من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن قريش
ابن قرواش بن مسلم بن مسيَّب
ملك الشام، من الطبقة الأولى، وكان لقبه مجد الدين، سلطان الأمراء، سيف أمير المؤمنين، مَلَكَ بلاد الشام صُلحاً وعنوةً، وفرع إذ عَصَمَ عواصمها من العز ذروة، ونال بملكه إياها وملكه لها حُظوة، وأوثق للمتمسكين به من عدله عُروة، وكان منصور الرأي والراية، منتهياً في اكتساب المحامد إلى أقصى الغاية، أبو المكارم ككُنيته، إسعاف الآمل من مُنيتِه، مُسلمٌ كاسمه، زاده الله بَسْطَةً في علمه وجسمه، جسيم الأيادي، رحيب النادي، مدحه ابن حَيّوس في آخر عمره فأقطعه الموصل، ولم يلبث ابن حيوس بعدها إلا ستة أشهر وإلى جوار الله انتقل، سمعت أنه لما قصده بقصيدته قيل لشرف الدولة: كان رسمه على بني صالح ألف دينار عن كل قصيدة فقال: همتي تسمو إلى أن أزيد على عطاياهم فقال له وزيره: شيخ قد بلغ القبر، واستوفى العمر، فالصواب أن تُقطِعه الموصل، ليسيرَ الذكر فيه ويحصل، فلما أُقطع لم يتهنَّ بالإقطاع، ولم يعش إلى أوان الارتفاع. طالعت ديوان ابن حيوس فوجدت له في شرف الدولة قصيدة يمدحه بها حين فتح حلب وعلّقتُ منها حيث استحسنتها:
ما أدرك الطَّلِبات مِثلُ مُصَمِّمٍإنْ أقدمتْ أعداؤه لم يُحْجِمِ
تَرَكَ الهُوَيْنا للضعيفِ مَطِيّةًمَن بَطْشُه كقِراه ليس بمُعْتِمِ
إن همَّ لم يُلْمِمْ لعَينَيْه كَرىًأو سِيلَ لم يَلْؤُم ولم يَتَلَوَّمِ
أَحْرَزْتَ ما أَعْيَا الملوكَ مُضارِباًغِيَرَ الحوادثِ واحتمال المَغْرَمِ
وَلَقْدْ تحَقَّقَتِ العَواصِمُ أنّهاإنْ لم تَحُزْ أقطارَها لم تُعْصَمِ
ومنها:
إنَّ الرَّعايا في جِوارِك أُومِنَتْكَيْدَ الغَشومِ وفَتْكَةَ المُتَغَشْرِمِ
لا يشكوُنَّ إليك نائبةً سِوىتقصيرِهِمْ عن شُكرِ هذي الأنْعُمِ
فالأمنُ للمُرْتاعِ والإنعامِ للباغي النَّدى والعَدلُ للمُتَظَلِّمِ
لا الظَّبْيةُ الغَيْداءُ تخشى القَسْوَرَ الضاري ولا الذِّمِّيُّ حَيْفَ المُسْلِمِ
قُدتَ الجيوشَ بصدقِ بأسك تقتديوبها الفِجاجُ إلى مُرادِك تَرْتَمي
فَتَضَمَّنَتْ أبطالُها إبْطِالَهاخُدَعَ المُنى وتوَهُّمَ المُتوَهِّمِ
والخيلُ يَحْمِلْنَ المَنايا والمُنىمِن كلِّ سَلْهَبةٍ وأجْرَدَ شَيْظَمِ
كم حُجِّلَتْ بدَمِ الطُّغاةِ وأُعجِلَتْعن نهضةٍ في مُسْرِجِ أو مُلْجِمِ
علَّمْتموها الصبرَ فهي كليمةٌتَغْشَى الوَغى وكأنها لم تُكْلَمِ
أَقْدَمتَ أمنعَ مُقْدَمٍ، وغَنِمْتَ أوْفي مَغْنَمٍ، وقَدِمْتَ أَسْعَدَ مَقْدَمِ
ومنها:
ولقد جمعتَ فضائلاً ما اسْتَجْمَعَتْيفنى الزمان وذكرُها لم يَهْرَمِ
كرماً يُبيح حِمى الغِنى ومآثراًوُضُحاً تُبيحُ بَلاغةً للمُفْحِمِ
في صِدقِ قولِكَ تبتدي وإلى فَعالِكَ تنتهي، وإليك أَجْمَعُ تنتمي
مِثلُ الكلام تفَرَّقَتْ أجزاؤُهفِرَقاً وتجمعُه حروفُ المُعجَمِ
ومنها:
وأراكَ تَعْلُو قائِلاً أو صائِلاًبقِرا سَريرٍ أو سَراةِ مُطَهَّمِ
وَهِيَ النباهةُ فُرصةُ العَذْبِ الجَنالا فُرصةُ المُتَهوِّرِ المُتهَكِّمِ
وإذا جرى الأمجادُ برَّزَ سابقاًخُلُقُ الكرام تخَلُّقُ المُتَكَرِّمِ
كم فِضْتَ إنعاماً وخُضْتَ مَخاوِفاًما هَوْلُها لولاكَ بالمُتَجَشِّمِ
مُسْتَنْقِذاً من كُرْبَةٍ، أو مانِحاًفي لَزْبَةٍ، أو صافحاً عن مُجرمِ
في يَوْمِ قارٍ رايةٌ لك فهَّمَتْمِن قادةِ الأتراكِ مَن لم يَفْهَمِ
لمّا تقاصَرَتِ الصَّوارمُ والخُطىحَذَرَ البَوارِ وَثَبْتَ وِثْبَةَ ضَيْغَمِ
في عُصبةٍ كَعْبِيَّةٍ تركوا القَنامُتَعَوِّضين بكُل عَضْبٍ مِخْذَمِ
يَلْقَوْنَ أعراءٍ بكلِّ كَريهةٍيَجْتَابُ فيها اللَّيْثُ ثوبَ الأَرْقَمِ
ومنها:
ما عايَنَتْها التُّرْكُ تَحْكُمُ في الطُّلىإلاّ تولَّتْ طائشاتِ الأَسْهُمِ
مِن نابِذٍ لسِلاحِه فاتَ الرَّدىسَبْقَاً ومِن مُسْتَلْئمٍ مُسْتَسْلِمِ
فَخَصَصْتَ بالإذلالِ كلَّ مُقَلْنَسٍوَعَمَمْتَ بالإعْزازِ كلَّ مُعَمَّمِ
ومنها:
أَمِنَتْ قبائلُ عامِرٍ صَرْفَ الرَّدىوالجَدْبَ في ظِلِّ المُعِزِّ المُنْعِمِ
مُسْتَعْصِمينَ بذِرْوةٍ لا تُرْتَقىمُسْتَمْسكينَ بعُرْوَةٍ لم تُفْصَمِ
أَصْفَيْتَ للعُرْبِ المَشاربَ بعدماكانت كرمحٍ لا يُعانُ بلَهْذَمِ
لا راعَتِ الأيامُ مَن بفِنائِهِكَنْزُ الفقير وعِصْمةُ المُسْتَعْصِمِ
أنتَ الذي نَفَقَ الثَّناءُ بسُوقِهوجرى الندى بعروقه قبلَ الدمِ
وأنالَ والآمالُ غيرُ مُهابَةٍبفِنائه والمالُ غيرُ مُكَرَّمِ
ماضٍ إذا ما الصارم الماضي نباقاضٍ بأحكام الكتابِ المُحْكَمِ
وله، مَخافَةَ أن تَضِلَّ ضُيوفُهُفي الليل، نارٌ ما خَلَتْ من مُضْرِمِ
أبداً يُشَبُّ على اليَفاعِ وُقودُهاووَقودها قِصَدُ القَنا المُتَحَطِّمِ
ممّا تحَطَّمَ في نُحورِ عَرامِسٍكُومِ الذُّرى أوفى كَمِيٍّ مُعْلَمِ
ومنها:
فالمجدُ شِنْشِنَةٌ لآلِ مُسَيَّبٍما كلُّ شِنْشِنَةٍ تُناطُ بأَخْزَمِ
بيت بنى قِرْواشُهُ وقُرَيْشُهُشَرَفَاً أطَلَّ على محَلِّ المِرْزَمِ
واستخلفاك فنَوَّهَتْ بك همّةٌأربى الأخيرُ بها على المُتقدِّمِ
فأبو المنيع أبو المعالي في عُلىًأضعافها لأبي المكارم مُسلِمِ
فبَقِيتَ ما بَقِيَ البقاءُ مُعظَّماًوسقى الغمامُ رميمَ تلك الأَعظُمِ
ومنها:
يُفْضي إلى الشمسِ العَقيمِ كُسوفُهاونَراك شمساً أُفْقُها لم يُظْلِمِ
أشرقتَ لمّا أشرقَتْ فَبَهَرْتَهاوَكَثَرْتَها فَوَلَدْتَ سبعةَ أَنْجُمِ
حَبَسَتْ رِكابي عن ذَراكَ حوادثٌيحيا بها المُثري حياة المُعدِمِ
وتُشَرِّدُ الآباءَ عن أبنائهمفتَعيشُ ذاتُ البعلِ عَيْشَ الأَيِّمِ
لولا تواليها لزُرْتُكَ وافِداًكوُفودِ حَسّانٍ على ابنِ الأيهَمِ
بغرائِبٍ بَيْنَ الكلامِ وبيْنهاكالفرْقِ بين مُصرِّحٍ ومُجَمْجِمِ
تَنْأَى عن الفُصَحاءِ إلاّ أنّهاأَدْنَى إليَّ من اللسانِ إلى الفَمِ
حتى أتاحَ اللهُ لي نَيْلَ المُنىبقدومِ مولىً كان يَرْقُبُ مَقْدَمي
وكذا الغَمام تَزورُ مَهْجُورَ الثَّرىأمطارهُ وتَؤُمُّ غَيْرَ مُيَمَّمِ
ولَئِنْ حَنَتْ ظهري السُّنون بمَرِّهافالرُّمْحُ ينفع وهو غيرُ مُقَوَّمِ
وَلَدَيَّ مدْحٌ لا يُمَلُّ سماعُهفَتَمَلَّ باقيَ عُمْريَ المُسْتَغْنَمِ
