من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)
الاستعارة
والاستعارة قد تقيد بالتحقيقيّة؛ لتحقق معناها حسّا أو عقلا؛ ...
ــ
ونحوه مصرحا بأن الشفة والأنف موضوعان للعضو من الإنسان، وإن قصد التشبيه صار اللفظ استعارة كقولهم فى موضع الذم: غليظ المشفر، فإنه بمنزلة أن يقال: كأن شفتيه فى الغلظ مشفر البعير.
(تنبيه): إذا كان للمجاز علاقتان أو أكثر واحتمل التجوز عن كل، فمقتضى كلام الأصوليين أن أقوى العلاقات اعتبار الجزئية بأن يطلق الكل ويراد البعض. ألا ترى أنهم جعلوا التخصيص خيرا من المجاز، والتخصيص من إطلاق الكل وإرادة البعض، على ما ذكره الإمام فخر الدين وإن كان فيه خدش فإن دلالة العموم كلية لا كل، ومرادنا بالتخصيص إطلاق العام وإرادة الخاص، ولا إشكال فى أن إطلاق الكل على الجزء أولى من عكسه لاشتمال الكل على الجزء، فإن إطلاق السبب على المسبب أولى من عكسه؛ لاقتضاء السبب مسببا معينا بخلاف العكس، وأن أقوى الأسباب السبب الغائى لاجتماع السببية والمسببية فيه، وأن إطلاق الملزوم على اللازم أولى من العكس؛ لعدم اقتضاء الثانى الأول، إلا أن يكون لازما مساويا، وأن إطلاق الحال على المحل أولى من عكسه؛ لاستحالة وجود الحال دون محل.
واعلم أن للحقيقة والمجاز مباحث شريفة وتحقيقات لطيفة، ذكرتها فى شرح المختصر فعليك بمراجعتها.
الاستعارة: ص: (والاستعارة قد تقيد بالتحقيقية إلخ).
(ش): هذا هو القسم الثانى من قسمى المجاز وهو ما كانت علاقته تشبيه معناه بموضوعه كما قال المصنف، وعلى ما حققناه ما كانت علاقته التشبيه بشرط قصد المبالغة، ومن الناس من يطلق الكلام على الاستعارة ومنهم من يقيدها بالتحقيقية وإنما كان كذلك لأن الاستعارة تنقسم إلى: استعارة بالكناية وغيرها، والاستعارة بالكناية
تنقسم إلى: مصرح بها وغيره، فالمصرح بها تنقسم إلى تحقيقية وتخييلية، فالاستعارة ثلاثة أقسام: مصرح بها تحقيقية وهى أن يذكر المشبه به مرادا به المشبه ويكون المشبه
كقوله:
لدى أسد شاكى السّلاح مقذّف
أى: رجل شجاع،
ــ
أمرا تحقيقيا إما حسا أو عقلا، ومصرح بها خيالية وهى أن يكون المشبه المتروك أمرا وهميا لا تحقق له فى الخارج، واستعارة غير مصرح بها وهى الاستعارة بالكناية وهو ذكر المشبه مرادا به المشبه به مثل:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها
هذه طريق السكاكى، فالاستعارة عنده حينئذ ثلاثة أقسام كلها مجاز، والمصنف يرى أن الاستعارة على التحقيق مع التحقيقية. أما الاستعارة بالكناية: فليست عنده استعارة فى الحقيقة؛ لأن المنية عنده مستعملة فى موضوعها كما سيأتى. وأما التخييلية: وهو ما إذا كان المشبه وهميا؛ فلأنها عنده لا تستعمل إلا تبعا للاستعارة بالكناية وسيأتى إفرادها بالذكر فلذلك أطلق هذا الفصل، ثم قال:" وقد تقيد بالتحقيقية" أى بناء على انقسامها إلى النوعين فيفيد حينئذ التخصيص؛ لإفراد تلك بفصل، أو بقيد للإيضاح، إن مشينا على رأيه وعلى القولين فنجعل هذا الباب مقصورا على الاستعارة التحقيقية، وإنما تقيد بالتحقيقية لتحقق معنى الاستعارة فيها؛ لأن المشبه فى غيرها ليس محققا، وما ليس محققا ليس جديرا بأن يستعار له لفظ موضوع لغيره، ويحتمل أن يكون التقدير سميت تحقيقية لتحقق معناها، أى معنى الاستعارة وهو المشبه، وتحقق ذلك المعنى تارة يكون حسا وتارة يكون عقلا، فالحسى كإطلاق الأسد على الرجل الشجاع فى نحو قول زهير:
لدى أسد شاكى السّلاح مقذّفله لبد أظفاره لم تقلّم
وقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أى: الدّين الحقّ.
ــ
فإن أسدا هنا استعارة تحقيقية؛ لأن معناه وهو الرجل الشجاع أمر محقق حسى، وتارة يكون عقليا كقولك:" أبديت نورا" تريد حجة فإن الحجة عقلية لا حسية، فإنها تدرك بالعقل، وليست الألفاظ هى الحجة، فتكون حسية، بل الألفاظ دالة على الحجة، وكذلك قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أى الدين الحق، فإن الصراط حقيقة فى الطريق الجادة. واختلفوا فى قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ فظاهر كلام الزمخشرى أنها عقلية؛ لأنه قال: شبه ما غشى الإنسان من بعض الحوادث باللباس؛ لاشتماله على اللابس. وظاهر كلام السكاكى أنها حسية؛ لأنه جعل اللباس استعارة لما يلبس الإنسان عند جوعه وخوفه من انتقاع اللون ورثاثة الهيئة.
قلت: وليس كلام الزمخشرى واضحا فى أن المشبه عقلى؛ لأنه جعل المشبه ما غشى الإنسان من بعض الحوادث، فقد يريد به ما يحصل من الجوع والخوف من انتقاع اللون كما قال السكاكى.
واعلم أن قولنا: إن المشبه هنا عقلى أو حسى إنما نريد بالحسى فيه الحس الحقيقى لا الخيالى، فإن الخيالى داخل هنا فى حكم الوهمى فيكون من قسم الاستعارة التخييلية، ونريد بالعقلى أعم من الوجدانى، ألا ترى أن الجوع والخوف وجدانيان وقد سموهما عقليين، ونريد بالوهمى أعم من الخيالى، وهذا كله على خلاف الاصطلاح السابق فى أركان التشبيه، فإنا ألحقنا الخيالى بالحسى، والوهمى بالعقلى، ثم اعلم أن هذه الآية سيأتى ذكرها عند الكلام على تحقيق معنى الاستعارة التخييلية، وسيأتى على كون المشبه هنا عقليا إشكال، وعلى جعل هذا استعارة إشكال، وكلاهما يناقض هذا فليطلب من موضعه.
واعلم أن ما جزم به المصنف من كون الاستعارة فى اللباس تحقيقية إما عقلية أو حسية، مخالف لما قاله السكاكى من أنها تخييلية، والحق أنها عقلية، لأن الضرر الحاصل بالجوع والخوف محقق. قال فى الإيضاح: ومن لطيف هذا الضرب ما يقع التشبيه فيه فى الحركات كقول أبى دلامة يصف بغلته
أرى الشّهباء تعجن إن غدونابرجليها وتخبز باليدين
ودليل أنها مجاز لغوىّ: كونها موضوعة للمشبّه به، لا للمشبّه، ولا للأعمّ منهما.
ــ
ص: (ودليل أنها مجاز لغوى إلخ).
(ش): قد علمت أن هذا الباب معقود للاستعارة التحقيقية، والاستعارة لفظ تضمن تشبيه معناه بما وضع له، والمراد بمعناه ما عنى به، أى ما استعمل فيه، وبهذا علم أن الاستعارة لا بد لها من الاستعمال فى غير موضوع اللفظ، فخرج بهذا نحو:" زيد أسد" فإنه تشبيه على رأى المصنف، ونحوه:" رأيته أسدا" فكل منهما تشبيه كما سبق، وخرج به نحو:" رأيت به أسدا" فليس استعارة ولا تشبيها، بل هو تجريد، وسيأتى الكلام عليه إن شاء الله - تعالى - وحاصله أن الكلام إذا اشتمل على المشبه به، فالمشبه إما أن يكون - أيضا - مذكورا لفظا أو تقديرا أو لا، فإن لم يكن الكلام استعارة - وليس تشبيها بلا خلاف - مثل:" لقيت أسدا" تريد شجاعا، كذا قال المصنف، وليس كما قال، فالخلاف فيه موجود. قال أبو الحسن حازم بن محمد بن حازم فى كتاب منهاج البلغاء وسراج الأدباء: التشبيه بغير حرف شبيه بالاستعارة فى بعض المواضع، والفرق بينهما أن الاستعارة وإن كان فيها معنى التشبيه فتقدير حرف التشبيه لا يسوغ فيها، والتشبيه بغير حرف على خلاف ذلك لأن تقدير حرف التشبيه واجب فيه ألا ترى إلى قول الوأواء الدمشقى:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقتوردا وعضّت على العنّاب بالبرد
يسوغ لك أن تقدره:" وعضت على مثل العناب بمثل البرد"، وكذلك سائر ما فى البيت، ولا يسوغ ذلك فى الاستعارة نحو قول ابن نباتة
حتى إذا بهر الأباطح والربانظرت إليك بأعين النوار
لأنه لا يصح أن تقدر:" نظرت إليك بمثل أعين النوار" اه والتحقيق أنه إن لم يصح تقدير أداة التشبيه فهو استعارة، وإن صح فيحتمل أن يكون استعارة وأن يكون تشبيها، فإذا قلت:" رأيت أسدا" جاز أن يكون تشبيها، والمشبه به باق على حقيقته على تقدير الحذف، وأن يكون استعارة ولا تقدير، وعليه أنشد الأدباء بيت الوأواء لأنه مقصود الشاعر، وذلك يفهم من كل مكان على حسبه، والغالب عند قصد
ــ
المبالغة إرادة الاستعارة، كقوله تعالى: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ وإن كان المشبه مذكورا، فالمشبه به إن كان خبر مبتدأ أو نحوه مثل:" كان"،" وإن" أو المفعول الثانى من باب علمت، فقد تقدم الكلام عليه، وإن رأى المصنف أنه تشبيه، والمختار جواز الأمرين فيه، فنحن ننازعه فى تعين" زيد أسد" للتشبيه، كما ذكرناه فيما سبق، وننازعه فى تعين" رأيت أسدا" للاستعارة، كما ذكرناه الآن، وإن لم يكن المشبه به كذلك فهو تجريد، وسيأتى الكلام عليه إذا تقرر هذا، فالاستعارة اختلف فيها، هل هى مجاز لغوى أو عقلى؟ والشيخ عبد القاهر يردد القول بينهما، فالجمهور على أنها مجاز لغوى، وإليه ذهب المصنف، والحاتمى شيخ السكاكى، بمعنى أن" أسدا" من قولك:" رأيت أسدا" مستعمل فى غير موضوعه، واستدلّ عليه بأن القرينة منصوبة معه، ولو كان حقيقة لما احتاج إلى القرينة، وهو ضعيف، فإن القرينة قد تكون لإرادة الأسد الذى هو إنسان بالدعاء، واستدل المصنف عليه بأنها، أى:
بأن لفظها أى اللفظ المستعمل فيها موضوع للمشبه به فإن لفظ" الأسد" موضوع للحيوان المفترس لا للمشبه، وهو الرجل الشجاع، ولا لشئ له الشجاعة أعم من أن يكون الرجل الشجاع، أو الحيوان المفترس، وإذا لم يكن موضوعا للرجل الشجاع ولا لأعم منه ومن غيره كان مستعملا فى غير ما وضع له وهو شأن المجاز، وإنما قال: ولا لأعم منه؛ لأن اللفظ لو كان موضوعا لأعم منهما لكان متواطئا، أو مشككا، فيكون حقيقة بالنسبة إليهما.
وقد يعترض على هذا بأن يقال: إطلاق المتواطئ على أحد نوعيه مجاز على قول مشهور، لكن ليس هذا موضع تحقيق هذا البحث، وقد حققناه فى شرح مختصر ابن الحاجب، وأيضا فالمصنف قال فى الإيضاح: لو كان موضوعا لأحدهما لكان استعماله فى الرجل الشجاع من جهة التحقيق لا من جهة التشبيه، وهذا المعنى، وهو لزوم عدم التشبيه لازم للتواطؤ سواء أكان استعماله فى أحدهما حقيقة أم مجازا؛ لأن التجوز فى إطلاق الأعم على الأخص باعتبار زيادة قيد الشخص لا باعتبار تشبيه معناه بأصله، فهو للتحقيق، أى ليس للتشبيه سواء أكان حقيقة أم مجازا، وبهذا ظهر الجواب عن قول الخطيبى: لا نسلم أنه
وقيل: إنها مجاز عقلى بمعنى: أن التصرّف فى أمر عقلىّ لا لغوى؛ لأنها لما لم تطلق على المشبّه، إلا بعد ادّعاء
دخوله فى جنس المشبّه به. كان استعمالها فيما وضعت له؛ ولهذا صحّ التعجّب فى قوله:
قامت تظلّلنى من الشّمسنفس أعزّ علىّ من نفسى
قامت تظلّلنى ومن عجبشمس تظلّلنى من الشّمس
ــ
للتحقيق إذ الوضع لأعم منهما. واستدل المصنف فى الإيضاح بأنه لو كان موضوعا للشجاع مطلقا لكان وصفا لا اسم جنس وفيه نظر؛ لأن الخصم يقول: اسم الجنس موضوعه حيوان شجاع، ولعمرى لقد كان المصنف مستغنيا عن الاستدلال على هذا فإنه لا ينازع أحد أن الاستعارة موضوعة فى الأصل لمعناها الأصلى، وأنها ليست موضوعة للأعم، إنما النزاع فى شئ وراء ذلك، كما سنبينه، وإن كان المصنف قصد أن يستوعب الأقسام الممكنة فبقى عليه أن يكون اللفظ موضوعا لكل منهما بالاشتراك وقيل:
الاستعارة مجاز عقلى، بمعنى أن التصرف فيها فى أمر عقلى لا لغوى، لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله فى جنس المشبه به، فلما لم تطلق الاستعارة على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله فى جنس المشبه به، كان استعمالها فيما وضعت له فيكون حقيقة لغوية ليس فيها غير نقل الاسم وحده، وليس نقل الاسم المجرد استعارة؛ لأنه لا بلاغة فى مجرد نقل الاسم؛ لأن الأعلام المنقولة نحو:" يزيد، ويشكر" ليست استعارة، فلم يبق إلا أن يكون مجازا عقليا، بمعنى أن العقل جعل حقيقة الأسد أعم من الرجل الشجاع، وأطلقه عليه، فنقل الاسم تبع لنقل المعنى، قالوا: ولذلك صح التعجب فى قول ابن العميد:
قامت تظلّلنى من الشمسنفس أعزّ علىّ من نفسى
قامت تظلّلنى ومن عجبشمس تظللنى من الشمس
وصح النهى عنه أى عن التعجب فى قوله:
والنهى عنه قوله:
لا تعجبوا من بلى غلالتهقد زرّ أزراره على القمر
وردّ: بأن الادعاء لا يقتضى كونها مستعملة فيما وضعت له، وأمّا التعجّب، والنهى عنه: فللبناء على تناسى التشبيه؛ قضاء لحقّ المبالغة.
ــ
لا تعجبوا من بلى غلالتهقد زرّ أزراره على القمر
ومنه قوله:
ترى الثياب من الكتّان يلمحهانور من البدر أحيانا فيبليها
فكيف تنكر أن تبلى معاجرهاوالبدر فى كلّ وقت طالع فيها
وتسميتهم هذا تعجبا نظرا إلى اللغة، فإن قوله:" من عجب" ليس تعجبا اصطلاحيا، وهذان البيتان أحسن مما قبلهما، فإن الذى يقال: إنه يبلى بنور القمر: هو الكتان، لا مطلق الغلالة. ووجه التعجب أن الشمس الحقيقية لا تظلل من الشمس؛ لأنها تحتاج إلى ما يظلل منها لنورها، والبدر الحقيقى يتعجب من عدم تأثيره فى بلى الكتان، فلو لم يكن حقيقة لما تعجب، ورد على هذا القائل فيما احتج به. أما قوله:
إنها لم تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله فى جنس المشبه به، فذلك لا يخرج اللفظ عن كونه مستعملا فى غير ما وضع له، فإن قلت: كيف لا يخرجه وادعاء أنه أسد حقيقى كقوله: هذا أسد حقيقى وذلك يصيره حقيقة. قلت: لأن ادعاء ذلك ليس حقيقيا، بل ادعاء مجازيا. وفيه نظر، فإن الادعاء المجازى مضمون الجملة لا مضمون الاستعارة فقط، وأما التعجب والنهى فللبناء على تناسى التشبيه قضاء لحق المبالغة، وفيهما أيضا نوع تجوز، ويحتمل أن يقال: الاستعارة هنا أصلها التشبيه من كل وجه مبالغة، فهو كالتشبيه المشروط فى نحو قوله:
ــ
آراؤه مثل النّجوم ثواقبالو لم يكن للثاقبات أفول
فإن المراد أنها مثل النجوم من كل وجه، فلذلك شرط عدم الأفول فتقدير الكلام هنا فى التعجب: كيف لا تبلى غلالته، وهو كالبدر من كل وجه، وحينئذ فالتعجب لا ينافى المجاز، وإذا كان قولنا:" كالبدر من كل وجه" لا ينكر التعجب بما ذكر، فالاستعارة التى هى أبلغ منه أولى، إلا أن يقال: بلى الغلالة ليس من الأوجه التى يقصد أن يشبه
بها المستعار له، لأنه ليس وصفا مقصودا، ومعنى قولنا:" هو كالبدر من كل وجه" أى كل وجه حسن مقصود. ثم أورد السكاكى أن الإصرار على ادعاء الأسدية للرجل الشجاع ينافى نصب القرينة المانعة من إرادة السبع المخصوص، كقولك: جاء أسد يرمى بالنشاب، وأجاب بمنع المنافاة، لأن مبنى دعوى الأسدية لزيد على ادعاء أن أفراد جنس الأسد قسمان: قسم متعارف، وهو الحيوان المعروف، وغير متعارف، وهو الذى له تلك القوة والجراءة، لا مع تلك الصورة، بل مع صورة أخرى على نحو ما ارتكب المتنبى فى عد نفسه وجماعته من جنس الجن، وعد جماله من جنس الطير حيث قال:
نحن قوم ملجنّ فى زىّ ناسفوق طير لها شخوص الجمال
ومنه قولهم:
تحية بينهم ضرب وجيع
وقوله تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وقول الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيسإلا اليعافير وإلا العيس
والاستعارة: تفارق الكذب: بالبناء على التأويل، ونصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر.
ولا تكون علما؛ لمنافاته الجنسيّة؛ إلا إذا تضمّن نوع وصفيّة؛ كحاتم.
ــ
كذا قال السكاكى، وفيه نظر؛ لأن البيت والآية على أحد القولين الاستثناء فيهما منقطع، وإذا كان منقطعا فلا نقدر أن المستثنى فرد من أفراد المستثنى منه، إذ لو قدرناه وأطلقنا المستثنى منه على أعم من المستثنى لكان الاستثناء متصلا؛ ولذلك كان الاستثناء المنقطع بتقدير لكن، وما بعده جملة، كما صرح به الأكثرون فلو قدرنا
المستثنى داخلا فى المستثنى منه مجازا لكان متصلا. وقول النحاة: إن الاستثناء المنقطع لا بد فيه من المناسبة، لا يعنون به أنا نطلق المستثنى منه على أعم منه مجازا قبل الاستثناء، بل يعنون أن المناسبة شرط لصحة استعمال" إلا" بمعنى" لكن"، فالتجوز فى المنقطع إنما هو فى استعمال إلا بمعنى لكن لا فى المستثنى منه، وإن كان قد وقع فى كلام بعض النحاة ما يوافق كلام السكاكى، والتحقيق ما قلناه، ويدل لصحة ما قلناه أن الزمخشرى ذكر هذا الوجه ثم قال:" ولك أن تجعل الاستثناء منقطعا، فدل على تغايرهما.
الاستعارة تفارق الكذب: ص: (والاستعارة تفارق الكذب إلخ).
(ش): شرع فى أحكام الاستعارة فالأول منها أنها ليست بكذب لأمرين: أحدهما خفى معنوى، وهو البناء على التأويل؛ لأن الكاذب غير متأوّل، والمستعير متأول ناظر إلى العلاقة الجامعة وقد التبس ذلك على الظاهرية، فادعوا أن المجاز كذب، ونفوا وقوعه فى كلام المعصوم، وهو وهم منهم، الثانى: أمر ظاهر لفظى، أو غير لفظى، وهو كالفرع عن الأول أن المجاز ينصب قائله قرينة تصرف اللفظ عن حقيقته، وتبين أنه أراد ظاهره الموضوع له.
ص: (ولا تكون علما إلخ).
(ش): لما قرر المصنف أن الاستعارة لا بد لها من ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به، علم أن المشبه به لا بد أن يكون جنسا، فاستحال أن يكون اللفظ المستعار علما، لأنه ليس موضوعا لجنس يمكن أن يدعى دخول المشبه فيه ويرد على المصنف أمران:
ــ
أحدهما: أن هذه علة تستلزم أحد نوعى المدعى، وهو علم الشخص أما علم الجنس، فما ذكره لا يقتضى أن يمتنع التجوز به إلى غيره فيقال:" رأيت أسامة" يعنى" زيدا الشجاع" والظاهر أن ذلك جائز، وقد قررت فى شرح المختصر أن علم الجنس كلى، وأن ما أطلقوه من أن الأعلام جزئية محمول على أعلام الأشخاص.
الثانى: أنه لو كانت العلة فى امتناع أن تكون الاستعارة علما ما ذكره لجاز التجوز فى الأعلام بالمجاز المرسل؛ لأنه ليس فيه مشبه ولا مشبه به، ولا ادعاء، والظاهر أن ذلك لا يجوز فلا نقول:" جاء زيد" تعنى" رأسه"، وقد صرح بذلك الإمام فخر الدين فى المحصول، حيث قال: إن نحو: رأيت زيدا، وضربت زيدا مجاز عقلى، لأن الأعلام لا يتجوز عنها، ويشهد لذلك أيضا أن المجاز فرع الحقيقة، والعلم ليس حقيقة ولا مجازا، فكيف يتجوز عنه. واستدل المصنف فى الإيضاح على أن الاستعارة لا تدخل فى الأعلام بأن العلم لا يدل إلا على تعيين شئ من غير
إشعار بأنه إنسان أو غيره فلا اشتراك بين معناه وغيره إلا فى مجرد التعيين.
ونحوه من العوارض العامة التى لا يكفى شئ منها جامعا فى الاستعارة (قوله:
إلا إذا تضمن نوع وصفية كحاتم) يشير إلى أن العلم إذا تضمن وصفا كما أن اسم حاتم تضمن وصف الجود لشهرته به ومادر تضمن وصف البخل وما أشبههما، فيجوز أن يقال:" جاء حاتم" تعنى" زيد" (قلت): ولا حاجة لهذا الاستثناء بل هو منقطع؛ لأن ذلك إنما يفعل بعد تنكير العلم وتنكير العلم قد يكون تقديرا، وهذا منه، ومنه قول أبى سفيان: لا قريش بعد اليوم. فالاستعارة حينئذ لم تلاق العلم، بل لاقت النكرة، ويسمى هذا حينئذ استعارة تبعية، كما سيأتى. وقد قيل: إنها تتحمل الضمير وأما قوله: إن نحو:" حاتم" تضمن وصفا، فليس كذلك، فإن لفظ" حاتم" لم يتضمن الجود، ولم يدل عليه لا قبل العلمية، ولا معها، ولا بعدها، وإنما مسمى العلم موصوف يوصف اشتهر عنه وعبارته توهم أن المراد الأعلام المنقولة من الصفات، كالفضل مثلا، فإنه لو اشتهر شخص سمى بالفضل بفضل، جاز أن تقول: مررت بالفضل، مريدا شخصا يشبهه فى الفضل، فذلك واضح، ويمكن ادعاء دخول الاستعارة فيه، كما قيل: إنه يتحمل ضميرا، لكن ليس هذا المراد بدليل التمثيل بحاتم ومادر، وقوله: تضمن الوصفية يوهم هذا. وحاتم الطائى
وقرينتها: إما أمر واحد؛ كما فى قولك: رأيت أسدا يرمى خ خ، أو أكثر؛ كقوله:
فإن تعافوا العدل والإيمانافإنّ فى أيماننا نيرانا
ــ
خبره فى الجود مشهور، ومادر رجل من هلال بن عامر بن صعصعة، يضرب به المثل فى البخل، تقول العرب:" أبخل من مادر" لأنه سقى إبله فبقى فى أسفل الحوض ماء قليل، فسلح فيه ومدر به حوضه بخلا أن يشرب من فضله.
القرينة قد تكون أمرا واحدا: ص: (وقرينتها إما أمر واحد إلخ).
(ش): لما قدم أن الاستعارة تفارق الكذب بنصب القرينة علم أنها لازمة لها، فتلك القرينة قد تكون أمرا واحدا، وقد تكون أكثر، والمراد بالقرينة ما يمتنع معه صرف الكلام إلى حقيقته. فالأمر الواحد مثل:" رأيت أسدا يرمى" فإن وصفه بالرمى بالنشاب قرينة أنه ليس الحيوان المفترس، والأكثر مثله المصنف يقول بعض العرب:
فإن تعافوا العدل والإيمانافإنّ فى أيماننا نيرانا
أى سيوفا تلمع كأنها نيران، فقوله: تعافوا باعتبار كل واحد من تعلقه بالعدل وتعلقه بالإيمان قرينة لذلك، لدلالته على أن جوابه تحاربون وتقهرون بالسيف، كذا قال المصنف. وفيه نظر؛ لأن تعافوا العدل والإيمان إذا كان قرينة
فى حصول القهر، فالقهر لا يستلزم السيف، بل يستلزم مطلق العقوبة، فقد تكون بالنيران؛ لأن النار أحد أنواع القتال، فإن قيل: الغالب القتال بالسلاح قلنا: فالقرينة حينئذ ليست ما ذكر فقط، بل هى منضمة إلى هذا. وقول الطيبى: لأن العذاب بالنار لا يكون إلا للواحد القهار، كلام صحيح، إلا أنه استدلال عجيب؛ لأن قائل هذا البيت إن لزم كونه مؤمنا لذكره الإيمان فمن أين لنا أنه لم يتوعد بالنار، وقد يقع من المؤمن عصيانا أو تخويفا سلمناه أليس التوصل إلى الكفار بالتحريق جائزا عند الحاجة إليه بلا إشكال؟ ولو لم يكن جاز أن يراد نار الآخرة ولفظ الإيمان لا ينفى ذلك، على معنى أن أيدى المؤمنين كان فيها نار الآخرة مرسلة على الكفار - سلمنا أنه قرينة تصرفه إلى
أو معان ملتئمة، كقوله:
وصاعقة من نصله تنكفى بهاعلى أرؤس الأقران خمس سحائب
ــ
السلاح، فمن أين له أن المراد السيوف جاز أن يراد أسنة الرماح؟ بل أسنة الرماح هى المشبهة فى الغالب بالنار، لأنها أشبه بالشعلة من النار لارتفاعها وسرعة حركتها ولمعانها، وليس مجموع ذلك فى السيف. ثم قد يقال: القرينة هنا أمر واحد له متعلقان لا أمور متعددة، ولو كانت القرينة أمورا متعددة لكانت قرائن لا قرينة هى أكثر من واحد فإن ذلك إنما يتأتى فى الشئ الملتئم من عدة أمور، وذلك قسم سيأتى، والذى يظهر فى البيت أن القرينة مجموع:" فإن تعافوا" مع قوله:" أيماننا" جمع يمين لأن الأول دل على العقوبة، والثانى دل على عدم إرادة النار الحقيقية، فإن الذى هو فى الإيمان السلاح لا النار، فإن الغالب أنه تأجج ولا يطول مكثها فى الأيدى. وقول المصنف: أو أكثر ينبغى أن يكون معطوفا على أمر؛ ليكون تقديره:" إما أكثر من أمر واحد"، فيكون أمور متعددة، ولا يكون معطوفا على قوله:" واحد" فإنه يلزم أن يكون التقدير: أو أمر أكثر من واحد؛ فإن ذلك لا يصح إلا بأن يكون الأكثر من أمر واحد يصدق عليه أمر. وفيه بعد، فإن الأمر ظاهره الوحدة، وإنما يقال:" أمر واحد"؛ لزيادة إيضاح، أو للاحتراز عن الهيئة الاجتماعية (قوله: أو معان ملتئمة) أى معان مرتبط بعضها ببعض، يريد أن تكون القرينة أمرا مركبا، ومثله بقول البحترى:
وصاعقة من نصله تنكفى بهاعلى أرؤس الأقران خمس سحائب
أراد أنامل الممدوح فذكر أن هناك صاعقة، ثم قال: من نصله فبين أنها من نصل سيفه ثم قال: على أرؤس الأقران،
ثم قال:" خمس" فذكر عدد أصابع اليد فبان من مجموع ذلك غرضه كذا قال المصنف، وفيه نظر، أما قوله: أراد أنامل الممدوح، فالأحسن أن يقال: الأصابع كما ذكره هو آخرا والسكاكى ذكر الأنامل أولا، وآخرا، وكان مقصودهما أن تشبيه الأنامل بالسحائب أبلغ من تشبيه الأصابع، لكن قد يعكس؛ لأن الأنامل على الإطلاق أكثر من خمس، وإرادة الأنملة العليا من كل
وهى باعتبار الطرفين قسمان؛ لأنّ اجتماعهما فى شئ: إمّا ممكن؛ نحو:
(أحييناه) فى قوله: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ أى: ضالّا فهديناه، ولتسمّ وفاقيّة ...
ــ
أصبع تكلف لا حاجة له، وأما القرائن، فإن كان المراد استعارة الصاعقة للسيف، فالقرينة لذلك هى قوله:" من نصله" وذكر" السحائب" فإن السحائب ليس من شأنها أن تأتى بالصاعقة، ويكونان قرينتين متفاصلتين لا حقيقة ملتئمة منهما، وأما على أرؤس الأقران فليس قرينة لأن الصاعقة الحقيقية تنكفى على الرؤوس إلا أن يقال: معناه على رؤوسهم دون غيرهم، والصاعقة من شأنها أنها تقصم من واجهته، فإن سلمنا هذا فهى قرينة ثالثة منفصلة، وأما قوله:" ثم قال خمس" فظاهره أن ذكر هذا العدد قرينة، وليس كذلك؛ لأن هذا العدد ليس مصروفا أن ينسب إلى السحائب والخمس، وإن لم يكن لها خصوصية بالسحائب، وليس لها خصوصية فالمصروف معناها، بل القرينة ذكر السحائب، فينبغى أن يقال: ثم قال:" خمس سحائب" وحاصله أن القرينة هنا ليست حقيقة ملتئمة، وإن كان المراد استعارة السحائب للأصابع كما ذكره الطيبى، فالقرينة له ذكر الصاعقة، لأن السحائب الحقيقية لا تنكفى بها الصاعقة، وكذلك قوله:" من سيفه" فإن السحائب لا تنكفى بها السيوف، فهما قرينتان متفاصلتان.
الاستعارة باعتبار طرفيها قسمان: ص: (وهى باعتبار الطرفين قسمان إلخ).
(ش): الاستعارة تنقسم إلى أقسام، وانقسامها تارة يكون: بحسب اعتبار الطرفين أى طرفى التشبيه المضمر فى النفس، وهما المشبه والمشبه به وتارة باعتبار الجامع، وتارة باعتبار الثلاثة جميعا أى الطرفين، والجامع، وتارة باعتبار اللفظ، وتارة باعتبار أمر خارج عن جميع ذلك.
التقسيم الأول باعتبار الطرفين، فهى تنقسم باعتبارهما قسمين: أحدهما أن يكون اجتماعهما أى الطرفين فى شئ ممكنا كقوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ أى ضالا فهديناه فالإحياء والهداية يمكن أن يجتمعا فى شئ (ولتسم وفاقية) أى تسمى الاستعارة إذا كان طرفاها يمكن اجتماعهما وفاقية؛ لتوافق طرفيها.
وإما ممتنع؛ كاستعارة اسم المعدوم للموجود؛ لعدم غنائه، ولتسمّ عناديّة، ومنها التهكمية والتمليحيّة، وهما ما استعمل فى ضدّه أو نقيضه؛ لما مر؛ نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
ــ
الثانى أن يكون اجتماعهما فى شئ ممتنعا، والمراد به ما كان وضع التشبيه فيه على ترك الاعتداد بالصفة، وان كانت موجودة؛ لخلوها مما هو ثمرتها، كاستعارة اسم المعدوم للموجود بواسطة عدم غنائه، أى نفعه فإن الموجود والمعدوم لا يجتمعان، وتسمى هذه الاستعارة عنادية، لتعاند طرفيها فى الاجتماع، وكان المصنف مستغنيا عن هذا المثال بأن يجعل: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ مثالا للوفاقية والعنادية، فإن" ميتا" الاستعارة فيه عنادية؛ لأنه شبه فيه الموجود الضال بالميت، والضلال والموت لا يجتمعان، لأن الضلال هو الكفر الذى شرطه الحياة؛ ولهذا مثل فى الإيضاح للعنادية بإطلاق الميت على الحى الجاهل (قوله:" ومنها") أى من العنادية التهكمية والتمليحية، وهما لفظ مستعمل فى ضده، أى ضد موضوعه، أو نقيضه كما مر فى التشبيه أن التشبيه قد ينتزع من نفس التضاد لاشتراك الضدين فيه، ثم ينزل منزلة التناسب بواسطة تمليح أو تهكم، فيقال للجبان:" ما أشبهه بالأسد" وللبخيل:" هو كحاتم" ونحو قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فالبشارة والإنذار لا يجتمعان فالاستعارة عنادية، ولك أن تقول: استعارة أحد النقيضين للآخر، لم يمثل له المصنف، وقد عطفه على استعارة اسم المعدوم للموجود، واستعارة المعدوم للموجود هو استعارة الوجود والعدم؛ لأن الاستعارة فيهما تبعية وهما نقيضان، إلا أن يقال: النقيضان هما الوجود وأن لا وجود، لا الوجود والعدم، فنقول حينئذ: إن ثبت ذلك، فليكن الوجود والعدم ضدين، وحاصله أن التهكمية والتمليحية إذا فسرنا بما ذكره لزم أن يكون كل استعارة عنادية كذلك، فينبغى أن يفسر التهكمية والتمليحية بما لا يجتمع طرفاه، ولم يقصد فيه تهكم ولا تمليح، وليعم أن إطلاق البشارة لا يكون إلا فى الخير عند الإطلاق، وإن كانت فى أصل اللغة لكل خبر تتغير له البشرة من خير وشر، فتكون حقيقة لغوية، ثم غلب استعمالها فى الخبر السار الصادق بالأول حتى صار استعمالها فى غيره مجازا، وما ذكره المصنف هو المشهور.
وقد أغرب الخفاجى، فقال فى سر الفصاحة: إن فبشرهم بعذاب أليم من مجاز المقابلة، لأنه لما ذكرت بالبشارة فى أهل الجنة ذكرت فى أهل النار، وقد تقدم النزاع معه فى ذلك عند الكلام فى مجاز المقابلة.
وباعتبار الجامع قسمان؛ لأنه: إما داخل فى مفهوم الطرفين؛ نحو: (كلّما سمع هيعة، طار إليها)؛ فإن الجامع بين العدو والطيران: هو قطع المسافة بسرعة، وهو داخل فيهما؛ وإما غير داخل، كما مر.
ــ
الاستعارة باعتبار الجامع قسمان: ص: (وباعتبار الجامع إلخ).
(ش): هذا هو التقسيم الثانى، وهو باعتبار الجامع بين المشبه، والمشبه به فقط، وذكر له بذلك الاعتبار تقسيمين وإليهما أشار بقوله: وهما قسمان وأشار إلى الأول بقوله:
لأنه أى لأن الجامع بين الشيئين لما داخل فى مفهوم الطرفين، يريد أن يكون الجامع أمرا أعم مما فى كل من الطرفين، فهو داخل فى مفهومهما، كتشبيه ثوب بآخر فى نوعهما، أو فى جنسهما، كما سبق قال: نحو:" كلما سمع هيعة طار إليها"، والذى فى صحيح مسلم من قوله ﷺ فى الغازى:" كلما سمع هيعة أو قرعة طار عليه" هذا لفظه، وعليه أى على الفرس فإن الجامع بين طار وعدا هو قطع المسافة بسرعة، وهو أمر موجود فى الطرفين اللذين هما العدو والطيران، لأنه أعم منهما. قال الجوهرى:
" والهيعة كل ما أفزعك من صوت أو فاحشة تشاع" قال الشاعر:
إن يسمعوا هيعة طاروا بها فرحامنّى وما سمعوا من صالح دفنوا
كذا فى الصحاح، والبيت لمعتب ورأيته فى شعره: إن يسمعوا ريبة.
(قوله:" أو غير داخل") عطفه على قوله:" داخل" يعنى أو لا يكون الجامع داخلا فى مفهوم الطرفين، بأن يكون وجه الشبه صفة على ما سبق، كتشبيه" زيد بالأسد" فى الشجاعة، والوجه المنير والوجه المتهلل بالشمس، فى قولك:" رأيت أسدا وشمسا" وقوله:" وأيضا" إشارة إلى التقسيم الثانى من نوعى تقسيم الاستعارة بحسب الجامع، وإنما لم يجعله من الأصل أربعة أقسام، لأن كلا من القسمين السابقين ينقسم
وأيضا: إمّا عاميّة، وهى المبتذلة؛ لظهور الجامع فيها؛ نحو: رأيت أسدا يرمى.
أو خاصّيّة، وهى الغريبة، والغرابة قد تكون فى نفس المشبّه؛ كقوله:
وإذا احتبى قربوسه بعنانهعلك الشّكيم إلى انصراف الزّائر
وقد تحصل بتصرف فى العامّيّة؛ كما فى قوله:
وسالت بأعناق المطىّ الأباطح
إذ أسند الفعل إلى الأباطح دون المطى أو أعناقها، وأدخل الأعناق فى السير.
ــ
لكل من القسمين اللاحقين وعكسه (قوله:" إما عامية") أى الاستعارة تارة تكون عامية، أى منسوبة إلى العوام وهى المبتذلة، لكون الجامع فيها ظاهرا، نحو:" رأيت أسدا يرمى وبحرا يتكلم" وقد تقدم ذكر هذا فى التشبيه، ولعمرى لقد كان المصنف مستغنيا بذكر كثير مما هنالك عن كثير مما ههنا، وعكسه، فإن الاستعارة تشبيه فى المعنى وتارة تكون خاصة، أى لا تستعملها إلا جماعة خواص الناس، وهم أصحاب الأذهان السليمة، وهى الغريبة، لأنها لا يدركها إلا من ارتفع عن درجة العوام.
ثم الغرابة قد تكون من نفس الشبه، أى يكون التشبيه غريبا كما فى تشبيه هيئة العنان فى موقعة من قربوس بهيئة الثوب فى موقعة من ركبة المحتبى، كقول زيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسا بأنه مؤدب:
وإذا احتبى قربوسه بعنانهعلك الشّكيم إلى انصراف الزّائر
والقربوس: بفتح القاف والراء، ولا يجوز تسكين الراء إلا ضرورة؛ لأن فعلولا ليس موجودا (وقد تحصل) أى الغرابة (بتصرف فى العامية) بأن يكون التشبيه مشهورا، ولكنه يذكر على وجه غير مشهور، كما فى قوله:
ولما قضينا من منى كلّ حاجةومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بينناوسالت بأعناق المطىّ الأباطح
فإنه استعمل:" سالت" بمعنى سارت بسرعة وسلاسة ولين، حتى كأنها سيل، وأصل تشبيه السير السريع بالسيل معروف، وإنما حسن التصرف فيه أفاد الغرابة، فإنه
وباعتبار الثلاثة ستة أقسام؛ لأن الطرفين إن كانا حسيّين، فالجامع إمّا حسىّ؛ نحو: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا؛ فإنّ المستعار منه ولد البقرة؛ والمستعار له الحيوان الذى خلقه الله تعالى من حلى القبط، والجامع لها الشكل؛ والجميع حسىّ.
ــ
أسند الفعل إلى الأباطح دون المطى وأعناقها والأنصار، أو وجوههم، حتى أفاد أن الأباطح امتلأت من الإبل. كذا قاله المصنف، وقد يقال: الكلام فى استعارة" سالت لسارت" وأما إسناد السيل إلى الأباطح فذلك مجاز آخر إسنادى، لا يتصل بتلك الاستعارة السابقة، وقول المصنف:" وأدخل الأعناق فى السير" يشير إلى أن الباء فى قوله:" بأعناق المطى" للتعدية، نعم قد تحصل الغرابة لإدخال الأعناق فى السير، لأن سرعة سير الإبل أكثر ما تظهر فى أعناقها. وقال فى الإيضاح: قد تحصل الغرابة بالجمع بين عدة استعارات؛ لإلحاق الشكل، بالشكل كقول امرئ القيس:
فقلت له لمّا تمطّى بصلبهوأردف أعجازا وناء بكلكل
أراد وصف الليل بالطول، فاستعار له صلبا يتمطى به، إذ كان كل صلب يطول عند التمطى، وبالغ بأن جعل له أعجازا يردف بعضها بعضا، ثم أراد أن يصفه بالثقل على كل قلب ساهر لمكابدته، فاستعار له كلكلا ينوء به أى يثقل. قال عبد اللطيف البغدادى: ينبغى أن لا تبعد الاستعارة جدا، فتعزب عن الفهم، ولا تقرب جدا فتستبرد، وخير الأمور أوسطها. ص: (وباعتبار الثلاثة إلخ) (ش): أى الاستعارة باعتبار الثلاثة، وهى الطرفان والجامع ستة أقسام، وإنما كان باعتبارها، وإن كان التقسيم بالحقيقة للجامع، لأن اختلاف الجامع كان باعتبار ما للطرفين من حسى وغيره، والستة تشبيه محس شئ بمحس شئ بوجه حسى، أو عقلى، أو مختلف، أو عقلى بعقلى، أو مختلفان، والحسى المستعار منه أو عكسه، والثلاثة لا تكون إلا بوجه عقلى، لما سبق فى التشبيه، وعلل كونها ستة بما يتضمن ذكر التشبيه، فقال: لأن الطرفين إن كانا حسيين، فالجامع على أقسام.
الأول يكون حسيا مثاله قوله تعالى: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فإن المستعار منه حقيقة العجل، وهو ولد
البقرة، والمستعار له الحيوان الذى خلقه الله - تعالى - من حلى القبط، والجامع الشكل، والجميع حسى. كذا قالوه، وفيه نظر؛ لأن
وإما عقلىّ؛ نحو: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ؛ فإنّ المستعار منه كشط الجلد عن نحو الشاة، والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل، وهما حسّيّان، والجامع ما يعقل من ترتّب أمر على آخر.
ــ
الجامع ليس مجرد الشكل بل الشكل والخوار إما كل منهما على انفراده أو مجموع الأمرين، ومثله قوله تعالى: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ فإن المستعار منه حركة الماء على الوجه المسمى موجا، والمستعار له حركة الإنس والجن أو يأجوج ومأجوج وهما حسيان والجامع ما يشاهد من شدة الحركة والاضطراب قال السكاكى:
ومنه قوله عز اسمه: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً فالمستعار منه النار، والمستعار له الشيب، والجامع بينهما هو الانبساط، والثلاثة حسية (قلت): مراد السكاكى: أن الشيب هنا استعارة بالكناية، استعير لفظ الشيب، والمراد النار، بعد ادعاء أن الشيب فرد من أفراد النار، ثم ذكر اشتعل استعارة تخييلية؛ لأن الاستعارة التخييلية، تقترن بالاستعارة بالكناية، وقد اعترض عليه المصنف بأن قال:" ليس ذلك مما نحن فيه؛ لأن فيه تشبيهين: تشبيه الشيب بشواظ النار فى بياضه وإنارته، وتشبيه انتشاره فى الشعر باشتعاله فى سرعة الانبساط مع تعذر تلافيه، والأول استعارة بالكناية، والجامع فى الثانى عقلى، وكلامنا فى غيرهما.
قلت: فيما قاله نظر، أما قوله:" ليس كلامنا فى الاستعارة بالكناية" فصحيح بالنسبة إلى المصنف، فإنه لم يتكلم فى الاستعارة بالكناية فى هذا الباب. أما السكاكى، فإنه ذكر جميع أقسام الاستعارة، ثم عقبها بتقسيم الاستعارة على الإطلاق إلى هذا التقسيم، فكلامه أعم من ذلك، نعم المصنف لا يصح منه هذا المثال؛ لأن الاستعارة بالكناية عنده مستعملة فى موضوعها حقيقة، فلا مدخل له فى هذا القسم، إذ الحقيقة ليس فيها مستعار ومستعار منه، وجامع، وأما قوله:" الجامع فى الثانى عقلى" فليس كذلك لأن الجامع فى الثانى مركب من عقلى وحسى، لأن الانبساط حسى، وتعذر التلافى عقلى، لا يقال: هذا لا ينجى السكاكى من الاعتراض، لأنه جعل الجامع حسيا، لأنا نقول: السكاكى لم يجعل تعذر التلافى جزءا من الجامع، بل قال: الجامع هو الانبساط. ورأى الطيبى فى الجواب عن
هذا السؤال أن التشبيه
ــ
هنا على سبيل التمثيل، وليس من شرط التمثيل رعاية جميع الألفاظ، بل أن يكون التشبيه منتزعا من عدة أمور متوهمة، سواء حصل ذلك من كلمة واحدة أم من كلمات، وقال: إنه على رأى الزمخشرى لا يكون فيه تشبيهان كما فى الإيضاح، بل ثلاثة:
تشبيه الشيب بالكناية، واشتعل بالتخييل والرأس - أيضا - فإنها كالحطب بالنسبة إلى النار وأشار إلى القسم الثانى بقوله: (وإما عقلى) أى تشبيه محسوس بوجه عقلى نحو قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فالمستعار منه كشط الجلد عن لحم الشاة، والمستعار له كشف الضوء عن مكان اللّيل، وهما حسيان، والجامع بينهما ما يعقل من ترتيب أمر على آخر، أى على آخر يضاده ويعقبه، وقد يقال: الجامع خروج شئ من شئ. قال المصنف: وقيل: المستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل، وليس بسديد، لأنه لو كان كذلك لقال: فإذا هم مبصرون، ولما قال: فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ أى داخلون فى الظلام.
قلت: عبارة السكاكى هى عبارة الإمام فخر الدين والزنجانى، وليس ما ذكره مراد السكاكى، بل مراده بظهور النهار من ظلمة الليل زوال النهار وبقاء الظلمة، غير أنه تجوز فى إطلاق ظهور النهار على زواله، وهذا يستعمل كثيرا، كما تقول: ظهر فلان من هذا المكان أى خرج منه وكتب عمر إلى أبى عبيدة رضى الله عنهما: أظهر من معك من المسلمين إلى الأرض أى اخرج بهم إلى ظاهرها والتحقيق أن ما أراده المصنف وما أراده السكاكى متعاكسان إلا أنهما راجعان لمعنى واحد فإن المصنف بنى على أن النهار والجلد ظرفان للظلمة ولحم الشاة فتقول: سلخت النهار عن الليل كما تقول: سلخت الجلد عن الشاة والسكاكى نبه على أن الظلمة ظرف للنور ألا ترى أنه قال: المستعار له ظهور النهار وظلمة الليل والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلدته فلا بد أن تعتقد أنه أراد الظلمة ظرف للنور ليكون المسلوخ منه مشبها بالمسلوخ منه والمسلوخ مشبها بالمسلوخ ولكل من القولين مرجح أما كلام المصنف فيشهد له أمر أن أحدهما لفظى وهو أن كلام اللغويين يشهد أن المسلوخ هو الجلد
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع