من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)
ابن دريد
ماذا روى «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» عن ابن دريد الأزدي؟
وأما أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، فإنه ولد بالبصرة. قال: الحسن بن عبد الله بن سعيد اللغوي: سمعت ابن دريد يقول: ولدت بالبصرة سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
ونشأ بعمان، وطلب علم النحو، وأخذ عن أبي حاتم السجستاني وأبي الفضل الرياشي وعبد الرحمن، ابن أخي الأصمعي.
وكان من أكابر علماء العربية مقدماً في اللغة وأنساب العرب وأشعارهم، وأخذ عنه أبو سعيد السيرافي، وأبو عبيد الله المرزباني.
وكان شاعراً كثير الشعر، فمن ذلك المقصورة المشهورة، ومنه أيضاً القصيدة المشهورة، التي جمع فيها المقصور والممدود؛ إلى غير ذلك.
وقال محمد بن رزق بن علي الأسدي: كان يقال: إن أبا بكر بن دريد أعلم الشعراء، وأشعر العلماء.
وله من الكتب: كتاب الخمهرة في اللغة، وكتاب الاشتقاق، وكتاب الخيل الكبير، وكتاب الخيل الصغير، وكتاب الأنواء، وكتاب الملاحن، وكتاب أدب الكتاب، وكتاب المجتبى، وكتاب المقتنى؛ إلى غير ذلك.
وحكى أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، قال: سألت أبا بكر بن دريد عن الكاغد، فقال: يقال بالدال المهملة، وبالذال المعجمة، وبالظاء المعجمة.
وقال جمزة بن يوسف: سألت أبا الحسن الدار قني عن ابن دريد، فقال: تكلموا فيه.
وقال أبو حفص عمر بن شاهين الواعظ: كنا ندخل على أبي بكر بن دريد ونستحيي منه مما نرى من العيدان المعلقة، والشراب المصفى، وقد كان جاوز التسعين.
ويحكى أن أبا بكر بن دريد قال لأصحابه: رأيت البارحة في المنام آتياً أتاني، فقال لي: لم لا تقول في الخمر شيئاً؟ فقلت: وهل ترك أبو نواس فيها لأحد قولا! قال: نعم، أنت أشعر منه حيث يقول:
وحمراء قبل المزج، سفراء بعدهأتت بين ثوبَيْ نرجسٍ وشقائق
حكت وجنة المعشوق صرفاً فسلطواعليها مجاجا، فاكتست لون عاشق
فقلت: من أنت؟ قال: شيطانك. وسألته عن اسمه فقال: أبو زاجية، وأخبره أنه يسكن بالموصل.
وذكر إسماعيل بن سويد أن سائلاً جاء إلى ابن دريد، فلم يكن عنده غير دن نبيذ، فوهبه له، فجاءه غلامه، وأنكر عليه ذلك، فقال: أيشٍ اعمل! لم يكن عندي غيره.
ويروى أنه قال:] لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [، فما تم اليوم حتى أهدى عشرة دنان، فقال لغلامه: تصدقنا بواحد، وأخذنا عشرة.
وذكر ابن شاذان أن ابن دريد مات سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، في السنة التي خلع فيها القاهر بالله تعالى أبو منصور محمد بن المعتضد، وبويع الراضي بالله تعالى أبو العباس محمد بن المقتدر بالله تعالى.
وذكر ابن كامل؛ أنه مات يوم الأربعاء لثمان عشرة ليلة خلت من شعبان من السنة المذكورة، وذكر أنه مات هو وأبو هاشم الجبائي في يوم واحد، ودفنا في
مقبرة الخيرزان، وقال الناس: مات علم اللغة والكلام بموت ابن دريد والجبائي، ورثاه جحظة، فقال:
فقدت بابن دريد كل منفعةلما غدا ثالث الأحجار والترب
قد كنت أبكي لفقد الجود آونةًفصرت أبكي لفقد الجود والأدب
النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع