تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الجهة العاشرة فى الطعن على القرآن من مخالفة اللغة العربية

وذلك من أوجه ثلاثة، أما أولا فقوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ

والقياس فيه إن هذين لساحران، وأما ثانيا فقوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً

والقياس كبيرا، لأن كبارا لم يعهد فى لغة قريش، وأما ثالثا فلأن الهمزة واردة فى كتاب الله تعالى، وليس من لغة قريش، ووجه الاستدلال بما ذكرناه هو أن هذه الأمور الثلاثة غير واردة فى لغة قريش، والقرآن لا شك فى كونه واردا على لغتهم، لأن الله تعالى يقول: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ

وهو غير وارد على لغة قوم الرسول ﷺ لما ذكرناه.

والجواب عما زعموه من وجهين، أما أولا فلأن المقاييس النحوية تابعة للأمور اللغوية، فيجب تنزيلها على ما كان واقعا فى اللغة، فإذا ورد ما يخالف الأقيسة النحوية من جهة الفصحاء وجب تأويله، ويطلب له وجه فى مقاييس النحو، ولا يجوز رده لأجل مخالفته للنحو، ولهذا فإنه لما أنكر على الفرزدق ما يأتى من العويص فى شعره المخالف لظاهر الإعراب عيب عليه فى ذلك فقال على أن أقول، وعليكم أن تحتجوا فدل ذلك على ما ذكرناه، وأما ثانيا فلأنه لو كان لحنا كما زعموا، لكان من أعظم المطاعن للعرب عليه، لكونه مخالفا لما عليه أهل اللغة العالية فلما لم يثلموا فيه شيئا دل ذلك على أنه قد طابق اللغة وأنه لا مطعن فيه بحال، قوله: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ

قلنا لأئمة العربية فيه تأويلات كثيرة قوية تخرجه عما زعمتموه من اللحن، وقوله: وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً

وقلنا كُبَّاراً

وإن لم يكن فى لغة قريش، لكنه وارد فى لغة العرب، فلا مطعن به لأنه فصيح، وإن لم يكن أفصح، فبطل ما توهموه، وقوله الهمزة واردة فى القرآن وليست من لغة قريش، والقرآن وارد على لغتهم لقوله: بِلِسانِ قَوْمِهِ

قلنا: العرب كلهم قوم الرسول ﷺ لأنه منهم، فالهمزة وإن لم ترد فى لغة قريش، لكنهم التزموا تخفيفها، والعرب جوزوا فيها الوجهين جميعا، ومن أراد الاطلاع على أسرارها فى التفاصيل فعليه بالكتب التفسيرية، فإنه يجد فيها ما يكفى ويشفى، والحمد لله رب العالمين.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.