من «الدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة» لابن القطاع الصقلي (ت ٥١٥هـ)
أبو الحسن علي بن الحسن ابن الطوبي
إمام البلغاء، وزمام الشعراء، مؤلف دفاتر، ومصنف جواهر، ومقلد دواوين، ومعتمد سلاطين، سافر إلى الشرق، وحل منه في الأفق، وكان في زمان المعز بن باديس عنفوانه، وله فيه قصيدة رصع بها ديوانه:
أجارتنا شدي حزيمك للتيهي الحزم أو لا تعذلي في ارتكابها
وكفي فإن العذل منك زيادةعلي، كفى نفسي الحزينة ما بها
ومنها:
وإما المنى أو فالمنية إنهاحياة لبيبٍ لم ينل من لبابها
وهل نعمة إلا ببؤس وإنماعذوبة دنيا المرء عند عذابها
سآوي إلى عز المعز لعلهسيأوي لنفس حرة واكتئابها
إليك معز الدين وابن نصيرهحملت عقود المدح بعد انتخابها
وأثواب حمد حكت أثواب وشيهاعلى ثقةٍ مني بعظم ثوابها
وله من قصيدة:
أجارتنا إن الزمان لجائروإن أذاه للكرام لظاهر
أجارتنا إن الحوادث جمةومن ذا على ريب الحوادث صابر؟
ومنها:
أجيراننا إن الفؤاد لديكملثاوٍ وإن الجسم عنكم لسائر
أأترك قلبي عندكم وهو حائروآخذ طرفي منكم وهو ساهر
كذا يغلب الصبر الجميل كما أرىويخسر في بيع الأحبة تاجر
وله:
أعددت للدهر إن أردت حوادثهعزما يحل عليه كل ما عقدا
وصارماً تتخطى العين هزتهكأنما ارتاع من حديه فارتعدا
وذابلاً توضح العليا ذبالتهكأنها نجم سعد لاح منفردا
ونثرة ليس للريح المضي بهاإلا كما عرضت للنهي فاطردا
وسابحا لا تروع الأرض أربعهكأنه ناقد مالاً قد انتقدا
فداك مالٌ متى يحرزه وارثهفخير ما وجد الإنسان ما وجدا
وله:
سل الليل عني هل أنام إذا سجى؟وهل مل جنبي مضجعي ومكاني؟
على أنني جلد إذا الضر مسنيصبور على ما نانبي وعراني
وله في الغزل:
ما أحسب السحر غير معناهاوالعنبر الجون غير رياها
إنا جهلنا ديارها فبدامن عرفها ما به عرفناها
كأنما خلفت بساحتهامنه دليلاً لكل من تاها
لا كثبٌ دارها فأغشاهاولا فؤادي يريم ذكراها
ومنها:
الموت أولى متى قضيت بهانجي فمحياي في محياها
وأغبط الماء حين ترشفهإذ كان دوني مقبلا فاها
منها:
وما ثنائي على قلائدهاإلا بأن أشبهت ثناياها
أجزع من عتبها ويبعثنيإليه كرها طلاب عتباها
دنوها منك من شمائلهاوبعدها عنك من سجاياها
وله من أخرى أولها:
أرى نورها أو رأى نارهافلما تجلى اجتلى دارها
وقد ضرب الليل أرواقهوأرخت دياجيه أستارها
فقل في جمال يضيء الدجىويغشى النجوم وأنوارها
ومنها:
وشاطرة ردفها شطرهاوما يبلغ الخصر معشارها
ومنها:
فيا لك عصرا قطعنا بهليالي تشبه أسحارها
ولذات عيش مضى عينهافها أنا أطلب آثارها
فها هي لم يبق منها سوىأحاديث أعشق تكرارها
قضيت الصبا دين أوطارهولم تقض نفسي أوطارها
وله من أخرى:
أما من وقفة أم من مقامأبثك عنده داءً دخيلا
جفوت فضاقت الدنيا وكانتعلي رحيبة عرضا وطولا
لعلك يا قضيب البان يوماتمهد في ظلالك لي مقيلا
أما لو كان قلبك من صفاةٍلشيعني على حبي قليلا
ولكني دُفعت إلى حديدينول
كلما قُرِع
الصليلا
لئن أنبطت من عيني دموعاًلقد أذكيت في قلبي غليلا
فيا عجباً دموعٌ ليس ترقيووجدٌ ليس يمكن أن يزولا
ولم أسمع بأنَّ حياً توالىعلى أرض تزيد به محولا
وله:
خالسته نظرا تحمل بيننانجوى هوىً خفيت على الجلاس
فاحمر ثم اصفر خيفة كاشحفعل المدامة عند مزج الكاس
وله:
أيا رب قرب دارها ونوالهاوإلا فأعظم
إن هلكت
بها أجري
ويا رب قدر أن أعيش بأرضهاوإلا فقدر أن يكون بها قبري
وله:
هبني أسأت فأين إقراري بذنبي واعتذاري
