تجاوز إلى المحتوى

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)

أركان التشبيه

طرفاه: إما حسّيان؛ ...

ــ

ص: (والنظر فى أركانه: وهى طرفاه، ووجهه، وأداته، وفى الغرض منه وأقسامه).

(ش): طرفاه المشبه والمشبه به ووجهه المعنى الجامع، وهو بهذه الأركان شبيه بالقياس وأداته ما سيأتى، فهذه أربعة أركان.

(قلت): ويرد عليه ما لا أداة له، كقولنا: زيد أسد، وهو تشبيه على المختار عنده فهذا الكلام لا يلائم ما سبق؛ لأن الركن لا توجد الحقيقة دونه. فإن أجيب عن ذلك بأن أداة التشبيه مقدرة مع اللفظ، فالوجه كيف يدعى أنه ركن، وهو غير مذكور ولا مقدر مع اللفظ؟!

ص: (طرفاه إما حسيان إلى آخره).

(ش): اعلم أن التشبيه لا يمكن أن يكون حسيا؛ لأنه تصديق على الصحيح خلافا لمن قال: هو إنشاء، والتصديقات ليس شئ منها بحسى، فإن الحس إنما يدرك المفردات، فليتنبه لذلك. إنما طرفاه على أقسام، جملتها مائتان وتسعة وثمانون سأذكرها إن شاء الله.

الأول: الحسيان ولا بد لك من تحقيق قواعد هاهنا فنقول:

الحواس الخمس لا تدرك إلا الصور الجزئية الحقيقية فالحسى بالحقيقة ما أدرك بإحدى الحواس الخمس، وذلك لا يكون إلا جزئيا، وقد يطلق الحسى على المادة التى تدرك الحاسة أفرادها، وذلك على قسمين:

تارة تكون تلك الأفراد خارجية، وتارة تكون ذهنية فقط، فلا يكون شئ من أفرادها موجودا فى الخارج. فالقسم الأول المدرك بالحس كقولك فى المبصرات: خد زيد كهذا الورد، وفى المسموعات: سمعت كلاما مثل هذا الكلام، وفى المشمومات: هذا الفم كهذا العنبر، وفى المذوقات: شربت ماء كهذا العسل، وفى الملموسات: جلد زيد كثوب الحرير.

ــ

والقسم الثانى نوعان: الأول أن تكون تلك المادة كلية وجدت أفراد لها، كقولك:

يعجبنى خد كالورد؛ فإن الطرفين كليان وليسا محسوسين؛ لأن الكلى لا يحس إنما المحسوس كثير من أفرادهما.

وقد يكون هذا القسم لم يوجد منه إلا فرد واحد كقولك: زيد قمر، فإن الثانى أن تكون المادة كلية لم يوجد شئ من أفرادها، كالمشبه به فى قولك: شقيق كأعلام الياقوت فإن أعلام الياقوت كلية غير موجودة، لكنها تسمى حسية باعتبارين:

أحدهما: أنه لو أدرك جزئى من جزئياتها لأدرك بالحاسة.

والثانى: أن أجزاء كل فرد من مفرديها وهما العلم والياقوت إذا أريد به معين، كان حسيا. وتسمية هذا حسيا أبعد مما قبله؛ لأنه لم يوجد منه فى الخارج فرد. وبهذا تعلم أن كل حكم علقته بمشبه ومشبه به باعتبار المستقبل، وكانا غير موجودين، فإن تسميته حسيا على نحو ما سبق كقولك: اللهم ارزقنى ولدا كالبدر، وأعطنى فى الجنة

حورا كالياقوت والمرجان، فكل ذلك يسمى حسيا. إذا تقرر ذلك، فاعلم أن المصنف أطلق الحسى على أمرين: أحدهما ما أدرك بالحس، والثانى ما أدركت مادته لا هو، وأراد به القسم الأخير، واقتضى كلامه أن القسم الأول من أول نوعى الثانى حسى حقيقى، وليس كما قال فليتأمل.

وإذا تأملت ما ذكرته، علمت أنه لا تكاد تجد تشبيها فيه الطرفان حسيان حقيقيان إلا قليلا.

الثانى: اعلم أن الذى تدركه الحواس هى الأعراض، فالبصر يدرك اللون، والسمع يدرك الصوت، والشم يدرك الرائحة، والذوق يدرك الطعم، واللمس يدرك الحرارة واللين مثلا. فإن أطلقت المحسوس على ذات لا تريد لونها مثلا، بل تريد معناها العقلى، كان ذلك حينئذ عقليا لا حسيا، وإن أطلقته على ذات تريد عرضها المدرك بالحاسة كان فيه توسع. فإذا قلت: لون زيد كلون عمرو، كانا محسوسين قطعا، وإذا قلت: زيد كعمرو، كان معناه تشبيه حقيقة بحقيقة فيكونان عقليين، وإذا قلت: زيد كعمرو مريدا تشبيه لونه بلونه، ساغ ذلك بقرينة تصرف إليه كقولك: زيد كعمرو بياضا، والإطلاق حينئذ مجاز كما صرح به الإمام فخر الدين فى المحصول. والظاهر أنه صار حقيقة عرفية لاشتهاره. وهذا التفصيل الذى ذكرناه هو التحقيق، وإن كان

كالخدّ والورد، والصوت الضعيف والهمس، والنّكهة والعنبر، والرّيق والخمر، والجلد الناعم والحرير، أو عقليّان؛ كالعلم والحياة، أو مختلفان؛ كالمنية والسّبع، والعطر وخلق كريم ...

ــ

مخالفا لكلامهم؛ لأنهم جعلوا الطرفين حسيين، وإن كان وجه الشبه بينهما عقليا كما ستراه، وهذا اصطلاح لهم لا مشاحة فيه. فنحن نتبعهم فيه على اصطلاحهم، والتحقيق ما سبق.

وهذا البحث لم يزل يدور فى خلدى إلى أن جزمت به، وكتبته ثم بعد مدة، رأيت ابن الأثير قد وقع عليه، فقال فى كنز البلاغة: قولنا: زيد أسد، تشبيه معنى بمعنى؛ لأن المقصود الشجاعة. ثم رأيت ابن رشيق فى العمدة أشار إليه فقال: إن التشبيه إنما هو أبدا على الأعراض لا على الجواهر.

(الثالث): حيث قلنا فى هذا الباب: حسى، أو خيالى، أو عقلى، أو وهمى، أو وجدانى، فالمراد أن يكون إدراك السامع له بإحدى هذه الطرق، أو نقول: المراد أن يكون الإنسان يدرك ذلك بأحدها. وإنما قلت ذلك احترازا من التشبيهات الواردة فى كلام الله تعالى، فإن علمه ﷿ ليس بشئ من هذه الطرق. إذا تقرر ذلك فلنرجع لكلام المصنف.

فقوله: (كالخد والورد) مثال للمبصرات، فالخد مشبه والورد مشبه به، والواجب أن يقال: كلون الخد ولون الورد وأن يذكر معه ما يصرفه لخد معين وورد معين، وإلا فيكون غير مدرك بالحاسة كما سبق.

وقوله: (والنكهة والعنبر) مثال للمشمومات، وينبغى أيضا أن يقال: وريح العنبر، والإيراد عليه هنا أشد؛ لأنه

جعل المشبه به فى اللفظ العنبر، والمشبه فى اللفظ النكهة، وهى رائحة الفم فإما أن يقول: كالنكهة ورائحة العنبر، أو يقول: كالفم والعنبر كما قال فى الخد والورد، ثم عليه السؤال السابق.

وقوله: (والريق والخمر) مثال للمذوقات. وفيه نظر؛ لأن الريق لا يشبه بالخمر فى الطعم، وإنما يشبه بها إذا أريد تشبيه الطرب الحاصل بالريق بنشوة الخمر، وهو فيهما حينئذ يكون عقليا وجدانيا لا حسيا، فكان الأحسن أن يمثل بالريق والشهد، ثم عليه السؤالان السابقان.

وقوله: (والجلد الناعم والحرير) مثال للملموسات، وعليه السؤالان السابقان.

وقوله: (والصوت الضعيف والهمس) مثال للمسموعات. قال الخطيبى:

والصوت الضعيف ما كان ضعيفا فى نفسه، والهمس ما أسر من ذلك الكلام وأخفى،

والمراد بالحسى: المدرك هو أو مادّته - بإحدى الحواسّ الخمس الظاهرة؛ فدخل فيه الخيالىّ؛ كما فى قوله:

وكأنّ محمرّ الشّقيق إذا تصوّب أو تصعّد
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

ــ

ولا أدرى من أين له هذا، وأكثر أهل اللغة قالوا: الهمس الصوت الضعيف. لكن قال الثعالبى فى فقه اللغة: الهمس صوت حركة الإنسان، وقال ابن سيده فى المحكم:

الهمس الخفى من الأكل، والضرب، والوطء، وهو قريب من كلام الثعالبى. والآية ترشد إليه فى قوله تعالى: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً معناه أن الأصوات سكنت فلا تسمع إلا حركة الأعضاء. وبذلك يعلم أن قول المصنف: الصوت الخفى - أى من الكلام ونحوه - يشبه بصوت الحركة، فقوله: (المراد بالحسى ما أدرك هو أو مادته فدخل فيه الخيالى) يرد عليه ما سبق فينبغى أن يقيد الخيالى بأعم مما ذكره، ومثل له بقوله:

كأنّ محمر الشّقيق إذا تصوّب أو تصعّد
أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

يعنى بما لا يدرك هو ولكن أدركت مادته ما أدركت أفراده بالحس - أى أجزاء كل جزئى منه، ولم يدرك هو أى هيئته الاجتماعية فيكون ملحقا بالحسى؛ لاشتراك الحس والخيال فى أن المدرك بهما صورة لا معنى، ويتميز عن الوهمى بأن أجزاء كل فرد منه موجودة فى الخارج بخلاف الوهمى، وهنا قد شبه الشقيق بأعلام ياقوت منشورة على رماح من زبرجد. فأفراد المشبه به من العلم والياقوت والرماح والزبرجد حسية، والهيئة

الاجتماعية الحاصلة منها خيالية، فالمشبه مفرد حسى، والمشبه به مركب خيالى كذا قاله الخطيبى.

(قلت): قوله: إن أفراد المشبه به العلم والياقوت والرماح والزبرجد مدركة بالحس ليس بجيد؛ لأن الأفراد إنما هى أعلام من ياقوت ورماح من زبرجد، وهما خياليان.

ــ

فليس له إلا مفردان. ثم أقول: كأن الشارح فهم أن المشبه الأعلام والرماح هو المتبادر إلى الذهن، وفيه نظر؛ لأنه يلزم تشبيه محمر الشقيق بالرماح الأخضر، وهو فاسد، بل إنما شبه محمر الشقيق بأعلام من ياقوت، وهى تمام المشبه به. ولصحة هذا التشبيه شرط وهو كون الأعلام من الياقوت معها رماح الزبرجد، ولا يصح فهم البيتين إلا بهذا الوجه، وإلا فسد. وعلى هذا فسد قول الخطيبى والمصنف فيما سيأتى: إنه تشبيه مفرد بمركب. بل هو تشبيه مفرد بمفرد على ما سيأتى تحقيقه فى تشبيه المفرد والمركب إن شاء الله تعالى.

وإن جعل المشبه به مجموع ما ذكر فليجعل المشبه أيضا مجموع الشقيق وساعده، ويكون التقدير: وكأن محمر الشقيق وساعده، إلا أن يقال: اسم الشقيق يشمل الورق والسواعد.

وقول الشاعر: (تصوب) أى مال إلى جهة الهبوط (وتصعد) أى مال إلى الصعود بجهة العلو (وإذا) متعلق بما فى (كأن) من معنى التشبيه. وقوله: (أعلام) كأنه يوهم أن العلم هو المنشور فوق الرماح، وظاهر كلام المحكم خلافه فإنه قال: العلم الراية. وقيل:

هو الذى يعقد على الرمح، وهذا يقتضى ترجيح أنه الرمح نفسه، ويشهد له قولهم: نار على علم فليحرر موضوع العلم.

وقالوا: إن قوله: (محمر الشقيق) من إضافة الصفة إلى موصوفها، وأنه أبلغ من قولنا: الشقيق المحمر.

(قلت): لا حاجة لذلك بل فيه نظر؛ لأن فى الشقيق المحمر والمسود والمبيض، فيكون شبه أحمره بأعلام الياقوت مقيدة بتلك القيود.

واعلم أن الخيالى هنا إنما هو المشبه به والمشبه حسى، فليس التشبيه هنا خياليا فقط، بل يصدق عليه الخيالى

باعتبار المشبه به، والحسى باعتبار المشبه، فينشأ من الحسى والخيالى أربعة أقسام، وأنشد فى الإيضاح للخيالى أيضا قول الشاعر:

كلّنا باسط اليدنحو نيلوفر ندى
كدبابيس عسجدقضبها من زبرجد

ــ

كذا هو فى الإيضاح، ويروى نصبها بالنون والصاد، وهذا المقطوع أحسن من الأول، إلا أن النيلوفر فى بلادنا لا يشبه العسجد.

أخو العلم حىّ خالد بعد موتهوأوصاله تحت التراب رميم
للشاعر ابن السيد البطليوسي، اقرأ القصيدة
وذو الجهل ميت، وهو ماش على الثّرىيظنّ من الأحياء وهو عديم
للشاعر ابن السيد البطليوسي، اقرأ القصيدة

وقوله: (أو عقليان) أخرته، وإن كان المصنف قدمه؛ ليستوفى ما يتعلق بالحسى، وقد مثل العقليين بالعلم والحياة، فإن أراد نفس المصدرين فصحيح، كقولك: علم زيد كالحياة، وإن أراد المشتق منهما وهو الظاهر؛ لأن جماعة مثلوا للعقليين بقول العفيف البصرى.

وكذلك الإمام فخر الدين مثل لهما بالموجود والمعدوم، فصحيح أيضا لا يقال: إن العالم والحى ذاتان مبصرتان؛ لأن المقصود حقيقة العالم والحى العقليين، لا لونهما كما سبق تقريره، ويوضحه قولهم: الأسود ونحوه من المشتق يدل على شئ له السواد، لا على جسم فإذا لم يدل على جسم، لم يكن حسيا غير أنه سيأتى فى كلام المصنف ما يرد عليه هذا قريبا، وسيأتى فى المفتاح فى باب الاستعارة عند الكلام على الريح العقيم ما يقتضى خلاف هذا. وقد يقال عليه أيضا: إن الحى ليس مشبها به، بل صفة لموصوف محذوف تقديره: رجل حى ورجل حسى، ولذلك صرح عبد اللطيف البغدادى بأن هذا كله من مجاز الحذف.

وقوله: (أو مختلفان) أى أحدهما حسى، والآخر عقلى (كالمنية والسبع) مثال لمشبه عقلى، وهو المنية، وهذا صحيح، ومشبه محسوس وهو السبع، وهذا حسى على اصطلاحهم، وفيه البحث السابق؛ لأن تشبيه المنية بالسبع من جهة الافتراس، والسبع لم يقصد لونه، بل قصد حقيقته العقلية، لا يقال: فهو حينئذ على ما ذكرناه فى الحى والعالم فإن السبع ليس مشتقا، والجامد لا شك أنه دال على الجسم فيكون حسيا كالعلم، ونظيره تشبيه العدل بالميزان، وتشبيه القرينة الدالة بالشخص الناطق، كما مثل بالثلاثة السكاكى. والجميع قالوا: إن القسطاس

إنما قصد حقيقته العقلية، وهو عدم الجور، والناطق إنما قصد به ذات لها النطق، والأحسن تمثيله بقولنا سنة: كالنجم.

وقد يعترض على جعل الناطق حسيا؛ بأنه لا يجامع جعل الحى عقليا. ويجاب عنه بأن مراد السكاكى: أن يكون المشبه جامدا ناطقا، لا لفظ الناطق. كقولك: قرينة

وبالعقلىّ: ما عدا ذلك؛ ...

ــ

كلسان ناطق، وقد يمثل أيضا بقوله تعالى: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ وتشبيه الحجة بالنور، وبه مثل الإمام قال: ولا يقال: الحجة مسموعة، بل المعتبر هو المعانى العقلية، وهو شبيه بما قلناه فى الحى، والعالم أنهما عقليان.

وقوله: (والعطر وخلق كريم) مثال لعكسه، فإن العطر المشبه حسى والخلق عقلى، وقد يعترض عليه بأمرين:

أحدهما: أن العطر لا يشبه بالخلق إنما تشبه رائحته بالخلق، وأن العطر نفس الطيب لا رائحته.

الثانى: أن هذا من قلب التشبيه؛ فإنه إنما يشبه خلق الكريم بالعطر.

(تنبيه): لا يجوز عند بعضهم تشبيه المحسوس بالمعقول، وبه جزم الزنجانى فى معيار النظر، والإمام فخر الدين؛ إذ المشبه به يجب أن يكون أظهر من المشبه ولكون المعقول فرع المحسوس، لأنه مستفاد منه، وحيث جاء فى الأشعار يؤول على أنه جعل المعقول محسوسا على سبيل المبالغة، وهذا يستدرجك إلى أن تجعل جميع هذا النوع من باب قلب التشبيه، ولا يجوز عند بعضهم تشبيه واحد منهما بالآخر. قال التنوخى فى الأقصى القريب: تشبيه المعنى بالصورة والصورة بالمعنى لا بد فيه من تجوز، ومن عد تشبيه المعنى بالصورة، ولم يعد تشبيه الصورة بالمعنى لا معنى لترجيحه أحد الأمرين على الآخر، بل إما أن يعدا معا أو لا يعدا معا. انتهى.

وهذا قول ثالث يقتضى نفى تشبيه المعقول بالمحسوس أيضا على سبيل الحقيقة.

(تنبيه): إدراك الحواس علم عند الأشعرى وطائفة، والعلم عقلى فيلزم أن يكون الحسى عقليا، وجوابه: أن المراد بالحسى المدرك لا الإدراك، ألا ترى إلى قولهم:

الحسى ما أدرك.

ص: (والعقلى ما عدا ذلك).

(ش): أى ما عدا الحسى والخيالى، فدخل فيه الوهمى وهو ما ليس بمدرك بها، ولو أدرك لما أدرك إلا بالحواس، وينبغى أن يقال: ما لا يدرك؛ لأن قولنا: ما ليس بمدرك يدخل فيه كل ما يتعلق بالمستقبل، كقولك: إن يأتنى ولد كالبدر أحببته، وعليه قوله

فدخل فيه الوهمى، أى: ما هو غير مدرك بها، ولو أدرك لكان مدركا بها؛ كما فى قوله:

ومسنونة زرق كأنياب أغوال

ــ

تعالى: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ قاله المصنف وغيره: وقد يقال: إنه خيالى؛ لأن الرءوس والشياطين مدركة بالحس؛ لأن الجن يرون، أما الممتنع فالمركب بالإضافة.

على أنه قيل فى الآية: إن رءوس الشياطين ثمرة قبيحة لشجر منكر الصورة، وقيل:

الشياطين الحيات حكاهما ابن رشيق وغيره. وأورد على المصنف أنه حكم بأن الوهمى ما ليس مدركا بالحواس الظاهرة، ولو أدرك لكان مدركا بها، وعبارته فى الإيضاح: لما كان مدركا إلا بها فيلزم أن لا يكون الوهمى مدركا أصلا، والفرض أنه مدرك قطعا.

وأجيب عنه بأن مراده لو أدرك فى الخارج، لكان مدركا بالحواس لا أنه لا يدرك ابتداء إلا بها، وأورد عليه أنه ممنوع لأنا إذا قدرنا مثلا للمنية شيئا كالأظفار، فهذا لو وجد فى الخارج لما كان مدركا بالحواس الظاهرة؛ لأنه صفة المنية، وصفة العقلى لا يكون محسوسا إذا وجد، ومن الوهمى قول امرئ القيس:

أيقتلنى والمشرفىّ مضاجعىومسنونة زرق كأنياب أغوال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

والمشرفى: صفة السيف نسبة إلى مشرف مفرد مشارف، وهى قرى من أراضى العرب، وإنما جعل ذلك من الوهميات؛ لأن الغول لا وجود له، كما ثبت فى الصحيح قوله ﷺ:

" ولا غول" وما فى الصحيح من قوله ﷺ لأبى هريرة - رضى الله عنه -:" إنك تكلم الغول منذ ثلاث" فهو الشيطان، وجعل رءوس الشياطين من الوهمى إشارة إلى أن الشيطان لا رأس له، وأصحابنا ذكروا فى الطلاق لو قال لزوجته: إن لم تكونى أطول شعرا من إبليس، فأنت طالق، قالوا: لا يقع الطلاق للشك.

وما يدرك بالوجدان؛ كاللذة والألم.

ــ

ويتميز الوهمى عن الخيالى بأن المادة فى الخيالى مدركة أى أجزاء كل فرد منه، والوهمى ليس مدركا لا هو ولا مادته.

(قلت): التحرير أن يقال: أجزاء الخيالى (قوله: وما يدرك بالوجدان) أى دخل فى العقلى؛ لأنه يدرك بالقوة الباطنة (كاللذة) وهى إدراك الملائم (والألم) وهو إدراك المنافر، وفى إطلاق ذلك نظر. قال فى شرح التجريد: كل من اللذة والألم حسى وعقلى فإنا نلتذ بالمعارف، وهى عقلية لا تعلق لها بالحس، ونلتذ بمطعوم ومشروب ونتألم بفقدهما فعلى هذا لا يصح تعميم أن كل لذة وألم عقلى، ثم سيأتى فى كلام المصنف فى الوجه ما يخالف هذا. وإنما أدخل الوهمى فى العقلى، والخيالى فى الحسى؛ تقليلا لوجوه التشبيه ما أمكن.

واعلم أن الوجه الخيالى عبارة عن كون الجامع لا يكون موجودا فى المشبه به إلا بتأويل، كما صرح به فى الإيضاح وغيره، والكلام فى ذلك يحتاج إلى تحقيق، فنقول:

قدمنا الخلاف فى جواز تشبيه المحسوس بالمعقول، وأن الجمهور على جوازه، فالوجه إن كان خياليا فى المشبه حقيقيا فى المشبه به فلا وجه لمنعه، فإنه يضاهى تشبيه الخيالى بالحسى، أو العقلى، وإن كان خياليا فيهما، فالظاهر أنه كذلك؛ لأنه تشبيه حسى بحسى أو عقلى بعقلى، وإن كان حسيا فى المشبه خياليا فى المشبه به، فقد قدمنا الخلاف فى تشبيه الحسى بالعقلى، وأن المصنف والأكثرين على جوازه. فإن قلنا به فلا بدع فى أن يكون الوجه خياليا فى المشبه به حسيا فى المشبه وإن منعناه وجعلنا ما ورد منه من قلب التشبيه امتنع فإن عليه أن المشبه به لا بد أن يكون أوضح من المشبه والمعنى فيه أتم؛ لأنه كالأصل المستلحق والمشبه كالفرع الملحق.

إذا تقرر هذا، فاعلم أن المصنف يرى جواز تشبيه الحسى بالخيالى، وأنه ليس من القلب فيلزمه أن يجوز كون الوجه خياليا فى المشبه فقط، أو فى المشبه به فقط، أو فيهما فتفسيره الخيالى بأن يكون الوجه بالتأويل فى المشبه به فيه نظر؛ لأنه ينفى بالمفهوم أن يكون خياليا فيهما أو خياليا فى المشبه فقط، ولعله خلاف الإجماع إلا أن يؤول على أنه نص على هذا، ليفهم منه جواز الآخرين من باب الأولى، والذى يظهر - والله أعلم - أن المصنف أراد المشبه به فى اللفظ فيما ذكره من الأمثلة، فإنه يرى أنها من باب قلب التشبيه كما صرح به فى الإيضاح، وكذلك

السكاكى، ويكون مراده

ووجهه: ما يشتركان فيه تحقيقا أو تخييلا؛ والمراد بالتخييل: نحو ما فى قوله:

وكأنّ النّجوم بين دجاهاسنن لاح بينهنّ ابتداع

ــ

بالحقيقة أن يكون الوجه بالتأويل فى المشبه، ثم يقلب التشبيه غير أنه يقع النزاع معه فى أن ذلك من قلب التشبيه على ما سيأتى.

وقول المصنف: (تحقيقيا أو تخييليا) يبعد أن يكونا منصوبين على المفعول من أجله؛ لأنهما لم يشتركا من أجل ذلك، ولا حالا؛ لأن مجئ الحال مصدرا لا ينقاس على الصحيح، ولا تمييزا؛ لأن الاشتراك ليس من تحقيق ولا تخييل، والأظهر أنهما مصدران مؤكدان.

بقى النظر فى أن قولنا: اشتراكا تخييلا هل حقيقته أن يحصل التخييل فى الطرفين، أو يكفى أن يكون التخييل فى أحدهما، وفيه بحث شريف ذكرناه فى شرح المختصر.

ص: (ووجهه ما يشتركان فيه تحقيقا أو تخييلا إلى قوله الشديد الخضرة).

(ش): وجه الاستعارة هو العلاقة، وهو المعنى الجامع بين المستعار له والمستعار منه واشتراكهما فيه تارة يكون تحقيقا كمشاركة زيد الشجاع للأسد فى معنى الشجاعة كذا قالوه، وهو غير صحيح فإن الشجاعة وصف مركب من العقل والجراءة.

قال الإمام فخر الدين فى المباحث المشرقية فى آخر الفصل السابع من الباب السابع:

الشجاعة مركبة من الإقدام والعقل. انتهى. وعلى هذا ليس فى الأسد شجاعة كما اشتهر على الألسنة فإذا شبه الإنسان بالأسد فالوجه إنما هو الإقدام لا الشجاعة، ونحن وإن أطلقنا ذلك فهو تبع للجمهور، وتارة يكون تخييلا، ولو سمى تخيليا لكان أحسن؛ لأن المستعير متخيل لا مخيل لكنه سمى تخييلا باعتبار تخييله لغيره، وما حيث وقعت فى الحدود نكرة موصوفة بمعنى شئ؛ لكنها فى هذا المحل لا تكون بمعنى شئ لأن الشئ الموجود على مذهب أهل السنة فيلزم أن يكون وجه الشبه وجوديا. لكنه قد يكون عدميا كما سيأتى فى تشبيه الموجود الذى لا ينفع بالمعدوم، والوجه عدم الفائدة.

ثم اعلم أن المراد بالوجه ههنا ما هو أعم من الواحد والمتعدد فإنه سيقسمه إليهما، وقد مثل المصنف للخيالى بقول القاضى التنوخى:

وكأنّ النّجوم بين دجاهاسنن لاح بينهنّ ابتداع

فإنّ وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بيض فى جوانب شئ مظلم أسود، فهى غير موجودة فى المشبّه به إلا على طريق التخييل، وذلك أنه لما كانت البدعة - وكل ما هو جهل - تجعل صاحبها كمن يمشى فى الظلمة، فلا يهتدى للطريق، ولا يأمن أن ينال مكروها شبّهت بها، ولزم بطريق العكس: أن تشبه السنة - وكل ما هو علم - بالنور، وشاع ذلك حتى تخيّل أن الثانى مما له بياض وإشراق؛ نحو: (أتيتكم بالحنيفيّة البيضاء).

ــ

فإن الجامع بينهما الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بيض فى جوانب شئ مظلم، وليس ذلك فى السنن والابتداع إلا على وجه التخييل، هذا معنى عبارة الإيضاح.

(قلت): وتحرير العبارة أنه شبه النجوم بالسنن، والجامع حصول النور، وهو خيالى فى السنن، وشبه الدجى بالابتداع وهو خيالى فى الابتداع، وحصل فى ضمن ذلك تشبيه الهيئة بالهيئة، والتشبيه الصريح إنما هو الأول، والثانى قيد فيه، ثم ذكر المصنف أن كون البدعة تجعل صاحبها فى حكم من يمشى فى الظلمة جعلها مشبهة بالظلمة، ولزم من ذلك تشبيه الهدى بالنور، وأصل ذلك قوله تعالى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وشاع ذلك حتى وصف الأول بالسواد فى قولهم: شاهدت من جبينه سواد الكفر، والثانى بالبياض كقوله ﷺ:" أتيتكم بالحنيفية البيضاء" وليس منه:

" الظلم ظلمات يوم القيامة" لجواز أن يترتب على الظلم نفس الظلمة حقيقة قال:

فصار تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع، كتشبيه النجوم فى الظلام ببياض

والأول على خلاف ذلك؛ كقولك: شاهدت سواد الكفر من جبين فلان؛ فصار تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع، كتشبيهها ببياض الشّيب فى سواد الشباب، أو بالأنوار مؤتلفة بين النبات الشديد الخضرة؛

ــ

الشيب فى سواد الشباب، أو بالأنوار جمع نور بالفتح (بين النبات الشديد الخضرة) ووجهه أنه تخيل ما ليس بمتلون متلونا.

(قلت): يريد أنه صار متخيلا، كما أن اللون تحقق فى بياض الشيب، وكونه جعل التشبيه أولا بين الابتداع والظلمة، وأنه لزم عنه تشبيه الهدى بالنور فيه نظر، والأولى العكس، كما هو نص البيت، فإن الذى دخلت عليه أداة التشبيه هو الأجدر بأن يجعل المقصود وغيره لازم عنه، إلا أن يكون لاحظ فى ذلك تقدم الظلمة فى الخلق على النور، أو لقوله تعالى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ثم يقال: كيف لزم عن تشبيه البدعة بالظلمة تشبيه الهدى بالنور، ومن شبه أحد الضدين بأمر لا يلزمه تشبيه ضده بضده، وليس كل ما ثبت لأحد الضدين ثبت ضده لضده، ولعله يريد انحدار الذهن من تشبيه البدعة بالظلمة إلى تشبيه السنة بالنور.

وقوله: (فصار تشبيه النجوم إلى آخره) هو الموافق لنظم البيت، ولكنه ليس موافقا لما سبق من قوله: شبهت البدعة بالظلم والهدى بالنور فإن مقتضى ذلك أن يقول: فصار تشبيه الهدى بين الابتداع بالنجوم بين الظلام، ولعل الجمع بين كلاميه وأنه أراد أولا التشبيه الأصلى، ثم أراد هنا التشبيه المقلوب.

بقى هنا أمور منها: أن هذا المثال وغيره من أمثلة التخييل، وما تقدم فى حد التخييل يقتضى أن التخييل كله من باب قلب التشبيه، وكلام السكاكى يصرح به البيت السابق ونظائره، والمصنف صرح به فى الإيضاح فى بعض الأمثلة، وعليه شيئان:

أحدهما: أن هذا يخالف قول المصنف شبه أولا كان كذلك ثم قلب.

الثانى: أنا لا نسلم القلب، فإن قال: لأن الخيالى أضعف من الحسى، فلا يجعل أصلا لزمه منع تشبيه الحسى بالخيالى والعقلى، نعم يحتاج إلى دعوى قلب التشبيه إذا علمنا من سياق كلام الشاعر أنه إنما قصد تشبيه السنن والابتداع بالنجوم والظلام ولا نسلم ذلك، بل سيأتى ما يدل على خلافه - إن شاء الله تعالى - ومنها: أن فى البيت

تقديرين:

ــ

أحدهما: أن النجوم هى التى تلوح بين الدجى، وهو قد جعل الابتداع يلوح بين السنن، فالتشبيه غير تام.

الثانى: أن لاح لا يستعمل إلا فيما له إشراق وظهور، وذلك مناسب لأن تجعل فاعله السنن لا الابتداع.

الثالث: وأورده الزنجانى أن الأشياء البيض فى المشبه به ظرف، والسواد مظروف، وفى المشبه بالعكس فكيف يصح أن يكون المشبه الهيئة الاجتماعية؟ وهو قريب من الأول، ولا يصح الجواب بأن لاح مسند إلى ضمير السنن؛ لأن قوله: بينهن ابتداع صريح فى الظرفية؛ ولأن لاح فيه ضمير المؤنث الغائب فلا يصح تذكيره، وإن كان مجازيا على المشهور. وقوله: (ولا أرض أبقل إبقالها) شاذ ولو جوزناه فنهاية ما يحصل به الجواب عن السؤال الثانى ولا يصح الجواب عن هذا والذى قبله بأنه من باب القلب مثل: عرضت الناقة على الحوض، ويكون التقدير: لاحت بين الابتداع؛ لأن القلب لا ينقاس لغة، وهذا الشاعر ليس ممن يحتج بقوله، وأجيب عنه بأن المراد تشبيه النجوم بالسنن، والدجى بالبدع سواء أكان الدجى ظرفا، أم مظروفا ولا يصح؛ لأن رعاية الظرفية هنا مقصودة. نعم قد خطر فى هذا البيت شئ حسن، لا يخلو عن تكلف لكنه ينحل به الإشكال، ويعلم به أنه ليس من قلب التشبيه وأقدم عليه أن قبل هذا البيت:

ربّ ليل قطعته كصدودوفراق ما كان فيه وداع
موحش كالثقيل يقذى به العين وتأبى حديثه الأسماع
وكأنّ النجوم بين دجاهاسنن لاح بينهنّ ابتداع

فهذا الرجل يذكر ليلا مضى له مدلهما شديد السواد، استولت ظلمته على نجومه فسترتها، وتخللت وسطها، فلم يبق فيه شئ من النور. ألا ترى قوله: (كصدود وفراق ما كان فيه وداع) أى ليس فيه شئ من النور، فلو أن نجومه باقية لكان فيه مثل الوداع الذى يتعلل به، فلما وصفه بأنه ظلمة فقط ليس فيه شئ من النور، قال:

فعلم فساد جعله فى قول القائل: النّحو فى الكلام كالملح فى الطعام كون القليل مصلحا والكثير مفسدا؛ لأن النحو لا يحتمل القلة والكثرة؛ بخلاف الملح ....

ــ

وكأن النجوم بين دجاه سنن - أى كأن نجومه الكائنة بين الدجى أى التى استولى الدجى عليها وسترها - لاح الابتداع بينها أى بين أجزاء كل نجم من نجومها فصارت السنن ظرفا، والبدعة مظروفا لها ساترا لها كما أن الظلمة سترت النجوم واستولت عليها استيلاء المظروف، وبهذا ظهر أنه ليس من قلب التشبيه؛ لأن المقصود تشبيه ليلته لا تشبيه بدعته، ولا يقدح فى هذا قوله بعد:

مشرقات كأنهنّ حجاجتقطع الخصم والظّلام انقطاع
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

لأنه يريد أنهن مع كونهن مشرقات غلبت عليها الظلمة فسترتها، وقد ذكر المصنف فى الإيضاح أمثلة كثيرة للوجه الخيالى لم أر الإطالة بذكرها.

ص: (فعلم فساد جعله فى قول القائل: النحو فى الكلام كالملح فى الطعام كون القليل مصلحا، والكثير مفسدا؛ لأن النحو لا يحتمل القلة والكثرة بخلاف الملح).

(ش): أى لكون وجه الشبه ما يشتركان فيه علم فساد جعل الوجه كون القليل مصلحا والكثير مفسدا فى قولهم: النحو فى الكلام كالملح فى الطعام إذ القلة والكثرة إنما يتصور جريانهما فى الملح؛ لأن قليله ينفع وكثيره يضر بالطعام دون النحو، فإنه إن وجد انتفع به كرفع الفاعل ونصب المفعول، وإن لم يوجد لم يوجد النحو فهذا حينئذ ليس بوجه؛ لعدم الاشتراك، وتقريره على هذا الوجه، يقتضى أن المانع فى المشابهة كون النحو لا يتفاوت بالقلة والكثرة، ولكن يمنع ذلك لأن النحو متفاوت قطعا، وقد يعرف النحوى تراكيب كثيرة لا يعرفها نحوى آخر. ويحتمل أن يراد أن التشبيه فاسد؛ لأن النحو كثيره وقليله يصلح بخلاف الملح ولفساد القلة والكثرة وجها، قيل:

الوجه فى هذا التشبيه كون الاستعمال مصلحا والترك مفسدا، ليكون مشتركا بينهما وإليه ذهب عبد القاهر، وقد تكلف للأول بأن كثرة النحو توجب الإقدام على ما لا يتوهم قليل النحو جوازه من تقديم وتأخير وإضمار، فيبقى كبيت الفرزدق السابق، ولعل هذا المراد من قول السكاكى: وربما أمكن تصحيح هذا، ولكن ليس ما يهمنا الآن. وقيل المراد: أن البيت قد يكون له أعاريب، فحمله على المعنى المراد تقليل للنحو وإصلاح، وحمله على تلك الأعاريب، الكثيرة كثرة مضرة، وقيل: لأن النحو مقصود

وهو إما غير خارج عن حقيقتهما؛ كما فى تشبيه ثوب بآخر فى نوعهما، أو جنسهما أو فصلهما. أو خارج صفة؛

إما حقيقية، وهى إما حسية كالكيفيات الجسمية مما يدرك بالبصر: من الألوان، والأشكال، والمقادير، والحركات، وما يتصل بها، أو بالسمع من الأصوات الضعيفة، والقوية، والتى بين بين، أو بالذّوق من الطعوم، أو بالشمّ من الروائح، أو باللمس من الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، والخشونة والملاسة، واللّين والصلابة، والخفة والثقل، وما يتصل بها، أو عقلية، كالكيفيات النفسانية: من الذكاء والعلم، والغضب والحلم، وسائر الغرائز. وإما إضافية؛ كإزالة الحجاب فى تشبيه الحجة بالشمس.

ــ

لغيره من العلوم، فكثرة النحو المستغرقة للعمر مفسدة لمنعها من العلوم المقصودة بالذات، وقيل: ليس المراد العلم بل استعمال أحكامه فى الكلام وفى الإيضاح، ومما يتصل بهذا قول القيروانى:

غيرى جنى وأنا المعاقب فيكمفكأنّنى سبّابة المتدّم
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة

فإنه أخذه من النابغة فى قوله:

لكلفتنى ذنب امرئ وتركتهكذى العر يكوى غيره وهو راتع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

وأفسده؛ لأن سبابة المتندم أول ما يتألم منه فلا يكون المعاقب غير الجانى.

(قلت): وقوله: (أول ما يتألم منه) يريد أن سبابة المتندم تتألم وهى جانية، وفيه نظر؛ لأن سبابة المتندم قد لا تكون جانية بأن يكون الندم وقع على فعل قلبى، أو فعل عضو آخر، وإنما اتصال الأعضاء وجعلها كالشئ الواحد سهل ذلك، ثم يقع النزاع مع المصنف فى جعله هذا مما يتصل بما قبله، وليس منه؛ لأن المصنف يدعى فساد التشبيه هنا لعدم الجامع، والذى قبله التشبيه فيه صحيح وإنما بين له وجها لغير ما يتوهم.

ص: (وهو إما غير خارجإلخ)

(ش): هذا تقسيم ثان لوجه الشبه، وهو أن وجه الشبه إما أن يكون غير خارج عن حقيقتهما أو لا، والأولى أن يقال: حقيقتيهما؛ فإنه ليس لهما حقيقة واحدة، فلا يصح أن يقال: حقيقتهما إلا بتأويل أنه اسم جنس يعمهما بالإضافة، وغير الخارج إما تمام حقيقتهما النوعية كما فى تشبيه ثوب بثوب فى الثوبية وإنسان بإنسان فى

ــ

الإنسانية، ولهذا القسم قال المصنف: غير خارج عن حقيقتيهما، ولم يقل: داخل؛ لأن الكل لا يقال: إنه داخل فى الكل، وإليه أشار بقوله: (فى نوعهما) وأما جزء الحقيقة الذى هو المشترك كتشبيه الفرس بالإنسان، وهو المراد بقوله: أو جنسهما أو جزؤها المميز، كتشبيه زيد بعمرو فى كونه ناطقا، وهذا لم يتعرض له المصنف، وكأنه تركه؛ لأن الاشتراك فى النوع يلزمه الاشتراك فى الفصل، لكنه قد يكون المرعى فى وجه الشبه هو المميز فقط،

وإن كان المتشابهان متحدين بالنوع تقول: زيد كعمرو نطقا، وتقول: إنسانية، وتقول: حيوانية. فإن قلت: كيف يشبه زيد بعمرو فى الإنسانية، والتشبيه إنما هو الدلالة على مشاركة أمر لآخر، والإخبار عن إنسان بأنه مشارك لآخر فى الإنسانية لا فائدة فيه، وأيضا فوجه الشبه من شأنه أن يكون فى المشبه به أتم منه فى المشبه، والإنسانية ونحوها يستحيل فيها التفاوت؛ لأن أشخاص النوع الواحد لا تفاوت فيها، لا يقال: يصح أن يقال: إنسانية زيد أكثر من إنسانية عمرو؛ لأن المعنى بذلك ما يتفاوت فيه من الصفات الخارجية، وليس الكلام إلا فى وجه غير خارج عن الحقيقة.

قلت: لعل المراد أن يكون المشبه مجهول الإنسانية للسامع فيقول: هذا كزيد فى الإنسانية - أى هو إنسان، وإذا اتضح لك الجواب فى هذا فهو بالنسبة إلى المشابهة فى الجنس، أو الفصل أوضح. على أن السكاكى لم يصرح بذلك، إنما قال ما نصه: لما انحصر التشبيه بين أن يكون الاشتراك بالحقيقة، والافتراق بالصفة مثل جسمين أبيض وأسود، وبين أن يكون الاشتراك بالصفة والافتراق بالحقيقة، مثل طولين جسم وخط، والوصف بين أن يكون حسيا وغيره ظهر أن وجه التشبيه يحتمل التفاوت. اهـ ملخصا.

وهذه العبارة وإن كان ظاهرها أن ما به الاتفاق بالحقيقة يكون وجه التشبيه، فهى غير صريحة؛ لاحتمال أن يريد أن من شأن طرفى التشبيه أن يتفقا بالحقيقة ويختلفا بالصفة، لا أن الاتفاق بالحقيقة يكون هو وجه الشبه. ومن تأمل كلامه، وتقسيمه الوصف بعد ذلك جوز هذا الاحتمال فليراجع. ومما يوضح أنه لا يصح تشبيه شخص بشخص فى النوعية أن عبد اللطيف البغدادى قال فى قوانين البلاغة: تشبيه نوع بنوع ونوع بجنس وجنس بنوع، ولا يشبه شخص بشخص من جهة ما هما تحت نوع واحد قريب يعمهما، بل من جهة حالة يشتركان فيها هى فى أحدهما أبين اه.

ــ

وهو صريح فيما قلناه غير أنه قد يرد عليه أنه إذا امتنع تشبيه الشخص بالشخص فى النوعية. امتنع تشبيه النوع بالنوع فى الجنسية فكيف يقول: تشبيه نوع بنوع؟ وقد يجاب: بأن مراده أنه يشبه به بجامع غير النوعية، وأما تشبيه النوع بالجنس فقد يستشكل؛ لأن النوع مشتمل على الجنس، فكيف يشبه الكل بجزئه؟ وقد يجاب بأنه قد يشبه الكل بالجزء؛ لعدم الاعتداد بالجزء الزائد، فتقول: الحيوان الناهق كالحيوان - أى قيد النهيق فيه كالعدم. لا يقال: فقد شبهته بحيوان غير ناهق، وهو تشبيه نوع بنوع؛ لأنا نقول: بل هو مشبه بالحيوان لا بقيد النهيق، ولا عدمه، وكذلك تشبيه الجنس بالنوع فتشبيه الحيوان المطلق بالإنسان باعتبار أن الحيوانية لشرفها كأنها مقيدة

بالنطق.

وإما أن يكون خارجا عن حقيقتهما وهو صفة فهى إما حقيقية، أو إضافية.

فالحقيقية إما حسية وهى الكيفيات الجسمية المدركة بالبصر من الألوان والأشكال والمقادير والحركات ونحوها، ومما يتصل بها من حسن وقبح، أو بالسمع من الأصوات الضعيفة والقوية، والتى بين بين أى بين القوة والضعف، أو بالذوق من الطعوم، أو بالشم من الروائح، أو باللمس من الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، والخشونة، والملاسة، واللين، والصلابة، والخفة، والثقل، وما يتصل بالمذكور من حسن وقبح وتوسط فيهما، وصفات تشبهها. والضمير فى قوله: بها فى الأول والثانى للأمثلة لا للكيفيات، وإلا لزم التكرار أو يريد غير ذلك من الكيفيات الجسمية؛ لأنها لا تنحصر فيما ذكره، أو تكون عقلية كالكيفيات النفسية من الذكاء والعلم والغضب والحلم وسائر الغرائز، والإضافية كإزالة الحجاب فى تشبيه الحجة بالشمس فإنها إضافية لا تتعقل إلا بالإضافة إلى ما يزال بها، ومن الإضافى اعتبار الشئ فى محل دون محل ككون الكلام مقبولا عند شخص متروكا عند آخر.

(تنبيه): نشير فيه إلى شئ من معانى هذه الألفاظ السابقة على اصطلاح القوم.

الجنس: كلى مقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة فى جواب ما هو، والنوع: كلى مقول على واحد أو كثيرين متفقين بالحقيقة فى جواب ما هو، والصفة الحقيقية: ما لها تقرر فى ذات الموصوف، والصفة الإضافية: ما ليس لها تقرر فى ذات الموصوف، واعتبرها العقل فى شئ بالنسبة لغيره، والحسية: ما كانت مدركة بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، والأشكال: جمع شكل وهى هيئة تعرض للشئ بواسطة إحاطة حد

ــ

واحد كالكرة، أو حدود كالمثلث والمربع، والمقادير: جمع مقدار، وهو الكم المتصل كالخط والسطح والجسم التعليمى.

والحركة: هى عند المتكلمين حصول الجوهر فى حيز بعد أن كان فى حيز آخر.

وعند الحكماء: الخروج من القوة إلى الفعل على التدريج.

والرطوبة: كيفية يكون الجسم بسببها سهل الاتصال والانفصال؛ واليبوسة: كيفية يكون الجسم بسببها غير متساوى الأجزاء فى الوضع والملاسة استواء الأجزاء فى الوضع.

واللين: كيفية يكون الجسم بسببها ضعيف المعاوقة لملاقيه.

والصلابة: كيفية يكون الجسم بها قوى المعاوقة لملاقيه.

والخفة: هى المعاونة التى تحس فى الجسم عند قصد حركته إلى فوق.

والثقل: المعاونة التى تحس فى الجسم عند قصد حركته إلى أسفل.

والذكاء: كيفية نفسانية يتنبه الإنسان بها على الإدراك بسرعة.

والعلم: حصول صورة الشئ فى الذهن وإن أردت التصديق فهو اعتقاد جازم مطابق لموجب.

والحلم: كيفية نفسانية تقتضى العفو عن الذنب مع القدرة.

والغضب: كيفية نفسانية تقتضى إرادة الانتقام. وقيل: تغير يحصل عند غليان دم القلب لقصد الانتقام.

والغرائز: جمع غريزة وهى صفة طبيعية خلقت النفس عليها بخلاف الأخلاق، فإنها: ملكة نفسانية حصلت بحسب العادة، والشيرازى قال: الذكاء حدة القلب، والغضب: تغير يحصل عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام، وقيل: الخفة: قوة يحصل من محلها بواسطتها مدافعة صاعدة، والثقل: قوة يحصل من محلها بواسطة مدافعة هابطة، وفى هذه الحدود مناقشات ومباحث ليس هذا العلم محلها.

واعلم أن اللين والصلابة قال فى شرح التجريد: إنهما من الكيفيات الاستعدادية فاللين يكون الجسم به مستعدا للانغماز، ويكون له به قوام غير سيال فينتقل من موضعه، ولا يمتد كثيرا ولا يتفرق بسهولة، وإنما قبول الغمز من الرطوبة وتماسكه من اليبوسة، والصلابة كيفية تقتضى مقابل ذلك، ولما كان استعداد الجسم للانغماز من الرطوبة، وتماسكه إلى حد الصلابة من اليبوسة، والرطوبة واليبوسة من الملموسات عد اللين والصلابة منها.

وأيضا: إما واحد، أو بمنزلة الواحد؛ لكونه مركّبا من متعدد، وكلّ منهما حسى، أو عقلى، وإما متعدد كذلك، أو مختلف:

والحسى طرفاه حسيان لا غير؛ لامتناع أن يدرك بالحس من غير الحسى شئ.

والعقلى أعم؛ لجواز أن يدرك بالعقل من الحسى شئ؛ ولذلك يقال: التشبيه بالوجه العقلى أعم.

فإن قيل: هو مشترك فيه؛ فهو كلىّ، والحسى ليس بكلىّ خ خ:

قلنا: المراد أنّ أفراده مدركة بالحسّ.

ــ

ص: (وأيضا إما واحد إلى قوله مدركة بالحس).

(ش): هذا تقسيم ثالث لوجه الشبه فهو إما أن يكون واحدا، أو بمنزلة الواحد لكونه مركبا من متعدد، وكل منهما أى من الواحد ومن المركب الذى هو بمنزلة الواحد حسى، أو عقلى، وإما متعدد كذلك، أى حسى، أو عقلى، أو مختلف

بأن يكون مركبا من حسى وعقلى، واقتضى كلامه أن الاختلاف لا يأتى فى القسمين السابقين، وأورد عليه الخطيبى أنه قد يأتى فى الثانى باعتبار الأجزاء لا بطرفها. فالنظر إلى المركب إنما هو للهيئة الاجتماعية، وهى إما حسية فقط، أو عقلية فقط، والحسى لا يكون طرفاه إلا حسيين لاستحالة أن يدرك بالحس شئ من غير الحسى، والعقلى طرفاه: إما عقليان، أو حسيان، أو مختلفان. فالعقلى أعم. فمتى كان واحد من الطرفين عقليا، كان الوجه عقليا، لجواز أن يدرك بالعقل شئ من الحسى. ولذلك يقال: التشبيه بالوجه العقلى أعم منه بالوجه الحسى، وإنما قلنا لجواز ولم نقل لوجوب؛ لأن الحسى قد يدرك حيث لا عقل كإدراك الحيوان. معنى ذلك أن من شبه بوجه حسى، فقد شبه بوجه عقلى، لا لأن كل وجه حسى عقلى، بل لأن من ضرورة التشبيه أن يكون ذلك الحسى قد علم وتعقل، وإن كان الجامع فى نفسه قد يكون حسيا لا عقليا كإدراك الحيوانات غير الإنسان فقول المصنف: (العقلى أعم) فيه نظر إلا باعتبار الصدق فى الواقع على ما ذكرناه (قوله: فإن قيل) إشارة إلى سؤال ذكره فى المفتاح، فقال: وهاهنا نكتة لا بد من التنبيه عليها، وهو أن التحقيق فى وجه الشبه يأبى أن يكون غير عقلى، وذكر ما أشرنا إليه فيما سبق، من أن المحسوس

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.