تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

العباس بن الفرج أبو الفضل الرياشي

كان مولى لبني رياش، ورياش مولى عباسة زوجة محمد بن سليمان الهاشمي، وقيل إنما قيل له الرياشي لأن أباه كان عند رجل يقال له رياش فبقي عليه نسبه. كان من كبار النحاة وأهل اللغة راوية للشعر، أخذ عن الأصمعي وكان يحفظ كتبه وكتب أبي زيد، وقرأ على المازني النحو، وقرأ عليه المازني اللغة.

قال المبرد: سمعت المازني يقول: قرأ الرياشي عليّ «كتاب سيبويه» فاستفدت منه أكثر مما استفاد مني، يعني أنه أفاد منه لغته وشعره، وأفاده هو النحو.

وأخذ عنه أبو العباس المبرّد وأبو بكر محمد بن دريد. وكان الرياشي ثقة فيما يرويه وله تصانيف منها: كتاب الخيل. وكتاب الإبل. وكتاب ما اختلفت أسماؤه من كلام العرب، وغير ذلك. مات مقتولا في واقعة الزنج بالبصرة في خلافة المعتمد على الله سنة سبع وخمسين ومائتين.

حدث ابن دريد قال: سألت الرياشي عن الوامق والعاشق، وكان شكسا لا سيما إذا سئل عن الشعر والغريب. فقال: أخبرنا الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: نزل عثمان بن قيس مكة على أروى بنت كريز أم عثمان بن عفان، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب وهي توأمة عبد الله أبي النبي، ﷺ، فأكرمت مثواه، فرحل عنها وأنشأ يقول:

خلّف على أروى السلام فإنماجزاء الثّويّ أن يعفّ ويحمدا
سأرحل عنها وامقا غير عاشقجزى الله خيرا ما أعفّ وأمجدا

قال ابن دريد: ولم يزدني على هذا الجواب، فسألت أبا حاتم فقال: المقة محبة الوالد لولده والأخ لأخيه، والصاحب لصاحبه. والعشق عشق الرجل المرأة للحب والنكاح.

وحدث المبرد قال، قال الرياشي: خرجت يوما نصف النهار في يوم صائف بالبصرة فإذا أنا بحبشي متلفّف بكسائه فضربته برجلي فثار كما يثور البعير، قلت:

ما قرأ لي أحد خوف البين، (فقلت له) فهل قلت في ذلك شعرا؟ قال: نعم، وأنشدني:

نمّت بأسرار القلوب عيونونفى ظنون ذوي الظنون يقين
وتحدثت فرق بأن فراقنالا كان بعد تواصل سيكون
فبليت من ألم الفراق ولم تحنأسباب ذاك فكيف حين تحين

وأنشدوا للرياشي:

أنكرت من بصري ما كنت أعرفهواسترجع الدهر ما قد كان يعطينا
أبعد سبعين قد ولّت وسابعةأبغي الذي كنت أبغيه ابن عشرينا

وكان الرياشي ديّنا. وكان لأبي حاتم إلى الأمير الفضل بن إسحاق حاجة وكان يرى أنه واجد عليه، فأتى أبو حاتم إلى الرياشي وقال له: لم آت أحدا غيرك، قال الرياشي: فكتبت عن أبي حاتم إلى الأمير:

أبت لك أن يخشى عدوّك صولةعليه إذا ما أمكنتك مقاتله
سما بك عفو من أبيك ورثتهومن حسن أخلاق الرجال شمائله

قال الرياشي: وما جاءت إلا بتعب، ثم قال: وأستغفر الله منها.

فأما مقتله فإن الزنج لما دخلوا البصرة دخلوا مسجده بأسيافهم، وكان

الرياشي قائما يصلي، فضربوه بالسيوف، وقالوا: هات المال، فجعل يقول: أي مال، أي مال؟ حتى مات. فلما دخلوا بعد سنتين دخلوا ذلك المسجد وهو ملقى مستقبل القبلة كأنما وجّه إليها، وجميع خلقه صحيح لم يتغير له حال، إلا أن جلده قد لصق بعظمه ويبس.

وقال الحسن بن عليل العنزي: ثم رأيته في النوم بعد قتله فقلت: ما صنع الله بك يا أبا الفضل؟ قال: غفر لي ورحمني وأدخلني جنته. فقلت له: أدخلك الجنة؟

فقال: إي والله، وأقعدني بين سفيان الثوري والأعمش.

حدث المبرد قال: كان الرياشي والله أحمق، ومن حمقه أنه كان إذا صام لا يبلع ريقه.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.