ولشرف الدين مسلم بن قُرَيْش شِعرٌ يقطر منه ماء الملك، وتفوح منه رائحة المجد، فمن ذلك ما أنشدني بعض الشامييّن:
إذا قَرَعَتْ رحلي الرِّكابُ تزعزعتْخُراسان واهتزَّ الصَّعيدُ إلى مصر
وله:
الدهر يومان، ذا أمنٌ وذا خطَرٌوالماء صِنفان، ذا صافٍ وذا كَدِرُ
وكانت بينه وبين بهاء الدولة منصور بن دُبيس المَزيدي الأسدي مكاتبات ومجاوبات، فمنها ما أنشدنيه الرئيس أبو سعد حسين الهمذاني من بَنْدنيجَيْن لشرف الدولة مسلم يستنجد بهاء الدولة منصوراً:
أَمُدَّرِعَ الدُّجى خَبَباً وَوَخْداومُزْجي العيسِ إرْقالاً وشَدّا
إذا عايَنْتَ من أسدٍ حِلالاًبها النَّعْماءُ للوُرَّادِ تُسْدى
فبَلِّغْ ما عَلِمْتَ من اشتياقيبهاءَ الدولةِ المَلكَ المُفَدَّى
وقل يا ابن الذينَ سَمَوْا وشادُوامناقِبَ زَيَّنَتْ مُضَراً وأُدَّا
أَأُنْسِيتَ الوفاءَ وكنتَ قِدْماًعَقَدْتَ على الوفاء بهنَّ عَقْدَا
وأنتَ فأشْرَفُ الأُمراء بَيْتَاًوأعظمُ هِمّةً وأعزُّ مَجْدَا
ترقَّبْتُ السّرِيّةَ منك تأتيبفُرسانِ الوغى شِيباً ومُرْدا
عوائِدُ قد عهدناها لعَوفٍفما يُوفي بها المُحْصون عَدّا
فلمّا لم تناجِدْنا السَّراياعَزَمْنا عَزْمَةً سَرَّتْ مَعَدّا
وحالفْنا الصَّوارِمَ والعَواليوخيلاً كالظِّباءِ الحُمرِ جُرْدا
وسِرْنا مُوجِفين إلى نُمَيْرٍولم نرَ من لِقاءِ القوم بُدّا
وقد حَشَدَتْ بأجمعها كلابٌوكان الصُّبحُ للعَيْنَيْنِ وَعْدَا
فلمّا أن تواجَهْنا توَلَّوْاكعِين عايَنَتْ في السِّرْبِ أُسْدا
وغُرِّق في الفُرات بنو نُمَيْرٍوقد كانوا لجَمعِ القوم سَدّا
وأُسْلِمَتِ الظعائِنُ فاستغاثَتْبخير العالمين أباً وجدّا
قُرَيْشيُّ الفَخارِ مُسَيِّبِيّمن السُّحُبِ العِذابِ نَداه أَنْدَى
إذا عُدَّ الملوك يكونُ منهمْأجلَّ جَلالةً وأعزَّ مَجْدَا
فكتب بهاء الدولة منصور في جوابها من قصيدة:
أبا مُهدي المديح وأيُّ شيءٍأَجَلُّ من المديح إليَّ يُهدى
بَدَأْتَ تفَضُّلاً والفضلُ حَقّاًيدُلُّ على مكارم مَن تبَدّا
ألسنا نحنُ للعجّاج ذُدْناأعاديَكم وأنقذنا معَدّا
وقُدْناها مُسَوَّمةً عِراباًعوابسَ قد عَرَفْنَ الحرب، جُرْدا
تَخُبُّ بكلِّ أَرْوَعَ مَزْيَدِيٍّنَخِيٍّ يُوقِدُ الهيجاءَ وَقْدَا
عوائِد من أبي عُوِّدْتُموهامتى قَدَحَتْ يَدُ الحَدَثانِ زَنْدَا
ألا ترد المِصاع تَجِدْ رجالاًلنا لم يَلْحَدوا في الأرض لَحْدَا
وَلَوْ أني جَرَيْتُ على اختياريقَدَدْتُ إليكمُ الفَلَواتِ قَدّا
لتعلمَ أنَّ بَيْتَ بني عَلِيٍّلكم وبكم يُعِدُّ إذا اسْتَعدّا
وله مطلع قصيدة في أهل البيت ﵈ يوازن بها قصيدة دِعْبِل التي أولها:
مَدارسُ آياتٍ خَلَتْ من تِلاوةِومنزل وَحْيٍ مُقْفِر العَرَصاتِ
سلامٌ على أهلِ الكساءِ هُداتيومن طاب مَحْيَايَ بهم ومماتي
وقوله:
أُشهِدُ الله بصِدقٍويقينٍ وثباتِ
أنَّ قتلي في هوى الغُرِّ الميامينِ حياتي
وقوله من أخرى:
غلامٌ أحور العينين صَعْبٌأبى بعد العَريكة أن يَلينا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع