من «لطائف الذخيرة وطرائف الجزيرة» للأسعد بن مماتي (ت ٦٠٦هـ)
فصل قال ابن بسام
كان أعظم الأسباب في زوال دولة الأمويين من الأندلس، أنه لما توفي عبد الملك بن أبي عامر وقام بعده أخوه عبد الرحمن تلقب بالناصر لدين الله، ثم جرى على سنن أبيه وأخيه في الحجر على المؤيد هشام، لم يقنع بذلك حتى تاب له رأي في الاستبداد بالملك فطلب من هشام أن يعهد له فأجابه إلى ما سأل وكتب له عهداً، فكره الأمويون تحويل الأمر عنهم فاجتمعوا في غيبة عبد الرحمن في الغزو وخلعوا المؤيد وبايعوا هشاماً بن الناصر ولقبوه بالمهدي. فلما طار الخبر إلى عبد الرحمن بن أبي عامر انفض جمعه وتسلت البربر منه ولحقوا بقرطبة فبايعوا المهدي. وأغروه بعبد الرحمن الحاجب ونسبوه إلى الفجور. فأرسل له من اجتز رأسه عند قفوله من غزوته، وبه انقرضت الدولة العامرية.
وكان الأمويون قد نسبوا تغلب ابن أبي عامر إلى البربر، فسخطتهم القلوب ونهبت العامة دورهم. ثم نمى إليهم أن المهدي يدبر الفتك بهم فأسروا النجوى وتشاوروا في تقديم هشام بن سليمان بن الناصر. ونمى حديثهم إلى المهدي فعاجلهم عن مرامهم، وأغرى بهم السواد الأعظم فأجلوهم عن المدينة. وقبضوا على هشام وأخيه أبي بكر فضربت أعناقهما بين يدي المهدي. فلحق سليمان بن أخيهما الحكم بجنود البربر ولجأ إلى علي والقاسم ابني حمود الإدريسي رئيس البربر، فاجتمعوا بظاهر قرطبة وبايعوا سليمان ولقبوه المستعين. ونهضوا به إلى طليطلة فاستجاشوا ابن ادفونش، فنهض معهم في جمع من النصرانية، وحاصروا قرطبة فبرز إليهم المهدي في كافة أهل البلد، وحاربهم، فكانت الدائرة على المهدي فانكسر جيشه وقتل منه ما يزيد على عشرين ألفاً.
ودخل المستعين قرطبة. فلحق المهدي بطليطلة واستجاش ابن ادفونش فنهض معه. وحاربوا المستعين فهزم المستعين وفر هو والبربر في البسايط ينهبون ثم رحلوا إلى الجزيرة الخضراء. فخرج إليهم المهدي معه ادفونش فكروا عليه فانهزم المهدي وابن ادفونش فتبعهم المستعين إلى قرطبة، عادوا ولم يدخلها فأخرج المهدي هشاماً المؤيد للناس وبايعه، وقام المهدي بأمر حجابته واستمر المستعين ومعه البربر محاصرين قرطبة. فخشي أهل قرطبة من اقتحامهم، فأغروا أهل القصر وحاشية المؤيد بالمهدي زاعمين أن الفتنة إنما جاءت من قبله، فقتلوا المهدي واجتمعوا على المؤيد وقام بحجابته، واضح مولاه.
واستمر الحصار ولم يغن أهل قرطبة ما فعلوه إلى أن هلكت الناس. ولم يزل المستعين ومن معه من البربر حتى دخلوا قرطبة عنوةهـ، وحبس المستعين هشاماً المؤيد وكان المؤيد يشتغل بالملاحم فوقف على أن دولة بني أمية تنقرض من الأندلس على يد علوي أو اسمة عين. ولما بلغهم وهو محبوس دخول علي بن حمود على المستعين دس إليه هشام أن الأمر صائر إليه. وأن الرجل يعني سليمان سيقتلني فإن فعل فخذ بثأري منه.
ولما تملك سليمان ظن أن أموره قد استحكمت وثبت البرابر والعبيد على الأعمال العظيمة والمدن مثل باديس بن جيوش في غرناظة والبرزالي في قرمونة وافترق شمل الجماعة ولم يبق بيد سليمان غير قرطبة. وضاقت به وبمن نعه ونزل ابنا حمود علي والقاسم قائداً افريقية بما يتصل بها. وامتحن هشام المؤيد بالله وسليمان المذكور عند دخوله القصر, فقيل قضى عليه وقيل هرب منه، ولما أحس سليمان بزوال ملكه، جعل علي بن حمود ولي عهده وأرسل إليه بذلك إلى سبته، فذكر منه ناسياً، وحرك منه ساكناً، ولما وثق سليمان بأمره وظن أنه قد استراح من هشام عدوه تلطف علي بن حمود في إزالة سلطانه والاستيلاء على ملكه والإذهاب لدولته. فكان غلط سليمان مما لا يستدرك فارطه، ولا يتلاقى فايته.
ولما حصل علي بن حمود ومن معه بالقصر سأل عن هشام، وكان يظنه حياً وأعلم أنه مات. ودل على قبره فاستخرجه منه ولم ير فيه شيء من أثر السلاح فظن أنه خنق. وخوطب سليمان في أمره فأنكر أن يكون قتله ثم جددت أكفانه ونودي في الناس للصلاة عليه، وأحضر على سليمان بعد ذلك فضرب عنقه بيده وجزع جزعاً شديداً عند مشاهدة السيف ثم ضرب عنق أبيه وعنق ولده وأخرجت رؤوسهم في طشت إلى المحلة ونودي عليهم، وأضيفت إليها رؤوس جماعة من البرابرة الخارجين بالأندلس. وكتبت على كل رأس رقعة باسمه فعجب الناس من اجتماع رؤوس ضاقت الأرض بها. ولما قتل سليمان بين يدي والده هشام قال والله ما قتله، فأمر به فقتل بعده، قال وكان رجلاً صالحاً تقياً لم يدخل من أمر ولده في شيء ﵀.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع