تجاوز إلى المحتوى

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)

ثانيا - النفى والاستثناء

ص: (ومنها النفى والاستثناء).

(ش): من أدوات الحصر الاستثناء، كقولك فى قصر الموصوف: ما زيد إلا شاعر، سواء كان قصر قلب أو إفراد، وفى قصر الصفة على الموصوف: ما شاعر إلا زيد. قلت:

والاستثناء قصر سواء كان مع النفى أم الإيجاب، كقولك: قام الناس إلا زيدا فإنك قصرت عدم القيام على زيد، لا يقال: لو قصرت عدم القيام على زيد لكان فى قولك:

قام الناس إلا زيدا نفى لقيام غير الناس؛ لأنا نقول: هو قصر لعدم القيام بالنسبة إلى الناس على زيد، كما أنك إذا قلت: ما قام الناس إلا زيدا لم تقصر القيام على زيد مطلقا، إنما قصرت عليه القيام بالنسبة إلى الناس، فقولهم: من طرق الحصر النفى والاستثناء لا يظهر فيه مناسبة للتعرض للنفى.

ومنها: (إنما) كقولك فى قصر الموصوف على الصفة: إنما زيد كاتب، وفى قصره الصفة على الموصوف: إنما قائم زيد.

واعلم أن النحاة يقولون: إن الأخير هو المحصور، فإذا قلت: إنما زيد قائم، فالقائم هو المحصور، ومقتضاه أن تكون هذه الصيغة من قصر الصفة على الموصوف، وعبارة البيانيين هى المحررة فإن الأول هو المحصور، والثانى محصور فيه، وعبارة النحاة فيها تجوز، والصواب أن الأخير محصور فيه، لا محصور غير أنهم تساهلوا فى ذلك كما تساهل الأصوليون فى قولهم: المشترك، وإنما هو مشترك فيه وقد اختلف فى القصر بإنما، فأثبته الجمهور، ونفاه كثير. والمثبتون قيل: بالمنطوق وقيل: بالمفهوم، واستدل الذاهبون إلى أنها للحصر بأمور. منها: إطباق العلماء فى قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ

بالنصب، معناه: ما حرّم عليكم إلا الميتة. وهو المطابق لقراءة الرفع؛ لما مر،

ــ

بالنصب على أن معناه: ما حرم عليكم إلا الميتة، لأنه المطابق فى المعنى لقراءة الرفع، فإنها للقصر، فكذلك قراءة النصب، والأصل استواء معنى القراءتين، واعترض على هذا بأنا نمنع حصول القصر فى قراءة الرفع بناء على أن نحو: العالم زيد، لا يفيد الحصر، وقد تقدم فى باب المسند نحو: العالم زيد، وزيد العالم عند السكاكى يفيد أن الحصر فى بعض المواضع، ثم فيه نظر؛ لأن الحصر ليس مستفادا هنا من التقديم بل من عموم الموصول كقولك: كل محرم الميتة، لا يقال: لو كانت للحصر لزم أن لا يكون غير المذكورات محرما؛ لأن المعنى تحريم الأكل، فلا يدخل غيره. ومن أين لنا أن غير هذه المذكورات فى الآية من المأكولات كان محرما ذلك الوقت. ومنها أن (إن) للإثبات و (ما) للنفى، فلا بد أن يكون للقصر ليحصل بالقصر الجمع بين النفى والإثبات، ورد عليه بأن (ما) كافة لا نافية، قال الشيخ أبو حيان: والذى قال ذلك لم يشم رائحة النحو.

قلت: نقل القرافى أن الفارسى قال فى الشيرازيات: إن ما فى إنما نافية لكنى رأيت فى الشيرازيات ما لعله أخذه منه، وهو أنه قال - بعد أن ذكر أن (إنما) للحصر - أن الحصر أيضا فى: شر أهرّ ذا ناب، وشئ جاء بك، ثم قال: والأول أسهل من هذا؛ لأن معه حرفا قد دل عندهم على النفى، فصار حذف حرف النفى فيه أسهل من هذا؛ لقيام حرف آخر معه مقامه، وليس فى المثالين الأولين شئ من ذلك. انتهى. وليس صريحا فى أنها باقية فى النفى؛ لأن قوله: لأن معه حرفا قد دل على النفى، يريد حرفا يدل على النفى والإثبات وهو إنما، وإنما لم يدل على النفى والإثبات؛ لأن الإثبات مستفاد من اللفظ مجردا عن إنما، ولو أراد بالحرف الدال على النفى (ما) من (إنما) لما قال: فصار حذف حرف النفى فيه أسهل؛ إذ لو كانت باقية على النفى لما كان حرف النفى معها محذوفا، والحق فى ذلك أن الإمام لم يرد إلا أن ما أصلها إذا لم تكن شيئا من الأقسام المعروفة النفى، وإن وضعها الإثبات، والغالب أن الحرفين إذا ركبا وصارا لمعنى آخر يلاحظ فى المعنى التركيبى معنى كل واحد

ولقول النحاة: (إنّما) لإثبات ما يذكر بعده، ونفى ما سواه. ولصحة انفصال الضمير معه؛

ــ

منفردا، فلما كانت (ما) التى ليست لشئ من الأقسام المعروفة فى الأصل للنفى، و (إن) للإثبات قصد عند التركيب المحافظة عليهما، فلم يمكن تواردهما على شئ واحد ولم يمكن صرف النفى للمذكور فتعين عكسه، وقول النحاة: إن (ما) كافة، لا ينافى هذا؛ لأن الكف حكم لفظى لا ينافى أن يقارنه حكم معنوى، ثم إن المصنف نقل عن النحاة أنها لإثبات المذكور، ونفى ما سواه، وهو قول بعضهم لا كلهم. ومنها: أن (إن) للتأكيد و (ما) كذلك فاجتمع تأكيدان فأفاد الحصر. قاله السكاكى، ويرد عليه أنه لو كان اجتماع تأكيدين للحصر لكان قولك: إن زيدا لقائم، يفيد الحصر، وقد يجاب بأن مراده أنه لا يجتمع حرفا تأكيد متواليان إلا للحصر، ثم هو ممنوع، والتأكيد اللفظى والمعنوى كل منهما يتكرر ولا حصر. ومنها: قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ، قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فإنه إنما يحصل مطابقة الجواب إذا كانت إنما للحصر ليكون معناه لا آتيكم به، إنما يأتى به الله، ولا أعلمها إنما يعلمها الله، وأصرحها إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ لجواز أن يدعى فى غيرها أن الحصر أخذ من تعريف المبتدأ، لكن الظاهر أن من منع الحصر بإنما فهو لحصر المبتدأ فى الخبر أمنع، وكذلك قوله تعالى:

وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وفى الآية نكتة، وهو التنبيه على أن المجازى لا يكون فعله ظلما على الحقيقة، وهذا المعنى أحسن من قول الزمخشرى أن المعنى: إنما السبيل على الذين يبتدئون الناس بالظلم. ومنها: قوله تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي لا يستقيم المعنى إلا بالحصر. ومنها: قوله تعالى: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ إذ لو لم تكن للحصر كانت بمنزلة إن تولوا فعليك البلاغ، وهو عليه البلاغ تولوا أم لا، وإنما ترتب على توليهم نفى غير البلاغ مما قد يتوهم نسبته له ﷺ.

قال الفرزدق:

أنا الذّائد الحامى الذّمار وإنّمايدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «أنا الذائد الحامي الذمار وإنما»

ــ

ومنها: انفصال الضمير بعدها فى قول الفرزدق:

أنا الذّائد الحامى الذّمار وإنمايدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «أنا الذائد الحامي الذمار وإنما»

قال عبد القاهر: ولا يمكن ادعاء الضرورة فيه، فإنه متمكن أن يقول: أدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى. وأعلم أن انفصال الضمير بعد إنما فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه ضرورة، لا يجوز إلا فى الشعر، وهو المنقول عن سيبويه.

والثانى: أنه يجوز الفصل والوصل، وإليه ذهب الزجاج.

والثالث: أنه يجب الفصل، قاله ابن مالك. وقال الشيخ أبو حيان: إنه غلط فاحش، وجهل بلسان العرب، وقول لم يقله أحد، ثم رده بقوله تعالى: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وقوله تعالى: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ وقوله تعالى: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ وقوله تعالى: وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ قال: ولو كان على ما زعم لكان التركيب: إنما يشكو بثى وحزنى أنا، وإنما يعظكم بواحدة أنا، وكذلك الجميع. قلت: لسان حال ابن مالك يتلو: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وكلام ابن مالك هو الصواب، وليس منفردا به، وتحقيق ذلك أن ابن مالك بنى كلامه على قاعدتين: إحداهما: أن إنما للحصر، وهو الذى عليه أكثر الناس. والثانى: أن المحصور بها هو الأخير لفظا، وهذا الذى أجمع عليه البيانيون، وعليه غالب الاستعمالات، وإذا ثبتت له هاتان القاعدتان صح ما ادعاه؛ لأنك لو وصلت لما فهم، والتلبس قولك: إنما قمت موضوعة للم يقع إلا القيام، فلو أردت به ما قام إلا أنا، لم يفهم ذلك، ولا سبيل إلى فهمه إلا بأن تقول: إنما قام أنا، كما تقول: ما قام إلا أنا، وبهذا علم أنه لا يرد ما ذكره الشيخ من الآيات؛

ومنها: التقديم؛ كقولك فى قصره: تميمى أنا خ خ، وفى قصرها: أنا كفيت مهمّك

ــ

لأن كلا منها لم يقصد فيه حصر الفاعل، بل حصر الأخير، ولو قصد حصر الفاعل لانفصل كما قاله ابن مالك، وأجمع عليه من سلم هاتين القاعدتين، وهم أكثر الناس، وقول سيبويه: إن الفصل ضرورة لا يرد عليه؛ لأنه بناه على أن إنما ليست للحصر كما هو المنقول عنه، وقول الزجاج: يجوز الأمران لا يرد عليه لأنه بناه على أن إنما وإن كانت للحصر فليس من شرط المحصور أن يكون هو الأخير، بل يجوز أن يفصل ليكون قرينة فى حصر الفاعل، وأن يصل ويريد حصر الفاعل بقرينة معينة، كما صرح الشيخ أبو حيان بنقله عنه فثبت أن من خالف ابن مالك فى المسألة لم يخالفه فى هذا الحكم، إنما خالفه فيما بنى عليه من القاعدتين إما فى الأولى، وإما فى الثانية، فظهر أن الحق مع ابن مالك وانظر إلى قول ابن مالك يتعين انفصال الضمير إن حصر بإنما فإنك إن تأملته لم تستطع أن تقول: خلافا لسيبويه؛ فإنه لم يقل: يتعين انفصاله بعد إنما، بل قال: إن حصر بإنما، وسيبويه لا يقول: إن حصر بإنما لا ينفصل، بل يقول: الحصر بإنما لا وجود له، فهما كلامان لم يتواردا على محل واحد، ولو قيل لسيبويه: ما تقول لو وقع الحصر بإنما فى انفصال الضمير لما علمنا ما يقول، والظاهر أنه يقول بالفصل.

(تنبيه): قوله تعالى حكاية عن يعقوب إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ينبغى أن يعتقد أن (وأعلم) جملة مستأنفة أو معطوفة على إنما أشكو، وليست معطوفة على أشكو؛ إذ لو كان للزم أن المراد: لا أعلم من الله ما لا تعلمون، وليس كذلك.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.