تجاوز إلى المحتوى

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)

الإرصاد

ومنه: الإرصاد، ويسمّيه بعضهم: التّسهيم؛ وهو أن يجعل قبل العجز من الفقرة أو من البيت ما يدل عليه إذا عرف الروىّ،

ــ

وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ *) فإن اللطيف يناسب لا تدركه الأبصار، والخبير يناسب وهو يدرك الأبصار، هكذا قالوه، وقد

يقال: اللطيف المناسب لعدم الإدراك، هو من اللطافة بمعنى صغر الحجم، وليس المراد هنا، إنما المراد اللطيف من اللطف الذى هو الرحمة، فينبغى أن يسمى هذا من باب إيهام التناسب الذى سيأتى، لا من التناسب، ومنه قوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فنبه بالغنى على أن ما له ليس لحاجة، وبالحميد على أنه يجود فيحمد، وقد يقال: الختم فى الآيتين وقع بما يناسب وسط الكلام، لا ابتداءه، إلا أن المصنف جعل الختم بمجموع الجملة، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ؛ لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب، إلا من ليس فوقه أحد يرد حكمه، فهو الغالب، والعزيز هو الغالب الحكيم من يضع الشئ فى محله (ويلحق بها) أى: بمراعاة النظير قوله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ وسمى إيهام التناسب؛ لأنه لما ذكر لفظ الشمس والقمر ذكر النجم، والمراد به على أحد القولين" النبات"، فذكر النجم بعد ذكر الشمس والقمر يوهم التناسب؛ لأن النجم أكثر ما يطلق على نجم السماء المناسب للشمس والقمر، بكونه فى السماء، فهو كما تقدم فى إيهام التضاد؛ لكونه مراعاة النظير فى اللفظ لا المعنى.

الإرصاد: ص: (ومنه الإرصاد إلخ).

(ش): من أنواع البديع ما يسمى: الإرصاد لأن السامع يرصد ذهنه للقافية، بما يدل عليها فيما قبلها، ويسمى التسهيم، من البرد المسهم، أى: المخطط الذى لا يختلف ولا يتفاوت، فإن الكلام يكون به كالبرد المسهم المستوى الخطوط كذا قال الخطيبى، والذى فى الصحاح أن المسهم المخطط، ولم يشترط استواء خطوطه، وقيل: يسمى تسهيما؛ لأن المتكلم يصوب ما قبل عجز الكلام إلى عجزه، والتسهيم تصويب السهم إلى الغرض. (وهو أن يؤتى قبل العجز من الفقرة أو البيت بما يدل عليه إذا عرف الروى) قال صاحب

نحو: وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، وقوله:

إذا لم تستطع شيئا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «إذا لم تستطع شيئاً فدعه»

ــ

بديع القرآن:" هو أن يكون ما تقدم من الكلام دليلا على ما تأخر أو بالعكس" ومثل المصنف للتسهيم بقوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فإنه لو وقف القارئ على أنفسهم؛ لفهم أن بعده يظلمون، وكذلك قول الشاعر:

إذا لم تستطع شيئا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «إذا لم تستطع شيئاً فدعه»

وفى اشتراط العلم بحرف الروى نظر، فإن ذلك قد يعلم من حشو البيت الواحد، أو صدره، وإن لم يعلم الروى، ألا ترى أنك لو وقفت فى هذا البيت على قوله: و" جاوزه إلى ما" لعلم أن تكميله (تستطيع) وكذلك ذكره ابن منقذ، وغيره، ولم يشترطوا فيه ذلك، ولذلك جعل منه الطيبى: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ وقال: إنه يدل على العنكبوت، ومن شرف الإرصاد، قول ابن نباتة الخطيب:

خذها إذا نشدت فى القوم من طربصدورها عرفت فيها قوافيها

وروى أنه لما بلغت قراءة النبى ﷺ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال عبد الله بن أبى سرح: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فقال النبى ﷺ" كذلك أنزلت" فكان ذلك سبب ردّة المذكور.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.