تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الصنف الثالث والعشرون فى الاقتسام

وهو افتعال من قولهم اقتسم اقتساما وقاسم مقاسمة وقاسم قساما إذا حلف، ومنه قوله تعالى: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ

، وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ

وهو مصطلح علماء البيان عبارة عن أن يحلف على شىء بما فيه فخر، أو مدح، أو تعظيم، أو تغزل، أو زهو، أو غير ذلك مما يكون فيه رشاقة فى الكلام وتحسين له، ولنذكر من ذلك ما هو الأكثر وهو أمور خمسة، أولها الامتنان والفخر، فأما الامتنان فكقوله تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ

فامتنّ الله تعالى وأكد امتنانه بما قرره من القسم، وأما الافتخار فكقول الأشتر النخعى:

بقّيت وفرى وانحرفت عن العلىولقيت أضيافى بوجه عبوس
للشاعر مالك الأشتر، من قصيدة «بقيت وفري وانحرفت عن العلى»
إن لم أشنّ على ابن هند غارةلم تخل يوما من نهاب نفوس
للشاعر مالك الأشتر، من قصيدة «بقيت وفري وانحرفت عن العلى»

فضمّن هذا القسم على الوعيد، ما فيه افتخار من الجود والشرف والسؤدد والشجاعة والبسالة، وهذا الرجل كان من أمراء أمير المؤمنين علّى كرم الله وجهه، ولقد كان عظيم الشوكة على من خالف أمر الله وأمر أمير المؤمنين، وهو مالك بن الحارث، ولقد قال فيه أمير المؤمنين: إنه كان أشد على الفجّار من حريق النار ولما دخل الطّرمّاح على معاوية، قال له معاوية إنى قد أعددت لحرب ابن أبى طالب رجالا بعد جاورس الكوفة، والجاورس هو حبّ الدّخن، فقال له الطرماح والله إنى لأعلم ديكا يلتقط هذا الحب كله، فسكت معاوية، وأراد بما ذكره مالك بن الحارث الأشتر، وثانيها المدح والثناء كقول الشاعر:

آثار جودك فى القلوب تؤثروجميل بشرك بالنجاح يبشّر
إن كان فى أمل سواك أعدّهفكفرت نعمتك التى لا تكفر

فهذا إنما ورد ههنا على جهة المدح والثناء على الممدوح بما هو أهله، وثالثها تعظيم القدر كقوله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ

أقسم الله تعالى بحياة

الرسول تعظيما لقدره، ورفعا لحالته وإشادة لذكره، وإبانة عن مكانه، ومنه قول عمر بن أبى ربيعة:

قالت وعيش أخى وحرمة والدىلأنبّهنّ الحىّ إن لم تخرج
فخرجت خيفة قولها فتبسّمتفعلمت أنّ يمينها لم تخرج
فضممتها ولثمتها وفديت منحلفت علىّ يمين غير المخرج

فانظر إلى ما حكاه من يمينها على جهة الإعظام لها ورفع القدر منها، ورابعها ما يكون على جهة التغزل ومثاله ما قاله بعض الشعراء:

جنى وتجنّى والفؤاد يطيعهفلا ذاق من يجنى علىّ كما يجنى
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
فإن لم يكن عندى كعينى ومسمعىفلا نظرت عينى ولا سمعت أذنى
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة

فقوله «فإن لم يكن عندى كسمعى» فيه دلالة على القسم، وهو متضمن له على جهة التغزل والإعجاب كأنه قال: فو الله إنه عندى بمنزلة سمعى، وإن لم أكن صادقا فيما قلت فأعمى الله عينى، وأصم سمعى، وخامسها أن يكون واردا على جهة الزهو والطرى ومثاله قول من قال من الشعراء:

حلفت بمن سوّى السماء وشادهاومن مرج البحرين يلتقيان
ومن قام فى المعقول من غير رؤيةبأثبت من إدراك كلّ عيان
لما خلقت كفّاك إلا لأربععقائل لم يعقل لهنّ ثوان
لتقبيل أفواه وإعطاء نائلوتقليب هندىّ وحبس عنان
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «أما والذي سوى السماء مكانها»

فهذا وما شاكله وارد فى القسم على جهة الإعظام فى المديح والإطراء على ممدوحه وإشادة ذكره وإظهار أمره.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.