من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)
أحوال الإسناد الخبرىّ
ــ
وقال تعالى: أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ، قال الراغب: يعبر عن كل فعل فاضل ظاهرا كان أم باطنا بالصدق اه. ومنه صدق الظن، وربما وقع الكذب فى عدم المطابقة فى الإنشاء، وذلك فى قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ إلى قوله: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أى فى قولهم: وَلا نُكَذِّبَ، وذلك يجوز أن يكون إنشاء؛ لأنه يجوز أن يكون معطوفا على خبر (ليت) كما قاله الزمخشرى، وأجاب عن دخول الكذب فى التمنى: بأنه تضمن معنى العدة، وظاهر عبارته أنه مع ذلك باق على الإنشاء، وسنذكر ذلك فى باب التمنى - إن شاء الله - وقد قيل فى الآية غير ذلك، مما يطول ذكره، وأنشد فى دخول التكذيب فى التمنى:
وقد كذبتك نفسك فاكذبنهالما منّتك تغريرا قطام
ومن وقوع التكذيب فى الإنشاء لفظا لكنه خبر فى المعنى قوله تعالى: وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ إلى وإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ.
ص:
(أحوال الإسناد الخبرى)
(ش): استغنى بقوله فيما سبق أنها ثمانية أبواب عن أن يسمى هذا بابا، وإنما ذكرنا فى هذا الباب ما هو إسناد إنشائى، وهو قوله تعالى: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً؛ لأنه قد نبه على أن ذلك إنشاء، وذكره على سبيل الاستطراد والإلحاق. فإن قيل: ما باله ذكر الإسناد الخبرى وما يتعلق بالمسند والمسند إليه؛ ولم يذكر الإسناد الإنشائى؛ بل اقتصر على قوله فى آخر باب الإنشاء أن الإنشاء كالخبر فى كثير مما فى الأبواب الخمسة؟
قلت: قد ذكر الخطيبى ما لا طائل تحته، والذى عندى فى ذلك أن حقيقة الإسناد فى الإنشاء كالفرع للإسناد فى الخبر؛ بل الإسناد فى الإنشاء لا يتحقق إلا بتوسع، وذلك لأن الإسناد نسبة دائرة بين المنتسبين، وهى تنقسم إلى طلب وغيره، فالطلب مثل: اضرب، المسند فيه هو الضرب، والمسند إليه المخاطب، والمتحقق الآن
لا شك أن قصد المخبر بخبره إفادة المخاطب: إمّا الحكم، أو كونه عالما به؛ ويسمّى الأول: فائدة الخبر.
ــ
هو طلب هذا المسند، أما إسناد الضرب حقيقة فلم يوجد. فالمتحقق إنما هو طلب المسند، وكلامنا إنما هو فى الإسناد المعنوى، أما الإسناد الذى اصطلح عليه النحاة فهو تعليق خبر بمخبر عنه، أو طلب بمطلوب منه، فهو منطبق على ما نحن فيه، وأما غير الطلب فالترجى والتمنى كقولك: (لعل زيدا قائم)، (ليت زيدا قائم)، المسند فيه هو قائم، والكلام فيه كالكلام فيما قبله، والاستفهام كذلك. وأما نحو: (أقسمت) و (أنادى) المقدرين مع و (الله) و (يا زيد) و (طلقت) مثلا، فالإسناد فيها وقع من المتكلم، ومن شرط الإسناد تقدم المنتسبين، والطلاق أو القسم أو النداء المسند - مثلا - لم يكن له تحقق قبل نطقك به، وإنما صح إسناده لتقدم طرفى الإسناد فى العقل، والإسناد الحقيقى لا بد له من خارجى حقيقى يستعقب الإسناد. وفى ذلك ما يشرح صدرك لتخلص الكلام فى الإسناد الخبرى، فطرح التبويب للإسناد الإنشائى، والذى يحتاج إليه فى الإسناد الإنشائى يعلم من أصله وهو الإسناد الخبرى؛ فلذلك قال المصنف: إن كثيرا من الإسناد الخبرى، ومن أبوابه يجرى فى الإنشاء. فإن قلت: هلا قدم الكلام على المسند والمسند إليه على الإسناد وهما متقدمان! قلت: طرفا الإسناد من حيث هما طرفاه لا يتصور تقدمهما عليه، ولا تأخرهما عنه، فلما كانا معه فى زمن واحد كان الإسناد أجدر بالتقديم؛ لأنه محل الفائدة، ولأنه مدار الصدق والكذب المتقدمين عليه، ولأنهما مشتقان عليه من الإسناد. وقولهم: النسبة تستدعى تقدم منتسبيها صحيح باعتبار تقدم ذاتيهما، لا أنهما يتقدمان من حيث النسبة، فإن حقيقة الضارب والمضروب لا تتقدم عن الضرب، ولا تتأخر عنه، وبهذا يعلم أن نحو قوله:" من قتل قتيلا" حقيقة، وأن ما ذكره من لا أحصيه عددا من الأئمة أنه يسمى قتيلا باعتبار مشارفة القتل - لا تحقيق له، وأن معنى قولهم: اسم الفاعل واسم المفعول حقيقة فى الحال إنما يعنون به حال التلبس بالحدث. لا حال النطق فليتأمل والله أعلم.
ص: (لا شك أن قصد المخبر بخبره إلخ).
(ش): تقدم على شرح كلام المصنف قواعد:
ــ
إحداهن: أن المقصود من الكلام إنما هو إفادة المعانى، فإنه إنما وضع للإفهام وليس الغرض من وضع الألفاظ المفردة إفادة معانيها، بل ولا يجوز؛ لأنها تكون حينئذ معلومة فيلزم الدور. هذا ما ذكره فى المحصول، وخالفه
غيره محتجا بأنه لا يلزم من حصول أمر تصوره، وفيه نظر؛ لأن الحصول دون التصور ليس كافيا فى توجه القصد إلى الوضع للمعنى، ولا يرد الدور الذى قاله الإمام فى المركبات؛ لأن الوضع لها إن كانت موضوعة لا يتوقف على العلم بها.
الثانية: مدلول الخبر الحكم بالنسبة لا ثبوتها. قال الإمام فخر الدين: وعلل ذلك بقوله:
وإلا لم يكن الكذب خبرا، واعترض عليه بأنه يوهم أن يكون الكذب متحققا، ولا نصفه بالخبرية، والواقع على هذا التقدير انتفاء الكذب، وتوهم جماعة أن هذا انقلب على الإمام وغيره فى التحصيل فقال: وإن لم يكن الخبر كذبا، وهى أيضا عبارة فاسدة، لما توهم من أن كل خبر كذب، والصواب فى العبارة أن تقول: وإلا لم يكن شئ من الخبر كذبا. هذا ما ذكره الإمام؛ وفيما قاله نظر؛ أما الدليل الذى ذكره فقد قال: لا يلزم لأن اللفظ دليل على وجود النسبة، وقد لا تكون موجودة؛ لأن الخبر دليل بمعنى المعرف، وقد تتأخر المعرفة عن المعرف لأمر ما ثم ما قاله قد يعكس، فيقال: لو كان مدلول النسبة الحكم لم يكن خبر كذبا؛ لأن كل من قال: (قام زيد) فقد حكم بقيامه فيكون خبره مطابقا، سواء كان فى الخارج أم لا، ولا سيما والإمام قائل: إن الألفاظ وضعت بإزاء المعانى الذهنية، ثم نقول: لو كان المدلول الحكم بالنسبة لكان الخبر إنشاء، ولما لم يكن له خارج يطابقه، والمسألة متجاذبة وللنظر فيها مجال.
الثالثة: مورد الصدق أو الكذب المحكوم به على ما ذكره أهل هذا العلم هو النسبة التى تضمنها الخبر، فإذا قلت: (زيد بن عمرو قائم) فالصدق والكذب راجعان إلى القيام، لا إلى بنوة زيد. وإليه أشار فى المفتاح.
قلت: ويرد عليهم ما جاء فى البخارى مرفوعا إلى النبى ﷺ:" يقال للنصارى يوم القيامة ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد". وسنتكلم على هذه الآية فى باب الحال، آخر باب الفصل
ــ
والوصل. وكذلك استدل على صحة أنكحة الكفار بقوله تعالى: وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ والحق أن الدلالة على نسبة المحمول للموضوع بالمطابقة، وعلى غيره بالالتزام وينبغى أن يستثنى من ذلك ما كانت صفة المسند إليه فيه مقصودة بالحكم، بأن يكون المحكوم عليه فى المعنى الهيئة الحاصلة من المسند إليه وصفته، كقوله ﷺ:" الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف
بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" فإنه لا يخفى عن الذوق السليم أن المراد أن الذى جمع كرم نفسه وآبائه هو يوسف، وليس المراد الإخبار عن الكريم الذى اتفق له صفة الكرم، كما فى قولك: (زيد العالم قائم). وكذلك الصفات الواقعة فى الحدود، كقولك:
الإنسان حيوان ناطق؛ فإن المقصود الصفة والموصوف معا، ولو قصدت الإخبار بالموصوف فقد لفسد الحد. ومن هنا يتنبه لقاعدة كلية، وهى أن الصفات المذكورة فى الحدود لا يجوز أن تعرب أخبارا ثوانى؛ بل يتعين إعرابها صفة، لما يلزم على الأول من استقلال كل خبر بالحد، ومن هنا منع جماعة أن يكون (حلو حامض) خبرين وأوجب الأخفش أن يعرب (حامض) صفة، والجمهور القائلون أن كلا منهما خبر لا يلزمهم القول بمثله فى نحو الإنسان حيوان ناطق؛ لأن (حلو حامض) ضدان، فالعقل يصرف عن توهم أن يكونا مقصودين بالذات، وأن يكون كل منهما قصد معناه، فلا يوقع فى الغلط، بخلاف الإنسان حيوان ناطق، ليس فى اللفظ، ولا العقل إذا كانا خبرين ما يصرف كلا منهما عن الاستقلال. ولأمر آخر. وهو أن الجزء الأول من حلو حامض كالجزء الثانى؛ ليس له حكم بالكلية، حتى نقل عن الفارسى أنه لا يتحمل ضميرا وما شأنه ذلك لا يدخل فى الحدود؛ لأن كل واحد من حيوان وناطق مثلا مقصود وحده. ألا ترى أنك تقول دخل بالجنس كذا، ثم خرج بالفصل الأول كذا، ثم بالفصل الثانى كذا، فقد جعلت لكل معنى مستقلا، وليس ذلك شأن (حلو حامض) فلم يبق إلا أن يكونا خبرين مستقلين؛ فيفسد الحد، أو يكون الثانى صفة وهو المدعى فليتأمل. ثم لا ينبغى أن يؤخذ هذا على إطلاقه بل يقال: مضمون الخبر هو النسبة بما لها من قيود الحكم؛ فإن قولك:
(زيد ضرب عمرا) لم يحكم فيه بالضرب فقط، بل بضرب على عمرو، حتى لو كان إنما ضرب بكرا كان الخبر كذبا، وإن كان الخبر وهو ضرب زيد صدقا، وكذلك الحال فى نحو: (جاء زيد راكبا) وسيأتى الكلام عليه فى كونه خبرا مقيدا، لا خبرين، وذلك لا ينافى ما قلناه.
وكذلك الظرف والمفعول من أجله، فقولك: (ضربته تأديبا) فى معنى خبرين، قال الزمخشرى. فى قوله تعالى: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ إذا لم تجعل اللام زائدة الأمر بالإخلاص والأمر به لكذا شيئان، وإذا اختلفت جهة
الشئ وصفاته ينزل منزلة شيئين، فعلم بهذه القاعدة أن ما ذكروه إنما يأتى فى نحو الصفات، فى نحو: (زيد بن عمرو جاء) ونحو: (زيد العالم جاء) وسيأتى تحقيق ذلك عند الكلام على الحال فى آخر باب الفصل والوصل.
الرابعة: الإسناد هو الحكم، وهو نسبة أمر إلى أمر بالإثبات أو النفى والمسند إليه المحكوم عليه وهو المسمى عند النحويين مبتدأ، وعند المنطقيين موضوعا وأصغر والمسند المحكوم به وهو المسمى عند النحاة خبرا، وعند المنطقيين محمولا وأكبر.
إذا تقررت هذه القواعد عدنا إلى كلام المصنف فقال: لا شك أن قصد المخبر بخبره أحد أمرين إما الحكم، ويعنى به النسبة المحكوم بها من إطلاق المصدر على المفعول مجازا، بدليل قوله، أو كونه عالما به ولتمثيله بعد ذلك فى لازم الخبر، ولو أراد حقيقة حكم المتكلم لاستحال انقسامه إلى ما المخاطب عالم به، أو جاهل. وهذا الذى ذكرناه من أن المراد بالحكم المحكوم به هو مقتضى عبارة الإيضاح أيضا، ومقتضى عبارة السكاكى هنا؛ لكنه قال عند الكلام على الحالة التى تقتضى تعريف المسند إليه ما يقتضى إرادة نفس الحكم حيث قال: فائدة الخبر هو الحكم أو لازمه كما عرفت، وعلم المتكلم ليس هو لازم النسبة المحكوم بها، بل لازم الحكم الذى هو المصدر. وفى شرح الخطيبى هنا، وفى الكلام على المفتاح كلام غير محرر فليتأمل. ثم ما ذكره المصنف غير ماش على ما ذكره الإمام من أن مدلول الخبر الحكم بالنسبة؛ لأنه جعل فائدة الخبر هو ثبوت النسبة، وقد يمكن تأويله عليه بأن يقال: إن الفائدة غير المدلول فمدلول الخبر الحكم بالنسبة، وفائدة ذلك اعتقاد ثبوتها، فالمتكلم يقصد بحكمه أن يعتقد وجدان النسبة التى حكم بها،
والثانى: لازمها.
ــ
وقال المصنف: إن هذا يسمى فائدة الخبر، كقولك لمن لا يعلم قيام زيد: (زيد قام).
ففائدة الخبر تحصيل العلم للمخاطب بقيامه، ومن هنا يعلم أن المراد بالحكم المستفاد هو ما تضمنه المحمول، لا ما يستفاد من تعلقات الموضوع وتعلقات المحمول كما تقدم.
والأمر الثانى: هو ما يسمى لازم فائدة الخبر، وهو ما يستفاد منه كون المخبر عالما بالحكم، كقولك لمن زيد عنده ولا يعلم أنك تعلم ذلك: (زيد عندك) وسمى لازما لأنه يلزم من استفادة الجاهل الحكم من الخبر أن يستفيد علم المخبر به.
قال السكاكى: والأولى بدون هذه تمتنع، وهذه بدون الأولى لا تمتنع. وبيانه أن العلم بالحكم من الخبر يلزم منه العلم بعلم المخبر به، فمن وجد الملزوم - وهو استفادة الحكم من الخبر - وجد اللازم وهو استفادة علم المخبر به؛ لأنه يلزم من وجود الملزوم وجود اللازم، ومتى وجد اللازم وهو علم المخاطب بعلم المخبر لا يلزم وجود الملزوم، وهو استفادة المخاطب الحكم، كما إذا كان المخاطب عالما به.
واعلم أن التلازم إنما هو بين العلم بالحكم والعلم بعلم المخبر، أما الحكم وعلم المخبر أعنى به مجرد الاعتقاد فلا تلازم بينهما وهو واضح وكذلك قصد إفادة الحكم وقصد العلم بعلم المخبر فلا تلازم بينهما، بل لمانع أن يمنع ويقول: لا يلزم من استفادة العلم بالحكم استحضار علم المتكلم به، وإن كان لازما فى نفس الأمر وإنما علم المتكلم لازم بإخباره لا لعلم المخاطب بذلك، بل لقائل أن يقول: قد يخبر الإنسان بالشئ خبرا محصلا للعلم ولا يكون معتقدا صحة ما أخبر به بأن ينصب معه دليلا يقتضى صحة ما أخبر به، وهو لا يعتقد صحته. فإن قلت: هذا التقسيم إنما هو للخبر الصادق، قلت:
بل والكاذب، لأن قصد الإعلام موجود فيه - سنتكلم عليه - فإن قلت: إنما يقصد فى الكاذب اعتقاد الحكم على غير ما هو عليه، وذلك جهل! قلت: السؤال صحيح، ولكنهم سموه علما على ما يتوقعه المتكلم من اعتقاد المخاطب، ثم الظاهر أن مرادهم بالعلم ما هو أعم من الظن؛ وإلا ورد عليه أن غالب الأخبار إنما يقصد بها الظن. وفى الإيضاح تعقيد فى هذا المحل لا حاجة إليه، وهو كلام صحيح فى نفسه.
وقد ينزّل العالم بهما منزلة الجاهل؛ لعدم جريه على موجب العلم؛
ــ
ولا يرد على السكاكى ما قال من أنه لا يلزم امتناع حصول شئ قبل شئ كون الممتنع حصوله قبل لازما، ولا يلزم من امتناع حصول الثانى قبل الأول أن يكون لازما؛ لأنه لم يتمسك بذلك فقط، وإنما جاءه هذا من خصوص هذه المادة، لا أن الثانى إذا امتنع أن يحصل قبل، والخبر كاف فى حصول الثانى فلا تتخلف استفادته عنه، ويلزم من ذلك أن لا تتخلف استفادة الثانى عن استفادة الأول، وأورد أنه هلا اكتفى بلازم الفائدة عنها؟ وجوابه: أنه نظر إلى قصد المتكلم، وقد يقصد الفائدة ولا يقصد اللازم وإن كان يلزم من وجود الفائدة وجود لازمها، ولكن لا يلزم من قصدها قصد فائدتها، وقد يورد عليه أنه ينبغى أن يقول: أو قصدهما! وجوابه: أن قصد كل واحد منهما أعم من قصد الآخر، فيدخل قصدهما فى عموم الصورتين.
(تنبيه): قول المصنف: قصد المخبر، المصدر فيه بمعنى المفعول، وقوله: (أو كون المتكلم) على حذف مضاف تقديره أو إفادة كون المتكلم؛ إذ لا يريد أن المتكلم يقصد إفادة أيهما كان، وقوله: (إفادة) خبر أن؛ أى لا شك أن
مقصود المتكلم إفادة المخاطب، والحكم مفعول إفادة، وقوله: (ويسمى الأول) المراد بالأول هو إفادة المخاطب، وذكره لأن المعنى المقصود الأول، ويوجد فى بعض النسخ الأولى، وهو أحسن لعوده على مؤنث، ورجحه ابن الحاجب، والثانى لازمها: أى ويسمى الثانى وهو إفادة علم المخبر لازم فائدة الخبر، وقوله: (المخاطب) فيه نظر، وينبغى أن يقول السامع: لأنه أعم.
ص: (وقد ينزل العالم بهما منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم).
(ش): قد يرد الخبر كثيرا، إلا لواحدة من هاتين، فأراد أن يعتذر عنه فقال: قد ينزل العالم منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم، وهو العمل به، فتقول لمن يعلم أن زيدا أبوه وأنت تعلم ذلك: (زيد أبوك فأحسن إليه) معناه: أنك تعامله معاملة من يجهل أبوته، فالفائدة هنا ترجع إلى استفادة الحكم، وقد علم من قوله: العالم بهما أن ينزل العالم بأحدهما أيضا، كذلك، فيقول السلطان لمن أهان أباه وهو لا يعلم أن السلطان يعلم أنه أبوه: (فلان أبوك) يقصد بذلك إظهار إعلامه بذلك، تنزيلا له منزلة الجاهل به، ويحصل بذلك إعلامه أن السلطان يعلم ذلك ولا يتصور العكس لما تقدم من اللازم.
ــ
(تنبيه) قال السكاكى: وإن شئت فعليك بكلام رب العزة ﷾: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ كيف نجد صدره يصف أهل الكتاب بالعلم على سبيل التوكيد القسمى، وآخره ينفيه عنهم، حيث لم يعملوا بعلمهم. ونظيره فى النفى والإثبات: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وقوله: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ.
قال فى الإيضاح: وفيه إيهام أن الآية الأولى من أمثلة تنزيل العالم بفائدة الخبر ولازم فائدته منزلة الجاهل بهما، وليست منها، بل هى من أمثلة تنزيل العالم بالشئ منزلة الجاهل به. (قلت): ويمكن جوابه بأن يقال: هذا تمثيل تنزيل العالم منزلة الجاهل مطلقا؛ لتعديه إلى ما نحن فيه، لأن ما نحن فيه فرد من أفراد ذلك، وإذا نزل العالم بالشئ منزلة الجاهل به صح تنزيل العالم بهما منزلة الجاهل، ومما يدل لهذا تمثيله بقوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وليس فيه إلا تنزيل الموجود منزلة المعدوم، ويمكن أن يقال: هو مثال لما نحن فيه لأن قوله تعالى: لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ خبر لم يقصد به إعلام الكفار بمضمونه، ولا علمهم أن الله تعالى عالم به؛ لأنهم يعلمون الأمرين، أما الأول فلقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا، وأما الثانى فواضح. وإنما نزلوا منزلة الجاهل ورشح هذا التنزيل بقوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ لكن يرد عليه أن الخطاب مع النبى، وقد يكون إنما علم علمهم من هذه الآية، فإن المخبر به فى (لمن اشتراه) هو أيضا علمهم لأن (علموا) معلقة عن الجملة؛ إلا أن يقال: لما كان الكلام يتعلق بهم فكان الخطاب معهم،
وعلى هذا التأويل الأخير يجب اجتناب لفظ الجاهل تأدبا، كما فعل السكاكى فى علم البديع.
(تنبيه) تمثيلهم بقوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ فيه نظر؛ لأن المذكور من تعلقات فعل الشرط، لا يكون مخبرا بوقوعه، كالمذكور فى حيز النفى، فإذا قلت: (لا يفى زيد بأيمانه) لا يكون فيه إخبار بأن له أيمانا؛ لأنها سالبة محصلة، وكذلك إذا قلت: (إن نكثوا أيمانهم) ليس فيه إثبات أيمان لهم؛ لأن الفعل بعد إن غير محقق الوقوع،
فينبغى أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة: فإن كان خالى الذّهن من الحكم، والتردّد فيه: استغنى عن مؤكدات الحكم.
ــ
فتعلقاته كذلك، وكذلك المذكور فى حيز الجواب فإن مدلول الجملة الشرطية إنما هو الارتباط، فليتأمل.
(تنبيه) قد يخرج عن هاتين الفائدتين أمور منها الخبر الكاذب - كما سبق - لا يقال: إن قصد إفادة العلم بالحكم فيه موجود، لأن الموجود فيه إنما هو قصد الاعتقاد الفاسد، لا قصد العلم، إلا أن يقال: الكاذب أفاد اعتقاد السامع علم المتكلم؛ إلا أنه اعتقاد فاسد، ومنها كلام العباد مع الله تعالى لا يقبل شيئا منهما لأنه عالم بجميع الكائنات، وجوابه أنه ليس من شرط الإفادة أن تكون لمن الخطاب معه، بل تكون لغيره كذا، قيل: وله جواب تحقيقى يضيق المجال عن ذكره. ومن ذلك قوله تعالى:
رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى، وقوله تعالى: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وقوله تعالى:
حكاية عن موسى ﷺ: إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ قد يجاب بأن فيه قصد الإنشاء ففى (إنى وضعتها أنثى) معنى تقبلها منى، وكذلك الجميع، وقيل غير ذلك.
ومنها أن الشخص قد يقصد إغاظة السامع بذلك الخبر، وجوابه أنه يرجع إلى لازم الفائدة.
ص: (فينبغى أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة، فإن كان خالى الذهن من الحكم والتردد فيه استغنى عن مؤكدات الحكم).
(ش): يعنى إذا كان قصد المتكلم المخبر أحد هذين الأمرين فينبغى أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة، فإن كان المخاطب خالى الذهن عن الحكم بأحد طرفى الخبر على الآخر، والتردد فيه استغنى عن مؤكدات الحكم،
كقولك: (زيد قائم) لمن هو خالى الذهن عن ذلك، ليتمكن من ذهنه بمصادفته خاليا، وذلك لأن خلو الذهن عن الشئ يوجب استقراره فيه، وأنشدوا فى هذا:
أتانى هواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلبا خاليا فتمكّنا
وإن كان متردّدا فيه، طالبا له: حسن تقويته بمؤكّد.
وإن كان منكرا: وجب توكيده بحسب الإنكار؛ كما قال الله - تعالى - حكاية عن رسل عيسى، ﵇، إذ كذّبوا فى المرّة الأولى: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ، وفى الثانية: إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ.
ويسمّى الضّرب الأول: ابتدائيّا، والثانى: طلبيّا، والثالث: إنكاريّا،
ــ
وفيه نظر؛ لأن موقع البيت أنه كان خالى الذهن من هواها وهوى غيرها؛ لأن المراد بالهوى الثانى الجنس، لا الأول على ما يظهر، وإن كانا معرفتين وستأتى هذه القاعدة قريبا - إن شاء الله تعالى - فنظيره مما نحن فيه أن يكون المخاطب خالى الذهن من مطلق القيام بالنسبة إلى زيد، وغيره، فتقول له: زيد قائم، وليس هو المقصود هنا، بل المقصود أن يكون خالى الذهن من قيام زيد، سواء كان مستحضرا لقيام غيره، أم لا، ويرد على المصنف أنه ينبغى أن يقول: (من الحكم ومن التردد) لأن هذه العبارة هى المعطية لمقصوده من خلو الذهن من كل منهما، لا من مجموعهما فليتأمل.
ص: (وإن كان متردداإلخ)
(ش): أى إذا كان المخاطب مترددا فى المخبر به حسن أن يقوى بمؤكد واحد، كقولك: (لزيد قائم) أو (إنه قائم)، وإن كان منكرا وجب تأكيده بحسب الإنكار فتقول لمن ينكر صدقك، ولا يبالغ: (إنى صادق) كذا فى الإيضاح، فإن قلت: وإنى صادق ليس فيها إلا مؤكد واحد، وقد مثل به الخطاب المتردد فيلزم استواؤهما، قلت: لكن المؤكد الواحد فى الصورة الأولى حسن، وفى الثانية واجب، إلا أنه يلزم استواء الابتدائى والطلبى، حيث ترك أسلوب الحسن، وعلى هذا الموضع سؤال وله بقية تحقيق يذكر فى باب الوصل والفصل.
قال: وتقول لمن يبالغ فى الإنكار: إنى لصادق، ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن رسل عيسى ﵊ حين أرسلهم إلى أهل أنطاكية إذ كذبوا فى المرة الأولى: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ وفى الثانية لما تكرر منهم الإنكار: رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ونقل المصنف هذا الترتيب عن المبرد. ويسمى الأول من الخبر ابتدائيا،
لكونه وقع ابتداء، والثانى طلبيا، والثالث إنكاريا.
وإخراج الكلام عليها: إخراجا على مقتضى الظاهر.
وكثيرا ما يخرج على خلافه.
إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر فيجعل غير السائل كالسائل: إذا قدّم إليه ما يلوّح له بالخبر؛ فيستشرف له استشراف الطالب المتردّد؛ نحو: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ.
ــ
وفى عبارة المصنف تسامح، حيث قال عن الرسل إنهم كذبوا فى المرة الأولى، وإنما كذب فيها اثنان، ولعله يريد أن القائلين: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ثلاثة، فالتكذيب الذى واجهوا به اثنين فى الأول تكذيب فى المعنى للثالث، فكأن الثلاثة كذبوا فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ والتكذيب الثانى كان أبلغ، لكونه تكذيبا لثلاثة بالصريح، ولكونه تكذيبا ثانيا، ولكونه تكذيبا بعد إقامة الدليل؛ لكونه وقع بعد تكرار الإنذار، وكان ينبغى أن يقول المصنف أن فى (ربنا يعلم) تأكيدا أيضا؛ لأنه فى معنى القسم كقوله:
ولقد علمت لتأتينّ منيّتى
فعلم الله أجدر بذلك. ونص عليه سيبويه، مع تأكيد إن واللام، ففيها حينئذ ثلاث تأكيدات، قال الزمخشرى: إن الأول ابتداء خبر، ولذلك لم يؤكد إلا بإن، وقد يعترض عليه فيه فيقال: إن التكذيب وقع صريحا، لقوله تعالى: (كذبوهما) ويمكن جوابه بأمرين:
أحدهما: أن يقال: تكذيب الثلاثة لم يقع قبل ذلك، وإنما وقع تكذيب اثنين.
الثانى: أن يقال إنه لم يعن أن الخطاب ابتدائى، بل يريد أنه خبر أول؛ فلذلك لم يحتج لكثرة التأكيد، ولا شك أنه أول خبر صدر من الثلاثة.
ص: (وإخراج الكلام عليها إخراجا على مقتضى الظاهر).
(ش): أى ويسمى إخراجا على مقتضى الظاهر، ويعنى بمقتضى الظاهر ما يقتضيه المقام، وهو أخص من مقتضى الحال؛ لأن الحال قد يقتضى الإخراج على خلاف الظاهر، كذا قيل، وفيه نظر؛ فإن الظاهر أن بين مقتضى الحال ومقتضى الظاهر عموما وخصوصا من وجه، ثم إن مقتضى الظاهر قد يكون باعتبار أحد هذه الأساليب،
وقد يكون باعتبار غيرها من اعتبارات المعانى.
ص: (وكثيرا ما يخرج الكلام على خلافه إلخ).
(ش): يعنى خلاف الظاهر (فيجعل غير السائل) يعنى خالى الذهن (كالسائل إذا
ــ
قدم له ما يلوح بالخبر فيستشرف له) أى يتطلع له، مأخوذ من المستشرف وهو الواقف بالشرف، وهو المكان العالى، وقوله: ينزل غير السائل يقتضى أن الخبر الطلبى من شرطه السؤال، وليس كذلك، إلا أن يراد بالسؤال السؤال المعنوى الملازم فى المعنى للتردد والذى يلوح بالخبر هو كقوله تعالى: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا فإنه يلوح بإهلاكهم، وفى عبارته تسامح؛ فإنه يلوح بأعم من الخبر، وحاصله أنه لما حصل التلويح بقوله تعالى: وَلا تُخاطِبْنِي صار الخطاب بقوله: إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ طلبيا، فأكد، فإن قلت: التلويح هو تقديم ما يدل على الشئ والأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - لا يترددون فى خبر الله تعالى المدلول عليه بالتلويح! قلت: أجيب عنه بأن التلويح ليس دليلا، ولا بدليل يفهم أنه قد يكون المراد ذلك، وفيه بعد؛ لأن هذا تلويح قوى يقارب الصراحة، ولا يحسن الجواب بأن التردد فى أن ذلك مما يدعى بزواله فيزول، أو لا لأنا إذا جعلناه خبرا بهلاكهم فخبر الله لا يخلف - وعيدا كان أم غيره - على رأى جمهور أهل السنة، ومن عفى عنه من العصاة لم يدخل فى عموم الوعيد، ولا يحسن الجواب بأنه جوز أنهم يسلمون كذلك أيضا، فتعين أن يقال: (ولا تخاطبنى) دل على مطلق الإهلاك، فحصل التردد فى كيفيته، من إهلاك وغيره، فجاء الخطاب طلبيا. ومن ذلك: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ وقول الشاعر:
فغنّها وهى لك الفداءإنّ غناء الإبل الحداء
ومنه بيت بشار:
بكّرا صاحبىّ قبل الهجيرإنّ ذاك النّجاح فى التّبكير
وقد قال له خلف الأحمر: لو قلت: بكرا فالنجاح فى التبكير ثم رجع إليه وذلك بمحضر من أبى عمرو بن العلاء.
وغير المنكر كالمنكر: إذا لاح عليه شئ من أمارات الإنكار؛ نحو:
جاء شقيق عارضا رمحهإنّ بنى عمّك فيهم رماح
والمنكر كغير المنكر: إذا كان معه ما إن تأمّله ارتدع؛ نحو: لا رَيْبَ فِيهِ.
ــ
ص: (وغير المنكر كالمنكر إذا لاح عليه شئ من أمارات الإنكار).
(ش): يعنى إن فعل ما جرت العادة أنه إنما يصدر مع الإنكار، ينزل منزلة الإنكار كقوله:
جاء شقيق عارضا رمحهإنّ بنى عمّك فيهم رماح
يعنى بقوله عارضا مظهرا، أو حامله على كتفه، من قوله:" ولو أن تعرضوا عليه عودا" يعنى أن هذه حالة من يدعى الشجاعة، وأن خصمه ليس عنده ما يقابل به رمحه، وأنه غير ملتفت له، وقوله: فيهم رماح، الذى ذكروه أنه جمع رمح، ولو قيل:
إنه مصدر استعارة من رمح الدابة برجلها لكان أليق بقوله فيهم من الجمع، (قلت):
وفيما قاله المصنف نظر، لأن هذا الخبر ليس فيه إلا مؤكد واحد، فمن أين لنا أنه إنكارى؟ جاز أن يكون طلبيا، ويكون من القسم السابق، ويكون هذا التأكيد الواحد فيه استحسانيا لا واجبا.
ص: (والمنكر كغير المنكرإلخ)
(ش): إشارة إلى أن هذا الذى أنكره واضح الأدلة، لا يحتاج إلى تأكيد، كقوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ وفى المثل نظر؛ لأن هذا نفى، وسنفرده بالكلام، بل ينبغ أن
ــ
يمثل بقول الإنسان: الإسلام حق، لمن ينكره، كما مثل فى الإيضاح، ثم قال: وعليه قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ وعلى هذين الاعتبارين قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ أكد تأكيدين، وإن لم ينكره أحد، لتنزيل المخاطبين لتماديهم فى الغفلة تنزيل من ينكر الموت، وأكد إثبات البعث تأكيدا واحدا، وإن كان أكثر؛ لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بأن لا ينكر ويتردد فيه، فنزل المخاطبون منزلة المترددين فيه حثا لهم على النظر فى أدلته الواضحة.
(تنبيه) اعلم أن أقسام هذا الفصل متعددة، وقد حاول الكاتبى والخطيبى فى شرح المفتاح تعدادها فذكراها على وجه قاصر وها أنا أذكرها على التحرير - إن شاء الله تعالى - فأقول: المخاطب إما عالم بفائدة الخبر ولازمها معا، أو خال منهما، أو طالب لهما، أو منكر لهما، أو عالم بالفائدة خال من اللازم، أو عالم بالفائدة طالب للازم، أو عالم بالفائدة منكر للازم أو عالم باللازم خال من الفائدة، أو عالم به طالب للفائدة، أو عالم به منكر للفائدة أو خال من اللازم طالب للفائدة أو خال من اللازم منكر للفائدة أو خال من الفائدة طالب للازم، أو خال منهما منكر للازم أو طالب للفائدة منكر للازم، أو منكر للفائدة طالب للازم. يبطل منها عالم باللازم خال من الفائدة، أو خال من الفائدة منكر للازم، أو خال من الفائدة طالب للازم؛ فالثلاثة مستحيلة، ومنها ثلاثة ممكنة إن حملنا اللازم على الاعتقاد، مطابقا كان أو لم يكن، وهو: عالم باللازم متردد فى الفائدة، أو عالم به منكر للفائدة، أو منكر للفائدة طالب للازم. وإن حملنا للازم على الاعتقاد المطابق للخارج سقط الثلاثة أيضا، فعلى الأول تبقى الأقسام الممكنة ثلاثة عشر، كل منها إما أن تأخذه على كل واحد من الأوجه العشرة السابقة ولا تأخذه على كل شئ من الستة التى قلنا: إن ثلاثة منها مستحيلة قطعا، وثلاثة مستحيلة على أحد الاحتمالين؛ لأن الستة هنا مستحيلة على الاحتمالين معا، فتضرب ثلاثة عشر فى عشرة تبلغ مائة وثلاثين، يسقط منها ثلاثة عشر؛ وهو كل مخاطب من هؤلاء الثلاثة عشر فرضناه عالما بالفائدة واللازم، فإنا لا نخاطبه، لا يقال: قد تكرر الإخبار تأكيدا، فيكون الخبر الثانى واقعا بعد العلم بالفائدة ولازمها؛ لأنا نقول: لا نؤكده حتى ننزله بالإخبار الثانى، كأنه لم يعلم بالخبر الأول شيئا،
ــ
فالباقى من الأقسام مائة وسبعة عشر، وإن شئت سرد الأقسام فهى هذه: الأول - عالم بهما، أخذناه خاليا منهما، أو طالبا لهما، أو منكرا لهما، أو عالما بالفائدة خاليا من اللازم، أو عالما بالفائدة طالبا للازم، أو عالما بالفائدة منكرا للازم، أو خاليا من اللازم طالبا للفائدة، أو خاليا من اللازم منكرا للفائدة، أو طالبا للفائدة منكرا للازم، فهذه تسعة ثم نأخذ العاشر خاليا منهما فى التسعة، كذلك صارت ثمانية عشر، ثم نأخذ طالبا لهما فى تسعة كذلك، صارت سبعة وعشرين، ثم نأخذ المنكر لهما كذلك، ثم العالم بالفائدة الخالى من اللازم كذلك، ثم العالم بها الطالب للازمها كذلك، ثم العالم بها المنكر للازمها كذلك، ثم الخالى من اللازم الطالب للفائدة كذلك، ثم الخالى من اللازم المنكر للفائدة كذلك، ثم الطالب للفائدة المنكر للازم كذلك، ثم العالم باللازم الطالب للفائدة كذلك، ثم العالم باللازم المنكر للفائدة كذلك، ثم المنكر للفائدة الطالب للازمها كذلك، صارت مائة وسبعة عشر قسما.
(تنبيه) تمثيل المصنف بقوله تعالى: إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ وهو مثال أخص من الممثل، والمثال الذى ذكره لتنزيل خالى الذهن منزلة المنكر من بيت شقيق يصلح أن يكون مثالا له، وللقسم الذى سيأتى - إن شاء الله تعالى - ومن تنزيل السائل منزلة خالى الذهن قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً كذا قيل، وقد يعترض عليه بأن توكيد الطلبى غير لازم، فلا حاجة إلى التنزيل! ويجاب بأنه مستحسن، فالعدول عنه إنما يكون للتنزيل، وذلك كثير، وتنزيل السائل منزلة المنكر لبعد المسؤول عنه عن الإفهام كقوله ﷺ:" إنكم لترون ربكم" فى جواب هل نرى ربنا؟
تنزيل المنكر منزلة خالى الذهن مثل لا رَيْبَ فِيهِ، وتنزيل المنكر منزلة السائل المتردد نحو: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ.
وقد يقال: إن ما تقدم من أدلة البعث يقتضى جعل المنكر كالمعترف لا كالمتردد، وقوله: جعل كالمتردد حثا له على النظر فى الأدلة يأتى بعينه فى (لا ريب فيه).
وهكذا اعتبارات النّفى.
ــ
ص: (وهكذا اعتبارات النفىإلخ)
(ش): يعنى أنه يكون كالإثبات فى التأكيد وعدمه، لا أن ينزل على غيره، كما سبق ففى الابتدائى تقول: (ما زيد قائم) أو (قائما) (وليس زيد قائما) أو (ما ينطلق زيد) وفى الطلبى والإنكارى تأتى بمؤكد استحسانا فى الأول، ووجوبا فى الثانى، فتقول:
(ما زيد بقائم) أو (ليس بقائم) و (لا رجل فى الدار) بالبناء، فهو آكد من (لا رجل) بالرفع، أو (والله ليس زيد منطلقا)، أو (ما إن ينطلق)، أو (ما كان زيد ينطلق)؛ لأن (كان) تعطى تأكيدا، ولنفى المستقبل (والله لن ينطلق زيد) و (لا ينطلق زيد) إن قلنا: لا لنفى المستقبل فقط، كما هو مذهب سيبويه، وتقول لمن يبالغ فى الإنكار: (والله ما زيد بمنطلق) أو (ما إن ينطلق زيد) أو (ما هو بمنطلق) و (ما كان زيد لينطلق) إن لم تجعل المراد مريدا لينطلق، فإن جعلنا المراد ذلك فهذا معنى آخر. على أن فيها أيضا تأكيدا لأن نفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه.
(فوائد):
إحداهن: اعلم أن المراد بالتأكيد هنا تأكيد لمضمون الخبر، وهو الحكم بالنسبة، أو ثبوتها على ما سبق، لا تأكيد المسند وحده، ولا المسند إليه، فلو قلت: (زيد هو القائم)، أو (زيد ضروب)، أو (زيد نفسه قائم)، فليس مما نحن فيه فى شئ؛ لأنه لا يلزم من تأكيد واحد من طرفى الإسناد تأكيد النسبة، وكذلك لو أتيت بما يفيد الاختصاص، كقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ وبهذه الفائدة يتبين لك الحكمة فى عدم تعرضهم للتأكيد (بأن) المفتوحة. فإن لقائل أن يقول: يأتى فيها الخطاب ابتدائيا وطلبيا وإنكاريا، تقول فى الابتدائى: (علمت زيدا قائما) وفى الطلبى: (علمت أن زيدا قائم) وفى الإنكارى: (علمت أن زيدا قائم والله) فجوابه أن (أن) المفتوحة تنحل مع ما بعدها لمفرد، فالتأكيد لذلك المصدر المنحل، لا للنسبة، والكلام الآن إنما هو فى تأكيد الإسناد، لا فى تأكيد أحد طرفيه. على أن التنوخى فى أقصى القرب لما ذكر ألفاظ التأكيد ذكر أن المفتوحة والمكسورة، والتحقيق ما قلناه. وإذا ثبت ذلك اتجه لك منع فى حصول التأكيد لمضمون الجملة فى كثير مما سبق من صيغ النفى، فإن التأكيد
ــ
فى (لا رجل) بالبناء إنما هو للمحكوم عليه، وتقوية العموم، والتأكيد فى (ما زيد بمنطلق) الظاهر أنه للانطلاق المنفى، لا لمضمون الجملة، ومما ذكرناه يعلم أنه ليس من هذا الباب الحال المؤكدة، ولا المصدر المؤكد لنفسه، أو
لغيره، فإنهما إنما يؤكدان الفعل.
الثانية: ذكر النحاة من ألفاظ التأكيد (لكن) وينبغى أن يلحق بما نحن فيه، فيكون الخطاب بها طلبيا، أو إنكاريا، وكذلك عدها أيضا التنوخى، لكنه يحتاج إلى زيادة تحقيق؛ لأن من قال من النحاة: إنها للتأكيد مع الاستدراك إنما أراد تأكيد الجملة قبلها، فينبغى أن يقال: (لكن) حرف تأكيد، يكون الخطاب بما قبلها طلبيا، أو إنكاريا، لا الخطاب بما دخلت عليه، أو يقال: هى تأكيد للجملة التى بعدها؛ لاستلزامها حكم ما قبلها؛ لأن الغالب أن ما بعدها ضد ما قبلها، فتأكيد وجودها تأكيد لعدم ما قبلها؛ لأن الضدين لا يجتمعان، فهو تأكيد لما بعدها فى الصورة، وتأكيد لما قبلها فى المعنى. نعم إذا قلنا: إنها مركبة من (لكن) و (أن) - كما هو قول الفراء - أو إنها مركبة من (لا) و (لن) - كما هو رأى الكوفيين - أو إنها مركبة من (لا) و (كاف) التشبيه و (إن) فالتأكيد فيها إن ثبت للجملتين معا؛ لأن (لا) أكدت ما قبلها؛ وإن أكدت ما بعدها.
ومن ألفاظ التأكيد (كان) كما عدها التنوخى، وهو صحيح؛ لأنها إن كانت بسيطة فهى لتأكيد النسبة، وإن كانت مركبة فهى متضمنة (لأن)، فالخطاب بها طلبى، كما سبق، وسيأتى تحقيق معناها فى علم البيان.
ومن ألفاظ التأكيد كما ذكره التنوخى (ليت) و (لعل) ومن ألفاظ التأكيد (لعن) لكن تأكيدها للمفرد لأنها لغة تميم وهم يبدلون همزة أن المفتوحة عينا، فحكمها حكم أن المفتوحة كما سبق.
الثالثة: الذى يظهر ولا ينازع فيه منصف أن تأكيد الجملة يكون لأغراض كثيرة، من جملتها الإنكار وغيره، فربما كان الشخص خالى الذهن وأكد له بأن واللام، وربما كان منكرا ولم يؤكد له، لغرض ما، أو أكد له لغير ذلك. فإن كان ما ذكروه من التأكيد للطالب والمنكر بأن واللام على سبيل المثال فحسن، وإن كانوا يحصرون التأكيد فى خطابهما ويحصرون خطابهما فى صيغة التأكيد فهو فى غاية البعد، ويحتاج إلى تأويل غالب الاستعمالات، ولا ينتهض له دليل، ولا أعتقد أن المبرد أراد ذلك أصلا، فإنه تحجير واسع.
ــ
الرابعة: هذه التأكيدات التى ذكروها إنما هى للجملة الاسمية، وأعرضوا عن تأكيد الجملة الفعلية، وعن ذكر التفاوت بين الخطاب بالاسمية والفعلية، وكان ينبغى ذكر كل منهما، ثم جعلوا الخطاب بنحو: (زيد قائم) خاليا عن التأكيد، وكان يمكن أن يقال: إنه يتضمن التأكيد؛ لتضمنه الدلالة على الثبوت والاستقرار، ولم يزل ذلك فى نفسى إلى أن وقفت على كلام التنوخى فوجدته قال فى أقصى القرب: إذا قصدوا مجرد الخبر أتوا بالجملة الفعلية، فإن أكدوا فبالاسمية، ثم (بإن)، ثم (بها وباللام) وقد تؤكد الفعلية (بقد) وإن احتيج لأكثر أتى بالقسم مع كل من الجملتين؛ وقد تؤكد الاسمية باللام فقط نحو: (لزيد قائم) وقد تجئ (قد) مع الفعلية مضمرة بعد اللام، قال امرؤ
القيس:
لناموا فما إن من حديث ولا صالى
ومقتضاه أن الخطاب على درجات (قام زيد)، ثم (لقد قام) ثم (والله لقد قام)، فإنه جعل الفعلية كلها دون الاسمية، ثم قال: إنها تؤكد (بالقسم) و (بقد)، فعلمنا أنها بجميع درجاتها دون الفعلية ثم (إن زيدا قائم) و (لزيد قائم). ولم يتبين من كلامه أيهما آكد؟ ويظهر أن التأكيد (بإن) أقوى لوضعها لذلك، ثم (إن زيدا لقائم) ثم (والله لزيد قائم) (والله إن زيدا قائم)، ثم (والله إن زيدا لقائم). وقد يقال عليه: إن قوله إذا أرادوا مجرد الخبر أتوا بالجملة فيه نظر؛ لأن الفعلية يقصد بها التجديد، وتعيين الزمان، لا مجرد الخبر؛ إلا أن يريد مجرد الإخبار بالنسبة المتجددة فى وقتها من غير قصد زيادة التأكيد. وإن قوله: إن الجملة الاسمية للتأكيد فيه نظر؛ فإن الاسم وإن دل على الثبوت والاستقرار فإنما يدل على استقرار مصدره الذى اشتق منه، فالتأكيد فى (زيد قائم) للقائم المفرد، لا للجملة التى كلامنا الآن فيما يؤكدها، كما تقدم فى التأكيد بأن المفتوحة، فإن تم هذا الجواب ظهر عذر البيانيين فى كونهم لم يعدوا الجملة الاسمية خطابا طلبيا ولا
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع