكارمَه إليَّ ووجهَهفاقتادني بالحُسن والإحسان
وافى إلى هرِمٍ زهيرٌ وانتهتبالأخطل الدنيا إلى مروان
ولوِ ابنُ ثابت نال نيلي لم يَفُهْبمدائح ابن الأيهم الغسّاني
ولقد غدوت أَعدُّ منه قرابةًمَتّ النبيُّ بها إلى سلمان
عزَّتْ طرابُلُسٌ فيالكِ بلدةًطالت بمالكها على البلدان
موجٌ بظاهرها وموجٌ باطنٌسبحان مُحرزِها من الطّوفان
يا حسنَها في ليلةٍ راحتْ بهافي الله وهي كثيرة النيران
ميلادُ مَن لم تشتهر أعمامُهلكن خُؤولته بنو عمران

هذا البيت يدلُّ على قلَّة دين قائله بل على المُروق منه فإن عيسى ﵇ لم يكن له أب، وهو يقول لم تشتهر أعمامه.

والدارُ رابية البناء كأنماحَلَّ الوفود بها على كيوان
لاثوا بها مَرَساً وقد بَطِرَت بمانظرت به خوفاً من النَّزَوان
بذَّ الخيولُ بد الأُسودَ وأُدركتْغِزلانه بكواسر العِقبان
وانقضَّ فارسه به فكأنّهنجمٌ يصوِّبُه على شيطان
يا منعماً آمنته من ذايمٍحَمداً وآمَنني من الحِرمان
لو كان ما أُثني عليك بقدر ماأوْلَيْتَني لمَدَحْتُ بالقرآن
لكنني في وصف فضلك باقلٌوأَزيد عند سواك عن سَحبان
يَفديك قومٌ ضاع شِعري فيهمُوغدوتُ جارَهُمُ فضاع زماني
أزرى بفضلي نقصُه إذ لم أكنكُفؤاً له ومدحتُه فهجاني
أنتَ الّذي أَعذبتَ وِرْدَ مطالبيوأطلت في أمد الرّجاء عِناني
أَنْسَتْ طرابُلُسٌ بما أوليتَ لِلْمملوك طيب معرَّة النُّعمان

ومن شعر:

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.