تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [القصائد الحوليّات والمنقحات والمحكمات]

قال الجاحظ في البيان: كان الشاعر من العرب يمكث في القصيدة الحول، ويسمون تلك القصائد الحوليّات والمنقحات والمحكمات، يصير قائلها فحلا خنذيذا، وشاعرا مفلقا. قال: وفي بيوت الشعراء الأوابد والأمثال، ومنها الشواهد والشوارد. والشعراء عندهم أربع طبقات: أوّلهم الفحل الخنذيذ، وهو التام، ودون الخنذيذ، الشاعر المفلق. ودون ذلك: الشاعر فقط، والرابع:

الشّعرور. وقال بعضهم: طبقات الشعراء ثلاثة: شاعر، وشويعر، وشعرور.

وأنشد:

دعاني إليها القلب إني لأمرهسميع فما أدري أرشد طلابها

هذا من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي أوّلها:

أبا الصّرم من أسماء حدّثك الّذيجرى بيننا يوم استقلّت ركابها
زجرت لها طير الشمال فإن تكنهواك الذي تهوى يصبك اجتنابها
وقد طفت من أحوالها واردتهاسنين فأخشى بعلها وأهابها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أبالصرم من أسماء حدثك الذي»
ثلاثة أحوال فلمّا تجرّمتعلينا بهون واستحار شبابها
فقلت لقلبي: يا لك الخير إنّمايدلّك للموت الجديد حبابها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أبالصرم من أسماء حدثك الذي»
دعاني إليها القلب إنّي لأمرهسميع فما أدري أرشد طلابها

قال السكري: العرب تتشاءم بطير الشمال. وقوله: (فإن تكن هواك) يعني إن كانت الطير التي زجرها هواه يعني نفسها، يريد إن صدق هذا الطير سيصيبك اجتنابها، أي تنحيها وتباعدها. واستقلت: احتملت. والركاب: الابل. وقوله:

زجرت، يروى بفتح التاء وضمها، وفيه التفات على الثاني، وعلى الفتح الالتفات في طفت أو في بيننا. وقوله: من أحوالها: أي حولها، فمن زائدة. والأحوال: جمع حول. وأهابها: أستحى أن أواجهها. وثلاثة أحوال: عطف بيان لسنين أو بدل.

وتجرّمت، بالجيم، انقضت تلك السنون وتكملت. والهون: الهوان. واستحار، بالحاء المهملة، تم واجتمع. ودعاني: جواب لما، ويروى عصاني. قال الأصمعي:

أي جعل لا يقبل منى وذهب إليها سفها. وروى مطيع بدل سميع، وهو ودعاني رواية

أبي عمرو. قال الأصمعي: والمعنى: فما أدرى أرشد أم غيّ، فحذف الغيّ، وهو محل الشاهد، وجوّز بعضهم. وقوله: يا لك الخير، قال السكري: أي يا قلب لك الخير، فهو على حذف المنادى. انتهى.

ويجوز أن يكون (يا) للتنبيه، وهو الأولى في أمثاله عند ابن مالك. قلت:

ويحسنه هنا أن القلب لما اشتغل بحبها فكأنه دخل في غمرة وغفلة فحسن تنبيهه بحرفه.

والموت: الجديد. قال الاخفش: المغافص. وقال الباهلي: جديد الموت أوّله.

والحباب: مصدر بمعنى الحب، يقال حابيته حبابا ومحابة.

ومن أبيات هذه القصيدة وهي آخرها:

فأطيب براح الشّأم صرفا وهذهمعتّقة صهباء وهي شيابها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أبالصرم من أسماء حدثك الذي»
فما إن هما في صحفة بارقيةجديد حديث نحتها واقتضابها
بأطيب من فيها إذا جئت طارقامن اللّيل والتفّت عليك ثيابها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أبالصرم من أسماء حدثك الذي»
رأتني صريع الخمر يوما فسؤتهابقرّان إن الخمر شغب صحابها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أبالصرم من أسماء حدثك الذي»
ولو عثرت عندي إذا ما لحيتهابعثرتها ولا أسيء جوابها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أبالصرم من أسماء حدثك الذي»
ولا هرّها كلبي ليبعد نفرهاولو نبحتها بالشّكاة كلابها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أبالصرم من أسماء حدثك الذي»

أطيب: صيغة تعجب. والشياب المزاج والخلط. وضمير هي راجع للشهدة، وهمالها وللخمر. والبارقية: نسبة إلى بارق، رجل كان يصنع الصحاف. والجديد والحديث: صفتان بمعنى. والاقتضاب: أخذها من شجرها حديثة. ويجوز أن يكون نحتها لأحد الوصفين، واقتضابها للآخر. فيكون فيه لف ونشر. وفي البيت «من» أنواع البديع: التفضيل، وهو كثير في شعر العرب جدّا، وهو أن ينفي بما ونحوها عن ذي وصف أفعل تفضيل، فناسب لذلك الوصف فعدى بمن إلى ما يراد مدحه أو ذمّه، فتحصل المساواة من الاسم المجرور بمن وبين الاسم الداخل عليه ما،

لأنها نفت الأفضلية. فتبقى المساواة. وقرّان واد. وقوله: (ان الخمر ... الخ) هو النوع المسمى في المعاني بالتذييل. وفي البيت الذي يليه شاهد لجواب لو بإذن، ولحيتها: لمتها. وأسى: ماض مبنى للمفعول. قوله: (ولا هرّها. الخ) قال الأصمعي وغيره: هذا مثل، أي لا يأتيها من قبلي أذى ولو أتاني الأذى من قبلها.

والنفر: مصدر نفر. والشكاة، بالفتح والقصر، القول القبيح.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.