هلا ثناك عن الجفاء غناك عني وافتقاري
لو أن غيرك رام بيغدراً لكان بك انتصاري
وله:
ارفق بعينيك فإن الذيضمنتا من سقمٍ زائد
فاستودع اللحظ لأجفانهافهي مراض وهو العائد
وله أيضاً:
وعيشٌ هززناه هز النسيمقضيب الأراكة عند الهبوب
مزجناه باللهو مزج الكؤوسبشكوى الهوى ورضاب الحبيب
فيالك عصراً قضينا بهحقوق الشبيبة دون المشيب
وله في العذار:
البدر في أزرارهوالغصن في زناره
وكأنما فت العبير على مخط عذاره
وله أيضاً:
يا عاذلي أنت الخلي فخلنيوحشاً عليه من الصبابة نار
كيف السلو وكيف صبري عندماقامت بعذري قامةٌ وعذار؟
وله في الخمر وغيرها من قصيدة:
قضيت أوطار نفسي غير متركولم أعقها على لحقٍ ولا حرك
وكم رددت على العذال ما سهروافي حوكه فهو لم ينجح ولم يحك
وكم عدوت إلى الحانات منهمكابكل عاد إلى اللذات منهمك
أهين مالي وأغلي الراح دونهمفي ظل عيش كما تهوون مشترك
ومسمما يجمع الأسماع في قرنٍمن صوت غر عليه لحن محتنك
وساقيا تركب الصهباء نظرتهإلى صريع من الفتيان منتبك
غدا يصرفها فينا ويمزجهافنحن وهي مع الأيام في ضحك
والماء يحذر منها أن تطير فقدصاغ الحباب عليها صيغة الشبك
ومنها:
كأنها جوهر في ذاته عرضقد شيب منسبك منه بمنسبك
فاسمع بعينيك عنها مثل ما سمعتأذناك ما قيل عن نوح وعن لمك
وليلة بتها والأرض عامرةحولي بالجوهرين الماء والبنك
ومنها في الدبيب:
والكأس تخدعهم عني وقد نذروابأنني غير مأمون على التكك
حتى إذا أقبلوا منها ومال بهمأخذ الكرى وتداعى كل ممتسك
دببت أكتم في أنفاسهم قدميكأنني بينهم ماش على الحسك
وقد تخلص غيي من يدي رشديفيهم وأطلق فتكي من عرى نسكي
فبت أنفذ مما خولوا سككاوكنت قدما أجيد النفذ للسكك
وقد وثقت بعفو الله عن زلليفما أبالي بما خطت يد الملك
وله من أخرى في الخمر:
وصهباء كالإبريز تبصر كأسهامن اللمع في مثل الشراع الممدد
كما حف نور البدر من حول هالةوفاض لهيب الشوق من قلب مكمد
إذا ما احتوتها راحة المرء أمسكتبهداب ظل من سناها مورد
وإن ناولتها بالمزاج يدٌ علالها زيد مثل الدلاص المسرد
إذا ما تبدى تحسب العين أنهنجوم لجين لحن في أفق عسجد
وله:
حيى بريحان وقدحصر اللسان فناب عنه
وفهمت من معكوسهتأخير ما أبغيه منه
وله في وصف الثريا:
انظر إلى الأفق كيف بهجتهوالثريا عليه تنكته
كأنها وهي فيه طالعةقميص وشي وتلك عروته
وله في الخضاب ومدحه:
بعيشك ما أنكرت من ذي صبابةتحيل في رد الصبا فأعاده
هب الشيب في خدي بياض أديمهزمان شبابي في الخضاب سواده
وله في العذار: قدٌ من الأغصان يشرق فوقه=وجهٌ عليه بهجة الأقمار
وكأن ممتد العذار بخدهليل أمر على ضياء نهار
وله:
يا حبذا كأس يكون بهاريقٌ كأن ختامه مسك
باتت تعللني بها وبهحسناء ما في حسنها شك
هاتيك كالدنيا فلا أحدٌإلا لها بفؤاده فتك
وله في العذار:
قال العذول: التحى، فقلت له:حسنٌ جديدٌ قضى بتجديد
أما ترى عارضيه فوقهمالام ابتداء ولام توكيد
وله يصف الكأس والحباب:
يا حبذا كأس بدت فوقهاحبابة زهراء ما تذهب
أدارها الساقي فرد الضحىوانجابت الظلماء والغيهب
فقلت للشرب: انظروا واعجبوامن حسن شمس وسطها كوكب
وله يصف قوادا يحسن الصناعة:
وأحور مائل النظرات عنيدسست إليه من يسعى وسيطا
فجاء به على مهلٍ وستركما يستدرج اللهب السليطا
وله:
بأبي وجهك المليح وخيلان بخديك تخجل الأنوارا
غايرت أنجم الدجى فأنارتتلك ليلاً وأظلمت ذي نهارا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع