من «لطائف الذخيرة وطرائف الجزيرة» للأسعد بن مماتي (ت ٦٠٦هـ)
فصل في ذكر المستظهر بالله ابن المطرف عبد الرحمن ابن هشام بن عبد الجبار الناصري
. قال ابن بسام كان هذا ممن تقاذفت به الأسفار، وحنكته التجارب. دخل قرطبة مستخفياً أيام القاسم بن حمود وشهد الفتنة الحادثة بين البربر وأهلها، وهم بالوثوب فلم يصح له شيء مما أراد. وأنكر الوزراء أمره بقرطبة فتجردوا لطلبه وسحبوا جماعة من أصحابه إلى أن جرى ما أوجب الشورى فأجمعوا خاصة الخاصة والعامة والرجال بالجامع لمشاهدة مبايعة من يُختار من هؤلاء لأمر الخلافة.
قال ابن حيان: وكنت حاضراً بالمقصورة فكان أول من وافى منهم سليمان بن المرتضى جاء مع عبد الله بن فحامس الوزير في أبهة وشارة ودخل من باب الوزراء الغربي، والسرور باد عليه، وتلقاه أصحابه وأجلس على مرتبة لا يشك في تمام الأمر له. فبينما هم على ذلك إذ غشيتهم ضجة عظيمة وزعقه هائلة ارتج لها الجامع واضطرب لها من بالمقصورة، فإذا عبد الرحمن بن هشام المبدأ بذكره قد وافى من الجانب الشرقي في خلق عظيم من الجند والعامة فراع الوزراء ذلك وألقوا للوقت بأيديهم، وخذلتهم خيلهم. ودخل عبد الرحمن المقصورة، فبويع من وقته، فاستدعى سليمان بن المرتضى فجيء به مبهوتاً فقبل يده وهنأه وبايعه وأجلسه إلى جانبه، ثم وافى سليمان بن محمد بن العراقي فقبل يده وبايعه. ثم عقدت له البيعة في شهر رمضان في سنة أربع عشرة وأربعمائة.
وكان أحمد بن دبرن قد تقدم في عقدها باسم سليمان بن المرتضى فكشطه كتب اسم عبد الرحمن مكانه فكان ذلك من العجايب. ثم ركب وحمل سليمان وابن العراقي معه فحبسهما عنده وقدم مشيخة الوزراء من بقايا مواليه وجماعة من الأغماد على جميع رجاله، فأحقد بهم أهل السياسة، فكان ذلك من أسباب انتقاض دولته، وأقر بقية أصحاب الخدم في مراتبهم في المدينتين الزهراء والزاهرة؛ وهي التعقب والمحاسبة والطعام والحسم والناض والمواريث والطراز، والمباني والأسلحة والحزانة، للقبض والنفقة والاهزاء والوثائق، وكتب المظالم وخزانة الطب والحكمة، والإنزال والنزائل وخدمة أحكام السوق.
قال ابن حيان: وهذه أسماء لا طائل تحتها، وانحل النظام، وقل الدرهم، وتفرقت الأجناد لعدم الكفاية، وحصل التفرق إلى ما يقبح من أمر الرعية. وكان قد أحضر جماعة من وزرائه فلما حصلوا عنده قبض عليهم، وصادرهم على أموال التزموها، وطالبهم، وكان قد أقام شخصاً اسمه نجاح الضاغط فطالبهم، وكان قد تقاعد أكثر أهل الأندلس عن مبايعته ومطلوا بها. وكان من أصحابه رجل يعرف بكر ابن محمد المشاط الرعيني فكان من أسباب هلاكه. وكان قد ورد عليه فوارس من البربر، فأنزلهم معه في دار الملك، فهاج لذلك المسلون العامة والخاصة، وقالوا نحن طردنا البربر عن قرطبة وهذا الرجل يردهم إلينا وعليهم منا، فوثبوا عليه وقتلوا البربر حيث وجدوا.
ولم يشعر عبد الرحمن إلا بالرجال قد علوا سقف القصر، وسمع المسجونون بذلك فاستغاثوا، ووقع الاختلاط بالحرم، وأحيط بعبد الرحمن من كل جهة، فعلم أنه مقتول. واستغاث بالوزراء فما قدروا على إغاثته، وشغلوا بنفوسهم ودخلت الرجال عليه. وكان قد ركب لينجو وقصد موضعاً للخروج منه فوجده قد ملك عليه، فترجل عن فرسه وتجرد من ثيابه، واستخف حتى بقي في قميص، واختفى في تنور حمام، واستخفى البربر في الحمام وعثر عليهم فقتلوا وكان جماعة منهم بالجامع فقتلوا فيه. وفضح حريم عبد الرحمن وسبي أكثرهن وجرى عليهم ما لم يجر على حريم سلطان. ثم ظهر ابن عمه محمد ابن عبد الرحمن ابن عبيد الله بن الناصر، وحمل إلى دار الملك بعد ضربها فأجلس في بعض مجالسها مدهوشاً. وافتقد عبد الرحمن المستظهر فوجده في آتون الحمام، فأخرج في قميص مسود بالرماد على أقبح الأحوال. فجيء به إلى محمد بن عبد الرحمن القائم بعده في الثالث من ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة فطبش به بعض الرجال القائمين على رأسه، فتهلل وجه عبد الرحمن المستكفي، وشرع في تدبير سلطانه. فكانت إمارة المستظهر إلى أن قتل ستة وأربعين يوماً، لم يمتثل له أمر، ولم تتجاوز دعوته قرطبة. وكانت سنه ثلاثاً وعشرين سنة. وكان فاضلاً عفيفاً متحرجاً به ختم فضلاء أهل بيته.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع